جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بين الثقافي والطبيعي ـــ د. وليد مشوِّح

قد يقع البعض في خطأ معرفي يقول بالضدية بين الثقافي والطبيعي لأن الأول قائم على معطيات العقل بدينامياته كلها؛ بينما يقوم الثاني على مقدرة إلهية متحكمة بحسابات العقل، إذ يتحول الطبيعي من الأخضر إلى الأحمر إلى الأصفر إلى الرمادي فيعجز العلم عن التفسير، لذا صار الثقافي نقيض الطبيعي؛ لكننا نرى أن ثمة وشيجة تربط الثقافي بالطبيعي، وهذه الوشيجة تتمثل في توجيه العقل وتدريب الأخلاق وتنمية الفهم في سبيل رعاية الطبيعي، أي أن العلاقة بين الإثنين علاقة منطقية تقوم على التعامل الروحي بينهما، فيكون الطبعي عنصر رئيس في نهوض الجوهر الثقافي، بينما يكون الثقافي عنصر رئيس في تنمية الطبيعي ورعايته والحفاظ عليه، وإبراز جماليته، واستنكار الجور عليه، وبذا يكون الطبيعي محفزّ من محفزات الإلهام الثقافي وعامل أساس من عوامل جمالياته العقلية والروحية.‏

إن ما دعاني لكتابة هذه الزاوية هي مقولة كتبها الكاتب والباحث المصري محمد سيد أحمد في صحيفة الرأي العام الكويتية بتاريخ11/8/1999 تحت عنوان: معنى الثقافة على مشارف الألفية.‏

وقد توقفت عند فقرة جاء فيها: "... ومنذ أيام حذرت هيئة علمية رفيعة المستوى من مغبة التلوث الصناعي والكيميائي الذي بات يصيب كوكبنا، وتتنبأ الهيئة أن هذا التلوث -إذا استمر بمعدل تفاقمه الحالي- فإنه سوف يقضي قبل نهاية القرن الواحد والعشرين على ما يتجاوز الخمسين في المئة من فصائل الكائنات الحية الموجودة حالياً فوق سطح الأرض.. فنحن إذن مازلنا مهددين بأخطار مماثلة لسقوط مذنب على الأرض أو انفجار بركان؛ غير أننا لا نملك -في هذه المرة- الإدعاء أننا لم نكن نعلم!.‏

إن الثقافة اليوم إنما تعني قبل أي مفهوم آخر، وأكثر من أي وقت سبق، كيف نوفر لأنفسنا القدرة على العيش فوق سطح كوكبنا في عصر بلغت فيه التكنولوجيا فاعلية فاقت كل ما عرف من قبل في البناء والتعمير من جانب، ولكن أيضاً في الهدم والتدمير من الجانب الآخر، ولم يحدث من قبل أن نظرية داروين عن "البقاء للأصلح" كانت أكثر حضوراً.‏

إن أخطر إنجازات الإنسان عند نهاية الألفية الثانية هي (تحرره من قيد حجمه في الكون)؛ هي قدرته على تجاوز حجمه الطبيعي في استكشاف أسرار اللامتناهي الصغر، والمتناهي الكبر، ومعنى ذلك قدرته على التدخل لإعادة صياغة قوانين الطبيعة، للمرة الأولى يتدخل الثقافي لإعادة صياغة الطبيعي؛ ولكن في عوالم المتناهي الصغر والمتناهي الكبر التي أصبح الإنسان يملك القدرة على ارتيادها، فإنه لا يملك في هذا الارتباط الاستعانة بحواسه الخمس؛ وأصبح يستعيض عنها بالمعادلة الرياضية استناداً إلى افتراضات قد تصيب وقد تخطئ... وهكذا يعتمد أساساً على أدوات مبهمة تحمل أكثر من تفسير، وعرضة للالتباس... وبالتالي فإن ما يحمل الوعد بتحقيق المعجزات للرقي بمصير البشر يحمل في طياته خطأ سوء التفسير، أو الاصطدام بما هو ليس معلوماً... ويكون مصدر انفلات لم يشهد له البشر مثيلاً من قبل... بل قد يعرّض نفسه لخطر "الإفناء الذاتي" وصور من "الانتماء الجماعي للبشرية ككل...".‏

والمقولة -كما لاحظنا- تتمنى على الثقافي أن يهتم بالطبيعي أكثر مما هو سائد، والمطلب- الرجاء حقٌ وواجب، علماً أننا نعرف أن الثقافي كان يعطي مساحة لابأس بها من صياغاته الإبداعية للعناية بالطبيعي؛ إنْ من خلال الأخيلة أو الصور، تلميحاً وتصريحاً، بل كان يقفز- أي الثقافي- فوق المستحيل العلمي، ليضع تخيلاً أو تصوراً للعالم في كيفية خدمة الطبيعي، وإذا كان الثقافي عالماً متكاملاً بفنونه المختلفة (شعر، قصة، رواية، مسرح، موسيقى، رسم، نحت، سينما.. الخ)؛ فإن في متناولي -كي لا أثقل على مقولة كهذه بالتفاصيل- الشعر، وتوجهاته نحو الطبيعي منذ التخيّل، وصولاً إلى الحقيقي.‏

فالشعر -على سبيل المثال لا الحصر- نظر إلى الأشياء نظرة خيالية منذ بداياته، فقد صاغ خيالات كانت تبدو مستحيلة بنظر العلم، ثم أضحت حقيقة يتعامل الكون بها الآن...‏

فمن سيحاول استقراء ماهية "القمر" مثلاً في الشعر، سيجده (فيه) عالماً نورانياً مثالياً مستحيلاً، لذا شبه الشاعر وجه حبيبته بالقمر، فخلق في خياله (المطروح) مركبات جعلها واسطة لإدراك وجه الحبيبة تلك، يغازله، يقبله، يشرف من عليه على كل الكون الذي سيبدو بعيداً عن صخبه وضجيجه، مكتفياً بمجاورة وجه الحبيبة، وجاء زمن وصلت فيه مركبات (السوفيت) والأمريكان إلى القمر، بل نزل (نيل ارمرسترونغ) على القمر، فوصفه وصفاً علمياً جاء بأحاسيس شاعرية أذهلت العالم فحركت مشاعرهم.‏

كما صوّر الشاعر عظمة أحاسيسه التي استعصت على اللغة الشاملة، وتمردت على الحسابات، فأوجد آلة متخيلة هي في غاية الدقة والإعجاز ليخرج عن حدود الممكن الشعوري والحسابي، فأوجد بذلك فكرة عن (الحاسوب) الذي ظهر في ظل الثورة التكنولوجية ليحتوي اللاممكن الحسابي بين جدران العقل.‏

إذن فقد تجرأ الشاعر على طرح خيالاته؛ في الوقت الذي ظل فيه العلم متحفظاً عليها -حسب طبيعته الإجرائية- حتى صارت الخيالات حقائق.‏

كذلك لمّحت الكثير من القصائد إلى الزلازل التي ستحدث نتيجة ..؟. الإنسان على الطبيعة وتحميلها أكثر من قدراتها.. وهكذا نجد في الشعر خيالات أضحت حقائق علمية، وعلى أساسها -وعندما تخلى الشعر الحديث عن الرومانسية- تعامل بالكيمياء والفيزياء المرموزة والواضحة، المؤكدة والمتخيلة في الوقت نفسه.‏

أما وقد خوت الشعارات التي طرحتها الأيديلوجيات السياسية في مضامينها؛ فلأنها تنكرت للحلم الإنساني في الرفاه والطمأنينة والسلام، كما انقلبت القيمّ والمبادئ عكسياً لأنها استبدلت نواتها الروحية بنوايات مادية؛ فإن الحفاظ على الطبيعة ورعايتها قد باتت من مهمات الثقافي الذي صرف جهداً كبيراً للدفاع عن الأيديلوجية، والقيم والمبادئ التي تخيلها تعمل على سعادة الإنسان فتعامل معها تعاملاً رومانسياً" كاد أن يودي بذاته ومصداقيته أمام الإنسان.‏

لقد ظل الثقافي يندد بالخيانة والجاسوسية والتخاذل والانتهازية فاستنفذ قواه من غير طائل؛ لذا آن له أن يندد باللاحضارية التي تعني بمفهوماتها العريضة الاعتداء على الطبيعة وتحميل الكون ما لا طاقة له عليه.‏

وكما ندد بالغزو العسكري الاستعماري المدمّر للحرية الإنسانية؛ فقد حان الحين لأن يندد يغزو الإسمنت وجائحات التلوث التي تدمر حرية الطبيعة، وعندما تفنى الطبيعة فإن حرية الإنسان تتلاشى فيتلاشى هو مع تلاشيها.‏

وإذا عنَّ لنا أن نبحث عن مسببات تلوث الطبيعة فإننا سنجد على رأسها التلوث السياسي الذي يعتبر من أولى مسببات التلوث البيئي، وبالتالي عندما يتلوث السلوك تعم الرشوة وينتشر الفساد، وعندما ينتصر هذان الغولان فإن الاعتداء على الطبيعة يغدو شرعة نافذة، وهكذا يحصل الاعتداء على أمن الإنسان وطمأنينته وسلامه، فالاعتداء على الطبيعة اعتداء حقيقي على حق الإنسان فيها، وهذا الحق هو حرية الإنسان بذاتها.‏

والتلوث الاقتصادي يعني التلوث الاجتماعي، والتلوث الاجتماعي يقود بدوره إلى إضعاف العلاقة بين الإنسان والبيئة، إذ تحل (الأنوية) البغيضة محل الكون من أجل الإنسان، لغرض دنيوي يتمثل باللذاذة الفردية الزائفة الزائلة.‏

إذن فنحن نبحث عن علاقة تمثل العروة الوثقى بين الثقافي والطبيعي. وإذا كانت موجودة -كما ألمحنا- فإننا نتمنى أن تتوسع وتغدو ماثلة للعيان بشكل لافت لا يقبل التأويل، ولا يندرج في معارج المرموز.‏

وهذا الأمل يقودنا إلى الأمن والسلام، لأنه يحقق لنا -نحن بني البشر- الرفاه والطمأنينة، اللذان -لو تحققا- لحصلنا على ...؟... بل أسيّْ إنسانيتنا (الحرية والحضارة).‏

هنا لابد أن ألفت إلى كون ما طرحت ليس مثالياً ولا فنتازياً ولا ترفاً فكرياً، إنما أطرح قضية تنير جانباً خبيئاً يسهم في امتلاك الحضارة والمستقبل، فالعناية بالطبيعي من قبل الثقافي يدعّم أفق الثقافي ويقدمه إلى سدة الريادة التي توجب عليه -بالتالي- قيادة مجتمعاته لعبور بوابة الألفية الجديدة، ومن لا يمتلك حضارة لا يحاور حضارات... والمثقف هو الضمير واللسان المرشح لمثل هذا الحوار... أما الباقون فعليهم أن يوجدوا مستلزماتهم بذاتهم حيث لن يبخل الثقافي عليهم بمشورة، ولكل طريقته؛ فإن تضافرت الطرائق فسنجد حلاًّ للأزمة الأخلاقية التي تعانيها البشرية جمعاء.‏

1227.DOC ‏16‏/04‏/2003 3 1112 اسمه‏

3‏

1‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244