مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 121 شتاء 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

العرب والعالم ـــ د.بثينة شعبان

حين كان العرب في طور قوتهم و مجدهم استخدموا هذه القوة و المجد لتعزيز الحركة الثقافية و الفكرية و الحضارية بين شعوب الأرض و بدلاً من أن يركزوا على تأكيد تفوقهم و الزهو بهذا التفوق اختاروا أن يعكفوا على ترجمة الآداب و العلوم من السريانية و اليونانية و الهندية إلى العربية و انخرطوا في تلاقح غنيّ و مغن بين الثقافات و الآداب و العلوم و علّ الثقافة العربية اليوم تعبّر بمناح مختلفة عن هذا الانفتاح الفكري و الإنساني و الذي مثلّ حصناً منيعاً للعرب ضدّ كلّ أشكال الطائفية و العنصرية و العرقية و لذلك ليس لدى العرب اليوم ما يعتذرون عنه في تاريخهم أو ما يسبّب لهم الشعور بعقدة الذنب كما لدى الآخرين و الذين يضطرون اليوم لاتخاذ مواقف لا تفسير لها في عالم اليوم سوى التكفير عمّا حدث في عقود مضت.‏

و يكتسب هذا الإرث الحضاري العربيّ أهمية كبرى اليوم في عالم تتشرذم قواه المختلفة لتولّد أشباحاً تهدد بصراع الحضارات و الادعاء بتفوّق ثقافات على أخرى أو دول على أخرى أو شعوب على شعوب أخرى ممّا يولّد شعوراً عنصرياً لدى البعض و شعوراً بالاضطهاد و الإجحاف و انعدام العدالة لدى البعض الآخر. و في هذا المناخ المتوتر و الذي يثير الشكوك و الشبهات و لا يدعو إلى الاطمئنان من أي طرف تجاه الطرف الآخر تتعثر حركة الترجمة و التأليف و التثاقف و التفاعل الفكري، بل ينشغل العالم بالتركيز على بؤر الخطر بعد أن تم تقسيم العالم إلى معسكرين، و على جهد كل طرف الذي أصبح يشعر بأنه من ضحايا إرهاب الطرف الآخر لصدّ هذا الخطر القادم إلى مجتمعاتهم من مجتمعات أخرى تنتجه و ترعاه. و في هذا المنطق نفسه ما يناقض كلّ ما أتت به الأديان السماوية و صفوة الرسائل البشرية المتوارثة على مرّ العصور إذ اعتاد البشر على التفكير بالإنسان و إنسانيته و تقواه و صلاحه أو عدمه دون أن يعتمد ذلك على موطن ولادته و نشأته أو على العرق الذي ينتمي إليه أو الدين الذي يعتنقه. من هنا أهمية قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" (سورة 49- رقم 13) دون تحديد الجنس أو اللون أو العرق أو الدين. و إذا عدنا إلى الحرية الفكرية التي منحها الله سبحانه و تعالى في قرآنه الكريم للبشر أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا و أن يهتدوا بهدي الدين إن شاؤوا حيث خاطب الرسول (ص) قائلاً "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" كما قال الله سبحانه و تعالى"فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" كما خاطب نبيّه (ص) بقوله "وما أنت عليهم بوكيل". و إذا كان الله سبحانه و تعالى لم يقبل بأن يكون نبيّه (ص) وكيلاً على الناس و ذلك تكريماً للإنسان و احتراماً لعقله و فكره فكم يجب أن نعجب ممّن يحاولون إحكام الوصاية اليوم على شعوب و بلدان بحجة أنها غير قادرة على صياغة مستقبلها و تغيير واقعها و أنها بحاجة أن تهتدي بهدي التقدم الصناعي و التقني الذي توصلت إليه الشعوب الأخرى.‏

و في هذا الإطار يقوم بعض المغرضين بإجراء خلط متعمّد بين المفاهيم لغايات غير نبيلة. ففي الوقت الذي لا ينكر أحد التقدم العلمي و التكنولوجي و الصناعي الذي توصلت إليه بعض الدول دون الدول الأخرى و في الوقت الذي يدرك الجميع التباين بين الدول اقتصادياً وعسكرياًَ فإن هذا يجب ألا يمتزج بنظرة و كأن الشعوب التي لم تحقق وضعاً اقتصادياً أو صناعياً مماثلاًَ أصبحت أقلّ شأناًَ في مسيرة الإنسانية أو كأنها لا تحظى بكرامة سياسية أو إنسانية مماثلة لما يتمتع به الآخرون. إن جوهر الدين الإسلامي الحنيف هو أنه ساوى بين البشر في الكرامة الإنسانية و عزّز من أهمية القيم التي أتت بها الديانات التي سبقته و خاطب البشر جميعاً بغضّ النظر عن اللون و العرق و الدين. و تميزت الثقافة العربية بأنها استوعبت أخلاق الإسلام و انطلقت مبشّرة بوحدة الإنسانية و أهمية التفاعل بين مختلف أبناء البشرية تشجيعاً للخير و تحذيراً من الشرّ.‏

أما أن يُشار اليوم إلى بعض الشعوب و المناطق و البلدان و كأنها هي التي تولدّ الشرّ بينما تحاول قوى الخير الأخرى صدّه عنها و عن غيرها فلا شك أن هذا المنطق يمثلّ في جوهره نظرة عنصرية ضد دين وعرق و شعب قد يوصل الجميع إلى نتائج لا تحمد عقباها. و في هذا الإطار تأتي المصطلحات التي يطلقها البعض اليوم عن "الإرهاب الإسلامي" و هو مصطلح عنصري خطير يحاول أن يوصم الإسلام بالإرهاب بينما يتم تحويل أشنع الجرائم التي يرتكبها الآخرون الماثلون لأوامر إدارتهم و جيوشهم على أنها حوادث فردية لا تعبّر عن أخلاق و سياسة الجيش أو الدولة أو الدين الذي ينتمي إليه الجاني.‏

إنّ مسار مجلة الآداب الأجنبية التي حرصت دائماً على تقديم خير ما أنتجه الفكر البشري في الآداب و الثقافات المختلفة هو أحد الدلائل على حرص العرب على فهم الآخر و التفاعل معه و الاغتناء بما أنتج و إغنائه بما ننتج. و اليوم يحرص اتحاد الكتاب العرب أيضاً على إصدار مجلات باللغتين الإنكليزية و الفرنسية لنقل مختارات من الأدب العربي إلى القارئ الأجنبي في حرص مخلص و مستمرّ على هذا التفاعل و التثاقف الذي كان العرب و في كل مراحل تاريخهم سباقين إليه و فاعلين و منتجين له. و لا شك أن هذا هو أحد أهم المقاييس الحضارية للمواقف الإنسانية لثقافات الشعوب. أما الغنى المادي و التقدّم التكنولوجي فيمكن اللحاق بهما إذا كانت روح الشعب غنيّة و متماسكة و حرّة من كل تعصب أو تشنج أو نظرة دونية للآخرين. من هنا ورغم الضعف السياسي الذي يعتري النظام العربي في مختلف أقطاره فإن العرب قادرون اليوم و غداً على تقديم الأنموذج الأفضل للتعايش و التثاقف و أصبحت اليوم مهمتهم ضرورية أكثر من أي وقت مضى لأن البشرية تغوص في ماديتها و تتناسى القيم الروحية و الإنسانية و الأخلاقية و لا بدّ ممن تمثل حضارتهم الروحانية الحقّة أن يعيدوا للعالم توازنه من خلال لعب دور المتمسك بهويته و المنتج لثقافته، و المعتزّ بتاريخه و المتواصل مع حضارته. و لا يساورني شك على الإطلاق أنّ البشرية جمعاء أحوج ما تكون إلى هذا الدور البنّاء و أنه على العرب أن يخرجوا من الحجر الذي تحاول القوى المعادية فرضه عليهم لأسباب عنصرية أساسها الطمع بأرضهم و مياههم و ثقافتهم و حضارتهم كي يقوموا بالدور الحضاري الذي قاموا به دوماً فيساهموا، كما ساهموا دوما،ً بإغناء الإنسانية و ثقافتها و فكرها و أبجديتها التي هي أساس نهضتها الفكرية و هم دون شك قادرون على فعل ذلك اليوم كما فعلوا من قبل و أول ما يحتاجونه هو استعادة الثقة بالنفس و تبوأ المكان الذي يستحقونه تحت الشمس و هو مكان كان و لا يزال و سيبقى مرموقاً في تاريخ و حاضر و مستقبل العرب، و في هذا الصدد تبقى مجلتنا إحدى الوسائل الحيّة لبلوغ هذا الهدف النبيل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244