|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
كتاب الأبرار ـــ د. عمر موسى باشا في أصالة الفهد، وفهد الحداثة، مرآة كتاب الأبرار أيُّها الصديقُ الحبيب، يا فهدُ الأصالة، ونبراس الحداثة. وقد كنت أوثر أن تقول رثائي يامنصف الموتى من الأحياء كانت تلك الساعةُ أخِرَ عهدي بك، قبيل رحلتك الأبديّة حين التقينا معاً، على غير ميعاد، صبيحة ذلك اليوم في رواق القسم، ونحن نؤدّي واجبنا العلميّ في هذا الدرب الشاقّ الطويل. كنت تحدّثني آنئذٍ عن رحلتك الثانية إلى اليمن السعيد، وقد كتبتَ آنذاك في رحلتك الأولى (العودةَ إلى الجذور)، بيد أنّني استشعرت من حديثك الأخير في ذلك اليوم الوداعيّ بما لم أعهده من قبل، إذ تراءتْ في بصري وبصرتي هذه المسحة من الكآبة الخفيّة ، والشجن الكامد، ذلك كلّه كان يرتسم في ابتسامتك المعهودة، وفي بريق عينيك المعبِّرتين، وطبيعتك الهادئة، وحديثك الشيّق كما عرفتك منذ أكثر من عشرين عاماً في فجر الثمانينات، حين عودتك من اغترابك العلمي في بلد النور، وأنت تفيض حيوية ونشاطاً. هكذا تمرُّ بنا الأيّام سراعاً، تركض ركض الخائفين، فتمضي هذه السنون، وتنقضي تلك الأيّام كالبرق الخاطف، وتعودُ ثانية إلى أرضك الطيبة، أرض الجذور في وطنك الحبيب، تحملك مهج الأرواح والأفئدة، وتُشيّعك القلوب المحبّة، وأنت ذلك الطائر الحائر ترفرف روحُك بجناحي نعشك الملائكيّ حين رجعت إلى هذه الأرض الطيّبة لتحضنك في وطنك الحبيب في هذا اليوم الكئيب. تلك هي سنّة الحياة وشريعةُ الوجود في يوم المصير. قال تعالى: (وإنِ مّنكم إلاّ واردُها، كان على ربّك حتماً مقضيّاً). لقد خاطب اللّه، عزّ وجلّ، نبيَّه محمداً (ص) خاتم الأنبياء والمرسلين بقوله تعالى: (إنّك ميّت وإنّهم ميّتون)، وخاطب الناس جميعاً بقوله تعالى: (ثم إنّكم بعد ذلك لميّتون)، وما أصدق قوله تعالى: (وما تَدْري نفسٌ ماذا تكسِبُ غداً، وما تدري نَفْسٌ بأيّ أرض تموتُ). حقاً لاتعرف نفوسُنا مَتى تموت وأين تموت وكيف تموت؟ تلك هي أيُّها الفهدُ الحبيبُ سنَّةُ اللّه في خَلْقه في هذه الدروب المجهولة، ولن يبقى فيها للإنسان إلاّ ماخلّفه من الذكر الحسن، والعمل الصالح، والأثر الجليل، وما أكثر ما قدّمْتَه لهذا الجيل الجديد منَ الثقافة الأدبية والنقدية، والمعرفة الموسوعية والفكرية. أمّا هذه الأصالة الفهدية فتتمثّل لنا في هذا البحث القيّم الذي أنشأه بعنوان (إنشائية شاعرية أبي تمّام، مبدع الإغراب عند العرب) في جامعة السوربون بباريس، فقد درس هذا الشاعر العربيّ الكبيرَ بمنهج غربيّ جديد، وهنا تكمن عبقرية الباحث الراحل، إذ جمع في هذه الأصالة التراثية المنهج الذاتي في ذلك كله. وأمّا الجدّة والحداثة الفَهْدية فتتمثلان لنا في هذه الدراسات الكثيرة التي أنشأها الباحث الراحل في علم اللغة العام والحديث والتطبيقيّ، والثقافة بين القديم والحديث، وعلم الأسلوب والمعاصرة، هذا كله بالإضافة إلى بحوثه في الأسلوبية. (Stylistuque) والإنشائية (Poetique). عرفته في هذا القسم أستاذاً مثالياً في علمه الأصيل، وسلوكه النبيل، وتدريسه الذاتيّ والمثاليّ. يضاف إلى هذا كله حرصه الشديد على التطوير والتغيّير، ذلك لأنه كان يعتقد أن قسم اللغة العربية يجب أن يكون مثلاً أعلى يحتذى في الوطن العربي، وذلك بالاعتماد على تبنّي منهجين اثنين، وقد خطّط لهما في الأصول والعناصر والمضمون. أولهما: المنهج العلميّ في الدراسات الجامعية. ثانيهما: المنهج الإصلاحيّ في توجيه الأساتذة والمعيدين. لقد قدم ليّ المرحوم هذه الوثيقة المطبوعة بعنوان (مقترحان لتحقيق المساواة بين أعضاء الهيئة التدريسية) إثر عودته من فرنسا في مطلع العام الدراسي 1982، وتتضمن هذه الوثيقة خمس نقاط رئيسية، وقد اختتمها بالدفاع عن المعيدين ويطلب "أن يتمتعوا باستقلالية ذاتية تنمّي شخصياتهم، وتتيح لهم التعلّم، بالتجربة الذاتية..." نتجاوز هذا التوجّه الإصلاحيّ والمنهجيّ إلى هذا الطابع العكّاميّ الوجدانيّ والإنسانيّ الذي كان يتمتع به الراحل الكريم، ولن أنسى، ما حييتُ، هذه الرسالة التي كتبها لي، ذات يوم، قبل خمسة عشر عاماً، وكنت آنئذ غائباً عن القسم، ومما قاله لي فيها: "لم أستطع الحضور يوم الأحد الماضي لاضطراري إلى مرافقة أخي المصاب بجلْطة إلى مستشفى المجتهد، سأعوّض هاتين الساعتين في وقت لاحق..." سبحان اللّه وليرحمك اللّه أيها الحبيب الراحل هذه هي أجمل صورة عن الوفاء السامي والإنسانية الحقة. هل بعد هذا كله من الوفاء الإنساني وفاءٌ للأصدقاء والزملاء أصدقُ من هذا الوفاء؟! الوفاء الإنسانيّ، والضمير الحيّ، في العمل والسلوك معاً. ولم يكن الأمر ليقتصر على هذه الإنسانيّة الفهدية، وإنما نستشرف آفاقاً إنسانية أخرى، في حرصه الشديد على مساعدة الشداة من الباحثين، ولاسيّما الباحثون في الدراسات العليا. لقد طلب منّي ذات يوم نشر إعلانٍ موقّعٍ باسمه، خاصٍّ بالطلبة المواظبين على حضور محاضراته في السنة الرابعة، وتسجيلَ أسماء الراغبين للإسهام في النشاط الثقافي الذاتي، وحدّد لهم هذا المنهج الذي سيطبقّه في هذه اللقاءات العلمية، وسوف يناقش المباحث التالية: 1-بنية الصورة الشعرية ووظائفها. 2-الرؤية الكونية في شعر الشابّيّ. 3-تحليل بنيويّ لبعض الأقاصيص العربية. وختم هذا الإعلان بقوله: "أمّا أعمال الطلاب فيُتّفق عليها فيما بعد". باللّه عليكم أيُّها الإخوة وأيَّتها الأخوات، هل وجدتم بيننا جميعاً من يفعل مثل ذلك، ويمتلك مثل هذا الوجدان المسلكيّ الحيّ، فلقد آثر وقت أسرته وساعة راحته ليفيد هؤلاء الشداة والباحثين. هذا السلوك هو حقّاً قمّة العطاء الفكريّ الأصيل، والتضحية الإنسانية النبيلة المسطرة في كتاب الأبرار: لم يقتصر الأمر على هذا المنهج المسلكيّ في نشاطه الثقافيّ والجامعيّ، وإنّما كان يشفع ذلك كلّه بمساعدة الباحثين وبما يقدّمه إليهم من مصادر ومراجع نادرة، وكان في بعض الأحيان يصطحب حلقةً أو مجموعة من الشداة والباحثين إلى المكتبة الظاهرية، وغلى مكتبة المعهد الفرنسي للدراسات العربية في الثمانينات من العقد السابق. تلك هي لمحة عابرة عن بعض الملامح الفهدية الإنسانية الأصيلة لصديق العمر الجهبذ الدكتور فهد، فلقد كان حقاً المنارة العلمية التي يستضاء بها، وما أكثر ماأنجزه وألّفه وصنّفه، وسيبقى المرآة الصافية الصادقة لهذا الجيل الصاعد بما قدّمه من القطوف الدانية، والإبداع الفكريّ الخلاّق للعلماء والشداة والباحثين، وبما خلّفه في حياته من التراث الأدبيّ والنقديّ. لقد ارتحل عنّا فهد العلماء والباحثين، فهدُ الأدب العربيّ القديم، وفهدُ الأدب العربي الحديث، حين اختطفته هذه المنيَّة العشواء، وهو في قمّة عطائه الفكريّ الأصيل. أجل، لقد اختطفته هذه المنية العشواء، وهو يعمل ويسعى بنشر المعارف الإنسانية في طريقه إلى اليمن السعيد. أليس في هذا الارتحال العلميّ الجهاد الفكريّ الأكبر، والنضال العلمي الأمثل. هذا هو الجهاد الحقّ، الجهاد بالعلم والقلم، وهذا سبيل الاستشهاد فيه، وهو الشهادة الكبرى، وهو الوسام الإنسانيّ في معركة الفكر الخلاّق المبدع. وبعد: فعلى فهدنا الحبيب سحائب الرحمة السابغة، وسعت جدثه الطاهر شآبيب الغفران والرضوان، ما كرّ الجديدان وأضاء النيران. أدعو الله تعالى أن يسكنه فسيح الجنان، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان والتجلّد على قضاء الله وقدره، وهو القائل: (إنّ كتابُ الأبرار لفي علّيينَ* وما أدراك ماعِلّيونَ* كتابٌ مرقومٌ* يشهدُه المقرّبون* إنّ الأبرارَ لفي نعيم...) فعليك الرحمةُ السابغة يا فهد الأبرار، فأنت كتابُهم المرقوم. (إنّا لله وإنّا إليه راجعون). 1182.DOC 16/04/2003 3 999 يسرى 2 3 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |