|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الأدب والتّصوير ـــ جوليان غراك ـ ت.زياد العودة الترجمة عن الفرنسية حسب معرفتنا, ليس هناك عمليّاً مصوّرون قد تفتَّحوا على فنّهم, وهم مسلّحون على أفضل وجهٍ بتقنيّتهم الشخصيّة, وامتلكوا ناصيةَ لوحةِ ألوانهم, ولمْسَتهم, ناصيةَ المزج فيما بين تلك الألوان, وتغطيتها بالفاتح والشّفّافَ منها. ويبدو أنهم جميعاً قد اكتسبوا مهنتهم على نحوٍ متدرّجٍ, وببطء, وعلى مرأى من الجمهور, وهذا ما يشكل إمضاءهم. أمّا الأدبُ فيكشف عن صورةٍ أخرى تماماً, لأن الكتابة والإنشاءَ هما أساساً المؤسّسةِ المدرسية. هناك عددٌ من الكتّاب الذين يكتبون, اعتباراً من أوّلِ كتابٍ لهم, مثلما سيكتبون طيلة حياتهم؛ ففي أعمالهم ومحاولاتهم, حين كانوا تلاميذ في المدرسة الابتدائية والثانوية, ثمّ حين أصبحوا طلاّباً, إنّما ينبغي أن نبحث عن نضوجهم المتدرّج الذي يظلّ نضوجاً فردياً, وهو ما جعلهم يمتلكون أداةً ناجزةً, منذ بداياتهم العامة, غير أن هناك أيضاً طائفة من الكتاب مختلفة تمام الاختلاف, قوامُها كتّابٌ ليسوا أدنى مستوى بالضرورة وتنشرَ أعمالُهم للجمهور, وهم لا يزالون غير ناضجين, ويكتملُ تأهيلُهم. الذي يكونُ أحياناً طويلاً إلى حدٍّ كاف, تحت أنظار القراء ذاتها, مثلما تنتهي عمليةُ الهضمِ في الهواء الطّلق, وفي الجيبِ البطنيّ, عند الحيوانات الجرابيّة. وكأمثلةٍ على هؤلاء الكتاب الرّفيعي الشّأن من النّوع الأوّل, هناك: "كلوديل", و"فاليري", و"ستندال", و"مونتيرلان". ومن النّوع الثاني, "شاتوبريان", و"رامبو" (الذي يشكّل حالةً جدّية, لأديبٍ مبكّرٍ في النّضج), و"بروست" و"مورياك". ثمّة ثمنٌ ينبغي أن يُدفع لقاء هذا التأخّر في التطوّر, وهو أن يتركَ المولّف جزءاً من أعماله المنشورة في حالة مسوّداتٍ أو تمارين, وأن يجرّ معه لزمنٍ طويل فضلاتٍ من الشّرنقةِ الحاضنة. وثمة امتيازٌ يمكن أن يكتسبَه أيضاً وهو الحفاظ على الاهتزاز الذي لا ينفصل عن الجهد في كتابته باتجاه شكلها المتميّز, وهو اهتزازٌ لا يختبرُه الكتّابُ الذين تلقَّوا موهبة الكتابة الجاهزةِ التي لا عيبَ فيها. *** إن البطء في فنّ الكتابة, وفي تنفيذها الآليّ هو الذي ينفّرني أحياناً ويثبط همتي منذ سنوات: إنه الزّمن الضائع الذي يخسرُه الكاتب حين يلقي بالكلمات على صفحةِ الورق, شأن الموسيقيّ الذي يضع العلاماتِ على المدرج. إن عملية نقلٍ ونسخ, تأتي على فتراتٍ مخيّبة, مثل نافورة ماء باردٍ تتوسّط بين تحريض الفكر الحارّ, والتثبيت المادّي للعمل. إن ما أغبط المصّورين والنّحاتين عليه, والذي يجعل (أو أتصوّر أن يجعل) عملهم باعثاً على الحبور الحسّي, ومنتظماً, هو الغيابُ التّام لتلك الأوقات الميتة ـ مهما تكن ضئيلة ـ هو معجزة الاقتصاد, وهي التغذية الاسترجاعية, تغذية اللّمسة, أو ضربة الإزميل التي تبدعُ وتثبّت وتصحّح بضربةٍ واحدةٍ في آن. إنها الدائرةُ المغلقة التي بُعثت فيها الحياةُ, من أوّلها إلى آخرها, وغدت مفعمةً بالحساسية, تجمع لديهم بين الدّماغ الذي يصمّم, ويأمرُ اليَدَ التي لا تحقّق وتثبّت فحسب, ولكنها تصحّحُ, وتدرِّجُ الألوان, وتوحي من غير انفصال ـ وهذا دورانٌ ليس فيه زمنٌ ميتٌ إطلاقاً, فيكون شريانياً أحياناً, ووريديّاً حيناً, ويبدو أنّه ينقل في كلّ لحظة, مادّية الفكرة نحو الدّماغ كما لو كان روح المادة. *** أحياناً أتحرّقُ شوقاً للكتابة ضدَّ التزَّلفِ المعاصر إلى الفنون التّشكيلية, وخصوصاً التزّلف إلى التّصوير. ففي السّوق, ينتشرُ تفوقُ التّصوير على الفنون الأخرى كافّة, على نحوٍ ساحق. إن "بروتون" يقرُّ بذلك جزئياً, من غير أن يقولـه صراحة, ومن غير أن يكتبه. أمّا "مالرو" ففي كتابه: "الإنسان المزعزع والأدب" يعالجُ هذا الأخيرَ وكأنّه زواجٌ غيرُ متكافئ, لا قوام له, وهو يأتي ليلتمع في مدىً متأخر, وبصورةٍ خاطفة, على أساسٍ موغلٍ في القدم, هو أساسُ النحتِ والحفر على الصّخر. قد لا يكون أمراً بلا أهمية أن يتساءل المرء لماذا ألقت الأديانُ التوحيدية الصّورَ إلى النّار, ولم تحتفظْ سوى بالكتاب في تلك القضية المفتوحة لزمنٍ طويلٍ جدّاً بين الكلام والصّورة. إن الكلامَ يقظةٌ, ودعوةٌ إلى التجاوز, أمّا الصّورة فتجمُّدٌ وانجذاب. إن الكتاب يفتح بعداً قصيّاًَ للحياة التي تسحرُها الصّورة وتجمّدها. إن الأولى منها (الصّورة) تحيلُ, على نحوٍ جليّ تقريباً, إلى المحايثة بلا تغيير, أمّا الآخر (الكتاب), فيُحيل إلى التّعالي (وهذا ما يصحُّ خصوصاً على الأدب ما بعدَ الوسيط, وعلى الرّواية بالأخصّ, والتي هي جانبهُ "الفاوستي" بامتياز. إن المأساةَ الإغريقية التي هي الشعار الأدبي للأزمنة القديمة, لتفعل فعلها بصورةٍ صارمة على شكل دارة مغلقةٍ, ولا تنزعُ إلاّ إلى صمتٍ نهائيّ يحجّرها. ورمزُها هو: "الأوديب" ذو العينين المفقوءتين أو "البروميثيوس" الذي يعذّبه النّسرُ, لا فرقَ في ذلك ـ فهو, في إحدى هاتين الحالتين أو في الأخرى, تمثالٌ كامل). إن ما يحيّرني, حين أزورُ متحفاً, وخصوصاً حين تكون قماشاتُ التّصوير (اللوحات) مصنّفةً تبعاً للمدارس, وبترتيبٍ زمنيّ, هو مظهرُ الرّوائع التي يجمعها ودلالتها النهائية أساسيّاً, والتي تُبطِلُ (بالمعنى الأكثر سموّاً) لحظاتِ التاريخ التي انتجتها, واحدةً إثر الأخرى, في الوقت الذي تمجّدها فيه. وتتركها خلفها, وقد عفا عليها الزمن على نحوٍ لا يوصف. إن ما يودعه قرنٌ ما, وما يورثهُ في فن الرّسم لديه, هو محفوظاتُه الخياليّة والمبهرة, ولكنها محفوظاتٌ دائماً. وهي مصنّفةٌ ومغلقة, وتطبعها أولاً أهليتها على الارتحالِ الثّابت عبر القرون (فيرجعُ إلى اللّوحة, والتمثال, وليس إلى ما هو مكتوب أن تقول: "تغيّرهُ الأبديّة كما يتغيّر في ذاته أخيراً") إنّه ترسّخٌ في الذاكرة, ممجَّدٌ وموطّد. ولن يتمكّنَ الزّمنُ ذاتُه من أن ينتصر عليه. إنّه الشعورُ المباشرُ الذي تنقلُه إلينا كلُّ لوحةٍ عظيمة, من خلال تلك الهيئة المتعالية والسّاحرة التي تمتلكها, شأن "دون جوان بودلير" للدّخول وهي تتقهقر على نحوٍ غير محدّدٍ إلى المستقبل. إن كلَّ تصويرٍ في جوهره استعاديّ ومن هنا تأتي تفاهتُه باعتباره عنصراً حضاريّاً فاعلاً. إن كافّة الخمائر التي ينقلُها فنُّ عصرٍ معين, إنّما الأدبُ هو الذي ينقلُها. فيمكن للوحةٍ ما أن تكون قد أدخلت السِّحر إلى لحظاتٍ معيّنةٍ لحياةٍ ما, بالمعنى السّحريّ البحت, غير أنّها لم تُغيّر أيةَ حياة (اللّهم إلاّ رسّامي المستقبل). ومع ذلك, فهذا ما صنعته كتبٌ كثيرة لا تُعتبر من بين الرّوائع, ولا تزالُ مع ذلك تصنعُه من سنةً إلى سنة. لأن الأدبَ والتخييلَ في الأدب, بصورةٍ جدّ خاصّة, هو في جوهره, اقتراحٌ لأحدِ الممكنات, لممكنٍ لا يطمحُ إلاّ أن يتبدَّل بصورةٍ محتملة إلى رغبةٍ أو إرادة. ولأن اللّوحة لا تقترحُ شيئاً, فبجلالٍ لا يتحرّك, ومحاصَرٍ, ولا يبلغه الأدب, فهي تمثُل كمحطةٍ أخيرة, على نحوٍ لا يتبدّل. *** في الحياة العادّية, يصنع النَّاسُ من أنفسهم تلقائياً صورةً للحريّات التي تتقدّم, متجوِّلةً وسط عالمٍ مادّي جامد, ويتعاملون معه, وكأنّه أداةٌ بسيطةٌ لما فيه راحتهم. ومن الصّعب أن ننتزعَ منهم الفكرةَ التي مفادُها أن الأمر في التّخييل مختلفٌ, لأن لديهم شعوراً مطمئناً بأن يجدوا أنفسهم فيه أي في ميدان المعرفة. إن الشخوص, في روايةٍ ما, كما في الحياة, تروح وتغدو وتتكلّم, وتتصّرف. فيما يحافظُ العالمَ على دوره الظّاهري والمنفعل كحاملٍ وكزخُرُف. ومع ذلك, فهناك أمرٌ يقرّب فيما بينها بقوّة, ولا يشغل أيّ مكانٍ في الحياة الواقعية: فالناسُ والأشياء, بعد أن يُلغى كلُّ تمييزٍ بينها, تغدو إحداها والأخرى بالتّساوي "مادةً روائيةً", مفعولاً فيها وفاعلة, ناشطةً وسلبيّة, وتخترقها سلسلةٌ لا تنقطع من الدّوافع والتجاذبات, والالتواءات الخاصّة بتلك الإوالة (الميكانيك) الفريدة التي تحرّك الرّوايات, وتدمجُ بلا عناء, في توافقاتها الحركية بين المادّة الحيّة والمفكّرة, والمادّة الجامدة, والتي تحوّل بغيرِ اكتراثٍ الذًّواتِ الموضوعات في الاستنكار الذي يمكنُ لكلّ فكرٍ فلسفيّ أن يدركه ـ وإلى مجرّد مواد ناقلة لشيء سائل. هل تظنّ أنك تعثر في روايةٍ ما, كما في الحياة, على الإنسان الذي يمتلك كافّة امتيازاته, امتيازات الاستقلال الذّاتي, بمواجهةِ عالمٍ مادّي يتصّرف به كما يشاء؟ تعال إذن لترى الرّوائي وهو يعمل في مستودع حاجياته, كما كان "أوميه" يقول, وهو يجري تحويلاته الخيميائية المتطلّقة مُقصياً الضميرَ الأخلاقيّ المتطلّبَ لبطله بركلةٍ من قدمه إلى إحدى الزوايا, وكأنه منضدةٌ صغيرة, لأنّ مخطَطه الأول الآن يتطلّب المكان كاملاً من أجل طبيعةٍ ميتة, أو يدمج شخصيته, ويدغمها بلا تكلّف ـ فيضخَمها ويصغرّها, فتكون قزمةً أو هائلة الحجم ـ يدمجها بممرٍّ لزراعة البقول, أو بصالةِ الجمهور في الأوبرا, أو بمغيب الشمس؛ فبالنسبة إليه, عشرة أسطر عن المنازعات الضميرية, أو عن أثاثٍ من طراز لويس الخامس عشر, وبصورةٍ عميقة معينة وجوهرية, تعتبر أمراً واحداً. وبهذا المعنى فقط, إنّما يكون للتخييل الحقيقي علاقات بالتصوير, "كالتصوير بالشّعر"(1) إن التحريك الذي تمتلئ به الرّواية والذي تتضاعفُ فيه الحركةُ التي تحاكي الحياة بالحركة الخاصّة بعملية القراءة, التحريك الذي يبعدُها للوهلة الأولى بعنف عن الصّور المتجمّدة, صور قماشة الرّسم المصوّرة, إنما هو خداعٌ بصريّ لا يمكن أن يخدع بصورةٍ أساسيةٍ؛ فكما تصنع اللوحة تماماً من عددٍ من الديسّمترات المربعة لقماشةِ رسمٍ مطليَّة بالألوان, وليس لأي منها قيمة مختلفة عن غيره, فإن الرواية تصنع من عدد معين من آلاف العلامات المطبوعة التي تتكافأ فيما بينها باعتبارها مادة الرواية تكافؤاً مطلقاً, أيّاً كانت الدّلالاتُ التي تُحيلُ إليها, لأن "كيانَ الرواية الكلي" هو القيمة الوحيدة والمتساوية بالنسبة لكلِّ الدّلالات, ولزمنِ القراءة, وللتصوّرات التي تجعل هذه العلامات تنبثق. "إن حياة" روايةٍ ما ـ إذ أنها تحتوي حياة غير مرّة, كما يبدو ـ لا تُعزى بعد فوات الأوان إلى التّحريك الظاهري وحده, تحريك شخصياتها, إلاّ من خلال مماثلةٍ غريزية, وخادعة, مع العالم الواقعي الذي يتحرّك فيه, في الواقع, الأحياءُ وحدهم, وهم الذين يحرّكون: إن هذه الحياة ليست بحدّ ذاتها مختلفة عن "حياة" لوحة ما تتدخل فيها علاقاتٌ لونية, ومساحاتٌ بين عناصر لا حراك فيها فحسب. أمّا أن تبقى الغلبةُ في مواجهة العمل للإدراك في حالةٍ ما, وللعقل في حالةٍ أخرى, فيدعا للخيال تلاعباً أكثر حرية, فهذا لا يُدخل بين التصوير والتخييل اختلافاً أساسيّاً من حيث المجانسة الخفيّة التي تجري فيهما بين الحيّ والسّاكن. إن روايةً "لبلزاك" ـ على سبيل المثال ـ قد يخطر للمرء أن يتلهى بالخفيف من مشاهد التصوير فيها بغرضٍ وحيد هو إزالة الدّسم منها (وكان قد تمنى إنجاز هذا المشروع نقّادٌ جادّون في القرن الأخير) لن تستحضر إطلاقاً منزلاً جرب فيه ترتيباتٌ لتوفير مزيدٍ من الاتّساع, بل سيستحضر, على الأصحّ, جناحَ كنيسةٍ قوطية جرى تهديمُ أنصاف قناطره من باب التّوفير. *** تدهشني السّذاجةُ الثاقبة, وإحكامُ العبارة الكثيف والمباشر، والفظاظةُ النّافرةُ عند المصّورين والنّحاتين والموسيقيين, ومعظم فنّاني اليد والعين والسّمع, حين يكونون قادرين على الكلام عن فنّهم, وإلى جانبهم, لدى الكاتب الذي يتكلّم على الكتابة, يكون كلُّ شيء مغالاة أو انكماشاً إلى حدٍّ كبيرٍ غالباً, وتمويها وتذرُّعاً. وتكمنُ أسبابُ هذا في غموضِ الأدب العميق الذي يعمل فيه ألفُ عامل انتقال, فيجعل المادّة تختمر بقدر ما يجري إعدادُها. إن التفسير الذي يجري على فنّ الكتابة يختلط, منذ ولادته, بنتاج الكتابة على نحوٍ لا مفرَّ منه؛ فالفنّان التشكيليّ الذي يبتعدُ قليلاً, ويسعى لفهمِ ما يقوم به يكون أمامَ قماشة الرسم, كما يكون أمام مرجٍ أخضر لم يُمسّ. أما بالنسبة للكاتب؛ فالمادةُ الأدبيةُ التي يُريد أن يقبض عليها في نضارتها, إنما تشبه ما يمرُّ من المعدة الثانية إلى المعدةِ الثالثة لحيوانٍ مجتّر. *** إن الألوان الزّرقاء والذّهبية عند "فراأنجيليكو" هي: سطوعُ وتألُّقُ ملابسِ المذبح. أمّا الألوان الزرقاءُ والصفراء لدى "قيرمير" فهي: غياب الرّنين المشبع, وتشرُّب اللّون من جهةٍ إلى أخرى بمادّةٍ كامدةٍ, وكأن علمنة الفنّ قد كانت ضمّنت أيضاً نزعاً لروحانية المادّة. إن ألوان "الهولنديّ" هذه هي نسغُ الأرض, ولم تعدْ إشعاعاتُ "زيارة العذارء لإليزابيت"؛ فمنذ مرسة "بيزانطا" و"أنجيليكو" لم يعدْ التّصوير يجرؤ أبداً ـ وهو يستطيع ذلك ـ أن يرتدي "لباس الأنوار" أكثر مما تسمح السُّلطة اليوم لنفسها بصفوفِ العسكر الذين يحملون راية الحرب, وبجوقات نافخي الأبواق. زدْ على ذلك أن كلَّ شيء يجري وكأن كلَّ فن, أثناء نضوجه, كان ينزع إلى أن ينزوي في المستوى الوسيط لوسائل تعبيره, وبقدر ما تكبر فيه متطلّباتُ مادّته, وبقدر ما تمرُّ المبادرة عند الفنان, تدريجيّاً من الفكرة أو الرؤية, إلى الكلمات, وإلى اللّون, لكأنّ قانوناً غير مكتوب يأمر الكلمات واللّون بالتكتّم والتحفّظ, ويلزمها بأن تحجب التألق شديد الإثارة الذي قد ينشر كلَّ تأثيرها. وقد كان ذلك واضحاً في الفن الاتباعي, وعند "راسين", بين الجميع خصوصاً. *** إن التصوير وحده أو النحت اللذين هما من المرتبة الأولى, يثبتان على قماشة التصوير أو في الرّخام صوراً للجمال الأنثوي تفلت من تأثير الزمن؛ فلا التصوير الفوتوغرافي, ولا الفيلم (السينمائي) يمكنهما ذلك؛ فبعد ثلاثين سنة أو حتّى أقل تظهر فيهما كلّ وجوه النساء بلا استثناء, وقد عفا عليها الزمن, لأن هناك دُرْجةً للوجوه الحيّة, وليس درجة للتبرّج (للماكياج) والتسريحة فقط ـ (ومع أنها أكثر بطئاً), فهي متبدّلةٌ باستمرار, كما هي حالُ تفصيل الملابس, ونخمن أن الأدب الأكثر رقيّاً حتّى ـ إذا ما توصّل, نتيجة لمصير مشؤوم معين, أن "يعرضَ الأشياء" بواقعية؛ فهو لن يفلت من هذا النّوع من الشيخوخة, وأن "أوديت دوكريسي", عند "بروست" مثلاً, بحدقتي عينيها "اللتين كانتا تبدوان وكأنهما على حافة الجفن الأسفل المغني تتهيئان للانفصال عنه مثل دمعتين" لا تمثل, في حقيقة الأمر , إلاّ أختاً توأماً أرفع شأناً مما هي عليه, في أدنى درجات السّلّم, فتياتُ الجدارِ المرسوماتُ على البطاقات البريدية الشعبيّة للعام 1914, أو في مرتبةٍ وسيطةٍ ـ مما هي عليه نجوم الشاشة الصامتة التي لم تزل في عهد حداثتها, من مثل ماري بيكفورد ـ بالانحناء الأدنى للعين المائلة ميلاً شديداً, مثل قوقعة بلح البحر. وذلك لأن إغراء المرأة لا يمارَسُ على الفنان كما على موظفٍ في متجر, إلاّ تبعاً لمعايير الجمال الدّارج، أمّا المصوّرُ, فحين يصوّرُ عشيقته, لا يبقى مغرماً إلاّ بلوحته ومتطلّباتها ـ فيما لا يمكن لليد التي تُمسِك بالريشة أن تقوم بالإظهار إطلاقاً, لأنها تستدعي استدعاء, وتصنع اللون الذهبيّ بالرّصاص بسهولة, من غير أن يكون عليها أن تقوم بالتحويل, أو أن ورقةً نقديّة غريبة ذات قيمةٍ ائتمانية تماماً يجري تداوُلها, بدلاً من الذّهب, ومع كلّ ما للمعدنِ الثمينِ من قيم, من غير أن يكون لأحدٍ الحقُّ قط في أن ينظرَ إلى الرّصيد. *** إلى أيّ شيء ترجعُ الإخفاقاتُ المتكرّرة للتصوير التمثيلي في تقديمه لقوس قزح؟ من الممكن بالتأكيد أن يصرف عنه المصّورَ الحقيقيَّ إفراطٌ في جماله المتباهي, بسبب شكله الجاهز المثير. ولكن أليس من المحتمل أكثر من ذلك أن يكون هناك سببٌ آخر؛ فما يحولُ دون دمج قوس قزح في لوحةٍ ما, ليس صعوبةً تقنية لا يمكن تخطيّها, بل الإقرار بأنها تشكّل كلَّ العناصر الطبيّعية بلا استثناء من إخفاق المصوّر في أنه يخضع لتعسّف رؤيته الشخصيّة المنظمة, إن قوسَ قزح هو إدخالُ صيغةٍ انكساريةٍ على كلَّ استبدال, وسط سنفونيةٍ ملوّنةٍ مكتوبةٍ بكاملها في مفتاحٍ ذاتيّ. إن موانعَ كهذه يُبلّغها التصويرُ تصلحُ للأدب كذلك. *** "النّسخُ في الفن".يعرضُ "جيورجيو شيريكو" في قاعةٍ عرضٍ بلجيكية؛ فنجد في الصفحة الأولى من الفهرس صورة الفنّان بشخصه الكامل: إنه يرتدي الزّي الأكاديمي, ثقيل الوزن, بدين, ووجهه مفرغ من التفكير, وغنميٌّ وبليد تحت شعره الأبيض الصوفي, ويداه متصالبتان على كرشه المتقدّم. وهو يجعل المرء يفكر في آن بحفّارٍ متقنّعٍ برداء أخضر, و"ببيرتان" الذي صوّره السيّد "إنغر", فله عرضُ المنكبين ذاتُه الذي يُنيخُ بثقله في جوّ من الرّفاهية البورجوازية, والبسمة الهازئة نفسها, بسمة الرضى الماكرة الشّبعانة. إنه يبلغ الثامنة والثمانين من عمره. وبعد أن غاص خمسين عاماً في العمل الأكاديمي, هاهو يُعيد الآن, من غير أن يجري تعديلات, صُنْعَ لوحاته التي كان يصوّرُها وهو في الثلاثين من عمره: من مثل الشّوارع ذات الأقواس, والأبراج الوردّية, والسّاحات الخالية, وتماثيل الفرسان ذات الظلاّل المستطيلة, ومداخن المصانع, والقاطرات الانفرادية ـ إنها "آلهةُ وحي", رؤوسُها حبابات, وتماثيل لعرض الملابس, وبكرات وأكواس (مثلثات), وحبّات أرضي شوكي ـ فيؤلِّف مجدّداً فيما بين عناصرها, مثلما يركّب المرءُ آلة مفككّة ـ وهذه اللّوحات, التي هي أشبهُ ما تكون باللّوحات المغشوشة, وهذه اللّوحات المزّيفة, والتي لا روحَ فيها, والتي لا يمكن للمرء أن يشكّ بأنها تتنازلُ على مضضٍ إلى أقصى حدّ, بعد حَرَدٍ طويل, لتستجيبَ لطلب السّوق وحده, لا تتميز بسهولة عن تلك التي كان يصوّرها قبل نصف قرن؛ ففيها شريطُ السّماءِ الأصفر نفسه على مستوى الأفق, وتحت قبّةٍ ثقيلةٍ خضراء, وجاذب الرّواق المقنطر المنتصب ذاته, والجدران الواطئة نفسها التي تحجبُ موكبَ المقطورات في النّور المعاكس, وكلّ ما محا, بالنسبة إليَّ مسبقاً, ومنذ البداية, أفضلَ ما كان لا بدَّ للتصوير السّوريالي أن يعطيه فيما بعد. إنه أحدُ أول الفنانين الذي أتاح له توفيقٌ نادرٌ إلى حدٍّ كافٍ من عدم الاكتراث المبكّر, والاستخفاف, وطول العمر, أن يكون هو نفسه مزوِّرَه الخاص, بصورةٍ علنيةٍ وواعية. وهذا القطُ الأبيض السّمين والماكر الذي اصطاد الكثير من الفِئران, وهذا العامل الفظّ في التصوير الذي يرمق بكثيرٍ من المراءاة, من عتبةِ فهرسه, جمهور قاعات العرض, يطرح على هذا الباب لغزاً مثيراً للسَخط. لا يمكن, في حقيقة الأمر, تصوّرُ شيء من هذا القبيل في الأدب, وإنه لأمرٌ ذو دلالةٍ, من جهةٍ أخرى, أن تكون عناوينُ لوحاتِ "شيريكو" الحديثة العهد, وأكثر مما هو الأمر أيضاً بالنسبة للّوحات, هي التي تُبرز تراجعاً ملحوظاً, فإن "الماورائي في الصّيف" و"فرحَ الألعاب" و"لقاء غير منتظر", لا تضاهي عناوين الزمن الماضي التي كانت تأتي فوراً لتتسجّل في مركز الهدف, من مثل "لغز النبوءة" و"البرج الوردي" و"كآبة شارع وسرّه الخفيّ". ثمّة في كلّ ما يتّصل بنتاجات الكتابة الشعرية تطلُّبُ سخاءٍ شبه جنسيّ ليس له أيُّ حظّ في أن يكون بالإمكان تقليدُه, بعد مرور خمسين عاماً. أمّا في التّصوير, حين يخطر في ذهننا "تيسيان" المئوي الأعوام تقريباً, وريشة "رينوار" المشلول التي تقوّم الأعضاء, و"شيريكو" هذا المبعوث من جديد ـ فنقول إن الأعمال الفنيّة لا يدفع ثمنها كلّها من مادّةٍ جوهرية حميمة بالتّساوي. وحين يُكسَر بابٌ بعد عناء, وحين يعثر المرءُ على مدخلٍ إلى الكنز, يتوفّر للمصوّر ما يشبه حقاً مكتسباً لتحويل لقيته إلى نقود, وهو حقٌّ ملكيّ لإعادة استخراجِ نسخٍ أخرى منها, من غير أن تكون هناك خسارةٌ حقيقية في صدق أصالتها. إن اللّوحات "الورديّة" "لبيكاسّو" والراقصات وكوّاءات "دوغا", وزهور "رودون", و"أنوار" "لاتور" تقيم فيما بينها علاقاتٍ جدّ وثيقة وأكثر آلية من تلك التي تقيمها فيما بينها (مثلاً) قصائد "الإشراقات" أو قصائد "أسطورة القرون"(2): من غير أن يأتي شيء في ذاتنا ليعترض على ذلك؛ فنحسُّ أنها تشكّل في آن جزءاً من الطّابع الحاسم من الاستثمار الفريد والاقتصادي للسّلسلة؛ فمن عملٍ من هذه السّلسلة التصويرية إلى عملٍ آخر, يكون تطلُّبُنا لتعديلٍ ما أكثر بساطة وأكثر إيجازاً من ذلك التعديل الذي قد نجعله يبرزُ عفويّاً بمواجهةِ قصيدتين من الدّيوان نفسه (إن الدّيوان الوحيد, حسب علمي, يظهر على وجه التقريب هذا التجانس المتسلسل في المادة الخاصّة بنتاجاتِ التّصوير هو ديوان: "الاحتفالات الغزلية" "لفيرلين" وهو الدّيوان الذي يبدو أنه, من جهةٍ أخرى, قد ألهم موكباً من اللّوحات "لفاتو" وليس هذا أمراً يخلو من الدّلالة.) ينبغي بلا شك أن نرى, في جزءٍ من الأمر, استمرارَ راسبٍ تاريخيّ لم يجر امتصاصُه بعد, من جهة, وهو كونُ المصوّرِ قد احتفظ زمناً طويلاً بوضعيّته كحرفيّ, عبدٍ لزبائنه, وهي وضعيةٌ قد أفلتَ منها الأدبُ بسرعةٍ أكبر فعلاً بسبب أهلية النّص لكي يُنتَج من جديدٍ على المراد, بعيداً عن قلم المؤلِّف ورأيه؛ فقد كان المصوّرُ حتّى قرننا هذا تقريباً منتجاً للصّور حسب الطّلب. وقد كانت تتدفّقُ الطلّبياتُ إلى منزله, وتتكرّر بحثاً عمّا كان يُحسِنُ عمله فيه أكثر من غيره تحديداً, أو ما كان يُحسن عمله وحده: الأنوار, بالنسبة "للاتور"(3) والرؤوس المركبة عند "أرسيمبولدو"(4), وحتى أيضاً, خرداوات عسكرية عند "ميسونييه" (إن وجودَ أسرارٍ, وحتى حيل مهنية يخفيها بعضُهم عن البعض الآخر ويسرقونها, مثلما يمكن للطلاَّئين والخزّافين, وحتى الطّباخات أن يفعلوا, يميّز اليوم أيضاً المصوّرين وحدهم.) إن المصوّرَ, حين ينسخُ نفسه, يفيد اليوم, من خلال ذلك أيضاً من تأثيراتِ تساهلٍ عفا عليه الزّمن, ولا يزال حيّاً. ونحن نتذكر أنه كان مرغماً على ذلك بسبب عبودية المتعهّد. غير أن هذا التساهل الآخذ بالتلاشي لا يفسّر لماذا تبقى المحاكاة الأدبية ـ أساساً ـ تلهّياً ليس له مغزى, فيما يصبحُ التزييف في التصوير صناعةً, وصناعة تتجذّر في جزء منه في ممارسة الفنانين الحقيقيين الشّائعة. لعلّه يكون من المفيد هنا أن نفكر بكلّ ما يفصل "المادّة المحرّكة" التي يشتغل عليها المصوّر عن "الموضوع" الذي يكون الرّوائي أو الشاعر قد أخذ على عاتقه معالجته. من المتعذّر أن يستنفدَ المرءُ الإمكانات الكامنة لمادّةٍ محركة من دون أن يعدِّدَ زوايا النظر, ومن غير أن يحوم حولها تقريباً؛ فمجموعات المناظر, عند "كلود مونيه", شأن الوجوه المتعدّدة الجوانب عند "بيكاسّو" تعدّان وسيلتين متضادّتين ومتساتلتين للإقرار في آنٍ واحد بتناقضِ فنٍّ تشكيلي معيّن محصورٍ في مكان ذي بُعدين, وتخطّي هذا التناقض. أمّا المجموعة المتسلسلة فيكون أساسُها موجوداً بصورة طبيعية, وعلى العكس من ذلك تماماً؛ فأكثر ما يقترب به الأدب من لوحةٍ ما, وهو الوصف, لا يشبه في شيء سلسلة من اللقطات التي تتدفّق باستمرار من مركزها. إن كلَّ وصف في الأدب "طريق" (وقد لا تؤدّي إلى أيّ مكان), طريقٌ ننزلها, ولكن لا نصعدها ثانية أبداً؛ فكلُّ وصفٍ حقيقيّ انسياقٌ لا يحيل إلى نقطةِ ابتدائه إلاّ على النّحو الذي تحيلُ به السّاقية إلى منبعها, انسياقٌ يتجه إلى حقيقته الداخلية وحدها, والتي هي استيقاظٌ لدينامية خارجة عن المركز, وذلك بأن يدير لها الظهر ثقةً بها ـ وعيناه مغمضتان تقريباً. إن التعذّر الكامل لما هو لحظيّ ـ الذي يرجع إلى امتداد عملية القراءةِ في الزمن, والذي يستبعد كلَّ لحظةٍ, في الوقت نفسه الذي يضيف فيه ـ ويؤسّس التناقض الخاصّ بالأدبِ الوصفي؛ فهذا الأخير يحاول أن يحلَّ ذلك التناقضَ بتغيير الرؤية إلى حركة, غير أن هذه الطّريق, التي هي حلٌّ ضمني, طريق أكبرِ سرعةٍ للمدّ التخيّلي تستبعد, كما ندرك ذلك, في النتيجة, كلَّ محاولةٍ للتكرار. أن نَصِفَ معناه: أن نستبدل بالتقاط الشّبكية اللحظيّ متتاليةً مترابطةً من الصّور التي تتتابعُ في الزمن. إن الوصف الذي يتّفقُ اتفاقاً عميقاً دوماً مع ممهّداتِ مسرحةٍ معينةٍ لا ينزعُ إلى كشفٍ طمأنيني عن الموضوع, بل عن خفقٍ للقلب يحضّره رفعُ السّتار. إن هذه الصّفة, صفةَ التمهيدِ المسرحي لا تظهرُ في أي مكان أوضح مما تظهر في وصف "الميشاسوبيه", في بداية "أتالا"(5), والذي يضع نغميةً معينةً, وينقسم إلى حركاتٍ متباينة, ويزداد حماسة إلى أن ينفجر أخيراً, في اجتماعٍ ختاميٍ لكافة الأصوات, اجتماعٍ لافتتاحيةِ أوبرا. إن التصوير يظلُّ, بالنسبة لي هو العالم الذي يجلب الانتباه إلى قلبه المغلق أحياناً تحت شكلٍ من ضروب الوجدِ التي يحقُّ لها أن تتكرّر دون أن تتشابه. الوصف هو العالم الذي يفتح دروبه, فيغدو درباً سبق لأحدهم أن سار فيه, أو سيسيرُ فيه. أقرأ كتابات "ماتيس" في التصوير: مقتطفاتٌ من رسائل, مقابلات, ملاحظات تقنية, وبعض الصفحات الأكثر اتساعاً أحياناً. وهي حاسمةٌ بكلّ اطمئنان, بحيث يمكن أن نطلق عليها أنّها إعلاناتٌ عن رأيه. إن فيها نزاهةً لا صخبَ فيها, ونضارةً مخدٍّرة, واقتراباً دقيقاً وحرفياً من مادّة فنّه, وهي أمورٌ تروق لي للغاية. وإذ يتوافق مع "بونّار"(6), حتّى لكأنهما راهبان بينيديكتيان(7) يستعلم كلٌّ منهما من الآخر, وعلى نحوٍ متحضّر, عن تقدُّم أعمالهما التوأمية, ويتعاونان فيما بينهما من غير أنانية, ومن غير ضيقٍ في الأفق لملازمةِ الحقيقةِ عن كثب. وهكذا, فإن عالمين يبحثان عن حلّ لمشكلةٍ صعبة في علم المناعة, أو الوراثة لا يزال يمكنُهما وحدَهما, كما نتصوّر, أن يتراسلا, من غير أن يخفيا شيئاً من تجاربهما وفرضيّاتهما معتمدين على المراعاة القليلة لكبريائهما بمواجهة الأهمية الكليّة الموضوعية, أهمية الاكتساب. وهذا ليس ممكناً لأديبين, للأسف! إلاّ ربما في تلك الحالة غير المحتملة لوجود شخصين من مثل "مالارميه" معاصرين. ثمّة مراسلات بين كتّاب قد أغنت كلاً منهم, بلا شكّ. وإذا ما وضعنا جانباً الرَّسائل المتبادلة بين "فلوبير" و"مكسيم دوكان" أو بين "مالارميه" وشاعر رمزيّ معين, حيث يبدو عدمُ التوازن في الإسهام المتبادل صارخاً أكثر من اللاّزم, فيمكنُنا, على الأقل, أن نذكر, في عهد قريب, ما نعرفه عن المراسلات بين "جيد" و"مارتان دوغار". إنها لا تتخطى مرحلة النقد المتبادل والمحرّض. ولا شيء في هذا التعاون المتبادل الصّوفي تقريباً, والذي تجري ممارسته يسيرُ على طريق الإتقان. في البحث عن ذلك الفردوس, فردوس التصوير الذي يبدو موجوداً لدى بعض المصوّرين على نحوٍ ملموس, والذين يورد "ماتيس" المصطفين فيها عند الحاجة, والذين ولجوا إلى المدخل عنوة بالتأكيد, من مثل "جيوتو" و"سيزان" و"يبيترو ديلاّفرانسيسكا" و"شاردان". هناك فارقٌ ضمنيّ في طبيعة علاقات الكاتب بفنّه, وهو يفصلُه هنا عن كافّة الفنانين الآخرين تقريباً؛ فمن الممكن أن يكون هناك قدّيسون للموسيقا (وكلُّ واحدٍ سوف يذكر باخ), وقدّيسون للنحت: نحاتو الكاتدرائيات وهناك بالتأكيد قدّيسون للتصوير (كماله عَبَدةُ شيطانه: كبيكاسّو), وليس هناك شكٌّ في أن مقاربتهم الفرنسيسكانية للحقّ أكبر من مقاربتهم للجميل. وليس هناك قدّيسون للأدب؛ فحتى مع فسحةٍ زمنية طويلةٍ تعطى لهم للمجد وبعد الموت, ليس هناك إلاّ أصحاب بدع منغلقون ضمن بدعتهم الفريدة, ولا يرغبون في تقرُّبِ القدّيسين. وهناك جوقةٌ من المصوّرين الموتى الذين يحتفلون لنا في موطنِ الآلهة, من "فيرمير" إلى "شاردان" وإلى "سيزان", بأفراح السّلام التي لا توصَف من خلال التّصوير الحقيقي؛ فلا "رامبو", ولا "بودلير" ولا "كلوديل" ولا "راسين", ولا "ستاندال", ولا "روسّو", ولا "فلوبير", يلتقون بعد موتهم أيّاً كان (برغم كلِّ جهود كتب الأدب الوجيزة) لكي يحتفلوا معاً بحياةٍ توحيديةٍ في الشعر ـ وتظلُّ جنتّهُم, جنّة عدن هي جنّة الشِّعاب التي تتفرّع. *** إن السنواتِ الخمسَ عشرةَ الأخيرة التي يبدو أنَّه ليس من الضّروري أن يُحسَب لها حسابٌ كبير في تاريخ أدبنا, قد جلبت تغييراً في صناعةِ النشر, وفي تجارة المكتبات أكثر من ذلك الذي شهدته هذه الصّناعة وهذه التجارة منذ "غوتنبرغ"؛ فلقد تباطأ تاريخ الأدب, مؤقّتاً على الأقل, وقد احتلّ تاريخ الكتاب المكان بكامله؛ غير أن مما يبدو لنا اليوم تجديداً في الأدب يملأ, على العكس من ذلك, تاريخ الرسم الغنيّ بتلك المراحل التي كانت أهمية التحوّلات تتجه, عوضاً عن الأعلام والمدارس إلى التقنية, والمادّة, والمسندِ, والسّوقِ فكانت هي كلّ شيء من مثل "ابتكار التصّوير الزيتي, والانتقال من التصوير الجداري إلى التصوير على الحمالة, وإلى الزبائن" إلخ... (1) باللاّتينية في النصّ. (م: ز.ع). (2) مجموعات شعرية هي على التّوالي لرامبو وفيكتور هيغو (م: ز.ع). (3) مصور فرنسي يصوّر بالباستيل. (4) مصوّر إيطالي, كان يصوّر وجوهاً مركبةً من الزهور والفواكه والقواقع والأسماك. (م: ز.ع). (5) وصف الميسيسبي في رواية "أتالا" لشاتوبريان (م:ز.ع). (6) بونار: مصوّر فرنسي (1867 ـ 1947) اشتهر بألوانه المرهفة. (م. ز.ع). (7) نسبة إلى القديس الايطالي بينيديكتس. ت: 547. وقد أسس رهبانية تنسب إليه لتنظيم الحياة الرهبانية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |