مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 121 شتاء 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الأدوار ـــ قصة: غزالة عليزاده* ـ ت: سليم عبد الأمير حمدان

الترجمة عن الفارسية‏

ـ الأول ـ‏

كان رضا ومينا يهبطان سلالم فندق زرِّيك؛ كانا قد تزوجا حديثاً، يوم الجمعة، الثالث عشر من أيلول سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين. كانت مينا قد أمسكت حاشية التنورة التفتة الزهرية، إلى أعلى، تبتسم وتوكئ رأسها أحياناً على مرفق الرجل. كانت نظرة رضا تشع. اجتازا الطريق الرملية، وضعا أقدامهما على النجيل، ذهبا قرب البركة وجلسا على صخرة مسطحة، أخرجت مينا قطعة خبز من جيب التنورة، قطعتها وأعطتها للبط غطّس رضا رؤوس أصابعه في الماء البارد. كانت خصلات الشعر الأشقر للمرأة تشتعل شرراً في نور الماء والشمس. وتحت بشرة الوجه الريانة، كان عسل ربيع الشباب يدور مع الضربان غير المستقر للبيض. حدق الرجل إلى عينيها: "أوه، أيها الجمال الخالد!".‏

ـ الثاني ـ‏

وضع علي خليلي قلم الحبر الجاف على المنضدة، أرَّث سيجارة وتثاءب، نهض وصب قدح شاي داكن، وشربه جرعة جرعة. كان يبقى صاحياً في الليل، يجلس في المطبخ ويكتب؛ فالنور يزعج زوجته فرنكَيس. حدق إلى رسم الورود على الملاءة النايلونية، وخلّل شعره بقبضته: "قصة شهر العسل! ليست رديئة! ولكن كيف أنهيها: نهاية طيبة؟ أو كدرة؟ على كل حال، ينبغي أن تكون جديدة".‏

كان يشتغل في صالة المدينة. يعود بعد الظهر إلى البيت. يذهب عصراً إلى المتنزه، يتمشى على امتداد الجدول، تحت ظلال الأشجار ويفكر: "حملاً وعبثاً ينقضي الزمان، ولكنني واقف، أخشى الكبر والموت، لا أتوحد مع أحد". وضع يديه في جيبيه: "ومن الجهة الأخرى.. في هذا القفص.. لا أدري، ينبغي أن أكتب!".‏

ـ الثالث ـ‏

رفع علي رأسه عن الدفتر وحدق إلى الزقاق المقابل، كان يختلف اختلافاً شديداً عن البيوت حوله. فالأواوين والشرفات غارقة في عشقات أرجوانية، وقد تسلقت بضع سيقان فارتفعت عن السقف الجمالوني وراحت تهتز في الريح، والبويبات السنانية فقدت لونها من إشعاع الشمس، ووراء الستائر السميكة لم يكن يضيء مصباح.‏

ـ الرابع ـ‏

كان القمر يشع. ومينا تجلس في كرسي راحة على شرفة الفندق، موكئة رأسها على متكأ ظهر(1)، وكانت حاشية تنورتها الحرير الزرقاء تحتك بنعليها المخمليين المزينين بالترتر. مدّ رضا، والفانوس بيده، قدما إلى الإيوان. كان يفْرق شعره من الوسط، وقد مشط شعره الأسود اللامع إلى وراء، سأل: "ألا تحسين برداً؟".‏

وجهت العروس الجديدة وجهها نحوه، لمع القرطان الماسيان الدمعيان بين شعرها، همست: "لم لا؟! في الليل يبرد الجو كثيراً".‏

وضع رضا الفانوس على الطاولة، ذهب إلى الغرفة وجلب شالاً، ألقاه على كتف المرأة: "صار أحسن الآن؟".‏

هزت مينا رأسها موافقة. جلس رضا قريباً منها، وسحب إلى صدره ـ بتنفس عميق ـ عطر ما وراء أذني المرأة: "أيتها السيدة الصغيرة! سيدتي! لقد انتهى عصر الفراق".‏

قلبت مينا شفتيها: "انتصرنا، لا؟ لماذا اشتريت ببغاء مينا(2)؟".‏

طوق الشاب كتفي المرأة: "لذكراك! إنه لا يتكلم، ولكنه يقول ـ متى ما أعجبه ـ مينا!".‏

نظرت المرأة إلى يديها: "يا له من طائر عجيب! أهذا من الهند؟".‏

غاص رضا في الفكر، وبعد سكوت طويل قال:‏

ـ ربما يكون من هناك! فالببغاء يجلبونه من الهند، يقيناً! في عالم الرؤيا كنت أرى دائماً هذا المشهد، أنا وإياك واحد، في حضن الطبيعة". تململت مينا داخل كرسي الراحة: "أنا أعشق الطبيعة. (تنهدت). على ساحل البحر، عند غروب الشمس، والزوارق. رسمت هذا المنظر على مخمل أسود".‏

ـ سنذهب غداً إلى (جمخاله) فنجلس قرب البحر ونأكل سمكاً مشوياً". رفعت مينا سبابتها: "دجاجا مشويا!".‏

ـ ما تهوين! تعهدي فقط بأن تحبي زوجك دائماً".‏

احمرت مينا وابتسمت: "زوجي؟! ما زلت غير مصدقة، كأنني أحلم". ضغط رضا مرفقها: "فأنت لا تحبينني إذن؟"‏

سال الدمع من عيني مينا. غطت وجهها بيديها، وبين نشيجها قالت بصوت مرتجف يصدر من قعر الحنجرة: "كلا! كلا!".‏

نقت الضفادع من ناحية البركة، نظرت مينا إلى القمر: "جميل جدا!".‏

داعب رضا خدها برؤوس أصابعه: "أنت أجمل!".‏

سحبت العروس الجديدة مخاطها إلى أعلى.‏

راح الشاب يغني: "عقرب سالفك المعقوص قرين القمر ما دام القمر في العقرب فهذا ديدننا".‏

ـ الخامس ـ‏

دقت الساعة المنضدية. فتح علي عينيه، تثاءب وجلس في الفراش. ألقى نظرة فيما حوله، كان مكان رأس فرنكَيس قد بقي على الوسادة في الطرف الآخر من السرير، وقد التصقت بضع شعرات شقراء على المفرش الكتان. كان لباس نوم المرأة الأخضر ساقطاً على السجادة، وذرات عطر (جورجيا) المتناثرة تجول في الغرفة مختلطة برائحة جسد فرنكيس؛ عطس علي، نهض وانتعل خفّه المصنوع من جلد كلب البحر. كانت شعرات ناعمة سود قد تساقطت منه، من هنا وهناك، كان هدية فرنكيس من سفرتها إلى ألمانيا. غسل يده ووجهه وذهب إلى الصالة. كانت المرأة تتريض تحت النور الأزرق والبرتقالي لزجاج البويب الملون. كان اللباس الأسود الملتصق يقولب بدنها، وقد التصقت خصلات من شعرها المصبوغ أشقر على جبينها المتعرق. كانت ترفع ساقيها على إيقاع موسيقى تنطلق من مسجل الصوت، وتُميل جسدها يساراً ويميناً.‏

جلس علي عند زاوية الجدار، وأشعل سيجارة.‏

صرخت فرنكَيس: "لا تدخن هنا‍"، كان صوتها منكسراً ومشروخاً، وأرنبتا أنفها القصير تنفتحان وتنغلقان سريعاً. في ضوء النور الباهت، بدا ووجهها وكأنه من شمع، زلِقاً عديم الاعتبار.‏

قطب علي. ذهب إلى المطبخ ساحلاً قدميه، كان فتات خبز محمص عديم الملح متناثراً على المائدة. كانت ذبابة تئز في فنجان قهوة خال. وضع علي الفنجان تحت الحنفية: "لماذا لا تخرج اليوم؟".‏

خلع النعلين، ودقهما على الجدار: "أتمنى أن ألجأ إلى الطبيعة (جلس إلى المائدة، وأمسك رأسه بيديه) لا أستطيع التصميم، صرت عبداً للعادة".‏

رفع رأسه ونظر إلى البيت القديم، كانت البويبات مغلقة والستائر مسحوبة بكاملها. وضع قدماً في الصالة. كانت المرأة تخطر أمام مرآة بالحجم الطبيعي، وتمسح بيديها على تقعير خصرها.‏

سألت: "كيف قوامي؟".‏

جلس علي داخل كرسي الراحة. أغمض عينيه وأوكأ رأسه على المتكأ. كان صوت تقط‍ُّرِ ماء يسمع من المطبخ. دقت المرأة قدمها على الأرض: "إنك لا تغلق الحنفية تماماً قط‍ كم مرة أقول؟ هذا الصوت الرتيب يشرخ أعصابي. كالتعذيب الصيني!".‏

أرّث علي سيجارة.‏

ذهبت فرنكَيس إلى المطبخ. أغلقت الحنفية. عادت ولبست تنورة. وضعت خاماً أبيض على القائم الثلاثي، كانت حمرة صبغ أظفارها على السطح الأبيض للخام تخرق عيني علي. عض زاوية شفته وقال من بين أسنانه: "ألا تخرجين؟".‏

رفعت فرشاة وجففت زيتها بخرقة ذات مربعات: "أريد أن أشتغل حتى الليل".‏

أخذ أنف علي يحكه، نهض نصف نهضة: "إذن فأنا أذهب!". أولته المرأة ظهرها، غمست فرشاتها في اللون ورسمت دوائر نيلية. خفض عليّ رأسه، وحك أنفه: "أي جهد ضائع، إحساسات خام، يد بلا روح غير متعلمة، لوحات قابضة للفؤاد بألوان غير منسجمة".‏

ابتعدت المرأة عن القائم، ضيقت عينيها: "أريد أن أجد وجع الولادة. حلمت ليلة أمس بطفل يخرج من بين المياه الأزلية. كان مثل بوذا بالضبط، يعصر زهرات نيلوفر بيضاء بين أصابعه الصغيرة. عندما فتحت عيني قلت لنفسي: يا فري: هذا هو! جاءك بنفسه! يا علي: ألا تؤمن بالإلهام؟"‏

ـ لا أدري! لم أفكر في هذا الأمر قط.‏

ذهب إلى خزانة غرفة النوم، فغير ملابسه: "يا للذهن الساذج؛ أمنيات محدودة، أفكار بلا طراوة. كم تدوم رؤيا الطفل الأزلي؟ الرياضة تحت الأنوار الملونة، الأحاديث الطويلة على الهاتف، التأملات غير الموصولة، فأل القهوة الأسبوعي. تغمض أجفانها المثقلة بالـ (ريميل). تبرم شفتيها الحمراوين. تحك برؤوس الأظفار مفرش المائدة: "أنا عاشقة براك" صديقاتها يعبدنها، ولكن لي أيضاً لا يقصِّرن بالغمزات، ويبحثن عن فرصة كي نبقى معاً، لا كان من نصيبي! أي لطف في رسوم فرنكيس المعمولة بالطباعة؟ متشابهة تماماً؛ سود وشقر، قصيرة وطويلة. كأنها خرجت من قالب واحد، آه أيتها النسوة الخياليات! ذوات الأوجه الملائكية! أية ذخائر مملة كدستن في قلوبكن الباهتة الألوان".‏

مضى نحو الباب وأنزل المقبض.‏

وكانت فرنكَيس، وهي متمددة على البساط، تمسك السماعة بيد، وتقضم أظفر خنصرها، وعيناها غير المزوقتين تسطعان ببريق بارد.‏

فتح علي الباب حتى المنتصف: "أنا متعب يا فري، ربما ذهبت إلى مكان بعيد".‏

ضاعت جمله في ضحكة المرأة.‏

ـ السادس ـ‏

دقت الساعة اثنتي عشرة دقة. حدق علي إلى قيشاني المطبخ الأزرق، انزلق قلم الحبر الجاف من بين أصابعه، ذهب إلى قرب النافذة ومدّ أصبعاً على الزجاج. أضاءت ستارة البويب المقابل بنور الفانوس؛ مدت المرأة العجوز قدماً إلى الإيوان، كانت الريح تشوش شعرها الأبيض، كانت شفتاها حمراوين، وعيناها لامعتين. وضعت الفانوس على الطاولة، تمشت على طول الإيوان، غنت مدندنة ونظرت إلى القمر، دخلت ثم عادت بعد لحظة حاملة قفصاً خالياً، علقته على الجدار. ابتعد علي عن البويب، جلس وراء المنضدة، وتناول القلم.‏

ـ السابع ـ‏

كانت مينا تركض على الجادة الرملية للفندق ويحتك ذيل غطاء رأسها الرقيق بأغصان البقم. قال رضا من البعيد: "بطيئاً ! ستقعين على الأرض!".‏

ضحكت المرأة عالياً، رفعت رأسها إلى السماء، كانت بشرة خديها الطرية بفعل شعلة الشباب تشع وترق مع كل قهقهة. وكانت أشعة المسرة الهاربة التي لا ماضي لها ولا مستقبل تنتشر من أنسجة جسدها في الفضاء. كان رجلان متوسطا السن يهبطان السلالم الرخامية، وتحت أذرعهما جرائد، وقد رفعا قبعتيهما باسمين عن رأسيهما.‏

أوصل علي نفسه، قفزاً، إلى مينا، وتناول مرفقها: "أجننت اليوم؟".‏

أشارت مينا بأصبعها إلى الغيوم المتفرقة: "أتمنى أن أطير إلى هناك، لماذا ليس للإنسان جناح؟ كان ببغاء أخضر يجلس في الصباح الباكر على أسلاك البرق، ذهبت إلى الإيوان وصحت: [هنيئاً لك!]".‏

خبأ رضا خصلات شعر مينا المبعثرة تحت غطاء رأسها: "لا حيلة في الأمر! أنت حسناء ومختلة العقل! ولكنك ستعقلين شيئاً فشيئاً، تصيرين سيدة مضبوطة! تديرين بيتاً، تهتمين بترتيب أطفالنا. (برطمت مينا، ضرب رضا بيده على ظهرها) هذه هي الحياة يا عزيزتي! سنشيخ نحن أيضاً ذات يوم".‏

قطفت مينا وردة من الجنينة، ثبتتها بدبوس بياقة جاكتة زوجها: "أنا لا أريد أن أشيخ".‏

ـ الثامن ـ‏

كان البيت خالياً. وعلي يقطع القاعة ذهاباً وأياباً. كانت أساطين النور التي تشع مائلة. الملونة تضيئه من رأسه حتى قدميه. كانت لوحات رسم فرنكَيس غير المكتملة مصفوفة على طول الجدار. وكانت رائحة الأصباغ وزيت الكتان تأتيه في أمواج. دخل غرفة النوم. باحثاً عن زر، سحب جرار منضدة زينة المرأة وحرك علب المساحيق، زجاجات صبغ الأظفار والعطور، انزلقت من لفيفة العلبة البنفسجية رسالة، كانت بخط فرنكيس، لـ "ساغر"، بنت فصلها السابقة.‏

جلس الرجل وقرأ: "يا ساسا الصغيرة! أما زلت تدعين أنه لا خبر في الغرب؟ هناك أخبار يا عزيزة قلبي! بكلمة واحدة: هنيئاً لك! إنني أتعفن هنا. لا رباط بيني بين علي. إن دنيا هذا الإنسان محدودة جداً وقديمة، إنه غير مستعد لمجرد رؤية "جارموش" أو "تاركوفسكي". أتذكرين؟ يا لله كم كنا أطفالاً! عندما رأيناه أول مرة في مفرق (كالج) مضينا وراءه حتى (تهران بالاس). كان نور النجيل يسطع على شعره الأسود البراق. فتح كتاب "ضرورة الفن في مسير التكامل الاجتماعي" وأمسكه أمام وجهه، أوصى على قهوة إسبرسو وأخرج من جيبه علبة سجائر "جيتان". أمسكنا تحت المائدة بيد إحدانا الأخرى وغرقنا في الضحك.‏

غرَّدتِ في أذني: "يا للمتكبر الجذاب!". أرث السيجارة بولاعة "دنهيل"، أطبق الكتاب وحدق إلى حلقات الدخان. غمزنا إحدانا للأخرى. بدأ قلبي يدق على نحو أحمق. كانت عيناه جميلتين، ونظرته عميقة. إنني لأسأل نفسي بين أوان وآخر أين ذهب ذلك الإنسان؟ ما نسبة هذا الرجل العادي المائع المصاب بالإمساك لي؟ دماغه صدئ. والطريف أنه يرسل لنفسه بلا انقطاع بطاقات تهنئة، يتصور نفسه نموذج الخلقة. عندما نذهب إلى دعوة ما (طبيعي أن هذا قليلاً ما يحدث) يجلس في زاوية واحدة، يستمع مكشراً إلى أكثر الكلام جاذبية، عن "هرمونتيك" إلى "دريدا"" حتى "ما بعد الحداثة". يتصور أنه فتح دنيا الفن السحرية ببضع قصص.‏

"آخ، لكم أتمنى أن نعود إلى تلك الأيام: الإنسان الجليدي وسط باحة الكلية، الربيع الواقعي والجيوب الملأى باللوز الأخضر الفج، "الآنسة جولي"، رؤية "وراء يرو المجنون" لثلاث ليال متتالية أحياناً. إنني متعبة ياساسا! أتمنى أن أجيئ عندك، نذهب معاً إلا الكنسرت ونستمع إلى أعمال "بندرسكي". يا عزيزة فؤادي! أقبلِّ شفتيك المنمشتين. رحت فدى لك. فري"‏

ـ التاسع ـ‏

أضاء علي مصباح المطبخ، جلس وراء المائدة، شرب الشاي: "سأنهيها الليلة، ثم أذهب، الخطوة الأولى مهمة". مد قدماً إلى الصالة. من بين شق الباب نصف المفتوح كان صوت أنفاس فرنكيس مسموعاً. أحس الرجل رجفة في عمود ظهره: "لا همَّ لها، نومها وطعامها جيد، تدور بلا فكر ولا أمل في دورة باطلة، ستعيش إلى أربعين سنة أخرى أيضاً سالمة". عاد إلى المطبخ، وقف جنب البويب. على الإيوان المقابل كانت امرأة مسنة تجلس وراء طاولة، تورق ألبوماً كبيراً. تُخرج تصاوير، وتنظر إليها في نور الفانوس. وكانت أصابعها ترتجف أحياناً فتنزلق التصاوير إلى أسفل.‏

سحب علي البويب. كانت المرأة تقرأ بصوت أجش:‏

"عقرب سالفك المعقوص قرين القمر‏

ما دام القمر في العقرب فهذا ديدننا".‏

هجم الدم على قلب الرجل: "تقرأ هذا الشعر إياه".‏

سكتت المرأة المسنة، التفتت ونظرت إلى علي: "تعال هنا فعندي معك شغل". ضغط الرجل الستارة في يده، وسأل بلكنة: "أنا؟".‏

هزت المرأة رأسها. كانت العينان الغائصتان تلمعان مثل جمر موقد.‏

لبس علي الجاكتة، هبط السلالم على رؤوس أصابعه، دخل الزقاق، ذهب فوقف قريباً من الإيوان.‏

أمسكت المرأة المسنة الفانوس عالياً: "دعني أرك جيداً! أأنت مستيقظ كل ليلة؟ (ضحكت) أنا أيضاً مستيقظة، أُصاب بالحمى، ولكنه ينام في الأغلب، لا تقصير لديه، يقول الطبيب بفعل اليوريا".‏

كان علي قد اتكأَ بالجدار: "إن كنت محمومة فلا تخرجي، هواء الخريف مؤذ".‏

قطبت المرأة حاجبيها: "لا تنصح! لقد رأيت الخريف من المرات ضعف ما رأيت أنت. أتعرف أين فندق (زرِّين)؟".‏

وقف علي منتصباً: "أثمة مكان كهذا؟".‏

ابتسمت المرأة: "طبعاً! (حدقت إلى السماء والقمر) تنق الضفادع طول الليل، كان الهواء كالحرير، والقمر يطلع من وراء أشجار السرو. يجب أن ترى ذلك المكان!".‏

ـ ألم يتهدم؟‏

ـ تلك الأرض لا تعرف الخراب.‏

ـ أتعطيني عنوانه؟‏

حدقت المرأة إلى عيني علي: "ينبغي أن تعرف أنت أفضل".‏

تنهد علي: "على الورق".‏

رفعت المرأة تصويراً، أنزلته بين العرشات الصُّفر: "لك! خذه! عد واسحب ستائر المطبخ، لا أحب أن ينظر إلي أحد".‏

انحنى عليّ ورفع التصوير، عاد إلى البيت، جلس في الصالة وراح يقرأ كتاباً حتى قريب الصبح. ذهب فجراً إلى المطبخ، نظر من شق الستارة، كان رأس العجوز مدلى على صدرها وبقيت يداها المملوءتان بالعروق والأعصاب على الطاولة لا تتحركان. كان نسيم الفجر يهز ظهر كرسي الراحة ويشابك الشعر الأبيض. كانت التصاوير مبعثرة على الأرض.‏

ـ العاشر ـ‏

كان قرص الشمس يغوص في المياه البعيدة، وتزول آخر الشعلات عن الأمواج الملأى بالزبد. كانت مينا تجلس على الرمال. وعلي يراقب من جانب منقل النار تقليب أسياخ الدجاج المشوي، وكانت تسقط أحياناً قطرة سمن على الجمر الأحمر فتلف رائحة احتراق تحت أنفه.‏

كانت التنورة الحرير للعروس الجديدة منشورة على الرمال. ألقى بضع أصداف في الماء، نهض وجلس وراء الطاولة. حدق إلى قرص الشمس اللاهبة، الأرجوانية، وعديمة السطوع.‏

مد يداً إلى جيبه وأخرج خذروفا، كان قد اشتراه في منتصف الطريق من غجرية، أدار القبضة المخروطة. على الطاولة الفلزية المدورة راح الجسم الدوار يلف ويقترب من الحواشي.‏

تقدم رضا بصحن طويل من الدجاج المشوي. رفع من بين الخضروات الموضوعة جنب الطعام ساقاً فوضعه في زاوية شفتيه. سقط الخذروف، بقي على الرمال بلا حراك.‏

قال الرجل بلطف: "مينا!".‏

سقط رأس المرأة على صدرها، انزلق غطاء الرأس الأرجواني. في عتمة أول المساء كان سالفاها يميلان إلى البياض وتتحرك يداها المملوءتان بالعروق والأعصاب بنوسان منظم إلى أمام وإلى وراء.‏

ـ الحادي عشر ـ‏

مدت فرنكَيس، أمام المرآة، مشطاً على شعرها. ارتدت ثوبها الأخضر، دفعت اللحاف جانباً، ودخلت الفراش. نظر إليها علي على البعد. سألت المرأة: "لماذا بهتّ؟".‏

خرج الرجل من الغرفة. رفعت فرنكيس كتاباً، قرأت بضع صفحات على غير تعيين، تثاءب وأطفأ مصباح السرير. ذهب علي على رؤوس أصابعه إلى الخزانة، أخذ ملابسه فوضعها في حقيبة، أخرج الصورة من جيبه، حدق إليها في نور مصباح الصالة، على مفرق بناء أبيض كان مكتوباً بحروف سوداء كبيرة "فندق زرِّين"، وعلى أساطين مرتفعة كانت سيقان ملأى بزهور النيلوفر، وأمام كل بويب كان ثمة أيوان مطوق بدرابزون.‏

نظر علي إلى ظهر الصورة، قرأ العنوان عدة مرات، وتحركت شفتاه:‏

ـ جادة جالوس.‏

رفع الحقيبة ولبس المعطف المطري، نزل السلالم. في اليوم السابق كان تشييع جنازة العجوز، وقف أمام الزقاق غير النافذ. لرؤية الفانوس المضاء خفق أجفانه، كان رجل يجلس في كرسي راحة، شعره أبيض، ألعوبة للريح.‏

استدار وفتح باب السيارة، جلس وراء المقود وانطلق. بعد أن اجتاز المفرق أرَّث سيجارة، غنَّى مدندناً:‏

"عقرب سالفك المعقوص قرين القمر‏

ما دام القمر في العقرب فهذا ديدننا".‏

*1948 ـ 1998 نشأت في عائلة موالية للدكتور محمد مصدق. تقول: "في تلك الدنيا الظالمة تعين عليّ أن أقص ـ من أجل نفسي ـ قصصاً مسلية، فتأصلت هذه العادة فيّ، من أجل إدامة البقاء".‏

صدرت لها أربع مجموعات قصصية.‏

ماتت منتحرة، ليأسها من شفائها من السرطان فيما يبدو.‏

(1) متكأ كبير الحجم، كالوسادة، يوضع خلف ظهور الجالسين على الأرض كي يرتاحوا في اتكائهم على الجدار.‏

(2) ببغاء أرزق رمادي، حجمه أكبر من الأخضر الاعتيادي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244