|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
النثر والنثر القصصي العربيان بعد عام 1948 إدوارد سعيد ـــ ت.د.ثائر ديب الترجمة عن الإنكليزية القراءةُ عمليةٌ معقدةٌ، ومقارِنةٌ حتماً. والرواية بوجه خاص، إِنْ لم تُقْرَأ قراءة اختزالية على أنّها ضَرْبٌ من ضروب الأدلة أو الشهادات الاجتماعية السياسية، تورّط القارئ فيها لا بسببٍ من براعة الكاتب وحسب بل بسببٍ من الروايات الأخرى أيضاً. فالروايات العربية جميعاً تنتمي إلى عائلة، وكلُّ قارئ للروايات هو قارئ لهذه العائلة المعقّدة التي تنتمي إليها جميعاً. أمّا كيف تنتمي، فتلك مشكلة يَعْسُر حَسْمُها في حالاتٍ لا تكون فيها الرواية المعنية من التقليد المركزي الأوروبي الغربي أو الأمريكي. ففي ذلك التقليد ثمة جينالوجيا أو سلسلة نسب واضحة، تعود رجوعاً إلى الأوديسة ودون كيخوته، لكنها تركّزت أساساً في القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، والجزء الأساسي من القرن العشرين. فما اعتدنا عليه هو الرواية بوضعها خطّاً تطرح بالنسبة له الرواياتُ غير الأوروبية أو غير الأميركية في المرحلة الحديثة خياراتٍ محيّرةً. فهل هذه الروايات أشكالٌ من "المحاكاة" (مما يعني، بعبارة فجّة، أنّها نسخ كولونيالية من "التقليد العظيم")؟ هل هي أعمال أصيلة بحدّ ذاتها؟ أم أنّها ليست هذه ولا تلك؟. واعتقادي، أنَّ مثل هذه الخيارات تشوّشنا أكثر مما تساعدنا على القراءة بفهم. فمقارنة روايات لها القدر ذاته من الجدارة لكنها تنتمي إلى تقاليد مختلفة لا يمكن أن يعني، ولم يسبق له أبداً أن عنى، الحكم لواحدة منها على الأخريات بأنّها أكثر أصالة أو بأنها ليست مجرد نسخة. فالأدب جميعاً، بمعنىً محاكاتيٍ ضيقٍ معين، هو "نسخة" من شيء ما؛ والأصالة في واقع الأمر هي فنُّ إعادة تركيب المألوف. وهذا بالضبط هو الأساس الذي استندت إليه الرواية. فالروايات لا "تحاكي" الواقع وحسب، بل تحاكي أيضاً بعضها بعضاً: وهذا هو الشرط الطبيعي لوجودها وسرّ دوامها كشكل. غير أنّه إذا ما كان للرواية الأوروبية الغربية سلسلة نسب خطّية طويلة تربط أعضاءها ببعضهم بعضاً (على نحوٍ سنتفحصّه حالياً)، فإننا نجد في التقاليد الروائية الأقرب عهداً، ومن بينها التقليد العربي، أنَّ كلاًّ من تاريخ وبنية هذا الشكل مختلف. وهذا الاختلاف هو في المقام الأول مسألةٌ تتعلّق بوجود الشكل (فوجود الرواية العربية أقصر، لأنه لم يبدأ إلاّ في القرن العشرين)، كما تتعلّق بالظروف التاريخية، والمنهج الجماليّ. وفي مَدْخِلٍ وجيزٍ من هذا النوع يصعب على المرء حتى أن يبدأ باستيعاب جميع هذه الفروق؛ أو، بقدر ما يتعلّق الأمر بالرواية العربية، أن يتوقّع تناول هذه الرواية الأخيرة بما تقتضيه من تفصيل وعناية. غير أنني سأحاول الإشارة أولاً إلى الكيفية التي تعيد فيها الرواية العربية في تاريخها وتطورها تبويب، أو توزيع، الشروط التي كانت الرواية الأوروبية قد وُجِدَتْ في ظلّها. ولسوف يستغرقُ ذلك الجزءَ الافتتاحيَّ من مناقشتي، والذي سأتناول بعده حاجات النثر العربي وضروراته الملحّة، خاصةً تلك التي راحت تفعل فعلها بعد 1948. وبذا آمل أن أقدّم للقارئ خدمةً تاريخية وجمالية حين يقارن، كما ينبغي، بين الكتابة العربية وضروب أخرى من الكتابة. كانت الرواية الأوروبية خلال قرنين ونصف القرن من وجودها نتاجاً لتطورٍ تاريخي محدَّد وكذلك لنشوء، ثمَّ انتصار، الطبقة الوسطى. والرواية، التي لا تقلّ عن كونها مؤسسةً بكلّ ما تشتمل عليه من تعقيدات منهجها، وتنوّع موضوعاتها، وفتنة بناها الجمالية والنفسانية، وعَرْض رؤيتها المفصَّل، هي الشكل الأشدُّ ارتباطاً بالزمن وتعلّقاً بالظروف إلى جانب كونها الشكل الأشدّ كونية بين جميع الأشكال الأدبية ما بعد الكلاسيكية. بيد أنَّ التاريخ في الرواية وتاريخ الرواية ـ أي الحياة التي تعكسها الرواية كالمرآة في صورةٍ لستاندال وتاريخ الرواية ـ الداخلي الخاص بوصفها شكلاً من الأدب ـ هما شيئان مختلفان أشدّ الاختلاف(1). فالأول، كما أحسب، هو ضغط دائم: فكلُّ روائي هو ابن زمنه، مهما مضى به الخيال أبعد من هذا الزمن. وكلُّ روائي يُفْصِحُ عن وعيٍ بزمنه يتقاسمه مع الجماعة التي تجعل منه الظروفُ التاريخية (الطبقة، المرحلة، المنظور) واحداً منها. ولذا فإنَّ العمل الروائي حتى في فرادته التي لا تقبل الاختزال هو ذاته واقع تاريخي ـ واقعٌ لاشكَّ في أنَّ تمفصله مع لحظته أرهف، وأكثر ظرفيّة، وأشدّ خصوصية من التجارب الإنسانية الأخرى. والسرد، باختصار، هو الطريقة التاريخية كما تُفْهَم بالصورة التقليدية جداً. غير أنَّ ما يمكّننا من التمييز بين عمل ماركس "الصراع الطبقي في فرنسا" وبين عمل فلوبير "التربية العاطفية" ـ وكلاهما موضوعه ثورة 1848 ـ هو تاريخ نمط السرد المُدْمَج في داخل السرد. فعمل ماركس ينتمي مع شيء من الخروج على المألوف إلى تقليدٍ في التحليل والمناظرة الجدالية مستمدّ جزئياً من الكتابة الصحفية؛ أما عمل فلوبير، الذي لا يقلّ خروجاً عن المألوف على طريقته، فيقف بقوة ضمن تقليد مؤسّسي، هو تقليد الرواية، الذي يتبنّى فلوبير لغته، وضغوطه، وجمهوره ـ ويدفعها إلى العمل لمصلحته ـ على نحوٍ لا يستطيع ماركس أن يتبنّاه لعمله. بين منتصف القرن الثامن عشر والثلث الأول، تقريباً، من القرن العشرين، كانت كتابة الرواية تعني أنَّ من المستحيل على الروائي أن يتجاهل تاريخ الشكل وتقليده. وأنا أقول ذلك بهذه الطريقة النافية لكي أشدّد على الاستقطاب الخصب بصورة استثنائية والقائم في داخل كلِّ رواية جيدة: الاستقطاب بين متطلبات تاريخ الرواية الداخلي ومتطلبات خيال الروائي الفرديّ. فكتابة رواية كانت تعني، بالنسبة لديكنز، وإليوت، وفلوبير، وبلزاك، بدرجةٍ ليست قليلة، تقبّل مؤسسة النثر القصصي وتعزيزها مزيداً من التعزيز. وكما كانت موضوعات الروايات الكلاسيكية العظيمة في القرن التاسع عشر تنويعات على الرومانس الأسري في أغلب الأحيان، حيث نجد بطلاً أو بطلةً يحاولان أن يرسما مصيرهما الخاص ضدّ روابط الأسرة، كذلك كانت هذه الروايات ذاتها سلالة أسرية جمالية ضخمة لا يمكن حتى لأكبر المخيّلات إلا أن تكون من أبنائها أو صبيانها المتدّربين. وتوضح العلاقة التي تربط تولستوي بستندال، أو دستويفسكي ببلزاك وديكنز، إيضاحاً دقيقاً كيف نظرتْ أشدُّ المخيّلات أصالةً إلى نفسها على أنّها وريثة ماضٍ جمالي راحت تمدّه إلى عصرها. هكذا تحاكي كلُّ رواية لا الواقع فحسب بل أيضاً كلَّ رواية أخرى. وبسببٍ من خياله كان أن تمكّن تولستوي، بالمحاكاة، من الإفادة من تاريخ الرواية الخاص كما مثّله له ستندال؛ ذلك أنَّ معجزة النثر القصصي تكمن في قدرته على استخدام سلسلة نسبه الخاصة بصورة خلاّقة مرّة بعد مرّة. وهذا ما يصحّ بوجه خاص على كلّ رواية عظيمة، حيث تتمثّل جدّة هذه الأخيرة (على نحوٍ مدهش ربّما) في دفعها مؤسسات النثر القصصي الموروثة لأن تعمل كحاجز دفاعي في وجه الإلحاح المتهوّر سواء من طرف الخيال الفردي أم من طرف اللحظة التاريخية. ولأنَّ الرواية، كما قال لوكاش، "هي ملحمة عالم هجره الإله" فإنَّ "وضع الرواية الذهني هو وضع النضج الرجوليّ، والبنية الواسمة لمادته هي التمييز، أو الفصل بين الداخلية والمغامرة(2)". فمن يحافظ للرواية على عالمها العلماني هو كاتبٌ يتوقف نضجه على ضروبٍ من التمييز، موروثة من تاريخ الرواية، بين استيهامٍ ذاتي محض وتاريخٍ وقائعي محض، بين تفكيرٍ أو تأملٍ يضربان في كلّ اتجاه وتكرارٍ حَدَثيّ لا حدود له. هكذا يكون الزمن ـ أو بالأحرى الزمنيّة المفهومة بالطرائق المعقدة التي أناقشها ـ هو حياة الرواية من جميع هذه النواحي: فالزمنية، كلحظٍ تاريخية وكتاريخٍ للشكل، تجعل ضغط العالم مذعاناً لبنيةٍ كلامية. ثمَّ إنَّ مثل هذه الحياة في أوروبا الغربية و، إلى حدٍّ معين، في أميركا القرن التاسع عشر تمتّعت بدعمٍ واسع من القرّاء والنقّاد. فهذا الفريقان أيضاً كانت لهما إسهاماتهما في الرواية بوصفها مؤسسة. ومن مقالات فيلدنغ الاستطرادية عن الرواية في رواياته، مروراً بألمعية سيترن التقنية، وأعمال ستندال وبلزاك النقدية، إلى التعليقات وتعليقات التعليقات لدى كتّاب مثل بروست، وهنري جيمس، وجيمس جويس، فإنَّ الرواية راحت تستخدم الروائيين نقّاداً. وعلاوةً على ذلك فقد أنتجت نقّاداً محترفين وهواة على حدٍّ سواء ـ يتذكّر المرء هنا أولئك المشتركين الشرهين في الدوريات التي كانت تنشر روايات ديكنز والذين كانوا يعلمون على الدوام ما الذي يريدونه من الروائي ـ وقد دعم هؤلاء انضباط الشكل وواقعيته. وهذا التفاعل بين القارئ والكاتب هو تفاعل تفرّد به النثر القصصي: ولعل منشأه يعود إلى الجزء الثاني من عمل سيرفانتس دون كيخوته، حيث يصادف البطل الهائم رجالاً ونساءً قرأوا الجزء الأول ويتوقعون منه ـ بل يطالبونه ـ أن يقوم بأفعال معينة. وبمعنىً ما فقد لعب قرّاء القصّ خلال سنوات نضجه دوراً في تفتّح الشكل وازدهاره يقارب في عظمته الدور الذي لعبه الكتّاب. غير أننا نجد وضعاً مختلفاً على نحوٍ دراماتيكي في تاريخ الرواية العربية الحديثة. فالرواية المكتوبة بالعربية في القرن العشرين لها تشكيلة من الأسلاف، غير أنَّ أحداً منها لم يكن سابقاً ومفيداً على النحو المفيد مباشرةً والناجم عن سَبْقِ فيلدنغ لديكنز في الزمن. وفي الأدب العربي مجموعة غنية من الأشكال السردية ـ قصة، سيرة، حديث، خرافة، أسطورة، خبر، نادرة، ومقامة ـ لا يبدو أنَّ أياً منها قد أصبح، كما فعلت الرواية الأوروبية، النمط السردي الرئيس. وأسباب ذلك معقدة إلى أقصى الحدود، وهي لن تشغلنا هنا (كنتُ في غير مكان قد تفكّرتُ في واحدٍ من أسباب هذا الاختلاف بين النثر القصصي العربي ـ الإسلامي ونظيره الأوروبي: حيث ينظر التقليد الأدبي الأول إلى الواقع على أنّه وافر، ومكتمل، وموجَّه إلهياً، في حين يرى الثاني إلى الواقع على أنه غير مكتمل وإشكاليّ على نحوٍ جذري، مما يضفي الشرعية على الابتداع(3)). غير أنَّ الحقيقة تبقى متمثّلةً في أنَّ هنالك رواية عربية حديثة خضعت، خلال القرن العشرين، لتحولاتٍ متعددة ولافتة. ولقد أنتجت اليوم تشكيلة واسعة جداً من المواهب، والأساليب، والنّقاد، والقرّاء، المجهولين إلى أبعد الحدود أو الذين يتمّ تجاهلهم عمداً خارج الشرق الأوسط؛ ومن المؤكَّد أنَّ اللائمة في هذا الإخفاق المعرفي المؤسف يجب أن تُلقى بَقدْر كبير على كون الهاجس الغربي الحاكم إزاء العرب ينحصر (أو يكاد) بكونهم مشكلة سياسية. غير أنّه لم يعد اليوم ثمّة مبرر لهذا الإخفاق، حيث بدأت ترجمات تريفور لي غاسيك المرهفة (كترجمة زقاق المدقّ لنجيب محفوظ، وأيام الغبار (1) لحليم بركات) وترجمات دينيس جونسون ديفيز تنال الرواج الذي تستحقّه فعلاً.(4) بيد أنَّ الخلفية الآسرة على نحوٍ خاص والتي تقف وراء القضايا الشكلية والقضايا التاريخية والنفسانية التي واجهها الروائي العربي المعاصر تحتاج لبعض الإيضاح، خاصةً حين ننظر إلى الفترة بعد 1948، وبعد 1967، على أنّها تشكّل مرحلةً تاريخية مميّزة بالنسبة للخيال الروائي. وخاصةً أيضاً حين نرى إلى هذه المرحلة باعتبارها مرحلة تكوينية بالنسبة للموضوع المشترك الحاضر لدى جميع الكتّاب في المشرق العربي، وليس لدى الروائيين فقط، خلال ربع القرن الأخير. وأَخَصُّ من ذلك بَعْد حين نُبقي في أذهاننا على مسار الرواية الأوروبية بوصفها واقعة مقارنة تعمل الرواية العربية على إنتاج اختلافاتها المهمّة عنها. وسوف أحاول، إذاً، أن أقدّم هذه المرحلة بنقطتي العلاّم الكبيرتين اللتين تميّزانها وهما 1948 و1967، من وجهة نظر أيّ عربي راغب في الكتابة. ومع أنني آخذ في الحسبان ذلك النذر اليسير من الانتهازية والكتابة الرديئة في الأعوام التي تلت 1948، إلاّ أنني أعتقد أنَّ العرب الذين كتبوا (روايات، مسرحيات، شعر، تاريخ، فلسفة، جدال سياسي، الخ) قد اضطلعوا بمشروع بطولي في جوهره، مشروع تحديد هوية الذات والصراع من أجل تعليمها لا يوجد ما يضاهيه على هذا الصعيد منذ الحرب العالمية الثانية. لننظر أولاً في ذلك الوضع الذي تجلّى كلحظةٍ تاريخية. فبعد عقود من الصراع الداخلي ضد الفوضى السياسية والسيطرة الأجنبية، ذلك الصراع الذي كانت فيه الهوية السياسية ـ القومية لا تزال في مراحلها البدئية المحفوفة بالمخاطر ـ حيث تشابك الدين، والديموغرافيا، والحداثة، واللغة كلٌّ مع الآخر على نحوٍ شديد الاختلاط ـ اضطر العرب في كلّ مكان لأن يواجهوا علاوةً على ذلك واحدةً من أكبر مشاكل الحضارة الغربية التي لم تُحَلّ بعد بوصفها مشكلتهم الخاصة، والتي أخذت شكلاً مستفزّاً ومثيراً فعلاً، ألا وهي المسألة اليهودية. فالقول إنَّ 1948 قد وضع العرب أمام مقتضياتٍ ثقافية وتاريخية استثنائية هو قول ينطوي على أشدّ ضروب التبخيس. فذلك العام والسيرورات التي شكّل ذروتها تمثّل انفجاراً لا تزال آثاره تقع على الحاضر بلا هوادة. وما من عربي أمكنه أن يتجاهل الحدث، مهما كان في تلك اللحظات مسلّحاً بالقومية المناطقية أو القَبَليّة أو الدينية. وعام 1948 لم يقتصر على طرح تحدّياتٍ غير مسبوقة على جماعةٍ كان يعتريها أصلاً تطور سياسي استغرق عدّة قرون أوروبية ضُغِطَت هنا في بضع عقود: فهذا في النهاية لم يكن سوى اختلاف في التفاصيل بين المشرق العربي وجميع بلدان العالم الثالث، حيث عَنَتْ نهاية الكولونيالية بداية مخاض الذاتية القومية غير المتحققة. ما طرحه 1948 هو أحجية باقية، طفرة وجودية لم يكن التاريخ العربي مهيّئاً لها. فقد يقول مصري إنَّ من كوته أحداث 1948 أكثر من سواه هو العربي الفلسطيني؛ وكذا قد يقول عراقي، أو لبناني، أو سوداني. غير أنَّ ما من عربي أمكنه أن يقول بأيّ قدر من الجدية إنّه كان في 1948 بعيداً عن أحداث فلسطين أو بمنأى عنها. ربما كان بمقدوره القول بشيء من المنطقية إنّه كان في حِمَىً عن فلسطين؛ لكنه كان عاجزاً عن القول ـ نظراً لما تورّطه فيه لغته وتراثه الديني والثقافي في كلّ مناسبة ـ إنّه أقلّ خسارة، كعربي، بنتيجة ما وقع في فلسطين. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ ما من شيء في تاريخه، أي في الذخيرة أو المعجم الذي زوّدته به تجربته التاريخية، كان قد وفّر له المنهج الوافي لكي يمثّل لنفسه دراما فلسطين. فالقومية العربية، والتقليدية الإسلامية، والعقائد المناطقية، وضروب التضامن الطائفي أو القروي الضيق، جميعها فوجئت بالنتيجة العامة المتمثّلة بالنجاح الصهيوني والتجربة الخاصة المتمثّلة بالهزيمة العربية. ما من مفهوم بدا واسعاً بما فيه الكفاية، وما من لغة بدت دقيقة بما يكفي لأن تواكب المصير المشترك. ولم يكن من الممكن نسبة ما حدث إلى خلل في الشخصية العربية (إِذْ لم يُفْصَح مطلقاً عن مثل هذه الشخصية)، أو إلى حكم سماوي ضدّ المؤمنين، أو إلى حادث طفيف في مكان بعيد. واعتقادي أنّه قد أُشير إلى جسامة تلك الأحداث في واحدةٍ من الكلمات التي كثيراً ما استُخدِمَت في وصفها، ألا وهي كلمة النكبة. وأشهر استخدام لهذه الكلمة هو في عنوان كتاب قسطنطين زريق "معنى النكبة"(5)، غير أنّ ثمة معانٍ أخرى للنكبة تفعل فعلها حتى في عمل زريق، الذي يقدّم تأويلاً للانتصار الصهيوني بوصفه تحدّياً لكامل الحداثة العربية. ذلك أنَّ الكلمة تشير في جذرها إلى أنَّ البليّة أو النكبة قد أَحْدَثَها انحرافٌ، خروجٌ عن المسار، ميلٌ خطير بعيداً عن السبيل الذي يمضي قُدُماً، مما يجعلها مرتبطة بالضرورة بكلّ ذلك. (وهذا ما يتعارض بالمناسبة مع كلمة أخرى تُستَخْدَم بصورة أقلّ شيوعاً لوصف 1967: هي النكسة، التي لا تشير إلى أكثر من التقهقر، أو الكبوة المؤقتة العابرة، كما في سياق الشفاء من علّةٍ ما). وقد ساق تطور سجال زريق في هذا الكتاب صاحبه، كما ساق كثيراً من الكتّاب منذ 1948، إلى تأويل النكبة على أنّها قَطْعٌ من أعمق الأنواع. صحيحٌ أنَّ الصهيونية قد كشفت تشتت العرب، وافتقارهم إلى الثقافة التقنية، وعدم استعدادهم السياسي، وما إلى ذلك؛ غير أنَّ الأهمّ من ذلك كان الواقعة المتمثّلة في أنَّ النكبة قد أظهرت صدعاً بين العرب وإمكانية استمرارهم التاريخي ذاته كشعب. فالانحراف، أو الميل، عن استمرار العرب الزمني حتى عام 1948، كان شديداً جداً، بحيث غدت القضية بالنسبة للعرب هي إمكانية استمرار ما كان "طبيعياً" بالنسبة لهم؛ أي بقاءهم القومي المتواصل في التاريخ. والحال، أنَّ ثمّة مفارقة لافتة هناك، وهي مفارقة ستترك أثرها على الكتابة العربية منذ ذلك فصاعداً. فزريق كان يقول فعلياً إنَّ الانحراف كان من القوة بحيث وضع العرب، كشعب، إزاء شكٍّ تاريخي. بيد أنّه كان يقول أيضاً إنّ النكبة قد كشفت للعرب أنَّ تاريخهم لم يجعل منهم بعد أمّة. وبذا بدا العرب، من منظور الماضي، على أنّهم قد انحرفوا عن السبيل المؤدّي إلى الهوية القومية، والاتحاد، وما إلى ذلك؛ أما من منظور المستقبل، فقد أيقظت النكبة شبح التفتّت أو الانقراض القومي. وتكمن المفارقة في أنَّ كلا هذين الحكمين يفعلان فعلهما، بحيث تقوم النكبة عند تقاطع الماضي والمستقبل، تلك النكبة التي تكشف من جهة أولى الانحراف عمّا كان ينبغي أن يحدث (انقراض العرب كوحدة ثقافية أو قومية). وهكذا تتمثّل قوة كتاب زريق الفعلية في إلقائه الضوء على مشكلة الحاضر، موقع المعاصرة الإشكالي، الذي يشغله العرب ويعملون على إعاقته. فما ينبغي على العرب القيام به بمعرفةً ودراية هو خلق الحاضر، وهذه معركة لاستعادة الاستمرارية التاريخية، ورأب الصدع، و ـ أهمّ من ذلك ـ إطلاق إمكانية تاريخية. لهذه الأسباب جميعاً فإنَّ سجال زريق يولي أهمية كبيرة جداً لما يدعوه بالنخبة المبدعة. فدور النخبة، إذا ما نُظِرَ إليه جوهرياً، هو الإفصاح عن الحاضر بأدقّ التعابير التاريخية والواقعية التي تهدّدتها النكبة، كما رأينا، بالمحو والإزالة. فأن تتكلم أو تكتب بالعربية يعني أن تُفْصِح لا عن اللغة المشتركة وحسب وإنّما أيضاً عن الواقع ـ إمكانية المعاصرة العربية ـ الذي ينطوي عليه الحاضر بصورة محفوفة بالمخاطر إلى حدٍّ بعيد. ولقد عمد أنور عبد الملك، عالم الاجتماع المصري، ومن غير إشارة إلى كتاب زريق عن عام 1948، إلى التوسّع في طبيعة الصراع ولغته. فحتى السبعينيات القريبة، كان عبد الملك يساجل أنَّ الحضارة العربية ـ الإسلامية، على الرغم من وقوعها فريسة الإمبريالية الاقتصادية والسياسية، إلا أنّها في خطر أشدّ، على المدى الطويل، بما تبديه من قابليةٍ للإمبريالية الثقافية، التي تتّسم بخصيصة أساسية هي أن تفرض على العرب ضَرْباً من الإعاقة التي تهدف إلى الحيلولة دون قيام روابط مباشرة بينهم وبين آسيا وإفريقيا. وما لم تتمكّن الثقافة العربية، باستخدام جميع موارد خصوصيتها (وهذه الكلمة لها إلحاحية عظيمة عند عبد الملك)، من الإسهام بحرية في صنع ذاتها، فسيكون الأمر كما لو أنّها لم تكن(6). وفي هذا السياق، إذاً، كان دور أيّ كاتب يعتبر نفسه منخرطاً جدّياً في واقع عصره ـ وقلّة هم الكتّاب الذين اعتبروا أنفسهم منخرطين في خلاف ذلك خلال المرحلة منذ 1948 ـ هو، قبل كلّ شيء، دوره كمنتج للفكر واللغة يوجّه اهتمامه الجذري إلى ضمان بقاء ما كان يتهدّده خطر الانقراض الوشيك. ولقد وفّر نشوء حركات التحرر الوطني، الذي ابتدأ مع الثورة المصرية عام 1952، فرصاً لرؤيةٍ ديالكتيكية غدت فيها أزماتُ الحاضر أحجارَ زاويةِ المستقبل. وبذا فقد غدت الكتابة فعلاً تاريخياً، بل فعل مقاومة بعد 1967، بحسب الناقد الأدبي المصري غالي شكري. فإذا ما كان قد أمكن قبل 1948 وصف الرواية العربية Suigeneris (2) بأنّها رواية تلخيص تاريخي، فإنّها قد أصبحت بعد 1948 رواية تطور تاريخي واجتماعي(7). وهذا واضح في الرواية المصرية بشكل خاص. فعلى الرغم من وجود ما دُعِيَ بالبديل الرومانسي (أي النظرة إلى الوراء، العاطفية) بالنسبة لكتّاب مثل يوسف السباعي، إلاّ أنَّ الثيمة الكبرى في معظم الرويات المصرية بعد 1948 كانت، كما لاحظ شكري، هي الصراع شبه المأساوي بين الشخصية الرئيسة وقوّة "خارجية" ما(8). وغدا صقل الصور والتفصيل فيها من الضرورات الأساسية لدى الكاتب؛ أو، كما عبّر رجاء النقّاش في رسالةٍ جدالية إلى نازك الملائكة (الشاعرة العراقية)، فإنَّ الكتابة لم تكن ولا يمكن أن تكون حرّة: لأن عليها أن تضع نفسها في خدمة الحياة. وكانت هذه طريقة أخرى لمطابقة دور الكاتب مطابقة مباشرة مع إشكاليات المعاصرة العربية(9). ولقد تفاقم دور الكاتب مزيداً من التفاقم من جرّاء الصراع الداخلي الذي عاشه بين هويته المناطقية الخاصة وطموحه العابر للمنطقة أو طموحه العربي ـ الإسلامي. غير أنّه حتى في تلك التوكيدات المتباينة جداً على الهوية المناطقية، كما في شغل حسين فوزي على الحضارة المصرية، أو شغل سعيد عقل على الشعرية اللبنانية، أو في إيديولوجيات حرة مثل الحزب القومي السوري والبعث، تظلّ هنالك، على الدوام، تلك الشبكة من الظروف التي توقع في شراكها كلّ عربي، من الجزائر إلى الخليج. ونظراً لسطوة هذه الشبكة ـ كما وصفتها آنفاً من حيث الحاضر المتفارق ـ فقد بدا أنَّ المهمة الأولى هي على الدوام مهمة صنع الحاضر بطريقة تجعله، مرّة أخرى، على تماسٍ مع أصالة الماضي وإمكان المستقبل. وعادةً ما كان يُطَابَق بين الماضي والخسارة، وبين المستقبل وانعدام اليقين. أمّا الحاضر، فهو تجربة مستمرة، مشهد ينبغي الإفصاح عنه بكلّ موارد اللغة والرؤية. وحتى حين يكون هدف الكاتب هو تصوير الحاضر على أنّه ضَرْب من النكبة، خاصة بعد حرب 1967، فإنَّ ما كان على الكاتب أن يؤكّد عليه هو المشهد بوصفه شكلاً للحاضر غير قابل للاختزال. ولابدّ لنا من أن نلاحظ هنا وجود تعقيد آخر. فكما أنّه لم يكن ثمّة رواية عربية تقليدية، فإنّه لم يكن ثمة دراما عربية فعلية، أو على الأقلّ لم يكن ثمّة تقليد درامي مديد ومتواصل. غير أننا نجد منجزات درامية مُعْتَبَرة، معظمها، كما هو الحال في الرواية، من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ولذا فإننا حين نتحدث هنا، أيضاً، عن مشهد، فإنَّ ذلك ينطوي على شيء من الخروج على المألوف، يتفرّد به الكاتب بالعربية. وما يشترك به المشهد الدرامي والنثري هو، قبل كلّ شيء، ذلك الإحساس بوجود فضاءٍ متنازَعٍ عليه. فالكاتب يملأ الصفحة أو خشبة المسرح بلغةٍ تكافح من أجل الحفاظ على البقاء. ومثل هذا الموقف يؤدّي إلى عواقب تقنية وجمالية محدّدة تماماً. فحين تكون الوحدة التأليفية هي المشهد، وليس المدّة (الفاتحة، والمنتصف، والخاتمة، بالمعنى الأرسطي)، فإنَّ الصلة بين المشاهد تكون واهية. وثمّة في واقع الأمر ميل إلى الحَدَثِيّة، وتكرار المشاهد، كما لو أنَّ التعاقب الإيقاعي المتواتر للمشاهد يمكن أن يغدو بديلاً للاستمرارية شبه العضوية. وإنّها لحقيقة لافتة أنَّ الأعمال الناجحة الأساسية في الدراما والنثر الفنيين حتى قبل 1948 ـ مثل "الأيام" لطه حسين، و"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، وكوميديات نجيب الريحاني، وأفلام كمال سليم ونيازي مصطفى، وأعمال خليل جبران، ورواية جبر جبرا القصيرة "صراخ في ليل طويل" ـ هي من ناحية الشكل عبارة عن تعاقب مشاهد جُمِعَت معاً على طريقة اليوميات أكثر منها على الغرار الأرسطي. غير أنَّ هذه الأعمال، بخلاف اليوميات، مبنيّة من مشاهد مشكَّلة على نحوٍ منفصل وغير مترابط يحدث فيها لعب متواصل للبدائل؛ فالدخولات والظهورات، مثلاً، تلعب دور التأكيد الأنطولوجي. أما الغيابات والخروجات فتبدو، بعكس ذلك، على أنّها تهدّد بالانقراض أو بما يشبه الموت. فأن تكون في مشهد يعني أن تزيح الانقراض، أن تستبدل الحياة بالفراغ. وبذا يكون فعل الكلام، والسرد، والتلفّظ ذاته ضمانةً للفعلية أو التحقّق؛ وهنا يتمّ إحياء التقليد الإسلامي الخاص بـ الإسناد ووضعه في خدمة غاية جمالية محدَّدة. أمّا شخص الكاتب فغالباً ما يكون ذلك المُشَاهِد المنخرط فيما يحكي عنه بما يكفي لأن يكون شخصيةً، والمنفصل عمّا يحكي عنه بما يكفي لأن يتمكّن من الإشارة إلى مساوئ ما يحدث أمامه في السرد، أو إلى ما ينطوي عليه من كوميديا أو ميلودراما. فشخص توفيق الحكيم غالباً ما يتحدث عن مسرح الحياة، الذي لا يمثّل صورة بلاغية بقدر ما يمثّل منهجاً جمالياً. فكلُّ حدث هو مشهد أدائيّ تتكشّف أهميته على أنّها لا تكمن في أنه يقع أو يحدث (فكلّ المشاهد هي مشاهد حوادث مألوفة) بل تكمن في أنّه يُسَجَّل وفي أنه يُسْرَد لأحدٍ ما؛ ففي فعل السرد والنقل، يكون المألوف عرضةً لإساءة الاستعمال البشرية التي غالباً ما تكون صارخة. بل إنَّ إساءة الاستعمال ذاتها تمتثل لهذا النموذج. وعلى سبيل المثال، فإنه في إحدى المرات تُحكى قصة للسارد ـ مما يضعنا أمام حدث ضمن حدث ـ من قِبَل طبيب يجد، بعد استدعائه إلى مريضة قروية فقيرة، أنّ هذه الأخيرة مستلقية على ظهرها وقد برزت من رحمها ذراع وليد. ويعلم من الداية العجوز أنّها بعد موت الجنين قبل ثلاثة أيام قد حشت رحم المرأة بالقشّ، وانتظرتا كلتاهما بصبر تحت ستر ربنا(10). ولأنّ الحدث بكامله ينطوي على ذاته ويتضاعف وهو يُطْلق، عبر الأداء السردي، تفاعل المشهد، والبديل، والتكرّر، والغياب، والموت، وأخيراً، المشهد من جديد. وهكذا فقد تشدّد التأكيد على المَشَاهِد، وغدا أكثر إلحاحاً، بعد 1948: هذا المشهد الذي ترجم رسمياً قضايا العالم العربي الحاسمة والأساسية. وهذه ليست مسألة إثبات لمقدار ما يعكس الأدب أو الكتابة الحياة، ولا هي تأكيد على تأويلٍ أليغوريّ للواقع العربي: حيث استوطنت مثل هذه المقاربات، للأسف، معظم التحليلات الغربية النادرة جداً للأدب العربي(11). فالأهمّ من ذلك بكثير هو أنَّ المشهد بحدّ ذاته غدا مشكلة الأدب العربي الحقيقية ومشكلة الكتاب العربية بعد نكبة 1948: فالمشهد لم يعد يقتصر على تصوير الأزمة، أو البقاء التاريخي، أو مفارقة الحاضر بل أصبح هو المعاصرة في شكلها الإشكالي بل المخلخل إلى أبعد مدى. وما من مكان يمكن فيه للمرء أن يرى ذلك بالفعالية التي يراه فيها في النثر المعني مباشرةً بأحداث فلسطين. هاهنا المشهد الافتتاحي من رواية غسان كنفاني القصيرة رجال في الشمس، والتي من المؤكَّد أنها أجمل أعماله وواحدة من أبرع الروايات القصيرة الحديثة وأبعدها أثراً. أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجّة ثم تعبر إلى خلاياه... في كلّ مرّة يرمي بصدره فوق التراب يحسّ ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض مازال، منذ أن استلقى هناك أول مرّة، يشقّ طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعمق أعماق الجحيم، حين قال ذلك مرّة لجاره الذي كان يشاطره الحقل، هناك، في الأرض التي تركها منذ عشر سنوات، أجابه ساخراً: "هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض"، أيّ هراء خبيث! والرائحة إذن؟ تلك التي إذا تنشّقها ماجت في جبينه ثمَّ انهالت مهوّمة في عروقه؟ كلما تنفّس رائحة الأرض وهو مستلقٍ فوقها خيّل إليه إنه يتنسّم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد... الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً.... الخفقان ذاته: كأنك تحمل بين كفّيك الحانيتين عصفوراً صغيراً(12). ويتواصل المشهد بينما يستيقظ أبو قيس شيئاً فشيئاً على إدراك محيطه الفعلي، في مكانٍ ما قرب شطّ العرب، مصبّ دجلة والفرات؛ فهو هناك ينتظر انتهاء ترتيبات تهريبه إلى الكويت، حيث يأمل أن يجد عملاً. وكما في المقطع المقبوس آنفاً، فإنّه "يفهم" موضعه، وخلفية المشهد في الحاضر، عن طريق تذكّر ماضيه: صوت الأستاذ، في مدرسة قروية فلسطينية، وهو يترنّم بدرس الجغرافيا، عن شطّ العرب. فحاضر أبو قيس الخاص هو خليط من ذاكرة مفككة والقوة التطفلّية الجامعة المتأتية من وضعه الحالي الذي لا يُحْتَمَل: فهو لاجئ، ولديه عائلة، اضطر إلى البحث عن عمل في بلدٍ تدلّ شمسها الحارقة المُعْمِية على اللامبالاة الكلّية بمصيره. وسوف نكتشف أنَّ الضوء المقترب هو إشارة استباقية إلى الحدث الأخير في هذه الرواية القصيرة: فمع اثنين آخرين من اللاجئين الفلسطينيين، كان أبو قيس في طريقه إلى الكويت مهرَّباً في جوف الخزّان الفارغ لسيارة صهريج. وعند مركز الحدود يُتْرَك الثلاثة في الخّزان بينما يتفاوض السائق مع الموظّفين. وتحت الشمس اللاهبة يموت الثلاثة اختناقاً، عاجزين حتى عن إطلاق إشارة. وهذا المقطع هو واحد من مشاهد عديدة قُسِمَ إليها العمل. ونجد في كلّ مشهد تقريباً أنَّ الحاضر، بالمعنى الزمني، مزعزع ويبدو عرضةً لأصداء من الماضي، ولضَرْبٍ من الحسّ المتزامن حيث يفسح النظر مجالاً للصوت أو الرائحة وحيث تتشابك حاسّة مع الأخرى، في مركَّبٍ من الوقوف في وجه الحاضر القاسي وحماية شذرة عزيزة بوجهٍ خاص من شذرات الماضي. وحتى في أسلوب كنفاني ـ الذي يبدو في ترجمتي (3) بعيداً عن الإتقان، لكنني حسبتُ أنَّ من المهمّ ترجمة بنية الجملة المعقدة بالدّقة التي أقدر عليها ـ فإنَّ المرء ليس واثقاً من اللحظات الزمنية التي يشير إليها مركز الوعي (واحدٌ من الرجال الثلاثة). وفي المقطع الآنف، فإنَّ "في كلّ مرّة" تختلط مع "منذ أول مرّة"، التي يبدو أنها تشتمل، بصورة غائمة، على "الأرض التي تركها منذ عشر سنوات". فأشباه الجمل الثلاث هذه محكومة مجازياً بصورة شقّ طريق من الظلمة إلى النور. ولاحقاً، خلال الجزء الأساسي من هذه الرواية القصيرة، سنلاحظ أنَّ كثيراً من الفعل يحدث في الشارع المغبر من بلدة عراقية حيث يقوم الرجال الثلاثة، بصورة مستقلة واحدهم عن الآخر، بالتوسّل لـ "الاختصاصيين"، ومحاججتهم، والتصافق معهم لتهريبهم عبر الحدود. وبذا يغدو الصراع الأساسي في هذا العمل هو ذلك الصراع الذي يدور في الحاضر: فبضغط من المنفى والاقتلاع، لابدّ للفلسطيني من أن يشقّ لنفسه سبيلاً في الوجود، الذي لا يمثّل بالنسبة له واقعاً "متعيّناً" أو مستقراً بأي حال من الأحوال. ومثل الأرض التي تركها، فإنَّ ماضيه يبدو وقد توقّف فجأة قبل أن يتمكّن من إعطاء ثمراته؛ غير أنَّ لدى الرجل عائلة، ومسؤوليات، والحياة ذاتها مما ينبغي الاستجابة له، في الحاضر. وما هو بعيد عن اليقين ليس مستقبله وحسب؛ فحتى وضعه الحاضر يزداد صعوبة بينما هو يتدبّر بشقّ النفس أمر الحفاظ على اتّزانه في الصفقات المعقّدة في الشارع المغبر. النهار، الشمس، الحاضر: كلّ ذلك معاً هناك، معادٍ، ويدفعه بعيداً عن حماية الذاكرة والاستيهام، السديمية حيناً، والقاسية حيناً آخر. وحين يبتعد الرجال في النهاية عن صحرائهم الروحية إلى الحاضر، باتجاه المستقبل الذي اختاروه كارهين بحكم الضرورة، فإنّهم يموتون؛ دون أن يراهم أحد، دون أن يعرفهم أحد، يُقْتَلون في الشمس، في الحاضر ذاته الذي انتزعهم من ماضيهم وعيّرهم بعجزهم وقلّة حيلتهم. والمشهد بالنسبة لكنفاني هو أساساً تلك الوسيلة الملائمة التي يقدّمها للكاتب التقليدُ الروائي العام، لكنَّ هذا المشهد الذي يستخدمه لكي يقدّم الفعل يغدو، وقد أُزيحَ عن التقليد الذي يمكن أن يتّخذه كمسلّمة، ضَرْباً من التقنية التي تعلّق بنوعٍ من المفارقة الساخرة على الصراعات الأوّلية أو البدئية التي تواجه الفلسطيني. فعلى هذا الأخير أن يصنع الحاضر؛ والحاضر، بخلاف الحالة الستندالية أو الديكنزية، ليس تَرَفَاً تخيّلياً بل ضرورةً وجودية بمعناها الحرفيّ. ولذا فإنَّ المشهد لا يلائمه إلاّ بشقّ الأنفس. وهذا يعني أنَّ استخدام كنفاني للمشهد يحوّله من تقنيةٍ روائية يمكن لأي أحد أن يميّزها إلى ضَرْبٍ من التحريض. فالمفارقة التي تكتنف المعاصرة هي حادة فعلاً بالنسبة للفلسطيني. فحين لا يمكن للحاضر أن يكون "متعيّناً" ببساطة (أي حين لا يتيح الزمن للفلسطيني أن يميّز بين ماضيه وحاضره ولا أن يصل بينهما، بسبب النكبة، التي لا يَرِدُ ذكرها إلاّ بوصفها حدث خفيّ وخبيء ضمن الأحداث يحول دون التواصل)، فإنَّ هذا الحاضر لا يكون قابلاً للفهم إلاّ بوصفه إنجازاً. وحدها قدرة الرجال على تدّبر خروجهم من عالم النسيان إلى الكويت يمكن أن تحقّق كينونتهم بأيّ معنى يتعدّى بقاءهم البيولوجي، الذي تكون فيه الأرض والسماء بمثابة إثباتٍ بعيدٍ عن اليقين لوجود الحياة العامة. ولأنهم يجب أن يحيوا ـ لكي يموتوا في النهاية ـ فإنَّ المشهد يحثّهم على الفعل، الذي بدوره يوفّر للكاتب والقارئ مادةً لـ "القصّ". وهذا هو الطرف الآخر من المفارقة: فالمشهد عُمِلَ من أجل الرواية، إنّما من مادةٍ تدلّ صورتها في الحاضر على النتيجة النفسانية، والسياسية، والجمالية للنكبة. فالمشهد يحرّض أبو قيس؛ وحين يُنْجِزُ فعلاً بسببٍ منه، يكون قد قدّم وثيقةً مقروءةً وكذلك، يا للسخرية، حتميةَ انقراضهِ. فالمسافات بين اللغة والواقع قريبة. وكما قلت، فإنَّ آنيّة موضوع كنفاني تنزع لأن تعطي مشاهده طابعها التحريضي البارع. غير أنّه بين 1948 و1967 نجد شيئاً من الإلحاحية ذاتها يتركُ أثره البالغ على عملٍ يستخدم منهجية المشهد كما وصفتها. ففي قصّ نجيب محفوظ، الذي يمثّل بلا شكّ أعظم الإنجازات الروائية في العالم العربي، سواء في "الثلاثية" (1956 ـ 1957) أم في "أولاد حارتنا" (1959) أم في المجموعات القصصية القصيرة، نجد أنَّ الحدثيّة واضحةً في كلّ مكان. فالمشهد يضفي الطابع الدرامي على المرحليّة، أي على السيرورة التاريخية الفاعلة التي على الواقع العربي، لكي تكون له مكانة في الوجود، أن يشكّل نفسه من خلالها. فالطابع المتقطّع الذي يَسِمُ الواقع، والذي كان يُدْعى بـ الوجودية الواقعية(13)في الطور ما بعد الطبيعي من أطوار محفوظ في أوائل الستينيات من القرن العشرين، تطور بمزيد ومزيد من الإصرار إلى جمالية الحدّ الأدنى والتأثير الصادم؛ تلك الجمالية التي بلغت ذروتها، كما أرى، في مسرحية يوسف إدريس "الفرافير" (1964)، تلك الدراما الكوميدية شبه الهيغلية، أو الدرامية (إِذْ كانت المسرحية بمعنىً ما هي موضوع المسرحية). كما أنَّ هنالك ضروباً من التشابه أيضاً بين هذه الأعمال وعمل حسين فوزي "سندباد مصري"، بعنوانه الفرعي "جولة في رحاب التاريخ". فحسين نفسه يتحدّث عن التقنيات السينمائية التي يستخدمها في كتابٍ لم يكن لغايته أن تتحقّق، كما يقول، قبل 1952: وهي تبيان أنَّ مصر هي صانعة الحضارات. ومنهجية حسين هي منهجية حدثيّة، بحيث يكون كلّ حدثٍ مختارٍ لإلقاء الضوء على طبيعة مصر مشهداً يثبت قَدَر مصر بوصفها صانعة ذاتها. وإنّه لما يجدر ذكره استطراداً أنَّ أحداً ممن شاهدوا السينما "الشعبية" العربية قبل 1967 لا يمكن أن تفوته ملاحظة ذلك الحضور الأساسي، والذي يبدو في بعض الأحيان خارجاً عن الموضوع، للكاباريه أو المشهد المسرحي، أو مشهد الردح المُعَدّ بعناية في كوميديات الريحاني المسرحية الشعبية، والذي هو أشبه بصراع ديكة بشري. فمثل هذه المشاهد غالباً ما تُهْمَل على أنّها استجابة لإعجاب جماهيري مُبْهَم (التلصصية؟ شهوانية الطبقة الدنيا؟)، في حين تفوتُ ملاحظةُ مالها من صلة واضحة مع تقليد المقامة المُتْقَن والنفيس. فهذا التقليد هو تقليد حكاية القصص (الذي تطورت منه ألف ليلة وليلة)، والذي من بين خصائصه الممّيزة إضفاء الطابع الدرامي على حكاية الحكاية. وبتأثيرٍ من حدثٍ ذي أهمية عظيمة وغير مفهوم كاملاً وتصعب الإحاطة به جمالياً، فإنَّ تقليد حكاية القصص ينزع لأن يغدو واعياً لذاته وعياً رفيعاً؛ وهذا الحدث هو 1948، والفنّ يرتدّ على نفسه ليغدو فناً على الفن. أمّا المشهد فهو موضع التواشج بين الفن وموضوعاته: فهو يربط الزمن والشخصية معاً في ضَرْبٍ من التمفصل الظاهر. وإِذْ يُدْفَعُ هذا التمفصل هكذا إلى السطح، فإنّه يضمن البقاء، شأن القصّ الليلي الذي تقصّه شهرزاد في ألف ليلة وليلة ويرجئ موتها. فالنكبة الوشيكة، أو المحيطة، يزيحها البقاء البشري الذي يُصْنَع على نحوٍ متواصل؛ بحيث تكون النتيجة شبيهةً بتلك التقنية في سرديات كونراد، حيث نجد حدثاً مهمّاً يبدو بحاجةٍ دائمة إلى إقامة فرصة للسرد كما في الأحاديث والحكايات المتبادلة بين مجموعة من البشر، أو في حلقة من الأصدقاء يصغون إلى حكواتي، وما إلى ذلك. ولقد كان لجمال عبد الناصر أن يشكّل في كلّ هذا ذلك الموتيف (4) البيرانديللي (5) الواضح أتمَّ الوضوح. فالتاريخ العربي، كما كتب في "فلسفة الثورة"، هو أشبه بدور يبحث عن ممثّل لكي يلعبه أو، بتعابيري الخاصة، أشبه بمشهد يبحث عن دراما. وهاتان الصورتان المستمدتان من لغة المسرح تدفعان التاريخ في زمنيتين اثنتين: أولاهما، هي زمنية الآنيّة التي وقعت فيها النكبة، زمنية القطع أو التمزّق؛ والثانية، هي زمنية إقامة المشهد بوصفه موضعاً لتاريخٍ مستعاد. وهكذا ينزعُ الإفصاح عن شيءٍ ما، وإقامته، وإدارته لأن يكون أشدّ أهمية مما يُفْصَح عنه: وهذا حافز شائعٌ بما فيه الكفاية في الأدب الحديث، حيث تكون شروط الدراما أو السرد من نواحٍ معينةٍ أشدّ أهمية من موضوع السرد. وبحسب عبد الله العروي فإنَّ هذا يصدف أن يتماشى مع حافز في تاريخ الإسلام، الذي يستمّد إغراءه، كما يتفكّر العروي، من أنَّ المنظومة والبنية يجبران الأعمال الفردية على الخضوع للنماذج(14). والتوتر بين المنظومة والحادثة هو أساس التوتر بين المشهد والدراما التي يشكّل جزءاً منها. وبالنسبة للنثر العربي بعد 1948 فإنَّ تشكيل القضية السياسية أساساً لهذا التوتر هو أمر كامن في كلّ مكان. وهو يعني، على سبيل المثال، أنه قد لا يكون هنالك أيّ كلّ يربط هذه الأجزاء، لا فكرة "عربية"، أو هوية، أو تاريخ، أو جماعة، أو مصير، أو دراما، أو رواية توفّر لتزّمن الأحداث المشهدية أيّة قصدية تزامنية، أو هدف، أو بنية، أو معنى. فالحاضر يمكن في النهاية ألاّ يكون سوى ذلك، ربما ليس عاقبةً للماضي ومؤكَّدٌ أنه ليس أساساً للحاضر. وأنا أطرح هذه المجموعة من المشكلات هنا لكي أشدّد على الطابع الاستقصائي للكتابة العربية في المرحلة ما بعد 1948. ذلك أنَّ الشكوك الإشكالية لا تعني الخَدَر أو الانشداه. وكلّ الدلائل التي بحوزتنا تشير إلى أنَّ ثمة نشاطاً فكرياً وجمالياً واسع النطاق. وما أريد أن أوضحه هو أنَّ الخصائص الشكلية التي وصفتها لا تكتفي بأن تنعكس بصورة سلبية على المشكلات: فهي تلك المشكلات على نحوٍ ممَّيز وآسرٍ تماماً. وهكذا يخلقُ التوترُ المقيمُ بين الحاضر وإما الماضي أو المستقبل المشهدَ الذي هو، بدوره، الحاضر (وليس انعكاساً له) في صورةِ توترٍ ناشئ مع الماضي والمستقبل. فالديالكتيك دائم، ومُخْصِب. كان من شأن الآثار المترتّبة على حرب 1967 أن تستحضر 1948. وعلى سبيل المثال، فقد نشر زريق كتاباً عنوانه "معنى النكبة مجدداً". وتحوّل المشهد من مشهد مسرحي إلى ميدان صراع مباشر تماماً أشبه بصراع المُجَالدين في روما القديمة. أمّا العلاقات بين المُشَاهِد والفعل فأُعيد تحديدها الآن على أوجهٍ شتّى. ففي بعض الأعمال بعد 1967، خاصة أعمال صادق العظم ـ الذي يصعُب إِغفالُ المَسْرَحَةِ الواضحةِ في أدائه على الرغم من أنّه كان يكتب جدالاً سياسياً و/ أو فلسفياً ـ نجد أنَّ الكاتب قد دخل الميدان، وحدّد المتصارعين، وراح يحثّهما على القتال(15). ولقد اعتبرتْ مثل هذه النظرة أنَّ حرب 1967 هي أول حرب دولية حقاً يخوضها العرب في الأزمنة الحديثة. فقد كان حرباً خيضت في الأعلام بقدر ما خيضت في ساحات المعارك؛ إِذْ شُعِرَ أنَّ الصراع هو صراع تاريخي على نحوٍ مباشر لأنّه خيض في آنٍ معاً في المَشَاهِد التي خلقها الفعل الواقعي وفي تلك التي خلقها التلفاز، والإذاعة، والصحف. بهذا المعنى كان كلّ ما يتعلّق بالحرب تاريخياً، شأن الحروب النابولونية التي ورّطت الجماهير لأول مرّة في التاريخ الأوروبي ذلك التوريط الدولي الحقيقي، كما يرى لوكاش(16). فالحروب كانت بعيدة حتى ذلك الحين وشأناً من شؤون الجيش على وجه الحصر. أمّا الآن فكان الجميع مشتركين فيها. وكلُّ ما فُكِّرَ فيه أو كُتِبَ عن الحرب له كانت مكانة الفعل التاريخي؛ وغدا العربي، سواء كان جندياً، أم كاتباً، أم مواطناً عادياً جزءاً من مشهد قيل، في حالة العظم، إنّه مِنْ خَلْقِ السلبية، والتأخّر، وتوسّل العرف، والدين، والتراث المتحجّر. ولذا كان الدور التقدمي الوحيد الذي يجب القيام به هو دور الكاتب ـ الناشط الذي يدفع العربي لأن يدرك دوره في الصراع. فلم يكن بمقدور أحد أن يكون، وما كان أحدٌ في حقيقة الأمر، مُشَاهِدَاً: فالحاضر لم يكن مشروعاً ينبغي تولّيه؛ بل كان الآن. ولقد رأى العظم، سواء في مناقشته شخصية الفهلوي، أم في تناوله الذعر الناجم في مصر عن زيارة العذراء، أنَّ العرب يقاتلون أنفسهم، وقد عزم، سواء راق لهم ذلك أم لم يَرُقْ، على أن يثبت لهم ذلك بمقاتلتهم. وتنبغي رؤية ما في نثر العظم من خاصيّة تعليمية، بل وحذلقة، كجزء من تفتّح اهتمام عام بالدقّة. وقد قال الناقد المصري شكري عيّاد إنّه بعد صرخات القلق والإنكار الأولي بعد 10 حزيران، راح الكتّاب يعتبرون أنّ من مهمتهم تصوير تفاصيل الحياة اليومية الدقيقة. فقد أَمِلوا بذلك أن يشخّصوا أسباب الهزيمة مما تمكن مداواته. غير أنَّ عياد كان يعتقد أنّ من الممكن أن يكون لمثل هذه الكتابة أثراً خفياً يتمثّل عملياً بزيادة القلق لدى الإنسان الحديث في العصر التكنولوجي. فبعض الكتّاب يعالجون الواقع العربي على أنّه لغزٌ بارع يجب حلّه؛ وسواهم يلتفتون إلى البراعة الجمالية التي يُصَوَّر بها الواقع(17). والحقّ أنّ انتشار دراما "العبث" وسرده يؤكّد رأي عيّاد. ففي مسرحية ريمون جبارة "تحت رعاية زكّور" نجد أنَّ المشهد فرصة للسخرية؛ وكما في أعمال العظم، نجد أنّ المقبوسات من المصادر "الصحيحة" تُسْتَخدَمَ كنقاط انطلاق لتفكيكٍ تهكّمي. فهاملت يغدو صبياً عربياً منتحباً، وما إلى ذلك. غير أنَّ جماليات الاقتباس المبخِّسة للذات عند جبارة، بخلاف كتابات العظم ككلّ، التي تتّسم بالاستقامة الفكرية الناشطة، تخفي طمأنينة من أشدّ الأنواع تطرفاً. وهذه الطمأنينة هي التي تفسّر في النهاية تلك الفروق بين الناشطية الفكرية والخلط العبثي؛ فالأولى هي نقد ذاتي قائم على افتراضات ثورية؛ أما الثاني فليس كذلك. وكُتُبُ العظم مرتبطة مباشرةً بما للتحليل الراديكالي والحركات الراديكالية، وخاصة الجماعات الفلسطينية، من أهمية سياسية. والناشطية الفكرية والخلط العبثي، في شكلهما اللفظي، كما في مصيرهما، هما ضَرْبان من رفض الحاضر: ففي كليهما، يُفْهَمُ المشهد على نحوٍ نافعٍ جداً بوصفه تاريخاً مباشراً على الرغم من الإخفاق العربي. وهكذا تولد مفارقة جديدة، مفارقةٌ تحوّل العربي إلى فرد في التاريخ العالمي نظراً لموهبته الخاصة في الحمق والخرافة. غير أنّه منذ 1967 لم يَعُدْ ثمّة إجماع على الإطروحة الأساسية التي يُفْتَرَضُ أنَّ تلك الكارثة قد أثبتتها، وجود هوية عربية جمعية. فعلى الرغم من صحّة أنَّ الحرب قد شملت العرب ككلّ، إلاّ أنَّ التدقيق ذاته الذي كان يحثّ الكاتب على التقاط كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة قاده أيضاً إلى إقامة ضروب دقيقة من التفريق بين التجربة المحلية والتجربة الجمعيّة. ولذا لم يكن ذيوع شهرة الكتّاب الفلسطينيين بعد 1967 (محمود درويش، سميح القاسم، كنفاني، فدوى طوقان، وسواهم)، وهو الميل الذي صاحَبَ انتشار الاهتمام السياسي الهائل بالنشاط الفلسطيني على وجه التحديد، سوى وجه واحد من أوجه التغيّر الذي أحدث مزيداً من التركيز الشديد على ضروب التمييز بين أنواع التجارب العربية. وهذا ما يصحّ، باعتقادي، على مصر خاصةً. فمن المؤكَّد أنَّ ألمع كتابة كُتِبَتْ في غضون الجيل السابق، وهي مجموعة القصص القصيرة والمسرحيات التي كتبها محفوظ بعنوان "تحت المظلّة" (1969)، قد كُتِبَتْ في الأشهر التي تلت مباشرةً حرب حزيران 1967. وكما هو الحال في معظم أعمال محفوظ الأخرى، فإنَّ هذه المجموعة مؤلَّفة من مشاهد قصيرة، على الرغم من أنَّ المشهد الآن قد اكتسب طابعاً جديداً وخاصاً: فبدلاً من كونه جزءاً من كلٍّ متّصل قيد التكوين، غدا كلُّ مشهدٍ مُفْرَدٍ موشَّحاً بأسى عزلةٍ متطرفةٍ، ومصريةٍ إذاً. وبذا كان المشهد ضَرْباً من السيرورة العيادية الوطنية. فالأشياء تحدث بأشدّ ما يكون من الوضوح الطبّي، إلا أنَّ إبهامها العام، وتعدّيها المخيف على كلّ مواطن عادي، وتحدّيها الفهم العادي، غير المتخصص، والتعاقب السريع في الأحداث المتفجّرة على نحوٍ يتعذّر تفسيره، كلّ ذلك قطع الفعل (المصري على نحوٍ دقيق دائماً) عن الفهم أو، بصورة أشدّ لفتاً للانتباه، عن إمكانية تفسيرٍ عربي شامل. وعالم محفوظ يحوّل مصر إلى مشفى شاسع حدوده الجبهات العسكرية المتعددة، ومرضاه هم الجنود والمواطنون، على حدٍّ سواء. والكاتب يقدّم حالاته بصمت؛ فلا نجد أية تفسيرات أو مبررات. وثمّة ثيمة لافتة، وربما مفرطة، في هذه المجموعة كما في رواية محفوظ عام 1973 عن مصر اللاحرب واللاسلام، "حبّ تحت المطر"، ألا وهي السينما. فالمشاهد التي يجري فيها تصوير الأفلام، حيث يُسعى وراء المخرجين طلباً للمساعدة في حلّ مشكلة عويصة من مشاكل التأويل، ويُرى فيها المواطنون وقد تحوّلوا إلى ممثلين، هي مشاهد شائعة. وإذا ما جاء ذكر التوّرط المصري في فلسطين أو اليمن، فإنَّ ذلك يكون دوماً عن طريق الصحافة أو السينما. والمشاكل العربية يجب أن تتوسّطها طبقات الواقع المصري المحيطة بالحياة اليومية مثل جدران عيادة، أو حمى أستوديو سينمائي. بيد أنَّ ما يخيّم فوق جميع الكتابات التي كُتِبَت بعد 1967 هو الإحساس بالخيبة العميقة. وهذا ما يصحّ على عمل نجيب محفوظ، وقصّ حليم بركات، وجدالات صادق العظم، وحقيقةً على كلّ تلك الأعمال التي تصوّر أو تفسّر السرعة المفاجئة التي حلّت بها المصيبة، ومباغتتها المدهشة، وغياب المقاومة العربية الكارثي. فما من عربي يمكن أن يكون حصيناً إزاء الشعور بأنَّ تاريخه الحديث، الذي خُلِقَ بالكدّ والتعب الشديدين ـ مشهداً مشهداً ـ قد ثبت أنَّ من السهولةِ بمكانٍ كَنْسَه عند الاختبار. ويشير دفق المطابع الذي يكاد لا يُصَدَّق بعد 1967 إلى جهد هائل في إعادة بناء ذلك التاريخ وذلك الواقع. وقد اقتضت الضرورة أن تكون المرحلة الأولى هي تلك الممثَّلة في قصّ بركات، والتي تتساوق مع مرحلة انقشاع الوهم التي يظلّ مثلها النموذجي عمل فلوبير "التربية العاطفية"، ذلك المثال الباريسي العظيم للخيبة الأوروبية بعد 1848. ومثل فلوبير، فإنَّ بركات في "أيام الغبار"، يتفحّص ردود الأفعال الحادثة في بيروت على كارثةٍ سياسية عربية ينبغي أن تُفْهَم على أنّها فشل، لا على أنّها انتصار للعدو. وبخلاف فلوبير، فإنَّ بركات يبدي كياسةً أصيلة تجاه مجموعة ممثّليه؛ حيث لا نجد لديه أيّاً من الاتهامات المريرة التي وجّهها فلوبير إلى جيل كامل. وفي حين تترافق العاطفة والاستيهام في "التربية العاطفية" مع الفشل العقيم الذي يصل إليه فريدريك مورو وديلورييه، فإنَّ العاطفة في رواية بركات تُسْتَخْدَم لزيادة حدّة الكارثة الإنسانية. فعند بركات يمكن دوماً فهم الخيبة والانخلاع إذا ما تمّ التعليق عليهما بالإشارة إلى شغفٍ يبررهما. أمّا صورتا البحر والنار، فضلاً عن سلسلة المشاهد التي تستخدم مجاز الهولندي الطائر(6)، فهي أدوات إيضاح تُسْتَخْدَم لكي تزيد من شمولية الكارثة، وظلالها المأساوية. واستخدام بركات للمشهد يشاطر تقنية محفوظ ذلك الاهتمام بالتدقيق الشديد؛ بل إنه يشاطر دراسة بركات الكلاسيكية (التي أنجزها بالاشتراك مع بيتر دود) عن خروج اللاجئين الفلسطينيين في 1967، تركيز عالم الاجتماع الممارس على دقائق الحياة اليومية التي تؤلّف نشاط الإنسان واسع النطاق(18). غير أنَّ مشهد بركات محكوم بتعاقب ستة الأيام الذي يكاد أن يكون كريهاً. فتوالي اللحظات القصيرة هذا يحكم الفعل في الواقع خارج الخشبة، لكن بركات يوسّع في الرواية هذه الأيام ويحوّلها إلى رحلة جغرافية وعاطفية واسعة النطاق. أمّا تشويشه لضروب التمييز المكاني ـ الزماني، وأثر المونتاج الذي يحدثه تغيّر المشاهد السريع، وعيّنة الشخصيات المختارة بعناية من بيروت إلى عمّان إلى الضفّة الغربية، فكلُّ ذلك ينمُّ على توازن غير أكيد في بعض الأحيان بين ترّوي عالم الاجتماع وإبداعية الروائي. وبخلاف كلٍّ من فلوبير ومحفوظ، فإنّ بركات يتخّذ، كما أحسب، موقفاً أسهل حيال المعاصرة العربية التي تعاني من آلام كارثة كبرى. فالمشهد، بالنسبة له، هو ميدان صراع متواصل. وعلى الرغم من أنَّ التاريخ العربي هو بمثابة تكرار للتاريخ التوراتي، إلاّ أنّ رمزي، الشخصية الرئيسة في عمل بركات، يحكم عليه أيضاً بأنّه حقل انتصار ممكن. كما أننا لا نجد تجاهَ التكرارِ ذلكَ الموقف المرير الذي ينفخ الروح في عمل فلوبير أو في عمل ماركس "الثامن عشر من بروميير لوي بونابرت" أو في عمل محفوظ بعد 1967. ذلك أنَّ بركات هو في النهاية روائي ذو نيّة طيبة؛ وهنا تكمن أهميته. وإذْ أقول نيّةً طيبةً وليس رؤيا، فإنني لا أقصد بذلك حكماً سلبياً على بركات. فهو، كما يبيّن آخر أعماله السوسيولوجية، معنيٌّ على نحوٍ متزايد بما يبدو على أنّه ضَرْبٌ من المقاومة المتأصّلة في مجتمعاتٍ عربيةٍ معينةٍ تجاه الوحدة المتماسكة(19). والنيّة الطيبة هي انشغال وطني أصيل يعييه حقّاً تعقيد القوى التي يزخر بها الواقع العربي اليومي لكنها لا تشكّل جماع ذلك الواقع. ولعلّ من غير الممكن لأيّ روائي اليوم أن يكوّن نظرة شاملة، على الأقل بالأدوات التي طورتها الرواية إلى الآن. صحيحٌ أنَّ الرواية في أوروبا وأميركا قد لعبت دوراً حاسماً (بل ومحافظاً) في التحام المجتمع واندماجه. غير أنَّ هذا الدور كان مقتصراً في الدرجة الأولى على القرن التاسع عشر؛ حين حلّت المعرفة الجديدة التي أتاحها علم النفس، وعلم الاجتماع، والإثنولوجيا، وعلم اللغة محلّ الرؤية السلطوية لدى القصّ الواقعي. والكاتب العربي يواجه ذلك التشابك المعقد جداً بين المجتمع والمعرفة المعاصرة بخليطٍ من الأساليب، والخلفيات، والميول هو أشدّ تعقيداً بَعْد. ولاشكّ أنَّ الروائي سيسجّل أزمته الخاصة كروائيٍ يواجه الموضوع وتحدّياته. غير أنّه ينطلق في هذه المهمة من نفس النقطة التي ينطلق منها كلّ مثقف عربي آخر؛ وتلك النقطة ليست سوى الموقع الأمامي المفضي إلى الأمام، واقع المنطقة الجمعيّ. وبذا، فإنَّ أزمات الكتّاب العرب هي، في النهاية، وعلى وجه الدقة، وأكثر من أيّ مكان آخر، تلك الأزمات التي يعاني منها المجتمع ككلّ. وبما أنَّ إدراك ذلك قد انتشر على نحوٍ متزايد، فإنَّ الدور البطولي الذي لعبه الكاتب العربي منذ 1948 دون أن يتغنّى به الشعراء لابدّ أن يلقى الاعتراف الذي يستحقّه. وفي هذه الأثناء فإنَّ ما يمكن للمرء أن يقوم به لا يقلّ عن القراءة بالعناية والإلحاح اللذين نجدهما لدى كاتب منهمكٍ شديد الاهتمام. الهوامش 1 ـ أيام الغبار، Days of Dust، هو عنوان الترجمة الإنجليزية لرواية حليم بركات التي صدرت بالعربية عام 1969، عن دار النهار في بيروت، بعنوان عودة الطائر إلى البحر. 2 ـ باللاتينية في النّص الأصلي: وحدها دون سواها 3 ـ تنبغي الإشارة إلى أنني عدتُ في ترجمة هذا المقطع من رواية كنفاني إلى الأصل العربي، الأمر الذي يزيل ما يتحدث عنه إدوارد سعيد من ترجمةٍ تُدْخِلُ عدم الإتقان إلى أسلوب كنفاني. 4 ـ الموتيف، motif، هو فكرة أو موضوع أو مادة للمعالجة في عمل أدبي تعاود الوقوع متكررة، الأمر الذي يجعل منها في هذا العمل وحدةً بنائية متكررة وثيقة الصلة بالانطباع المهيمن الذي يخلّفه هذا العمل. 5 ـ نسبة إلى بيراندللو. 6 ـ بحّار هولندي خرافي حُكِمَ عليه بأن يواصل الإبحار إلى يوم القيامة عقاباً له على تجديفه ولكي يكون عبرة للبحارة. (1) يمكن للقارئ أن يجد تفحّصاً أوسع وأشدّ اتقاناً للصلة بين الرواية كمؤسسة والمجتمع في: HarryLevin, The Gates of Horn (New York: Oxford University Press, 1963). أما بشأن مسألة الشكل الأدبي والواقع الاجتماعي في صورتها العامة فيمكن العودة إلى: Lucien Goldman, Le Dieu cache (Paris: Gallimard, 1955). وكذلك إلى: Lucien Goldman, Recherches diolectiques (Paris: Gallimard, 1959). (2) Georg Lukacs, The Theroy of The Novel, trans. Anna Bostock (combridge, Mass: MIT Paress, 1971), p.88. (3) Molestation , in Aspects of Narrative ed. Hillis Miller (New York: Columbia University Press,1971) Authority in . and Narrative Fictoin" " (4) انظر أيضاً مقالات لي غاسيك: , “Amalaise in cairo: Three contempotary Egyptian Authors“ Middle East journal 21:2 (Spring 1967) “Some Recent War-Related Arab Fiction”, Middle East Journal 25:4 (Autumn 1971), “The Literature of Modern Egypt”, Books Abroad 46 (Spring 1972). (5) Constantine k. Zurayk. The Meaning of Disaster, trans. R.Bayly Winder (Beirut: Khyats college Book cooperative, 1956). (6) انظر تقديمه لمجموعة المقالات المنشورة في: Sociolgie de L,impèrialisme (Paris: Editions Anthropos, 1971, PP. 15 -63. وكذلك مقابلته المنشورة في الفصلية البيروتية "الثقافة العربية" (ربيع 1973). (7) غالي شكري، "ثورة الفكر في أدبنا الحديث" (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1965)، ص 107. (8) غالي شكري ـ أدب المقاومة (القاهرة: دار المعارف، 1970)، ص180. (9) رجاء النقّاش، أدب وعروبة وحرية (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1964)، ص 100. (10) يوميات نائب في الأرياف، (القاهرة: 1965، إعادة طبع)، ص 96. (11) ثمّة بعد نوع من التحليل أردأ من هذا، هو ذلك النوع الذي يدّعي استخراج "محتوى" الأدب بوصفه دليلاً على مواقف سياسية وعلى (وهذه هي النيّة الفعلية) ما يُدْعَى بـ "العقل" العربي أو "الشخصية" العربية. وثمّة تقليد عريق لمثل هذه التحليلات في الغرب، معظمها مستمدٌّ من صنعة "الاستشراق". ومؤخّراً، صار من الممكن أن نجد عنصريةً مصقولة من هذا النوع في كثير من الأماكن في إسرائيل والولايات المتحدة، وغالباً ما تكون أكاديمية وحكومية. ومن الأمثلة النمطية والنافذة على ذلك كتاب جِنْ يهوشفاط هاركابي بعنوان: Arab Attitudes to Israel, trans. Misha Louvish (New york: Halsted Press, 1972). (12) غسان كنفاني، "رجال في الشمس" (بيروت، 1963)، ص 7 ـ 8. (13) رجاء النقّاش، "أدباء معاصرون" (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968)، ص 153. (14) Abkullah Laroui, “Pourune mèthodologie des ètudes islamiques: L,Islam au miriore, de G.von Grunebaum”, Diogène 83 (July – Sept., 1973): 41. (15) هذا ما يصحّ بصورة خاصة على اثنين من الأعمال صدرا بعد حرب 1967 بفترة قصيرة، وهما "النقد الذاتي" بعد الهزيمة (بيروت، 1969) و"نقد الفكر الديني" (بيروت، دار الطليعة، 1969). (16) Gerge Lukacs. The Historical Novel, trans. Hannah and Stanly Mitchell (London: Merlin Press, 1962),P. 24. (17) الأدب في عالم متغيّر (القاهرة، 1971)، ص 147 ـ 148. (18) Peter Dodd and Halim Barakat. River without Bridges: Astudy of the Exodus of the 1967 Palestinian Arab Refugees (Beirut: Institute for Palestine Studies, 1968). (19) انظر دراسته التي كتبها مؤخّراً: “Social and Political Integration in Lebanon: Acase of Social Mosaic” Middle East Journal 27:3 (Summer 1973). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |