|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من قصص ايفان سوداريف الطبع الروسي ـــ قصة: الكسي تولستوي ـ ت.عدنان جاموس الترجمة عن الروسية تعريف بالكاتب: الكسي نيكو لايفتش تولستوي 1945 -1883 /1882 كاتب روائي وقاصّ ومسرحي روسي -سوفييتي. انتسب إلى المعهد التقاني في مدينة بطرسبورغ، وتخرج فيه مهندساً في عام 1907. عمل إبان الحرب العالمية الأولى مراسلاً صحفياً عسكرياً. وعند قيام ثورة أكتوبر في عام 1917 في روسيا انحاز إلى صفوف معارضيها وهاجر إلى أوربا، وأقام في خريف عام 1921 في برلين، وسرعان ما دب الخلاف بينه وبين زمر المهاجرين الروس في أوربا الغربية، وتغيرت نظرته إلى الثورة البلشفية في روسيا، وعاد مع أسرته إلى الوطن في عام 1923. انتخب عضواً في أكاديمية العلوم السوفيتيية عام 1939. وتوفي في موسكو في 23 شباط عام 1945. نشر عدداً كبيراً من القصص والأقاصيص والروايات والمسرحيات والتحقيقات ومن أشهر قصصه "طفولة نيكيتا" (1919 -1920) ومن رواياته في الخيال العلمي "هيبر بولويد المهندس غارين" (1925) ومن رواياته التاريخية الشهيرة "بطرس الأول" (1929 -1934)، أمّا قمة أعماله الروائية فهي ثلاثيته "درب الآلام" التي صور فيها تفسخ المجتمع البرجوازي وأحداث الثورة والحرب الأهلية ثمّ انتصار الثورة الاشتراكية. ونشر الكاتب في العام 1942 عدداً من الأقاصيص عن المقاومة اشتهرت بعنوان "قصص ايفان سوداريف" ثمّ أضاف إليها في العام 1944 أقصوصة بعنوان "الطبع الروسي" التي لاقت أكبر عدد من التعليقات والانطباعات بين القراء. وقد استوحى الكاتب موضوع الأقصوصة من حادثة حقيقية رواها له نائب مسؤول التحرير في جريدة "النجمة الحمراء"، حيث نشر عمله هذا. وكانت هذه الأقصوصة هي آخر ما كتبه تولستوي قبل الرحيل. *** الأقصوصة: الطبع الروسي! موضوع أكبر بكثير من أن تستوعبه أقصوصة قصيرة. ولكن ما العمل إذا كنتُ أرغب بالذات في أن أتحدث إليكم عن هذا الموضوع. الطبع الروسي! هيا.. جرّبْ صِفْه... أعن المآثر البطولية ستتحدث؟! لكنها من الكثرة إلى حد يجعلك تحتار؛ فأيها تفضِّل؟ بيد أن صديقاً لي أنجدني بقصة صغيرة مأخوذة من حياته الشخصية. لن أصف لكم كيف كان يوجه الضربات إلى الألمان، مع أنه يحمل ميدالية النجمة الذهبية" وتغطي الأوسمة نصف صدره. إنه إنسان بسيط، هادئ، عادي، مزارع كولخوزي من قرية تابعة لمقاطعة ساراتوف في حوض الفولغا. لكنه يمتاز من جملة ما يمتاز به ببنية متينة متناسقة، وبالوسامة. أحياناً تتلذذ بالنظر إليه وهو خارج من برج الدبابة وكأنه إله الحرب! يقفز من المدرّعة إلى الأرض، ينزع خوذته عن خصلات شعره الرطبة، يمسح وجهه المتسخ بخرقة، ويبتسم حتماً، وبمودة صادقة. في خضم الحرب، إذ الناس يحومون باستمرار قرب الموت يغدون أنقى نفساً، وتنسلخ عنهم السخافات جميعاً كما تنسلخ البشرة المحروقة التي لفحتها الشمس، ولا يبقى في الإنسان سوى الجوهر، وهو، بالطبع، صلب لدى بعضهم، وأقل صلابة لدى آخرين. ولكن حتّى هؤلاء الذين يشوب جوهرهم عيب ما تراهم يستنهضون همتهم، ويتوق كل منهم إلى أن يكون رفيقاً جيداً ووفياً. أمّا صديقي يغور دريموف فقد كان حتّى قبل الحرب ذا سلوك صارم، وكان يُكن احتراماً عميقاً وحباً جارفاً لأمه ماريا بوليكا ربوفنا وأبيه يغور يغوروفتش. كان يقول: "أبي إنسان رصين، واحترام الذات يأتي لديه في المرتبة الأولى. ودائماً يقول لي: أنت يا ولدي تشاهد كثيراً في هذا العالم، وتسافر إلى الخارج، ولكن عليك دائماً أن تفخر بأنك روسي.." وكان لصديقي خطيبة من قريته نفسها على الفولغا. عندنا هنا يتحدثون كثيراً عن الخطيبات والزوجات، ولا سيما عندما يسود الهدوء في الجبهة، ويشتد البرد، ويجلس الناس بعد العشاء في المأوى المحفور تحت الأرض وينطلق الدخان من السراج والطقطقة من المدفأة. عندئذ يتبادلون أحاديث تجعلك تصغي بكل كيانك. يبدؤون عن سبيل المثال، بالسؤال: "ما هو الحب؟" فيقول أحدهم: "يولد الحب على أساس الاحترام".. ويقول آخر: "لا، أبداً، الحب مجرد عادة، فالشخص لا يحب زوجته فقط، بل يحب أيضاً أباه وأمه، ويحب حتّى الحيوانات.." ويقول ثالث: "تفوه، ما هذا الهذر! الحب هو عندما يغلي كل شيء فيك، وترى الإنسان يمشي كالسكران.." ويظلون "يتفلسفون" على هذا المنوال ساعة أو ساعتين إلى أن يتدخل الرئيس ويحدّد بنبرة آمرة جوهر الموضوع.. ولأن يغور دريموف كان، على الأرجح، يخجل من الخوض في مثل هذه الأحاديث فإن كلامه على خطيبته جاء عرضاً، وذكر أنها جميلة جداً؛ وبما أنها قالت إنها ستنَتظر فهي ستنتظره مهما طال غيابه، وحتى لو عاد إليها بقدم واحدة.. وهو لم يكن يحب أيضاً أن يتحدث عن المآثر البطولية في الحرب. يقول: "لا أجد رغبة في تذكّر مثل هذه الأمور!" ثمّ يعبس ويشعل سيكارة. ولم نكن نعرف شيئاً عن المعارك التي تخوضها دبابته إلا من أحاديث أفراد طاقمها، ولا سيما السائق تشوفيلوف الذي كان يدهش المستمعين بقصصه. "اسمع.. ما إن استدرنا حتّى رأيت دبابة تخرج من خلف التلة.. صحت: "أيها الرفيق الملازم، النمر!" فصرخ: "إلى الأمام بكامل سرعتك!" وأخذت أموّه، متستراً بأشجار التنوب، إلى اليمين، إلى اليسار.. كانت "النمر" تسدد سبطانة مدفعها كالأعمى، وأطلقت، فلم تصبنا.. وأطلق الرفيق الملازم عليها فأصابها في جنبها، وتطايرت الشظايا! وأطلق ثانية فأصاب البرج وارتفع خرطوم الدبابة إلى الأعلى.. وأطلق الملازم مرة ثالثة فإذا بالدخان ينبثق من جميع شقوق "النمر"، وتندفع منها شعلة نارية تعلو إلى ارتفاع مئة متر، ويخرج أفراد الطاقم من فتحة النجاة. وهنا يفتح فانكا لابشين نيران مدفعه الرشاش، فيجندلهم وهم يلبطون بأرجلهم.. وهكذا أصبح الطريق أمامنا مفتوحاً. وبعد خمس دقائق دخلنا القرية كالعاصفة. وأخذت أندفع إلى هنا وهناك.. والفاشيست يتراكضون مذعورين.. كانت الأرض موحلة، وبعضهم كان يثب تاركاً جزمته ويركض بجوربيه. اتجهوا كلهم إلى الزريبة، فأمرني الرفيق الملازم: "هيا، اقتحم الزريبة". حولنا مدفع الدبابة إلى جانب، واندفعتُ نحو الزريبة بكامل سرعتي.. وعيونكم ترى كيف أخذت المجازات تطقطق أمام درع الدبابة، وكيف انهارت الألواح الخشبية ومداميك القرميد، وأنا أسحقها مع الفاشيست الذين انهار فوقهم السقف، أمّا الباقون فقد استسلموا.. وانتهى هتلر.." هكذا كان يقاتل الملازم يغور دريموف، إلى أن وقع له حادث مؤسف. ففي أثناء معركة كورسك الطاحنة التي نزفت فيها دماء الألمان وتراجعوا مذعورين، أصيبت دبابته بقذيفة وهي فوق مرتفع في حقل قمح، وقتل اثنان من أفراد طاقمها في الحال، ثمّ شبّت فيها النار بعد إصابتها بقذيفة ثانية. قفز السائق تشوفيليوف من الفتحة الأمامية واعتلى الدرع واستطاع أن ينتشل الملازم في الوقت المناسب، وكان هذا فاقداً الوعي وبزته تحترق. وما أن ابتعد تشوفيليوف قليلاً وهو يجر الملازم حتّى انفجرت الدبابة بقوة هائلة قذفت ببرجها إلى مسافة تقارب الخمسين متراً. وأخذ تشوفيليوف يملأ حفنتيه بالتراب الرخو ويلقي به على وجه الملازم ورأسه وملابسه لإطفاء النار. ثمّ راح يزحف به من حفرة إلى حفرة حتّى أوصله إلى مركز التضميد. وكان تشوفيليوف يقول: "لماذا انتشلته آنذاك من الدبابة؟ لأنني سمعت أن قلبه يدق..". نجا يغور دريموف من الموت؛ وعلى الرغم من أن وجهه قد احترق، حتّى أن عظامه بانت في بعض الأماكن، إلا أن عينيه بقيتا سالمتين. لزم المستشفى ثمانية أشهر، وأجروا له عملية ترميم إثر أخرى؛ ورمموا له أنفه وشفتيه وجفنيه وأذنيه. وبعد ثمانية أشهر نزعوا الضمادات، ونظر إلى وجهه الذي لم يعد الآن وجهه. الممرضة التي ناولته المرآة أشاحت بوجهها وبكت. أعادها إليها على الفور وقال: - يحدث ما هو أسوأ، هذا يمكن العيش معه. ولم يعد يطلب المرآة من الممرضة، ولكن غالباً ما كان يتحسس وجهه وكأنه يحاول اعتياده. رأت اللجنة أنه لا يصلح إلا للخدمة الثابتة، فذهب إلى الجنرال وقال له: "أرجو منك السماح لي بالعودة إلى الفوج". فقال الجنرال: "ولكنك عاجز" -"لا، أبداً. أنا مشوه، نعم، ولكن هذا لا يمنعني من القيام بما يجب وسأستعيد قدرتي على القتال بالكامل". لاحظ يغور دريموف أن الجنرال كان في أثناء الحديث يتفادى النظر إليه، وكان هو يبتسم باستخفاف بشفتين ليلكيتين مستقيمتين كالشق). منحوه إجازة لمدة عشرين يوماً كي يستعيد كامل عافيته، فتوجه إلى البيت لزيارة والديه. وكان هذا في آذار هذا العام. أراد في محطة القطار أن يستأجر عربة، ولكن اضطر إلى السير على قدميه مسافة ثمانية عشر فرسخاً. كانت الثلوج ما تزال تملأ المكان. والطريق كانت رطبة ومقفرة، والريح الصقيعية تتلاعب. بحواشي معطفه، وتصفر في أذنيه بحنين مفعم بشعور الوحدة. عندما وصل إلى القرية كان الغسق قد خيم. هاهي البئر، والدلو المعلق عالياً فوقها يتأرجح ويصر. الدار السادسة من هنا هي دار الأهل. وقف فجأة داسّاً يديه في جيبيه، وهزّ رأسه، واقترب من البيت مستديراً إلى جانب. غاصت رجلاه في الثلج حتّى الركبتين. انحنى نحو النافذة فشاهد أمه. كانت تضع طعام العشاء مستضيئة بالنور الكابي الذي يرسله المصباح المُنوّص فوق الطاولة. إنها ما زالت كالسابق تغطي رأسها بذاك المنديل القاتم نفسه، هادئة، متمهلة، طيبة. شاخت، وبرزت عظام كتفيها النحيلتين.. "آه لو يعلم أنها كانت بحاجة إلى أن يكتب لها عن نفسه كل يوم ولو كلمتين فقط.." وضعت على الطاولة بعض الأشياء البسيطة -كأس حليب، وقطعة خبز، وملعقتين، ومملحة. ثمّ وقفت أمام المائدة شابكة يديها النحيلتين تحت صدرها واستغرقت في التفكير. أدرك يغور دريموف وهو ينظر إلى أمه عبر النافذة أن من المستحيل إخافتها ولا يجوز أن يجعل وجهها الشائخ يرتجف بيأس. إيه، طيب! فتح باب الخوخة، ودخل إلى الفناء، ثمّ وقف في الرواق ودق الباب. ردت الأم من الداخل سائلة: "من هناك؟" فأجاب: "الملازم غروموف، بطل الاتحاد السوفيتي". دق قلبه بشدة، واستند بكتفه إلى عارضة الباب. لا، إن أمه لم تعرف صوته. فهو نفسه كان كأنه يسمعه أول مرة. فبعد كل تلك العمليات التي أجريت له بُحّ صوته وفقد رنينه ووضوحه. سألت الأم: -وما هي حاجتك أيها المحترم؟ -أنا أحمل إلى ماريا بوليكا ربوفنا تحية من ابنها الملازم الأول دريموف. عندئذ فتحت الأم الباب واندفعت نحوه وأمسكت بيديه: -أهو حي، ابني يغور؟ كيف صحته؟ ادخل أيها المحترم إلى الدار. جلس يغور دريموف على المقعد قرب الطاولة في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه عندما لم تكن قدماه تصلان إلى الأرض بعد، وكانت أمه آنذاك تقول له أحياناً وهي تمسّد بيدها شعره الجعد: "كُلْ يا سنونوّي". أخذ يروي لها أخبار ابنها، أخباره هو نفسه، ويصف لها بالتفصيل كيف يأكل ويشرب، ولا يحتاج إلى أي شيء، وأنه بصحة جيدة ودائماً مرح. كما حدثها باختصار عن المعارك التي شارك فيها بدبابته. كانت تقاطعه سائلة وهي تنظر إلى وجهه بعينين لا تريانه: -قل لي، هل الحرب مخيفة؟ -نعم، طبعاً مخيفة، أيتها الأم، ولكنها مع الوقت تصبح عادة. جاء أبوه يغور يغوروفيتش الذي دب الضعف فيه هو الآخر خلال الأعوام الماضية، وأصبحت لحيته كأنها قد ذُرّ عليها طحين. دَقّ العتبة بجزمته اللبادية المشققة وهو ينظر إلى الضيف، وحلّ وشاح عنقه ونزع فروته، واقترب من الطاولة وصافح الضيف؛ -آه، إنها يد أبيه العريضة المعهودة التي تحق الحق! لم يسأل عن شيء، فالأمر لا يحتاج إلى استفسار؛ ومفهوم لِمَ يزورهم ضيف يعلق أوسمة؛ جلس، وأخذ يصغي هو الآخر مضيّقاً عينيه. وكلما كان يطول زمن جلوس الملازم دريموف دون أن يعرفاه وهو يتحدث عن نفسه وعن أشياء أخرى، كان يزداد شعوره باستحالة كشفه عن الحقيقة: أن ينهض ويقول لهما: اعترفا بي، أنا المشوه، يا أبي وأمي! كان يشعر وهو يجلس إلى مائدة أبويه بالراحة والانكسار. قال يغور يغوروفيتش: -طيب، هيا نتعشّ! أحضري، أيتها الأم، شيئاً من أجل الضيف. وفتح باب خزانة صغيرة قديمة حيث وُضعت في الزاوية اليسرى صنانير صيد في علبة كبريت -إنها لا تزال هناك كالسابق -وحيث يستقر إبريق شاي كُسرت بلبلته -وهو لا يزال هناك كالسابق -وحيث تنبعث رائحة كِسَرِ خبزٍ وقشرِ بصل. تناول يغور يغوروفيتش من هناك زجاجة نبيذ ليس لها فيها سوى ما يملأ قدحين، وتنهد لأنه لا يملك أكثر. جلسوا يتعشون كما في السنين الخوالي. ولكن في أثناء العشاء لاحظ الملازم الأول دريموف أن أمه تنعم النظر إلى يده الممسكة بالملعقة. ضحك مُتَهانِفاً، فرفعت الأم عينيها وارتعش وجهها بألم. تحادثوا عن أمور شتى، وكيف سيكون الربيع القادم، وهل سيتمكّن الناس من البذار، وأن نهاية الحرب ينبغي توقعها الصيف القادم. -ولماذا تعتقد يا يغور يغوروفيتش أن نهاية الحرب ينبغي توقعها الصيف القادم؟ -لأن الشعب تملكه الغضب، وقد اجتاز خط الموت، وأصبح من المستحيل إيقافه؛ لقد حانت نهاية الألمان. سألت ماريا بوليكا ربوفنا: -لم تقل لنا متى سيعطونه إجازة كي يأتي إلينا ويبقى عندنا فترة. لم أره منذ ثلاث سنوات، لا بد أنه أصبح رجلاً وأصبح له شاربان. إيه، كل يوم هو والموت جنباً إلى جنب: لا بد أن صوته أصبح خشناً؟ أجاب الملازم: -عندما سيأتي ربما لن تعرفاه. هيئا له مضجعاً للمبيت على سطح الفرن المنزلي، حيث كان يذكر كل قرميدة، وكل شق في الجدار المبني من جذوع الشجر، وكل غصن في السقف. كانت تفوح في المكان رائحة الخبز وجلد ضأن وعبق أُنس الأهل الذي لا ينساه المرء حتّى في ساعة الموت. وكانت ريح آذار تصفر فوق السقف، وصوت شخير الأب يأتي متقطعاً من خلف الحاجز، بينما كانت الأم ما تنفك تتقلب وتتنهد، لم تكن تستطيع النوم. انبطح الملازم في الفراش واضعاً وجهه بين راحتيه: "أحقاً لم تعرفني، أصحيح أنها لم تعرفني؟ أمي.. أمي.." استيقظ صباحاً على طقطقة الحطب، فشاهد أمه منهمكة في العمل بحذر عند الفرن؛ ورأى قطع القماش التي يلف بها قدميه مغسولة ومنشورة على حبل مشدود، وجزمته منظفة وموضوعة قرب الباب. سألته: -هل تحب أقراص الدُّخْن؟ لم يجب رأساً؛ نزل عن سطح الفرن، وارتدى سترته العسكرية وشد حزامه، وجلس حافياً على المقعد. سأل: -هل تقيم في قريتكم فتاة اسمها كاتيا ماليشيفا، ابنة اندريه ستيبانوفتش ماليشيف؟ -في العام الماضي أنهت دراستها وأصبحت تعمل عندنا معلمة. هل تريد أن تراها؟ -ابنكم رجاني أن أوصل إليها سلامه من كل بد. أرسلت الأم ابنة جيرانهم لتخبرها. ولم يكد الملازم ينتهي من انتعال جزمته حتّى كانت كاتيا قد وصلت راكضة. عيناها الشهلاوان الواسعتان كانتا تلتمعان، وحاجباها مرفوعين باندهاش، وعلى وجنتيها تتلاعب حمرة الفرح. وعندما نزعت منديلها المحبوك عن رأسها وألقت به على كتفيها العريضتين كتم الملازم تنهيدته في صدره: آه لو أستطيع أن أقبل هذا الشعر الأشقر الدافئ!.. لم يكن يتخيل صديقته إلا هكذا: نضرة، رقيقة، مرحة، طيبة، جميلة إلى الحد الذي جعل الدار كلها تصبح، عند دخولها، ذهبية.. -هل أتيت لي بتحية من يغور؟ (كان يولي النور ظهره؛ اكتفى بإحناء رأسه لأنه لم يكن يستطيع الكلام). إنني أنتظره في الليل والنهار، قل لي هذا.. اقتربت منه، ونظرت إليه، وارتدت إلى الخلف، وكأن أحداً وجّه إليها ضربة خفيفة في صدرها، وشعرت بالخوف. عندئذ قرر بحزم أن يغادر اليوم بالذات. أعدّت لـه الأم أقراصاً من الدُّخن مع حليب مغلي؛ وعاد هو يحدثهم ثانية عن الملازم دريموف، ولكنه تحدث هذه المرة عن مآثره القتالية.. تحدث بقسوة دون أن يرفع عينيه إلى كاتيا حتّى لا يرى على وجهها اللطيف انعكاس تشوهه. بذل يغور يغوروفيتش جهده ليحضر حصاناً من الكولخوز، ولكن ابنه ذهب إلى المحطة ماشياً كما كان قد أتى. انتابه كرب شديد من كل ما حدث، حتّى أنه كان يقف ويضرب وجهه براحتيه ويردد بصوت أبح: "ماذا أفعل الآن؟" عاد إلى فوجه المتمركز في عمق المؤخرة لاستكمال الإمدادات. واستقبله رفاقه المقاتلون بسرور صادق جلا عن نفسه ما كان يمنعه من النوم والأكل والتنفس. قرر: فلتظل والدته أطول مدة ممكنة لا تعرف شيئاً عن مصيبته. أمّا ما يخص كاتيا فإنه سيقتلع هذه الشظية من قلبه. بعد أسبوعين وصلته رسالة من أمه: "مرحبا ولدي الحبيب. أخاف حتّى أن أكتب لك ولا أدري بم أفكر. زارنا شخص من قِبلك -شخص جيد جداً ولكن وجهه بشع. كان يريد أن يبقى عندنا مدة، ولكنه ما لبث أن قرر الذهاب وغادر. ومنذ ذاك الوقت لا أنام الليل؛ يتهيأ لي أنك أنت الذي أتيت. يغور يغورفيتش يوبخني بسبب ذلك، ويقول لي: أنت يا عجوز ضيّعت عقلك بالمرة. فلو كان هو ابننا أمّا كان سيصارحنا بذلك؛ وما الذي يجعله يتكتم لو كان ابننا. إن وجهاً كوجه ذاك الذي زارنا يجب أن يكون مدعاة للفخر. يغور يغوروفتش يحاول أن يقنعني، ولكن قلب الأم يصر على ما يحس به؛ إنه هو، هو كان عندنا! عندما كان هذا الشخص نائماً عندنا على سطح الفرن أخذت معطفه إلى الفناء لأنظفه، وإذا بي أدس وجهي فيه وأبكي، إنه هو، هذا معطفه إيغوروشكا، أكتب لي بحق المسيح، أرشدني أنت، ما الذي جرى؟ أم أنني بالفعل قد ضيّعت عقلي..." أراني يغور دريموف الرسالة، أنا إيفان سوداريف، وفيما كان يروي لي قصته، كان يمسح دموعه بكمه. قلت له: "هذا صدامَ طباع. أنت شخص سيئ، سيئ، اكتب لأمك بأسرع ما يمكن، اطلب منها الصفح، لا تجعلها تفقد عقلها.. هل تظن أن شكلك هو الذي يهمها! بشكلك الحالي سيزداد حبُّها لك". في اليوم نفسه بعث الرسالة كتب فيها: "أبوي الغاليين، ماريا بوليكار بوفنا ويغور يغوروفيتش، اغفرا لي جهالتي. إن الذي زاركما هو أنا فعلاً، أنا ابنكما.." وهلم جرا وهلم جرا حتّى ملأ أربع صفحات بخط دقيق، وكان سيملأ عشرين صفحة، لو كان بالمستطاع. بعد مدة قصيرة، فيما كنت أقف وإياه في ساحة التدريب، جاءنا أحد الجنود راكضاً وقال ليغور دريموف: "أيها الرفيق النقيب، هناك من يسأل عنك.." ومع أن الجندي كان يقف وقفة نظامية تماماً، إلا أن التعبير الذي ارتسم على وجهه كان يبديه مثل شخص يهم بتناول كأس من الفودكا. ذهبنا إلى القرية، وتوجهنا نحو الدار التي كنا نقيم فيها. لاحظت أن دريموف قد اضطرب بشدة وراح ينحم ويتنحنح. فكرت: "قائد دبابة، مقاتل حقيقي، وهاك الأعصاب!" دخلنا الدار. سبقني وسمعته يقول: "ماما، مرحبا، هذا أنا!.." ورأيت عجوزاً ضئيلة تلقي بنفسها على صدره. نظرت حولي فأبصرت امرأة أخرى تقف بالقرب وأصدقكم القول أن ثمّة حسناوات أخريات طبعاً هنا وهناك، فهي ليست وحدها بهذا الجمال، ولكن أنا شخصياً لم يسبق لي أن رأيت. انتزع نفسه من بين ذراعي والدته، ودنا من تلك الفتاة. كنت قد أخبرتكم أن هذا الرجل كان يشبه ببنيته العملاقة إله الحرب. قال: "-كاتيا! كاتيا لم أتيت؟ أنت وعدت ذاك أنك تنتظرينه، وليس هذا.." أجابته كاتيا الحسناء - وقد سمعت جوابها مع أنني كنت قد ذهبت إلى دهليز المدخل -"يغور، أنا عزمت على أن أعيش معك العمر كله، وسأظل أحبك بصدق، سأبقى أحبك بقوة.. لا تبعدني عنك..". أجل، هذه هي الطباع الروسية! الشخص يبدو لك بسيطاً، ولكن ما إن تقع مصيبة قاسية، سواء أكانت في شأن كبير أو صغير، حتّى ترى أن قوة عظمى قد تفجرت في داخله - إنه الجمال الإنساني. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |