مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 122 ربيع 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مقدمة وقفة وملاحظة ـــ د.علي عقلة عرسان

في حديثنا المشترك الذي تناول جوانب عديدة منها الجانب الفكري، أكد نائب رئيس اتحاد كتاب الصين على إحياء التعاليم الكونفوشيوسية والاهتمام بها، وتلك عودة، فيما يرى، تشكل مدخلاً للتأصيل ولتوحيد الصينيين.‏

الكاتب المشارك في اللقاء كان من قطاع عسكري يعنى بالمجلات والإنتاج الأدبي والفكري الصادر في قطاع البحرية في الجيش الصيني، أكد أنّه بنشر الكونفوشيوسية يمكن استعادة تايوان لتتوحد مع الصين. وعلى الرغم من أنه بوصفه عسكرياً أقرب إلى منطق القوة واستعمالها لحسم الأمور، لا سيما في القضايا القومية الشائكة والدولية المعقدة مثل قضية تايوان ـ لأن القضيتين الأخريين: هونغ كونغ ومكاو اللتين تشغلان الصين إلى جانب قضية تايوان قد حلتا، الأولى عادت إلى حضن الوطن والثانية موعد عودتها هذا العام 1999 ـ إلا أنّه يرى أن إحياء الكونفوشيوسية كفيل بتقريب وجهات النظر بين الصينيين حتى الوحدة. فهل الذي فرقهم هو الماركسية - اللينينية وفكر ماو زي دونغ وعمق ذلك من بعد ما جاءت به الثورة الثقافية التي أتت على الكثير مما هو حيوي ومعنوي وأصيل في الثقافة الصينية، حتى قاومها الشيوعيون أولاً؟!‏

أذكر أنني في زيارتي الأولى للصين، مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، رافقني ناقد أدبي خارج لتوه من /معزل/ أو منفى وضعته فيه الثورة الثقافية، هو قرية أو مزرعة تعاونية، مع الفلاحين ليتعلم هو وأمثاله من المثقفين كيف يكتبون عن الناس من واقع حياتهم وإنتاجهم، في ظل فهم الثورة الثقافية للفكر الشيوعي وتطبيقه، وكانت المرارة تطْفُر على لسانه مع كل كلمة يقولها ومعاناة يستعيد مرارتها. كان ذلك بعد مدة قليلة من انتهاء الثورة الثقافية/ 1966ـ 1978 / وانحسار ظلال عصابة الأربعة الذين منهم زوجة ماو زي دونغ، التي كانت تعمل تحت مظلته عملياً بصرف النظر عن الأسباب والتفاصيل. وأود قبل التفاعل والتواصل مع نماذج من القصة والرواية ومؤلفين صبوّا عصارة عطائهم ورؤيتهم الإبداعية فيها، أود أن أتوقف عند موضوع الثورة الثقافية وما أراه بعض الجذور والمفاهيم الخطرة، والتوجهات التي تنطلق من الحرص والحماسة الوطنية والرؤية الثورية لكنها لا تلبث أن تجد نفسها في مأزق كبير قادت إليه الحماسة والتطرف في الرؤية الثورية، وربما المراهقة الثورية.‏

وفي أثناء قراءتي لسيرة الكاتب الكبير لوشين/ 1881 ـ 1936 م / وبعض أعماله، وهو من الثوريين الأوائل، ومن الذين حملوا راية التغيير والثورة على القديم في المجتمع الصيني إبان نشوء جمهورية الصين ونضالها ضد عوامل التخلف ومن أجل التحديث في الداخل وضد تحديات الاستعمار في الخارج، وقفت على ما يمكن أن يستغرب بعض الصينيين فهمي له، وهو تأثر لوشين بمفهوم الحداثة الفوضوية ـ التدميرية التي سادت أوربا في بداية القرن ونمت في دِمَن الحرب العالمية الثانية. وما دعا إليه لوشين في وقت ما وصولاً إلى التحديث والمجتمع الحديث، فيه عدل وحق وروح ثورية متجلية، ولكن فيه أيضاً وبالقدر ذاته مخاطر على الحضارة والشخصية الثقافية الصينية وأصولها وأصالتها، وعلى الحسن الجيد من تقاليدها. يقول لوشين الذي أطلق على أعماله "تدمير مقابر الأجداد": " إن أمامنا مهمة عاجلة هي: أولاً: البقاء، وثانياً: اللباس الدافي والطعام الكافي، وثالثاً: التنمية. وإذا كانت هناك عقبات للتقدم نحو المستقبل يجب الإطاحة بها سواء أكانت قديمة أو حديثة، بشراً أو أشباحاً، ولو كانت تلك العراقيل هي "سان فين و "وو ديان"، ومئات الكتب المطبوعة في أسرة سونغ وآلاف الكتب المطبوعة في أسرة يوان، أو الأحجار الكريمة الثمينة ورسومات الألغاز القديمة، أو الأصنام البوذية المذهبة واليشمية، أو الأدوية الصينية التقليدية الشهيرة المتوارثة، أو المراهم المصنوعة سراً. حتى أنه وجه النداء للشباب الصيني بالامتناع عن مطالعة الكتب الصينية وكتب الخرز النافر، معبراً عن حماسته وتصميمه على معارضته الكاملة للإقطاعية، و"المعارضة الكاملة للتقاليد".(1)‏

إن ما ينشده لوشين مشروع، وما يثور عليه يستدعي ثورة واعية تقوم على معرفة واعية. وهذا الذي قاله لوشين يلتقي على نحو مثير مع دعوة الحداثيين والفوضويين الأوربيين الذين يقولون في تحديد لرؤيتهم ومواقفهم من التراث والمستقر الاجتماعي: " ليس هناك أي غموض: فـ "التقاليد" أو " التراث" جميع تقاليد العالم موضوعة في سلة واحدة لا تساوي، ببساطة، إلا عبودية خانعة، في حين أن الحداثة تساوي الحرية؛ ليست هناك أية نهايات مفتوحة أو مهملة." امتشقوا معاولكم، تنكبوا فؤوسكم ومطارقكم، وبادروا إلى التحطيم. حطموا المدن المجللة بالوقار بلا رحمة ! تعالوا هيا أشعلوا النار برفوف المكتبات، حولوا مجاري القنوات حتى تغرق المتاحف!؟ فليأت فرسان الحرائق المبتهجون بأصابعهم المتفحمة. !! هاهم أولاء قد وصلوا..". (2) لقد سجل الأدب وصفاً وموقفاً من الثورة الثقافية وما جرى في أثنائها من ممارسات، أتت على الكثير مما يشكل رصيداً حضارياً للصين. ففي رواية عاشق اليشم تقول الكاتبة هدى:" فجأة اقتحم دار الثقافة والذوق جماعة من الحرس الأحمر الشباب بالزي العسكري، فخربوا الجدار الحاجز الخشبي ذا الزخارف المنقوشة، وطمسوا لوحات الممر بطلاء أسود، وكسروا باب الغرفة السرية، وخطفوا سائر مخزونها "(3)‏

ومخزونها كان من قطع اليشم النادر المشغول بعناية فنية فائقة حافظ عليها ملك اليشم ونقلها في الحرب إلى لندن ثم عاد بها إلى بكين .. ليحفظ ثروة الوطن فيه.. فكان أن لقيت هذا المصير، و" اختطف قلبه مع يشمه نادرة كان لها تاريخ عريق يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف سنة عبر الأسر الملكية المختلفة مثل شانغ وهان وتانغ وسونغ ويوان ومنغ وتشينغ، وكانت بأشكال جميلة كالتنين والحصان والزهر والسحب وثقالة الورق، وكانت موادها تختلف ما بين اليشم والعقيق والجاديت.. وكيف يمكن لملك اليشم أن يعيش إذا ما فقد يشمه؟!(4).‏

في اليوم التالي أجبر الحرس الأحمر هان تسي تشي على الاعتراف بـ " ماضيه الفاسد"(5) ولم يتوقف الانتهاك عند حدود الممتلكات والأجساد والتاريخ والمعتقدات، وإنما وصل إلى الأموات والمقابر. ففي الجبل الغربي قرب بكين أرض خضراء" كانت هذه الأرض هي المقبرة العامة للمسلمين لكن الكارثة الخطيرة، ألا وهي الثورة الثقافية، قد اكتسحت المقبرة فذهبت بأكوام القبور والشواهد، تاركة هذه الأراضي الخصبة تغذي أشجار الفواكه فتعطي ثماراً وافرة كل سنة."…" وتحت ضوء القمر، وبجانب شجرة كمثرى .. ارتفع لحن كمنجة…".‏

إن هذه دعوة إلى الهدم وليس إلى الهدم البنَّاء أو الهدم من أجل البناء، وهناك فرق يحدده برتراند راسل على النحو الآتي: " نبني عندما ننتج بنية طبق تصميم سابق، ونهدم عندما نطلق القوى الطبيعية لتغير من بنية موجودة، غير مهتمين بما تكون عليه البنية الجديدة"(6).‏

وحين نقارن هذه الدعوة التي أباحت:" الإطاحة بمئات الكتب المطبوعة في أسرة سونغ وآلاف الكتب المطبوعة في أسرة يوان، وبالأحجار الكريمة الثمينة ورسومات الألغاز القديمة، وبالأصنام البوذية المذهبة واليشمية، والأدوية الصينية التقليدية الشهيرة المتوارثة.. إلخ" نسأل أنفسنا: أليس هذا هو الأب الروحي للثورة الثقافية على نحو ما؟! ألا تكمن دعوة ماو زي دونغ للشباب وخوفه عليهم من أن يقرؤوا الشعر القديم ويتأثروا بالثقافة الصينية القديمة، التي سبق وأشرت إليها في أثناء وقفتي مع الشعر الصيني، ألا تكمن في دعوة لوشين وحماسته غير المدروسة وتأثره بفوضويي بداية القرن التاسع عشر!؟ إنه سؤال أرجو أن أكون مخطئاً في طرحه على هذا النحو.‏

في وقفتي مع الرواية والقصة الصينيتين تعترضني مشكلة كبيرة وهي أنني قرأت ما يستحق أن أكتب عنه كتاباً، ولا يمكن أن أوجزه على نحو يبقي على سلامته في مقال، كما لا يمكن أن أتجاوز عنه كلياً لأهميته. وربما كان في الحل الوسط الذي يرفضه لوشين وبعض الثوريين مدخلاً للتخفيف من حدة المشكلة ووقعها علي في الوقت الراهن، إذ أشعر بأنني منشد إلى كتاب يفي بما أرى حاجة إليه، وأعد أن يتم ذلك في وقت لاحق.‏

أولاً: في رواية حلم القصور الحمراء تأليف تساو شيويه تشين عالم ممتع يلخص فلسفة الحكم والتربية والحكمة، ويكاد يقدم منظوراً تطبيقياً لتعاليم كونفوشيوس (7) المتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع والدولة، مجتمع الأب والإمبراطور والمسؤولية الأخلاقية في ظل التراتبية الاجتماعية المرعية الاحترام، ومجتمع العبودية البغيضة والفقر الذي يأكل الشعب بينما ينعم القصر بدفء المغامرات والعواطف، ويشقى المقربون الأعلون من غضب الحاكم الأوحد. وهي تجسيد لرؤية القصر الإمبراطوري للأوضاع وكيفية معالجتها، وللتقاليد وكيفية احترامها والمحافظة عليها وتسليم رايتها من جيل إلى جيل، وللأشخاص الذين توكل إليهم المسؤولية وكيفية قيامهم بها وحرصهم على الولاء الذي لا ينفصل عن الفضيلة والقيمة الاجتماعية وكل ما يتعلق بالمكانة والمصير.‏

يصعب التخلص من ظلال العطر والسحر والشعر والحب والغيرة والمؤامرة والفساد والمغامرة التي تلف القصر وشخوصه، كما يصعب فهم المجتمع الذي همِّش فيه دور المرأة مع كونها الحاضر الأكبر والأكثر تأثيراً في الحياة: البيت والعمل على الخصوص. وأكثر ما يدهش في تلك الرواية، التي تعتبر وثيقة عصرها، هو حضور تقاليد الاحترام والتراتبية الأسرية التي تقود إلى احترام الإمبراطور والخضوع لـه، في تراتبية سياسية واجتماعية أعلى واضحة الحدود ومرعية التنفيذ.‏

لا أتردد أحياناً في القول: إن رواية حلم القصور الحمراء هي بالدرجة الأولى رواية: المرأة في مجتمع تغيّب فيه المرأة أو رواية حضور الغياب بصورة مؤثرة. ولا يمكن نسيان الظل العالي أو التخلص منه لشخصيات مثل: السيدة الكبيرة، شي فينغ، داي يوي، والمسؤولات عن أداء مهام إدارة القصر الذي يلخص الإمبراطورية على نحو ما والمجتمع الصيني بصورة ساطعة.‏

وإذا كان الوقت لا يتسع لإطلالة على الجمال المنتشر في تلك المساحة الساحرة، فإنه لا بد من وقت لتذكَّر باو يوي الذي عشق حتى الموت، وفسد حتى الهلاك، وأهمل إلى حدود فقدان الأمل منه، ولكنه نجح في الامتحان الإمبراطوري وكان الخامس في الترتيب، وأدى الامتحان احتراماً لرغبة الكبار، وخّلص روحه ونشد الخلود باللجوء للداويّة، وتنازل عن كل ما في القصر ليكسب خلود روحه (8). ولم ينس أبداً أن يقوم بواجب الوداع المؤثر لوالده وهو بصحبة الراهب الذي يقتاده، فأدى ذلك حافياً في مقدمة مركب، ثم غادر ليضع قلبه وروحه في الصفاء السماوي بين دهشة والده وفخامة الطقس الفقير الذي قام به في رحلة الوداع لحياة دنيوية يراها رخيصة. (9) لقد فُقد على نحو ما يوم فقدت " يشَبَته" التي جاءت في فمه يوم ولادته كما قيل وشاع، وكانت مع راهب ردها إليه وجعله يَلقى نفسه، ولكن في معارج الخلود الروحي أو السعي إليه.‏

ثانياً: الرواية الثانية التي قرأتها وتركت في نفسي أثراً عميقاً وعلمتني أشياء كثيرة: فنياً ومعرفياً (10)، هي رواية عاشق اليشم لهدى، وهي من الروايات الصينية المعاصرة لكاتبة مسلمة؛ جعلت أحداث روايتها تدور في بكين ولندن بالدرجة الأولى، ويكتوي أبطالها بنار المعاناة والحرب والفقر، ويعيشون عصر الثورة القاسي، ثقافية وغير ثقافية، وإطلالات التحديث بالفهم الضيق والواسع والمتضارب أحياناً للكلمة.‏

وترصد الرواية بحب لا ضفاف لـه تفاصيل تتعلق بفنون صناعة اليشم وتجارته وما يفرضه التعلق به على عشاقه من تكاليف (11). إنه يوفر لهم بعض الكسب، وحين يقبل الحظ وتواتي الظروف يدر ربحاً ويوفر شهرة واسعة، ولكنه يمتص ضوء العينين وحيوية الروح وطاقة الجسد.‏

من الصعب أن أنسى لوحات فاحمة في هذه الرواية مثل: موت الفنان اليشمي الكبير ليانغ وراء آلته الصغيرة وهو يعمل لينجز تجسيد سفينة الملاح المسلم تشنغ خه في رحلته البحرية، التي تمت قبل خمسة قرون على اليشب طلبه التاجر لزبون بريطاني. هو " هونت": إنه يقول بصدق وعزم: ".. لا لم أقبل هذا العمل للاحتفاظ بسمعة محل التحف النادرة، أو لإظهار مهارتي الخاصة، ولا طمعاً في هذا الثمن، بل صممت على إنجاز هذا العمل لأن تشنغ خه مسلم، ومثلنا من قومية هوى هوى."(12) … وحتى يعرف الأجانب أن مسلمي الصين قد قاموا بواجبهم نحو وطنهم بصورة جيدة.‏

ومن الصعب أن تغيب عني صورة البنتين اللتين أنقذهما صبي والدهما ذاك من الحاجة وأنقذ سمعة محل معلمه والصنعة التي أنضم إليها، وما حققه من نجاح. ثم ما آل الأمر إليه من بعد حين وقعت الحرب وتم التضييق على ممتلكات أصحاب الصناعات والتحف الجميلة فغادر ملك اليشم إلى لندن ليعيش في الخطيئة وينقذ صناعات ويفقد روحه وسعادته وسمعة الأسرة لولا جبروت زوجته التي سكتت وتجاوزت محنة زواجه من أختها، والدين يمنع ذلك الزواج المحرم والمجتمع يدينه.‏

جميلة رواية عاشق اليشم، وعلاقات شخوصها شفافة وقوية. الحب فيها جارف ولكن في خضم التضحية والتسامي. النشوة الوقحة لا تكاد تلمس لها حضوراً، والنتائج المأسوية التي تترتب أحياناً على تصرف الأسرة من دون معرفة بعض الأفراد ومن دون موافقتهم لا تقدم تقاليد مجتمع صارم مثل ذلك الذي نلمسه في رواية حلم القصور الحمراء، ولكنها لا تقدم حرية بلا ضفاف أيضاً.‏

وفي هذه الرواية نلمس التحول في العلاقات والمواقف، ونوعاً من الصراع للمحافظة على تقاليد في أوساط شباب يحاول أن يثور على التقاليد، وأقليات ترى هويتها وخصوصيتها في المحافظة على تقاليدها وعاداتها وجوهر عقيدتها وثقافتها، وترى نفسها متهمة أو محاصرة بنوع من القصور لذا تستنفر قواها للدفاع عن نفسها.‏

كيفما حاولت فإن مأساة هلال: الفتاة الجامعية الرقيقة المسلمة (13)، والضحية لزواج محرم إسلامياً من غير مسلم، والمصابة بمرض في القلب من دون أن يعرف أحد بإصابتها إلا بعد فوات الأوان، والعاشقة لأستاذها من دون أمل لهما في الزواج، لما يفرق بينهما وعلى رأس ما يفرق أو ما فرّق: الدين ـ على الرغم من السؤال الاستنكاري في الرواية: " وهل هلال تعتنق الدين"؟؟ والمرض والموت. (14) وبالمقابل فإن لأخيها نجم السماء قصته المحزنة هو الآخر مع حبيبة لا يوفّق إلى الزواج منها.‏

إن سيدة أيضاً تمسك بزمام الأمور وتقود البيت وترسم الخطط، وتحرم نفسها من الراحة والسعادة بعد أن وجدت نفسها محرومة منهما على نحو ما في ظل الصراع من أجل الحياة والصراع فيها، هي السيدة هان؛ إنها تحافظ على البيت والتقاليد والعقيدة وتريد أن تموت مرتاحة بعد أن تؤدي واجباتها على أكمل وجه.(15):‏

تقدم الكاتبة هدى "هوه دا" في روايتها عاشق اليشم علاقتين إنسانيتين تكشف من خلالهما طبيعة الصلات الاجتماعية وعمق العلاقات الإنسانية في المجتمع الصيني، على الرغم من تعدد القوميات والأديان والتوجهات الفكرية. فهلال هان/1943-1963/ الفتاة المسلمة من قومية هوي تحب الأستاذ تشو البوذي من قومية الهان، وتنمو تلك العلاقة البريئة التي نشأت في حرم جامعة بكين بين طالبة وأستاذها متجاوزة حدود الأديان والقوميات، من دون وعي بتلك الحدود في بدايتها، وتتحول بعد موت هلال إلى صلة روحية متينة تجمع أرواحاً وراء حدود الموت والحياة.‏

تقدم المؤلفة الأستاذ تشو: رقيقاً ودوداً وفياً صافياً كما كان الكمان التي يعزفها. ومنذ لحظة لقائه الأولى بهلال تنشأ بينهما علاقة تتبدى مع الأيام على أنها الحب وبدا لهلال "الحب بكل وضوح شعوراً نزيهاً، ينبت في قلب الإنسان، ثم يتنامى ويخلد فيه أبداً."، وعلى الرغم من نفور والدة هلال "خالتها" من هذه العلاقة وإفهام الأستاذ تشو الذي طلب الزواج من هلال بأن زواجه من هلال غير ممكن:‏

السيد هان: إنك لست من ديننا!!‏

الأستاذ تشو: الدين؟! وهل هلال تعتنق الدين؟!‏

السيدة هان: طبعاً!! كيف يمكن للمسلمين ألا يعتنقوا الدين الإسلامي؟ إننا نؤمن بالله. أما أنتم، أبناء قومية هان، فتؤمنون ببوذا...‏

الأستاذ تشو: لستُ مؤمناً ببوذا ولا بأي دين آخر، أحترم عقيدتكم الدينية. الإسلام يدعو إلى السلام، والتحابب، في صالح البشر، والدين الإسلامي يجعل المرء نبيلاً ويطهر روحه، لدى المسلم الورِع احترام للناس.‏

السيد هان: إن الاحترام لا يعني الاعتقاد...."(16)‏

إن هلال وتشو "يشتركان طبعاً في وطن واحد ولغة واحدة وهدف واحد ولون بشرتهما واحد..."(17) إلا أن هناك فرقاً يجعل السيدة هان تستنكر في أعماقها قوله لستُ مؤمناً بأي دين" وتنهي الحوار بقولها: أمّا زواجكما فلن نوافق عليه حسب قواعدنا الإسلامية، ويحسُن بنا أن نتوقف عند هذا الحوار."(18) أقول على الرغم من نفور والدة هلال هان وقرارها بإيقاف الحوار يبقى الأستاذ تشو متعلقاً بهلال؛ ويفقد بوفاتها ما لم يفقده أحد من أفراد أسرتها، ويبقى ما قالته له هلال في وقت سابق رفيقاً لروحه وهادياً له:‏

"إنني مثلك تماماً صاحبة روح وقلب زاخر... لست أتكلم معك بحكم العادة والعرف، بل لستُ أتكلم معك مستعينة بالجسم البالي، ولكن أتكلم معك بروحي كأننا بعثنا نحن الاثنين من القبر ووقفنا عند قدمي الله متساويين لأننا شخصان متساويان"(19)‏

إن الأستاذ الشاب تشو الذي تعلق بهلال عاش علاقة حب أظهرت إنسانيته وصقلت جوهرها أكثر مما حطمت جوهر الإنسان فيه، وقد بقي روحه ووجدانه ملتصقان بهلال على نحو لم يبرحا معه القبر الذي نزل في حفرته كواحد من أفراد الأسرة ليضع جثة هلال فيه مع أخيها نجم السماء يداً بيد.‏

وفي لقاء الأرواح والقلوب ومجتلى القيم ذاك تقدم "هوه دا" صورة لتعايش وتعاون وتفاهم عضوي بين القوميات، أو تريد أن توفر الدعوى لذلك في ضوء الإنساني والوطني؛ وتتسامى بهذه الصورة مع المشاعر والقيم إلى درجة تميزها في الأداء عن كثيرين ممن يتوطّن الحقد العنصري في قلوبهم؛ وتجعل ختام روايتها هذه الكلمات المتألقة في صباح ندي على خضرة من الطبيعة وفن اليشم الزمردي البديع:"وتحت ضوء القمر، بجانب تلك الشجرة - شجرة الكمثرى في الحديقة التي كانت مقبرة المسلمين- ارتفع لحن كمنجة بطيء لطيف كأنه نشيج أو مناجاة، يحكي قصة غرامية قديمة رائجة في الشرق ومعروفة لدى الجميع وهي "ليانغ شان بوه وحبيبته تشو ينغ تاي."(20) وهذا يؤكد ما ذهبت إليه المؤلفة حين قالت على لسان هلال لوالدتها "خالتها": "عندما يندمج قلبان بعد اجتياز مسافات طويلة ويتبادلان الثقة المطلقة، وعندما يخفق كل قلب من القلبين قائلاً للآخر: لن أنفصل عنك إلى الأبد؛ فإن الحب قد وحّد بين هذين القلبين، وما من قوة تستطيع تفريقهما."(21)‏

ونجم السماء، أخو هلال، يحب فتاة بوذية ويتعلق بها وتخلص له، ويقرر الزواج منها، إلا أن أمه تدبر مكيدة تفضي إلى اعتقاد نجم السماء بانصراف حبيبته عنه، وإلى اعتقاد تلك الفتاة بأن نجم السماء غدر بها؛ لأن الأم لن ترتاح ما لم تزوجه من فتاة مسلمة. وقد تزوج نجم السماء من فتاة مسلمة هي تشن تشو يان، ولكنه لم يسلَم من مواجهة النقد لموقفه وسلوكه، فقد واجهه زملاؤه في العمل بهذا الاتهام، كما واجهته الفتاة نفسها بذلك. وجراء هذه المواجهة المصحوبة بالاحتقار، لاسيما من قبل زملاء المهنة، كادت تودي بنجم السماء إلى الجنون أو الانتحار في العاصفة الليلية الثلجية الهوجاء التي اكتسحت المدينة كما اكتسحت نفسه.‏

ولكنه لم يستطع أن يغير من الأمر شيئاً: "إلهي الذي في السماء: لماذا يتعرض الإنسان لبلايا متوالية؟! أنقذني يا رب واهدني إلى الطريق المستقيم (...) وشق القمر الغيم الكثيف في تلك الليلة العاصفة ليطل على نجم السماء التائه بصحبة ظله كشبح على خشبة مسرح مظلمة."(22) إن القدر يعبث بنا أو أننا نتحول على نحو ما إلى قدر حيث يعبث بعضنا ببعض.‏

وفي القلوب الأربعة:هلال وتشو، نجم السماء وفتاته البوذية، صفاء العلاقة الإنسانية التي تؤسس لها الطبيعة البشرية، على الرغم من عدم نجاح أي من الشخوص الأربعة في تحقيق علاقة اجتماعية تامة. إن التقاليد وحراسها ينتصرون ولكن هؤلاء الشباب يخترقون بعزم كبير جدار تلك التقاليد... والصراع يستمر.‏

لقد نذرت جيون بي /السيدة هان/ ابنة الفنان اليشمي الكبير ليانغ وزوجة ملك اليشم الذي خلفه، نذرت نفسها لحماية التقاليد الأسروية والأصول المرعية، وكانت تعمل بوحي من اعتقادها العميق ورغبتها القوية... تعمل لتحقيق أمل والدها الذي اختلط دمه بغبار اليشم، ومات ولم يحقق الهدف الذي رأى فيه راحة روحه حياً وميتاً؛ ليس بدافع وفائها لذلك الوالد فقط وإنما لإيمانها أيضاً بذلك الذي كان يرغب في تحقيقه ليموت بسلام واطمئنان، فقد كان هاجسه الملحّ يتجلى في قوله لهان تسي تشى الصبي الذي التحق بالعمل معه: "فإذا قدر لي أن أرى ابنتيَّ تُزفَّان إلى أسرتين مسلمتين تجدان ما يسد الرمق، وأراك تتزوج وترث في محل التحف النادرة، فإنني أنا وزوجتي سنذهب إلى لقاء ربنا بقلوب راضية مطمئنة.."(23) ونجحت في استرداد محله وسمعة ذلك المحل، وأصبح زوجها هان ملك اليشم في الصين... ولكن أشياء كثيرة أخرى لم تتحقق كان أكثرها فجيعة ومأساوية، ذاك الذي واجهته في لحظة مذهلة قبل وفاة زوجها؛ وبدت كأنما يعبث القدر عبثاً "مَضْكياً" "مضحكاً مبكياً" بكل ما قررت وقدّرت ودبرت لتكون مسلمة ومحافظة على الأصول والاستقامة ونقاء الأسرة وتماسكها!! فقد اعترف زوجها السيد هان تسي تشي، وهو في مرض الموت، بين يديها بأنه لم يكن مسلماً:‏

"هان: يا جيون بي، إني خائف..‏

جيون بي: لا تخف. دع كل شيء إلى الله، وأخلص قلبك لله، فلن تخاف بعون الله.‏

هان: إني مذنب... أيمكن أن أعتبر نفسي مسلماً؟!‏

جيون بي: هان.... كيف يمكن لمسلم مؤمن بالله أن يتريب بكونه مسلماً؟!"(24)‏

"عشرات السنين أنقطع عن الصلاة والصوم، وتلاوة القرآن الكريم"، حتى أنّه لم يؤد فريضة الحج عندما مر بقناة السويس فمن أين له أن يكون مسلماً؟! في أعماق قلبه إثم مقيم قد يودي به إلى أعماق جهنم، فقد تزوج من أخت زوجته، من بينغ يوي وأنجب منها هلال، وهو زواج محرم، بل هو الزنا الأكبر...!؟ وفي خضم هذا الأسى.. وبحضور كنته وابنه نجم السماء، قال هان لزوجته:‏

"إني لست مسلماً من قومية هوي..... كنتُ يتيماً من قومية هان... خدعتكم كما خدعت معلمي."(25) و"بهتت السيدة هان وابنتها وكنتها!! هل الدم الذي يجري في عروق خلف أسرة هان دم مزيج من قومية هان وقومية هوى المسلمة؟!"(26)‏

لقد صعقت السيدة هان، واستنفرت كل ما في تاريخها وتاريخ قوميتها من عزم لتصمد وتواجه الكارثة... لن تدعه يدمر نفسه ويدمر الأسرة"، "أنت مسلم حقيقي من قومية هوى! لا تكن مشوش الذهن! هيا تب إلى الله وتشهّد، واذهب مع الإيمان بالله.. وبهذا تكفر عن ذنبك...(....) فتشهّد بصوت ضعيف متقطع: لا إله إلا الله محمد رسول الله...".(27)‏

لقد نجحت السيدة هان، نجحت ولو في اللحظة الأخيرة، إن هان تسي تشي نطق بالشهادة، ولم يكن ليمر بخاطرها قبل ذلك أنّه غير مسلم... إنه من الأسرة وفي محيط المسلمين ويقوم بكل شعائرهم... ولكن حتى إذا كان لحِق بذهنه تشوش بعدما مر به من مآسٍ؛ وموت هلال وحكاية بينغ يوي والكارثة التي ألحقتها به الثورة الثقافية... فإنه أخيراً سيموت على الإسلام بشكل مؤكد. تركت هان يمضي لسبيله بأمان" أمسك هان تسي تشي الشمعتين بيديه المتشنجتين، ومضى في الظلام مترنحاً يحمل معه الندم والأسف والخوف والرجاء."(28)‏

كانت السيدة هان أمام فجيعة من نوع خاص، فجيعة أمام أسرتها ومجتمعها وروحها وربها... فهي التي دافعت عن الإسلام والتقاليد ونقاء الأسرة وحرصت على اختيار زوجة مسلمة لابنها وقامت بما قامت به من أجل ذلك، كما حرصت على عدم زواج هلال من بوذي، تكتشف أنها -ربما كانت طوال حياتها زوجة لشخص بوذي من قومية هان ادعّى أنّه مسلم؟! قالت هان: مسلم عاص، ولقنته الشهادة ونطق بها وارتاح قلبها قليلاً. ولكن هل نجحت تماماً في جلب الاطمئنان التام لروحها بعد كل هذا العناء الطويل؟!‏

إنها تدفع اصطفاق أجنحةً الغربان الشريرة والأفكار السيئة من فوق رأسها وبين عينيها، ويسيل دمعها ممزوجاً بالقهر، وتريد أن تتماسك وتحفظ الأسرة… تحفظ ما كانه أبوها ليانغ الذي مات وهو يكافح ليجسد سفينة تشنغ خه في اليشم المتوثب حياة، وما سيكون عليه نجم السماء ولدها ويوسف وزهراء حفيديها.‏

وتلك حقائق التراجيديا الكامنة في أعماق شخوص رواية عاشق اليشم التي أبرزتها "هوه دا" بفنية عالية وتشويق وقدرة على الأداء والغوص في عمق النفس البشرية، مستفيدة من التاريخ، مقدمة غذاء معرفياً ووقائع عاشتها الشخوص، وتقاليد مجتمع المسلمين في بكين، وما تزخر به حياة الأسر المسلمة والأقليات من هموم وهواجس وتطلعات... وما يعمل من أجله ويتطلع إليه مجتمع الصين الأوسع من حياة وعلاقات وقيم في ظل التحديث، وما بعد الثورة الثقافية التي لم تترك المؤلفة آثارها على شخوصها من دون إيضاح، لاسيما ما تعلق من ذلك بملك اليشم هان تسي تشونغ وما يملكه من كنوز الحضارة الصينية في هذا المجال.‏

ومن المفيد التوقف عند هذا الجانب الذي يبدو لي أن الكتاب الصينيين المعاصرين يركزون على إظهار جوانبه وآثاره السلبية في نصوصهم، فلقد سجل وصفاً وحدد موقفاً من الثورة الثقافية وما جرى في أثنائها من ممارسات أتت على الكثير مما يشكل رصيداً ثقافياً وحضارياً للصين. ففي رواية عاشق اليشم تقول الكاتبة هوه دا "هدى":‏

"فجأة اقتحم دار الثقافة والذوق جماعة من الحرس الأحمر الشباب بالزي العسكري، فخربوا الجدار الحاجز الخشبي ذا الزخارف المنقوشة، وطمسوا لوحات الممر بطلاء أسود،وكسروا باب الغرفة السرية، وخطفوا سائر مخزونها."(29) ومخزونها كان من قطع اليشم النادر المشغول بعنايةً فنية فائقة، وحافظ ملك اليشم /هان تسي تشي/ عليها ونقلها في زمن الحرب إلى لندن ثم عاد بها إلى بكين لكي لا يفرط بثروة وطنية، ولم يبعها على الرغم من الإغراء المالي والحاجة الماسة، عاد بها ليحفظ ثروة الوطن فيه... فكان أن لقيت تلك القطع النادرة ذلك المصير المحزن. أما هان فقد "اختطف قلبه مع يَشَمِهِ منها نادرة كان لها تاريخ يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف سنة عبر الأسر الملكية المختلفة مثل شانغ وهان وتانغ وسونغ ويوان ومنغ وتشينغ، وكانت بأشكال جميلة كالتنين والحصان والزهر والسحب وثقَّالة الورق؛ وكانت موادها تختلف ما بين اليشم والعقيق والجاديت (....) وكيف يمكن لملك اليشم أن يعيش إذا ما فقد يشمه؟!"(30)‏

ولم يقف الحد عند تدمير ما دمر من النقوش والرسوم واليشم، وسلب ما سلب من مالكه، وإنما تعدى الأمر الممتلكات الفنية القيمة إلى السمعة، و"في اليوم التالي أجبر الحرس الأحمر هان تسي تشي على الاعتراف بـ "ماضيه الفاسد"(31)،ولم يتوقف الانتهاك عند حدود الممتلكات والأجساد والتاريخ والمعتقدات، وإنما تعدى ذلك إلى الأموات والمقابر التي تحفظ عظامهم، ففي الجبل الغربي قرب بكين أرض خضراء مزروعة بالأشجار "كانت هذه الأرض المقبرة العامة للمسلمين، لكن الكارثة الخطيرة، ألا وهي الثورة الثقافية، قد اكتسحت المقبرة فذهبت بأكوام القبور والشواهد، تاركة هذه الأرض الخصبة تغذي أشجار الفواكه فتعطي ثماراً وافرة كل سنة"(32)‏

لقد استمتعت بقراءة رواية عاشق اليشم، وشدتني شخوصها إليها وسكنت في ذاكرتي، وجعلتني في أثناء تتبع حوادثها أشعر بتأثر شديد، وأعجبتني البنية الفنية المدروسة التي وضعتها الكاتبة لعملها الفني المستقى من حياة حقيقية للشخوص كما قالت، ومن تاريخ أعادت له الحياة في أداء روائي متميز، وبأسلوب فيه رقة ودقة وصف وأداء شاعري وحكمة ومعلومات مفيدة.‏

لقد سرني ما اطلعت عليه من تصوير لعادات المسلمين وتقاليدهم وأسلوب حياتهم وتعاملهم، وشعرت بتأثير وانفعال وأنا أقرأ ما ذكرته المؤلفة من تعاليم وشعائر دينية وعبارات عربية تستخدم في أثناء مراسم الزواج والجنازة...إلخ.‏

وإذا كانت الكاتبة قد أطلقت العنان أحياناً للخيال والعاطفة، وقدمت رأيها ورؤيتها فيما يتعلق بحوادث وسلوك أشخاص وأجيال تفتحت على ثقافة التحديث وتعلقت بالغرب أو تأثرت به، وأرادت أن تقيم علاقات اجتماعية جديدة... فذاك حق المؤلف وهدفه أو جل هدفه من عمله.‏

شخصية واحدة من شخصيات هوه دا "هدا" في رواية "عاشق اليشم" أخذتها التجربة بعيداً، وحاولت أن تدوس على ألمها وعواطفها لتتابع اكتشافها وما أرادت أن تعيشه بعيداً عن المجتمع والتقاليد، بعد أن جرحت هي المجتمع والتقاليد والمقدسات فقوبلت بما هو أشد من ذلك..أنها بينغ يوي أخت جيون بي.‏

إنها فتاة من جيل جديد ذي تجربة مغايرة لمعظم أبناء جيله، جيل اتصل بالغرب وقادته المعرفة إلى الخروج من شرنقة الماضي وإلى الثورة عليه وعلى ما يقدِّس ويحترم... ولكنه جيل يتقدم خائفاً مرتجفاً والسيف في يده ليفصل رأس الماضي عن جسد الحاضر. وقد يمضي قليلاً من دون رأس، والدم يتدفق من الشرايين والأوردة، واللسان يردد بعض الجمل والكلمات... ومن ثم تأتي لحظة الهمود: إمّا موتاً وإمّا انفصالآً عن كل ما يشكل طعم الحياة الأصيلة، وخصوصيتها في بيئة ومجتمع وأسرة، في ظل تواصل مع وطن وعقيدة وهوية وتاريخ وتراث.‏

إنه يتدفق حماسة للمجاوزة، ويمضي على شفرة الحنين يقطع دروباً وصلات وأواصر،وعندما يعود... ليجد شيئاً يتمنى رؤيته... يصدم بالفقد والمحو والفراق والمتغيرات التي لا تبقى ولا تذر.‏

إن كلام بينغ يوى الذي تركته لابنتها هلال يسوق رياح المغامرة وتسوقه تلك الرياح على أشرعة الأمل والرؤية والطموح... إنه أمل في إطار نوع من مغامرة يقوم بها جيل أو رواد وخارجون على مجتمعاتهم، تأثراً بمجتمعات أخرى أو هرباً من قسوة مجتمعهم وأحكامه أو غياباً عن عيون يؤذيها ما يُجترح بحق القيم والمستقر من أصول، لأن صاحب الفعل الاجتراح يشعر في أعماقه بالخطأ وربما يفتقد الشجاعة اللازمة لممارسة فعل الندم... ولكن الدعوة إلى التغيير تكلف صاحبها أحياناً السعادة، وهو يؤدي فعله ذاك برضا إذا كان يعي جيداً أبعاد مشروعه وهدمه البناء، أمّا إذا كانت مغامرته ضرباً من المقامرة قد تقود إلى كشف من خلال الفعل الاجتراحي... فإنها قد تورث تمرداً أو تثمر فوضى... وقد يكون الألم رفيقاً لصاحبها إذا لم نقل الندم.‏

تكتب بينغ بوى لهلال الصغيرة: "ترتحل أمك لتواصل غربتها وحيدة، وهذا ليس من أجل لقمة العيش أو البحث عن الحب، وإنما من أجل أن تكتشف نفسها؛ يمكن للمرء أن يفقد كل شيء إلا نفسه، لقد ضاعت من أمك ثلاثون عاماً من الماضي، وستبدأ فيما بعد الحياة مستقلة حرة."(33) وهذا يذكر بتعاطف المؤلفة مع المرأة الصينية المسلمة وحقوقها وحريتها، فقد ذكرت شيئاً في سياق الرواية يتعلق بذلك الوضع حيث قالت: "الحقيقة أن المرأة في الصين جاهلة فاترة الشعور، وخادمة في إدارة الأسرة، وأداة لإنجاب الأولاد، ومتابعة للرجل، ولا رأي لها في الحب على الإطلاق."(34) وتتابع بينغ يوى رسالتها لهلال:‏

"تتمنى أمك من صميم قلبها أن توفقي برجل يحبك أصدق الحب وأخلصه وأوفاه، وتأمل ألا تعاني العذاب الذي عانته. ولكن لن يكون الحب جميلاً عذباً كما تتصوره فتاة شابة، فدائماً ما يكون وراءه شَرَكَ أو هاوية(....) وآمل أن يكون لك عقل مدرك وعينان نفاذتان وقلب ثابت حتى تستطيعي التحكم بمسيرك في هذه الحياة المحفوفة بالصعاب فتقتحمينها صعوبة بعد أخرى."(35).‏

لم تجد بينغ يوى بعد عودة مثقلة بالحنين والألم والمعاناة، لم تجد مما رغبت في أن تجده شيئاً... "لقد ارتحل كل من أرادت رؤيته ومن رغبت عن رؤيته على حد سواء."(36) الأشخاص والأمكنة... كل ذلك قد تغير حتى نجم السماء الذي دفعها الشوق إليه إلى العودة الأولى من لندن، لم يعد ذلك الأمل الذي يشد القلب والروح والإرادة.‏

لقد اكتشفت بينغ يوي أشياء كثيرة، مميتة ومؤلمة، وربما فيها فرح...وانتهت إلى نتيجة ما... ربما كانت نتيجة قديمة مرت في كتب أسرة يوان التي نادى لوشين بالتخلص منها جميعاً.... ولكن متى انتهت إلى ذلك وكيف؟!‏

وكذلك انتهى هان تسي تشي إلى يقين ما كان قد عرضه أمامه الشيخ دري الدين يوم تعرّف عليه وتبعه في رحلته الطويلة إلى بكين ولم يتابع معه إلى مكة، فقد قال له منذ وقت طويل:"إن المرء يعبر الدنيا بسرعة، وأن جسده مأوى مؤقت لروحه، وأن حياته الدنيا لمحة قصيرة، أمّا الخلود ففي الآخرة."(37)‏

كثير من البشر يصحون متأخرين، وكثيرون من المجربين تفشل تجاربهم، ولكن هذا لا يعني النوم وترك التجربة. وأنا أقدر تقديراً تاماً رأي الكاتبة الذي أبدته في كلمة لها حول الرواية إذ قالت: "إن المرء في حاجة إلى المثل والوهم والجمال، وكذلك في حاجة إلى التصور الجميل والوجدان الجميل لتكوين نفسه"(38) وقولها أيضاً: "وكان لا بد أن يفهم المرء حق الفهم أن التاريخ عديم الرحمة، وأنه ما من أحد يستطيع تغيير التاريخ أو اختلاقه."(39)‏

هذه وقفة قصيرة مع الثقافة والأدب في الصين من زاويتين: الثورة الثقافية وبعض آثارها، والرواية الصينية في أَثرين، أحدهما يقدم الشخصيات والعلاقات والقيم في المجتمع الصيني في قمة الهرم الإمبراطوري، وهو نص قديم ومؤثر ويحظى باهتمام الكثيرين، والثاني نص حديث يتعرض لتقاليد الأقلية المسلمة وعاداتها ومشكلاتها ونظرتها للآخرين في نص ترك تأثيراً واهتماماً هو الآخر، وسجلت مؤلفته حضوراً في الساحة الأدبية الصينية.‏

ويسعدني أن نقدم في اتحاد الكتاب العرب، وفي مجلة الآداب الأجنبية العدد الثاني الخاص المكرس للأدب والثقافة في الصين، وحين نقدم هذه المساهمة البسيطة في التعريف بأدب بلد يشكل سكانه سدس سكان العالم وترقى حضارته إلى خمسة آلاف سنة من عصرنا هذا نشعر بمدى الحاجة للتعرف إلى هذا الشعب وتاريخه وحضارته وتجاربه وتوجهاته المعاصرة على الخصوص، وهو يقطع مراحل في التقدم والتطوير والانفتاح، ويحقق نجاحات في مجالات التنمية والاقتصاد والصناعات المتقدمة: مدنية وعسكرية.‏

إن كل معرفة صحيحة تقيم جسراً متيناً بين الشعوب تجتث جهلاً، وتؤسس لصداقة... ونحن تربطنا بالصين وشعوبها صداقة متينة وعلاقات تاريخية ومعاصرة، ونتطلع إلى مزيد من التواصل والتعارف تؤسس لـه علاقات وطيدة تقوم على الاحترام والثقة والمصالح المتبادلة. وهذا مانأمل أن نحقق خطوات على طريقه.‏

والله ولي التوفيق‏

(1) ـ الصّينيّون المعاصرون ـالتقدّم نحو المستقبل انطلاقاً من الماضي ـ الجزء الأول ـ تأليف: وو بَن ـ ترجمة: د. عبد العزيز حمدي ـ مراجعة: د. لي تشين تشونغ ـ ص 29 ـ منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ـ سلسلة: عالم المعرفة ـ العدد 210 / حزيران 1996‏

(2) ـ حداثة التخلف ص 15 وهو عنوان لكتاب عنوانه الأصلي بالإنكليزية: A ـ all that is solid melts into air / the experrience of Modernity تأليف: مارشال بيرمان ـ ترجمة: فاضل جتكر ـ منشورات: دار كنعان للدراسات والنشر. دمشق 1993 ط1‏

(3) عاشق اليشم ج2 ص 309-310.‏

(4) رواية عاشق اليشم ج2 ص 310".‏

(5) المصدر السابق ج2 ص311.‏

(6) ـ من كتاب: في التربية: تأليف: برتراند رسل - تعريب: أحمد عبد السلام الكردان ومحمد أحمد الغمراوي ص98 سلسلة الفكر الحديث رقم ( 4) لجنة التأليف والترجمة والنشر - مصر.‏

(7) ـ ونحن نلمس تركيزاً في الرواية على الجانب النظري أيضاً من تلك التعاليم: "سألت الجدة حفيدتها داى يوى عن الكتب التي درستها. فقالت داى يوى:‏

لقد انتهيت مؤخراً من "الكتب الأربعة"(1) لكنني مازلت جاهلة تماماً كتب كونفوشيوس الكلاسيكية / حُلمُ القصور الحَمراء ـ تساو شيويه تشين - الجزء الأول ص 41 ـ منشورات: دار النشر باللغات الأجنبية – بكين‏

(8) ـ في تلك اللحظة طارت روح باو يوى. هل تظنون أنه مات حقاً؟ لقد أسرع إلى القاعة الأمامية كأنما هو في حلم حيث قدم تحياته إلى الراهب الذي كان جالساً هناك. هب الراهب واقفاً في الحال، ومضى به. شعر باو يوى أنه خفيف كورقة شجرة تسبح في الهواء، وغادر القصر بطريقة ما دون اجتياز البوابة الرئيسية./ نص الرواية ج2 – ص291.‏

(9) ـ " توقف، ثم عبر نظر الثلج، فلمح على مقدم المركب شخصاً برأس حليق وقدمين عاريتين، يلبس عباءة لباد حمراء. سجد هذا الرجل أمام جيا تشنغ الذي هرع خارجاً من قمرة المركب بقصد إنهاضه ومعرفة من يكونون. لكن الرجل سجد أربع مرات، ثم نهض وحياه تحية بوذية. وأوشك جيا تشنغ على الانحناء رداً عليه، ولكن حين رأى فيه ولده سأله مذهولاً:‏

- هل هذا باو يوى؟‏

لم يحر الآخر جواباً، وبدا غارقاً ما بين الحزن والفرح، فسأله جيا تشنغ ثانية:‏

- إذا كنت باو يوى، فماذا تفعل هنا، وفي هذا الزي؟! قبل أن يتمكن باو يوى من الإجابة ظهر راهب وكاهن طاوي، وأمسك كل منهما بإحدى ذراعيه، وقالا:‏

- التزاماتك الدنيوية قد وفيت، فلماذا تؤخر رحيلك؟‏

وانزلق ثلاثتهم نحو الشاطئ، فهرع جيا تشنغ خلفهم برغم أن الطريق كانت زلقة، لكنه لم يستطع اللحاق بهم.‏

وسمع أحدهم ينشد:‏

بيتي هو القمة الجبلية الزرقاء،‏

أطوف في الفراغ البدائي.‏

من سيذهب معي ليظل في صحبتي،‏

عائداً إلى قفر اللا نهاية العظيم!‏

وتبعهم جيا تشنغ حول منحدر، فإذا بهم قد اختفوا. عندها ترنح لاهثاً تتناهبه الظنون." ج2 – ص 340‏

(10) ـ تعلمت من رواية عاشق اليشم معرفياً عدا تاريخ اليشم وصناعته أشياء قدمت معلومات عنها بشكل لا يثقل على الرواية من ذلك: " جاء الشيخ قوام الدين من الأقطار العربية إلى الصين في عهد الإمبراطور تشن تسونغ من أسرة سونغ الملكية، أي في عام 295 هجرية 996 ميلادية على وجه التحديد. /ج1 - ص25 / ."بدأ دخول الإسلام إلى الصين بوصول رسل الخليفة الثالث عثمان بن عفان عام 651م إلى عاصمة الصين تشانغآن ومثولهم بين يدي الإمبراطور قاو تسونغ من أباطرة أسرة تانغ /ج1 - ص26 / ومن ذلك التاريخ بدأ المسلمون يفدون من الأقطار العربية إلى الصين في مناسبات كثيرة ولأغراض مختلفة. واستوطنوا هذه الأرض، فتناسلوا وتكاثرت ذريتهم تدريجياً. وتكونت منهم على مر العصور قومية مسلمة هي قومية"هوى هوى" /ج1 - ص26 /‏

وتعلمت شيئاً عن المساجد قبل أن يقع في يدي كتاب خاص عن المساجد في الصين: من رحلة دري الدين إذ يقول عنها: "تشيوانتشو حيث مسجد الأصحاب، ثم قصدت مدينة كانتون(قوانغتشو) وزرت مسجد الحنين إلى النبي، ثم مسجد العنقاء في مدينة هانغتشو، ومسجد شياوتاوبوان في شانغهاي، ومسجد جينجيويه في ناجينغ، ومسجد تشينغشيو في شيآن.".وكما تعلمت " شيئاً عن رحلة البحار المسلم "تشنغ خه في رحلته البحرية".وهو الذي سبق البحارة الغربيين جميعاً في اكتشاف ما اكتشفوه." والذي جسده المعلم ليانغ النحات اليشمي المتميز في السفينة الرائعة التي مات وهو يرسمها. إن " لوحة"تشنغ خه في رحلته البحرية" من جلال التعبير الفني وعظمته وعمقه. كما أنكم تغلبتم على قصور فن النحت اليمشي بالاستفادة من فن الرسم والنحت على الخشب والنقش على الآجر والنحت الحجري، وبذلك أظهرتم براعة الفنون الصينية الجميلة كلها في عمل فني واحد، وأحييتم مهارة النحت اليشمي وأسلوبه المتميز. " / الرواية: ج1 - ص188 /.‏

(11) ـ كانت أسرة ليانغ يى تشينغ أسرة مسلمة قوية الإيمان. وكان المسلمون من أبناء قومية هوى هوى يشكلون أقلية ضئيلة بين أهالي بكين، والمشتغلون منهم ببضاعة اليشم أقل عدداً، ولعل ذلك هو الذي جعله يعيش قانعاً رهين البيت حابساً نفسه بين الجدران بدافع غريزة الذود عن الذات! - ج1 - ص20‏

(12) الرواية ج1 ص89‏

(13) ـ" والبنت تتغير سريعاً كلما كبرت( … ) / ج1 - ص95 / " وتفعل كما تفعل النساء المسلمات عبر الأجيال المتعاقبة. فتدمج آمالها وأمانيها في إيمانها الصادق، وتفضي بحديث قلبها إلى ربها الخالق، وتقول"يا ربي" وهي واثقة أن الله يسمع كل نداء ويعرف كل ما في قلبها وأنه سيمنحها السعادة والسلام. إذا اتفق، في سن الطفولة، أن ألغيت الكتاتيب وأنشئت مدارس حديثة… وبنتاً مسلمة تدخل المدارس" /الرواية ج1 – ص 97 /.‏

(14) ـ أخفقت هلال في انتظار من أرادت رؤيته، وارتحلت تاركة وراءها كل شيء.. ارتحلت عن هذا العالم برغم كل ما كان لديها من تعلق به أو تغيظ منه." سلسلة كتب"العنقاء"ـ عاشق اليشم ـ الجزء الثاني ـ تأليف: هوه دا‏

(15) روايةعاشق اليشم، ج2، ص 62، تأليف: هودا / هدى‏

رواية عاشق اليشم /ص 36 من البحث‏

(16) رواية عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص 159‏

(17) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص 159‏

(18) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص 159‏

(19) المصدر السابق، ج1، ص 214.‏

(20) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص 333..‏

(21) رواية: عاشق اليشم- تأليف هوه دا "هدى" ج2- ص176.‏

(22) رواية: عاشق اليشم- تأليف هوه دا "هدى" ج2- ص91.‏

(23) رواية: عاشق اليشم- تأليف هوه دا "هدى" ج2- ص110.؟‏

(24) المصدر السابق- ج2 - ص 321.‏

(25) المصدر السابق - ج2- ص324.‏

(26) المصدر السابق - ج2- ص324.‏

(27) المصدر السابق - ج2- ص325.‏

(28) المصدر السابق - ج2- ص326.‏

(29) رواية عاشق اليشم- تأليف "هوه دا"- ج2- ص 309-310.‏

(30) روايةعاشق اليشم، تأليف: هوه داه "هدى" ج2- ص 310.‏

(31) المصدر السابق - ج2- ص311.‏

(32) المصدر السابق - ج2- ص332.‏

(33) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص261.‏

(34) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص237.‏

(35) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص262-263.‏

(36) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص332.‏

(37) رواية: عاشق اليشم- تأليف: هوه دا "هدى" ج2- ص311.‏

(38) هوه دا "هدى" - كلمة حول رواية عاش اليشم- ج2 - ص 338.‏

(39) هوه دا "هدى" - كلمة حول رواية عاش اليشم- ج2 - ص 340.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244