|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في قصص المغني والنخلة للأديب خليل جاسم الحميدي ـــ عوض سعود عوض "المغني والنخلة" قصص من إصدار اتحاد الكتاب العرب عام 1998، احتوت على تسع قصص ذات موضوعات مختلفة، لكنها تتفق في مجموعة من القضايا الاجتماعية أهمها: الكتابة عن أناس يسكنهم الحب والخوف فجعتهم الحياة وظلمهم المجتمع، لا يستطيعون مواجهة المصائب التي حلت عليهم، يهربون إلى الخيال والحلم والخمرة، فالشيء الذي فلت وضاع منهم يقبضون عليه من خلال عالم الجنون والتمرد العشوائي الذي يعيد صياغة الواقع والحلم، فالشيء المفقود في الواقع يقبض عليه في صدره وفي تلافيف دماغه، لذلك نجد أن طابع الألم والهروب يلف معظم قصصه، هذا الهروب الذي يهيء له الانفلات من الحياة لتعيش الشخصية حياتها التي تريدها مع من تحب، بعيداً عن ظلم الواقع وسيطرته، وأوضح مثال على ذلك قصة "القطة... وعينا منار" إذ يتخلص من واقعه بعد وفاة زوجته التي يحبها، بالسكر والترنح ليعيش حياته مع منار عن طريق قطة يراها، يبني أحلامه وماضيه وحاضره على هذه اللحظة. ونلاحظ ثنائية الجنون والعقل والهرب في قصة "المغني والنخلة" إذ تحكي قصة رجل يتشظى من الداخل فيجد أن له رأياً وللرجل القابع داخله رأي معاكس تماماً، ثنائية تكشف عن بواطن الشخصية. إنه رجل مقموع له عالمه، يرى أن المدينة غريبة وأن وجوه البشر لا تشبه وجوه الناس الذين كان يغني لهم، كل ما حوله ميتاً ومطفأ. هذه الشخصية تملك صوتها، ساوموه، طالبوه أن يكف عن الغناء. ما الحل؟ قارن بين زوجته ومنار، زوجته التي فضلها على حبيبته منار والتي ترى في غنائه خطراً تطالبه أن يتوقف عن الغناء، لكن منار كان رأيها مغايراً، تخشى إن توقف عن الغناء أن تفقد حياته معناها.. بهذه الثنائية الشخصية والرجل القابع داخله وزوجته ومنار، عالج القصة. ولا تبتعد قصة "رجل وامرأة" عن هذه الثنائية كثيرة، إذي يرى أن المرأة تتوهج في ذاكرته وردة وتشع نجمة، تنهض قمراً من قرنفل، لكن في نهاية القصة يدرك أن لا شيء يتحرك ولا نجمة تشع، صمت مطبق ومدينة نائمة، وها هو يظل وحيداً في الشارع مثل شجرة وحيدة في الصحراء. وهكذا نجد في قصصه وحدة وتضاداً، تلاؤماً ما بين وحشة الحياة والخيال وما بين الواقع المر وتجليات الشخصية وهلوساتها. وما بين اغتراب الروح والجسد وحالة الجو التي تشير إلى ذلك، وهكذا تطبع المأساوية العديد من مواضيع القصص. التي تعبر حتى نهاياتها عن سوداوية. لأن النهاية هي المعادل الموضوعي للواقع أحياناً. فعندما تلجأ الشخصية إلى خلاصها بالحلم والجنون والماضي يعيدها الكاتب إلى واقعها الصعب، لتكون أكثر إيلاماً من الحالة التي يعيشها، أو هي تجسيد لما يعيش، وهكذا نرى هناك نوعين من النهايات: - النهايات المأساوية: في نهاية القصة الأولى تموت القطة هذا الرمز الجميل، الذي ذكره بزوجته، بموتها تموت الأحلام وتتكسر، ويعود إلى الواقع الأشد مرارة. أما القصة الثانية فإن رفض الخروج من دائرة الحزن، وعدم الرضوخ إلى نداء الحب، تأكيد على أنها تفضل البقاء مع آلامها وأحزانها وحيدة. وفي نهاية قصة "رجل وامرأة" تتبخر الأحلام ويرى أن أحلامه عن الورود والنجوم والأقمار والقرنفل هي وهم. في القصة الأخيرة تنتصر العداوة وتتأصل بانتصار المدير في لعبة الكراسي، ليظل عبد الله مقموعاً في وظيفته وفي حبه. - النهايات الجميلة: وهي نهايات ذات طابع رمزي في بعض المرات، ففي قصة "الاغتيال" نرى أنها تنتهي بالجمل التالية: "وعندما ضغطت الإصبع الحاقدة على الزناد، اشتعل الكون بالنار، وصدر المرأة والرجل صارا حديقتين من ورد أحمر" صفحة33 وفي نهاية قصة "المغني والنخلة" صفحة 49. "منار باسقة كالنخلة، ممتلئة كالسنبلة، كانت تتقدم الجميع وهي تلوح له بيديها الاثنتين، وتحثه على الاستمرار في الغناء، بينما بدأ دمه يركض ليختلط بغنائه، ليركض الاثنان معاً في البرية خيطاً نحيلاً يستقبل خناجر القادمين من الطرف الآخر، والعالم يتحول إلى كرة من النار تحرق السهل تحت أقدام الملثمين الذين أدمنوا موتهم" في قصة "البكاء فوق صدر الحبيب" نجد أن النهاية جمعت بين قلبين من الشمال والجنوب عن طريق مكالمة أخطأت صاحبتها الرقم المطلوب، ليتحول الحوار عبر الهاتف إلى حب، فانزرعت "زهرة" في داخله وردة من الحناء والحلم والأمنيات التي وجدت طريقها إلى الواقع. وفي قصة "الجبل" يحتضن الجبل الأرضي الهارب من القتل، من المذبحة، فيجد قلباً رحيماً ومأوى يقيه شر القتل. إن قصص "المغني والنخلة" هي مزج ما بين الخيال والواقع لتحقق الشخصية شرطها الإنساني والموضوعي، ولتنتصر لهزيمتها وذلها وحزنها. إن هذه القصص بقدر ما فيها من فجاجة الواقع وظلمه، فيها أيضاً شفافية الحب والإخلاص والتعويض عن الفقد وقسوة الموت. اعتمدت بعض قصص المجموعة على الرمز، فها هو في القصة الأولى يتخيل حبيبته منار في القطة، إذ نجد التوافق بين حركة القطة وبين عالم الأحلام والتداعيات التي يشير إليه بموقف يناسب هذه الحركة، تندغم الحركتان وتتوحدان إذ على سبيل المثال عندما يهرول تهرول القطة التي ألفته. ومن الرموز الأخرى التي استخدمت في هذه المجموعة الغناء، النخلة، الذئب، الأفعى... ومما يسجل للكاتب مواضيعه البسيطة التي يخلق منها قصصاً جميلة بمزيج من الفنية، وهذا ينطبق على قسم من قصصه في هذه المجموعة مثل قصة "رجل وامرأة" و "البكاء فوق صدر الحبيب"... يلاحظ أن الكاتب في الغالب يعلن عن موضوع قصصه منذ الأسطر الأولى للقصة، لنعرف بشكل أولي الاطار العام للحدث. لغة القصص، هي لغة شفافة وبسيطة ومعبرة، فيها أحياناً روح الشاعرية تناسب الموضوع وتضفي عليه جمالية. وهذه موجودة في قصصه كافة. لكن وبما أن أجواء القصص متقاربة نجد بعض الأوصاف والمفردات تتكرر كثيراً بنفس الدلالة. "مشى، وجد الدنيا تمشي معه. الحديقة، الطاولات، الكراسي، الناس، كلهم يمشون معه، توقف فتوقفت الحركة، التفت إلى الخلف، وجد طاولته ما زالت في مكانها، تقبع تحت شجرة الصفصاف، ساكنة،هادئة، لا تحاول الحركة أو المشي" صفحة7 اعتمدت القصص على سرد جميل لا يبدو متسلسلاً في بعض الأحيان كما في قصة "القطة... وعينا منار" التي اعتمدت على التداعيات. وعلى السرد المتسلسل كما في قصة "ساعة الذئب"، كما استخدم الكاتب ضمير الغائب في معظم قصصه. لكنه في قصة "والريح تدفعني بقوة" يتحدث بضمير المتكلم بالنسبة للشخصية، وضمير الغائب بالنسبة لمنار. لجأ إلى المنولوج الداخلي في أكثر من قصة من هذه القصص "المغني والنخلة" حيث يكشف لنا هذا المنولوج العالم الداخلي للشخصية. في قصة "الجبل" تبدأ أحداث القصة من نهايتها، ثم يتحدث عن المذبحة. أما الحوارات فهي في الغالب قصيرة ومؤدية للغرض، وقد اعتمدت قصة "البكاء فوق صدر الحبيب" على الحوار بالهاتف، وتكاد لا تخلو قصة في هذه الحوارات الممتعة. من هذه الحوارات: قالت له: ولكنك لا تعرفني. قال لها: أنت العمر والملاذ. قالت له: لا تتسرع. قال لها: أنت العمر والملاذ. قالت له: وكيف عرفت قال لها: كنت ضائعة، وقد وجدتك. قالت له: وما هو دليلك؟ قال لها: في فمك نجمة من ذهب، وفي قلبك اشتعال المطر، وعلى كتفك شامة. قالت له: الأرض ضيقة وسنلتقي. قال لها: وأنا بانتظارك على كل مفارق الطرق. اما الوصف فقد أجاده الكاتب، خاصة وصف الطبيعة التي تعطي صورة عن الحدث، فهي جميلة إذا كانت الشخصية فرحة، وهي مقفرة صحراء إذا كانت متألمة. أخيراً نحن أمام قاص يجيد القص لغة وموضوعاً فكانت مجموعته المغني والنخلة إحدى المجموعات الجيدة التي أصدرها الاتحاد. 1156.DOC 16/04/2003 2 1071 وداد 2 1 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |