جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشاعر السويسري فاهي كوديل وسماء أوغاريت ـــ حسيب كاسوحة

كانت بلاد الشام، وما زالت، محط اهتمام الأدباء والشعراء الغربيين والفرنسيين على وجه الخصوص، يأتونها للتعرّف على عالم الشرق الحافل بالثراء الإنساني وبالتقاليد العريقة. لطالما راودت مخيّلتهم زيارة تدمر وأفاميا وبعلبك وأرز لبنان ودمشق وحلب. لطالما حلموا برؤية الممالك القديمة وسماع النداء الآتي من ايبلا وماري وأوغاريت.‏

هذا الهاجس دفع لامارتين عام 1833 إلى القيام برحلته الشهيرة إلى بلاد الأرز وإلى دمشق. ولدى عودته إلى فرنسا كتب مذكراته: "رحلة إلى الشرق".‏

وفي عام 1843 قام الشاعر الفرنسي جيرار دي نيرفال بزيارة مصر ولبنان ثم وضع كتابه "رحلة إلى الشرق".‏

وفي عام 1907 قدم، إلى سوريا، الكاتب الفرنسي موريس بارّيس وأقام في حماه وفي دمشق، وبعد عودته ألّف كتاب "حديقة على نهر العاصي". وقد أعيدت طباعته مؤخّراً. يقول بارّيس عن المدّة التي قضاها في سوريا: "إنها من تلك الأزمنة الالهية التي تمكث في أعماق الذاكرة، وكأنّها ذلك الكنز الذي يملأ النفس نشوة وسحراً"‏

وفي نيسان من هذا العام، زار سوريا الشاعر السويسري الكبير فاهي كوديل وأثناء تجواله نطق بالشعر في حلب وتدمر وأوغاريت يتساءل المرء كيف يمكن أن ينبت الشعر في سويسرا حيث ينعم الإنسان بالعيش الرغيد بعيداً عن الحروب والنزاعات؟‏

ومن قال إن للشعر وطن، وإن الشعر ينتمي إلى أمة دون سواها، ويستوطن بلداً دون غيره من البلدان؟‏

قد يزدهر الشعر في مجتمعات معيّنة، خلال حقبة تاريخيّة، وقد ترعى بعض المجتمعات الآداب والفنون. وإنّما يظهر الشعر حيثما يحيا الإنسان حياة حافلة، وحيثما يشعر بأعجوبة الحياة، ويعبّر عن أحاسيسه ومشاعره تعبيراً فنياً جميلاً- ولا غرابة، إن وجد شعراء في سويسرا، بلاد الطبيعة الجميلة، في سويسرا كما في سواها، الإنسان يحب ويعشق، يفرح ويحزن، يحدده الأمل ويصاب بخيبة الأمل. له حدس في الوجود. يطرح التساؤلات عن الطبيعة والحياة، عن النشوء والكمال، ويعاني من الزمان، ويتأثر بما يجري من حوله، وبما يدور في العالم الواسع من أحداث، لا سيّما وإن جانباً من مشكلات البشر تقصد مدينة جنيف لتبحث عن حلّ لها.‏

وسويسرا الناطقة بالفرنسية لم تقدّم إلا عدداً محدوداً من الكتّاب والشعراء الموهوبين من ذوي المقدرة الفنيّة. فذكر منهم الشاعر شاباز والروائي شيكس، والكسندر فوزار صاحب الرؤى الباطنيّة. غير أن فاهي كوديل هو الأوسع شهرة والأغزر انتاجاً والأوسع أفُقاً. وُلد في جنيف عام 1931 من أب سويسري وأم أرمنيّة. عمل في التدريس بين عام 1956-1993. وزار أرمينية مرّات عديدة بدءاً من عام 1969. وهو رئيس تحرير مجلّة "البشائر" وعضو في المركز الدولي لدراسة الشعر. له نحو من ثلاثين مؤلّفاً في الشعر والقصة والرواية. وله ترجمات عن الأرمنيّة.‏

من أهم مجموعاته الشعرية:‏

علامات خاصة 1969- أفعال دماكر 1983 -ساعة من ذهب 1985- شيء ما، إنسان ما 1987 تساقط الأوراق 1989- أناشيد وثنيّة وقصائد أخرى 1994 ومن القصص:‏

العين نافذة النفس 1972- من الرغبة ذاتها إلى الليلة ذاتها 1978- من يتكلّم؟ ماذا ترى 1982- الحدود الطبيعيّة 1986- مؤتمر الخريف 1995.‏

ومن الكتب الأخرى:‏

حلوات غربغوار ناريك 1990‏

الشعر الأرمني من القرن الخامس إلى أيّامنا 1990‏

فاهي كوديل نهل من ثقافتين: الأرمنيّة بحاضرها وماضيها التليد، والسويسرية المنفتحة على الآداب والفنون الأوربية، وأفاد خصوصاً، من الفرنسيّة، يقيم في جينيف، المدينة التي تحيط بها الجبال والهضاب، يشعر أنه محاصر بالمرتفعات، ويحس بالحاجة إلى الانفلات، والانطلاق إلى الأجواء الفسيحة، وإلى الامتداد اللامتناهي، ويودّ لو يتجاوز القمم ويتخطّى الجبال الشاهقة. لديه رغبة ملّحة في غزو المكان، وفي ارتياد الأبعاد والمسافات الشاسعة ليلتحق بالمجهول، وبغير المنظور، وبعالم الأسرار والغوامض.‏

تتردد عنده عبارات المكان، من مثل: هنا، هناك، ما وراء، من بعيد، غير موجود في أي مكان، اليمين الشمال، ما هو غير منظور. فاهي كوديل يألف الفراغ، ويشكو من عقدة الحدود والحواجز. ويحلم بالانتقال بين الأشكال الكبيرة والحجوم الكونيّة. إن هاجس المكان، بهذه الشدة، ربّما يكون ظاهرة فريدة في عالم الأدب.‏

لكن فاهي أيضاً صاحب تجربة وجوديّة. يشعر أنه يحيا في عالم مليء بالتناقضات. عالم تحكمه الأنانيّات والمصالح المتضاربة.‏

يتساءل أين الإنسان من كل ذلك؟ ما هو السبيل للمحافظة على صفاء النفس وعلى إنسانية الإنسان؟‏

لديه شعور عميق بالحيرة والقلق، وتوق إلى المعرفة وإلى المطلق. يحس أحياناً كأنه صعلوك يتسكّع في سراديب السماء.‏

يقول في قصيدة "التعرية"‏

إن جسدي ليصرخ:‏

الموت ستار من حرير.‏

نسيم القمم الشاهقة‏

يجري في عروقي‏

حينما أطوف سراديب السماء.‏

ليكن الليل شمسي‏

ولتكن الشمس مدفني‏

وأيّاً كان الشكل اللغوي الذي يختاره الشاعر فإنه يحفظ لنفسه الحق في التعبير عن الأسرار الخفيّة، وعن الأبعاد غير المرئيّة، قد تجد عنده مزيجاً من النثر والشعر، من الحكم والأمثال، السائرة والعبارات الموجزة. يقول: "نحن لا نحيا من المعلوم ولا من المجهول، لكن بما هو، في الأساس، غير قابل للمعرفة، وبما هو خفي لا تدركه معرفة الإنسان". إنه رجل الكلمة، يحافظ على اشراقها وعلى نبضها. لكن ينبغي أن لا يؤخذ قارئ الشعر كرهينة لدلالة الكلمات. فإلى جانب ما يقول الشاعر، ينضاف، على هوامش كلماته، ما كان بإمكانه أن يقول، أو ما لا يريد أن يقول. وليس من الضروري على الشعر الفرنكفوني أن يأتي بالعقاقير اللغوية من الدائرة الخامسة أو السادسة بباريس. وبإمكان الشاعر القيام بعملية تطهير لغوي على طريقته الخاصة، مثلما يفعل بعض الشعراء من كيبك في كندا. ومهما كان الشكل الذي يختاره الشاعر، يبقى للنص الحق في ارتياد البعد غير المنظور، والتذكير بالعوالم الأخرى. يقول في إحدى القصائد:‏

إلى اليمين، إلى الشمال‏

في النهاية كما في البداية‏

مثل صيّاد هائم في الغابات الكثيفة‏

أصرخ، أصيح، أصرف، ألطم‏

وذراعاي مفتوحان، أمام الهاوية‏

وكأنّي قادم من عالم آخر.‏

ويتحدّث عن الطفولة وعن حرب فيتنام في قصيدته "ابني يعدّ الدرجات إلى القمة" يقول:‏

ابني يعد درجات القمّة‏

ابني يرسم سهماً ناريّاً متوهّجاً‏

ابني يدغدغ المرايا‏

يمتص كرة من العقيق‏

ابني يسألني: أين جدي؟‏

ابني يقيس العالم‏

بسلك طويل‏

ابني يدمدم: فيتنام عصفور الليل‏

فيتنام ذئب عجوز مريض‏

خروف أسود مسمّر على جبل أصلع.‏

في سريري أحادثه وأطعمه العسل‏

ابني لا يكاد يدرك كتفي‏

زيارة سوريا تركتْ في نفس الشاعر أثر طيّباً. سوريا هي هذا الشرق الذي حمل لواء الحضارة وأتى بالأبجدية وعلم الحكمة. قال فيها شعراً جميلاً. وكانت له:‏

في سوريا محطّات مضيئة‏

مثل شجرة تمشي ليل نهار‏

حاملةً جذرها وظلَّها‏

تمضي على طريق الريح‏

على درب السنونو‏

مالئ الفراغ بصراخه الحاد‏

مضرم النار في المدنُ الميّتة‏

يدعونني الشرق‏

بعيني الوحيدة تتوّهج البلدان‏

أبهر الأبصار‏

أرسل الضياء‏

يرى حتّى الذين.‏

يصرّون على المكوث في القمة‏

وفي القلاع، في قممها المتجمّدة‏

***‏

ويبصر الذين يمكثون على الشرفات‏

واقفين وعيونهم معصوبة‏

والذين يرقدون ووجدهم على التراب.‏

في واحة تدمر‏

اكتشاف نص على لوح طيني‏

هذا الغبار من الكتابة‏

تغرس فيه السماء، من جديد،‏

كل ليلة جذورها،‏

واللواتي كنّ خادمات في مملكة الرمال‏

سيكون لهنّ مع طلوع الفجر‏

امتياز التحوّل إلى كاهنات‏

في معبد الريح‏

في حلب‏

مع الفجر، مع السحر، في الطريق وقعُ أقدام‏

"العينُ تسمع" و "الأذنُ تبصر"‏

صوتَ المؤذّن يرسمُ سورةً من القرآن‏

في سجلّ الصمت‏

ومن العدم تبرز قططٌ‏

نتنازع الظل المضيء‏

لأشجار الرصيف‏

وكانتْ حلبُ تحمل لون السماء‏

في أوغاريت‏

في أوغاريت مرساة بازلتيَّة بوجه آدمي‏

تشير إلى مدخل معبد‏

من كان، بدون ريب، إلهاً‏

للفرح والمرح.‏

***‏

في معبد الاله بعل دائرة صغيرة‏

حجارتها الغشيمة أرجوانيّة اللون‏

عشبها وأزهارها تتنازعان المكان‏

الذهبُ الإبريز في أزاهيرها‏

ولعشبها جنون.‏

***‏

أوغاريت سماؤها الصغيرة، على عكس سمائنا،‏

لا تُرى نجومها إلا في وضح النهار‏

1166.DOC ‏16‏/04‏/2003 2 1120 وداد‏

3‏

2‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244