جريدة الاسبوع الادبي العدد 712 تاريخ 10/6/2000
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رحيل الأرمن ـــ أحمد سويدان

ذلك المساء كان أبي حزيناً ومهموماً ومتجهماً‏

خاطب أمي بأسى: -لقد رحلوا‏

قالت: -لا أصدق.. ليكن الله معهم. إن نياط قلبي تتقطع‏

كنت مضطرباً وبائساً، ولا أتحمل بقائي في الديار، وإذا غادرته –تساءلت- أين أذهب؟‏

كانت أمي تصب طعام العشاء في الصينية، وتقلِّبه بالملعقة الخشبية كي يبرد، إن رائحة البرغل بالحمص، وسمن الغنم يلمع فوقه تجعلك تثب، وتمسك الملعقة وتزحف نحو طبق القش.. هناك لبن، ومرقة رب البندورة مع البطاطا.‏

طوال النهار لم نأكل..‏

لقد كان نهاراً حزيناً.‏

في مثل مساء الخميس هذا من كل أسبوع أو أسبوعين لا بد أن تتناول عائلة "قواديس" طعام العشاء عندنا.. كنت قد بلغت الخامسة عشرة من عمري.‏

الأب كرابيت، والأم ماري، والابنة ليليان والابن أنترانيك. كنا أسرة واحدة.‏

قبل ربع قرن وصل الشاب كرابيت مع أبيه عبر رحلة شاقة امتلأت جوعاً ومطاردة وموتاً، ماتت الأم في الطريق جوعاً وعطشاً.‏

والد الشاب كان بيطاراً مبرزاً. بعد أيام اتخذ من خرابة مهجورة خاناً وبدأ العمل، ولم يمض عام أو عامان إلا واشترى أرضاً وأقام بيتاً، وحفر بئراً، ورفع عليه دولاب هواء لنضح الماء، وخطط لحديقة أمام الغرف أصبحت بستاناً امتلأت بأشجار السرو والمشمش والليمون والكرز، كما امتلأت المساكب بالنعناع، والبقدونس، والخس، والخبيزة.‏

هكذا كان الأمر مع العائلات الأرمنية الهاربة التي وصلت تباعاً. أكثرية رجالها من الصناع والأقلية من الكتبة وأصحاب اللغات. أما النسوة فمنهن المولِّدات، والخياطات، ومزينات العرائس.. لقد ازدهرت في بلدتنا الصناعات.. ازدهرت الصياغة.. صناعة السكاكين. كذلك نشطت البيطرة، والنحاسة، والتبييض، وتقطير العنب، والحدادة والنجارة.. بل صار للمسامير معمل وللجواكيش و المطارق والرفوش وغيرها.‏

قال أبي: -كرابيت قبل أن يكون معلمي. هو أبي‏

إن والدي نزل البلدة الواقعة على سيف البادية. وحيداً وهارباً وخائفاً. هو من البدو الرحل صحبه أبوه للأخذ بثأر أبيه الذي قتل قبل عقد من الزمن إلى منازل أحد البطون، وقد قتل الوالد كذلك في كمين قبل الوصول إلى الحي.. فهرب الابن الذي أكمل الأربعة عشر عاماً على ظهر دابته. وصل البلدة مع الفجر. فنام أمام الخان.‏

عندما حضر كرابيت رأى هذا الولد البدوي نائماً. أيقظه وأدخله الخان. سقاه وأطعمه.‏

وهكذا صار أبي ينام في الخان. عرف البيطار أن أهل أبي أضاعوه في البرية وهم في الطريق إلى نجد. وهكذا ربى كرابيت هذا الولد، وعلمه البيطرة.‏

وبعد عشر سنوات زوجه أمي.. فمن تكون هذه الأم؟‏

كرابيت، ووالده أثناء رحلة العذاب في البادية تخليا عن أخته التي بدت أنها سوف تموت بين لحظة وأخرى، ولم يكن باستطاعتهما حملها. عثر عليها الأعراب الرحل فأخذوها وطببوها بالأعشاب، وسقوها من حليب النوق، فتخلى الموت عنها، وعندما كبرت تزوجت من أبناء الفخذ، وظلت تسأل عن أهلها حتى عثرت على الأخ، وزارت قبر الأب.. وكانت تصحب أولادها أثناء زيارة البلدة، وكانت ابنتها الكبيرة مريم هي التي أصبحت أمي.‏

أجمل الأيام هي تلك التي تلتقي فيها والدة أبي، ووالدة أمي في بيتنا الذي يحتوي على دولاب هواء في ساحته يزيد أنينه ليلاً من هناء نومنا.‏

وأجمل اللحظات كذلك تلك التي أمضي فيها مع ليليان إلى الكنيسة صباح الأحد.‏

عرفت بلدتنا بعد مجيء الأرمن دقات الجرس النحاسي. وعرفت كذلك دواليب الهواء، وكانت على وشك أن تعرف الكهرباء، فقد كان أحد المهندسين الكهربائيين من أقربائهم، ويقيم في حلب يريد استقدام مولدات، وهو الذي سيشرف على تركيبها ومد الشبكة واستعمالها. ولكن الرحيل جاء‏

بعد صب الطعام في الصينية، وقعت أمي على الأرض، وكأنها ماتت. أسرع أبي وحمل سطل ماء أفرغه على وجهها، فتحركت الشفتان ثم فتحت عينيها، وحركت أصابع يديها، وحاولت النهوض، ولكن بصعوبة، ونحن مع أبي نحملها حيث رقدت في فراشها.. كانت تردد وتئن:‏

-خالي.. يا خالي أين أنت؟‏

قال أبي باكياً –خالك هذا كان بمقام أبي‏

لم نتعش ذلك المساء.. فبعد لأي من رقاد أمي وقع أبي في نوبة من الصداع. لذا بقي الطعام مكشوفاً إلى صباح اليوم التالي.‏

أنا مضيت إلى الفراش. لم أنم، ولم أكن كذلك مستيقظاً‏

قالت ليليان: -ربيع هذا العام جميل جداً‏

-هيا اصعدي معي إلى التلة‏

-هيا. سأقطف باقة من شقائق النعمان‏

-ما رأيك في السباق؟‏

-موافقة‏

وتسبقني ليليان نعم تسبقني، ونبلغ قمة التل، وأنظر في محياها، كان وجهها المدوَّر والطافح قد اكتسى حمرة أبهى من حمرة الشقائق، وننحني نقطف من شقائق النعمان التي ملأت القمة، والسفح، والسهول المحيطة.‏

إمساءات نيسان تبدو كأنها من الإمساءات المسروقة من أروقة الفرح، والضحك المنضوية وراء المجهول. يومها لم نكن نفكر بالرحيل، وأنه في يوم من الأيام سوف يجيء ممتطياً فرساً تعدو فوق القلوب.‏

قالت: -سننزل نحو سياج الزيزفون‏

قلت: -لماذا يا ليليان؟‏

ردت ضاحكة: -كي تزين الباقات بأعوادها‏

أفقت صباحاً. رأيت أبي جالساً تحت دولاب الهواء على كرسي القش يشرب كوباً من الشاي، أما أمي فمستلقية قبالته على السرير الخشبي تحت شجرة المشمش، وهما صامتان. هي مغمضة العينين. متدثرة باللحاف، وهو يلبس بذلة العمل الزرقاء، والطاقية الواقية. قال متراخياً: -هيا معي إلى الخان‏

قلت بلا انتباه، وكأن رحيلاً لم يقع: -سأمر قليلاً على أنترانيك، ومن هناك أمضي وإياه إلى الخان‏

وإذ بأمي تنفجر باكية، وبصوت كاد يهدم حائط المنزل الذي يفصلنا عن الشارع. عندئذ علمت، وأيقنت أن أنترانيك، والخال كرابيت، والأم ماري، وكذلك الغالية ليليان لم يعد لهم من وجود في البلدة، وأنهم رحلوا، وأنهم لن يعودوا.‏

فتحنا باب الخان. دخل أبي صامتاً. حائل اللون. منحنياً، راح ينظر إلى الزوايا، ويتلمس عدة العمل.. ويمسح على السندان، ويحمل حدوة، ثم يلقيها فوق الكومة..‏

رأى وزرة العمل التي كانت تخص الخال كرابيت، فأخذها بين يديه وراح يشمها ويضمها، ويلئمها، ويبكي.‏

تركته وخرجت، وأنا لا زلت أعتقد أن الخال سيأتي لا محالة بعد قليل إلى الخان، وأنني سأرى ليليان لأكمل معها الأبجدية الأرمنية.. هي أتقنت العربية.. أما أنا فبين بين. خرج أبي. قال بصوت كسير:‏

-أغلق الخان‏

-لماذا؟‏

-لا أستطيع العمل‏

-أين نذهب؟‏

-سنأخذ أمك ونمضي إلى البادية‏

-هل نزور جدتي؟‏

-سنزور الجدتين‏

-عظيم. هذا اقتراح جيد.. نمضي إلى والدة أمي المريضة، والمقعدة.‏

-وبعد زيارتها والإقامة معها نمضي إلى مضارب أمي.‏

-نعم. ولكننا لن ننسى رحيلهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244