مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 122 ربيع 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

خارج مكتب الزواج "عن الإنكليزية" ـــ هيْ زياو هو ـ ت.ثائر ديب

يقول الجميع إنني قد حظيت بزيجةٍ صالحة وإنَّ عليَّ أن أكون ممتناً لمكتب الزواج. غير أنَّ زواجنا لم يُرَتَّب داخل المكتب، بل خارجه. لا تصدقونني؟ اسمعوا، إذاً.‏

زواج الرجال والنساء ضرورة من الضرورات. لكنني لا أزال عازباً على الرغم من مقابلتي نصف دزينة من الشريكات المحتملات واقترابي من التاسعة والعشرين من العمر.‏

والشباب العازبون يبدون حساسية خاصة فيما يتعلّق بأعمارهم، فكلما كَبُرَ الرقم، ازدادت الوطأة على صدورهم.‏

هل كان ذلك بسبب بشاعتي؟.. لا، ففي السنة الماضية، حين عُيِّنتُ أستاذاً متقدّماً، وَصَفَ صحفيّ مظهري على النحو التالي: "على الرغم من أننا لا نستطيع وصفه بالوسامة، فإنَّ عينيه السوداوين اللامعتين، تحت أهدابه الطويلة، تشعّان بحيوية الشباب، وبنيته الرياضية القوية تجعله فتى جذّاباً يلفت الأنظار".‏

لقد كانت مهنتي السببَ الأساسي لإخفاقي في الحبّ. فأنا أستاذ الرياضة في مدرسة ابتدائية. وانتكاساتي في شؤون القلب زوّدتني بمرآة، أمكنني أن أرى فيها بوضوح مكانتي في عيون بعض الناس.‏

كان حبّي الأول زميلةَ مدرسةٍ قديمة، تعمل في مصنعٍ للنسيج، كثيراً ما كُنّا نسير على ضفة النهر ويدها في يدي، نرنو إلى الشمس الغاربة بصفرتها البرتقالية، وإلى سحب العشيّة الساحرة، فنحسّ بقلبينا يخفقان معاً، وأغاني البهجة تصدح من حولنا، آه، يا لتلك الأيام الذهبية، أيام أحلام الشباب.‏

وفي مرّةٍ، ألقت برأسها على كتفي وقالت بصوت ناعم حنون: "وي يانغ.... ألا تستطيع أن تحصل على عمل آخر؟... أصدقائي في العمل يسخرون مني".‏

شعرتُ بوخزةٍ تخترق قلبي.‏

وألحَّت وهي تزداد التصاقاً بي: "غيّر عملك أرجوك. يمكن لوالدي أن يساعدك...".‏

وارتفعت في قلبي موجةً من الهدوء والسكينة. نظرتُ في عينيها، ورأيت رجاءها. غير أني رأيت أيضاً إشفاقها عليّ، وهذا ما لم أستطع أن أطيقه. كان فيه احتقار لعملي، وتحطيمٌ لاحترامي لنفسي. واحتشد في حلقي كمٌّ وافرٌ من كلمات الازدراء، لكنني أفلحت في كبتها. وافترقنا بإحسان، دون أن تصدر عني كلمة غاضبة واحدة.‏

آخر نقاشٍ مثل هذا كان في السنة الماضية. كانت واحدة من جاراتي قد عرّفتني على فتاةٍ عصرية على الموضة. وحين التقينا، طَرَفَتْ عيناها الواسعتان الفاتنتان ونظرتا إليَّ كما لو كنتُ حيواناً نادراً، لكنها ما إن عَلِمَتْ مهنتي حتى أظلمت عيناها، مثل مصباحين يخبوان. وتركتني دون استئذان. فمضيت أنا أيضاً. وخارج نافذة جارتي، سمعتها وهي تفرغ جام غضبها: أنت تستهينين بي، يا خالة! قلتِ إنك ستعرفينني برياضيّ، رياضيّ ما! إنَّهُ أستاذ الرياضة في مدرسة ابتدائية. أيَّ عمل هذا؟ أساتذة الرياضة في المدارس الابتدائية يُنْظَر إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية. هذا لا ينفع!"...‏

كان الإعلان عن افتتاح مكتب الزواج قد ظهر في مستطيل بحجم علبة كبريت في الزاوية اليمنى السفلية من الصفحة الرابعة في صحيفة محلية. لكنّ ردّة الفعل التي أثارها هذا الإعلان فاقت بكثير ما تثيره أخبار الصفحة الأولى. أمّا موقع المكتب فكان في هواشنغ لان، وهو شارع خلفي هادئ وضيّق لا تعرفه سوى قلّة قليلة من البشر، لكنّه سرعان ما غصّ بالألوان حين اندفع إليه كثير من الفتيان والفتيات بثيابهن الزاهية، كما امتلأ برنين أجراس الدرّاجات، والضحك، والابتسام، وموسيقى القيثارة الناعمة، والموسيقى الإلكترونية على أشرطة التسجيل، وأغاني مشاهير المطربين. بل إنّ بعض الشعراء أطلقوا على هذا الشارع العادي الصغير اسماً رومانسياً هو "درب الحبّ والجمال".‏

وبإلحاح متكرّر من أمّي، أخذت بطاقة إقامتي، وإجازةً وصورةً لي، وارتديت بذّة صوفية جديدة ومضيت إلى "درب الحبّ والجمال".‏

وسرعان ما قطع أفكاري هجوم الموسيقى الإلكترونية. فقد اندفع ثلاثة أو أربعة من الشباب العصريين متباهين بآلات التسجيل التي يحملونها. كان أحدهم وَبْشَاً مشهوراً من الحيّ الشمالي في المدينة. وهذا ما أحبط دفعةً واحدةً معنوياتي التي كانت مرتفعة. أيمكن أن أجد الحب بين مثل هؤلاء الأشخاص الرديئين؟... الحبّ الذي أفتّش عنه لابدّ أن يكون مختلفاً تماماً عن حبّهم.‏

وفي غمرة ترددي جاءني صوت ساحر رخيم يسألني: "أستاذ وانغ، إلى أين؟". ووجدتُ أمامي فتاة طويلة، نحيلة، بارعة الجمال.‏

كانت شقيقة واحدٍ من تلامذتي. ولم أكن أعلم سوى كنيتها"باي". "أوه، آنسة باي، أنا ذاهب إلى...".اللعنة! كيف يمكن أن أُخْبِرَ فتاةً غربيةً أنني ذاهب إلى مكتب الزواج لأبحث عن شريكة؟.. "أنا.... أنا ذاهب لزيارة أهل أحد تلامذتي. وأنتِ... إلى أين؟".‏

ابتسمت الآنسة باي، وقالت: "أنا ذاهبة إلى محلّ الخردوات شرقي المدينة".‏

"حسنٌ"، أومأتُ برأسي، وتابعتُ، متعجّلاً.‏

مشيتُ مسافة قصيرة ثم عدتُ أدراجي، مفترضاً أنَّ الآنسة باي لابدّ أن تكون قد ابتعدتْ. لكنني لمحتها وهي تعود أدراجها أيضاً. كانت ضفائرها تهتزّ، وهي تتلفّت وتجتاز بسرعة باب المكتب المدهون بالسيلقون. غمرتني البهجة، وخطر في ذهني: "مع بنات مثل الآنسة باي لابدّ أن أجد حبّاً حقيقياً". وغاب في الحال ذلك الانطباع المزعج الذي تركه لديّ مرأى أولئك الشباب قبل هنيهة. ودخلتُ بسرعة باب المكتب ودلفتُ إلى غرفة استقبال الرجال.‏

وقفتُ عند النافذة ونظرت إلى غرفة استقبال النساء المقابلة. كانت بين حشد الفتيات بأثوابهنّ الزاهية واحدةٌ بدت مثل الآنسة باي. كانت تملأ البيانات مطرقةً برأسها. وراقبتها إلى أن أكملت الإجراءات وغادَرتْ.‏

ابتسمتُ.‏

جاء إليَّ أحد عناصر المكتب، رجل أربعيني، ورَبَتَ على كتفي، قائلاً: "لا تَدُخْ هكذا. املأ البيانات أولاً. يمكنك أن تعتمد عليَّ. اسمي تُشِنْ سوف أجلب لك السعادة". أومأت برأسي ممتنّاً وأخذت الورقتين اللتين سلّمهما لي. كانتا مطبوعتين حديثاً، ورائحة الحبر لا تزال تنبعث منهما. كان من السهل ملء الورقة الأولى، فهي أشبه بالسيرة الذاتية، أمَّا الثانية فقد سبّبت لي صداعاً. ففي رأس الصفحة كان مكتوباً "مواصفات الشريك"، وتحتها عشرة أعمدة تشتمل على مهنة الفتاة المحتملة، وعمرها، وشخصيتها، ومظهرها، ووضعها المالي، وطولها، ومحلّ ولادتها، وجنسيّتها، وهواياتها، وظروفها العائلية العامة. وعبر هذه البنود المجردة، كنت أرى كائناً بشرياً حيّاً وملموساً، فتاةً ودودة عطوفة، تلمع في وجهها البيضوي المورّد عينان سوداوان برّاقتان تنمّان على طهارة قلبها. بل كانت ذات طَبْع رضيّ، وهيئة جميلة بشامةٍ تخلب اللبّ تحت أذنها اليسرى.‏

كيف كان يمكن لي أن أنساها، على الرغم من أنني لم أكد أعرف اسمها ولم أقابلها سوى مرّات ثلاث؟...‏

كان لقاؤنا الأول في شتاء السنة الماضية. كنت قد أخذت تلامذتي للتزّلج في المتنزّه. فجأة، خرج أحد الأولاد خارج الحدود وسقط في حفرة جليدية، بوغِتُّ وقفزتُ في الماء وانتشلته. كان من حسن الحظَ أنني أنقذته في الوقت المناسب؛ وبعد أن بدَّل ملابسه. لم يلبث أن تعافى. لكن أحد الأساتذة حذّرني قائلاً: "انتظر، سوف يأتي أهله ليشتكوا‍! مرّة، وأنا أعطي درس ألعاب القوى، لوى أحد التلاميذ كاحله وهو يقفز فوق حصان الوثب. أقام أهله الدنيا وأقعدوها. أنت فعلت ماهو أسوأ، كدت تُغْرِق الصبي".‏

حين رافقتُ الصبي إلى بيته، كنتُ عصبيَّ المزاج، متوقّعاً حصول مواجهة مع أهله الغاضبين. ولدى دخول البيت، كان الشخص الوحيد الذي استقبلني هو أخته الكبرى، الآنسة باي. وبدلاً من أن تلومني لدى سماعها القصة، نظرت إليَّ بعينين ممتّنتين، وراحت تشكرني مرّة بعد مرّة وقدّمت لي الشاي والسجائر. غدوتُ بطلاً. لكنني لم أكن مرتاحاً، ورحتُ أنتقدُ نفسي. وحين خرجتُ ووصلت إلى أولُ الزقاق، التفتُّ وكان لا يزال بمقدوري أن أرى، تحت ضوء الشارع الخفيف، هيئتها الجميلة، وهي لا تزال تلوّح لي بيديها.‏

كان لقاؤنا الثاني في أول الربيع هذا العام. كنت قد أخذت بعض التلاميذ لرؤية استعراض ألعاب القوى في الأستاد. وبعد العرض، بدأ المطر ينهمر مدراراً ومنعنا من العودة. كانت تلك مشكلة يصعب حلّها على أستاذ مثلي. فبعد قليل كان سيحلّ وقت الغداء. وبينما كنت أفكّر فيما يمكن أن أفعله، فُتِحَ باب مكتب قطع التذاكر، وأومأت الآنسة باي بيدها إليّ:"أستاذ وانغ، مادمت لا تستطيع العودة إلى المدرسة، فادخل وتدفّأ". ورفضت: "لا أريد أن أقطع عملك". لم أكن قد التقيتها سوى مرّة من قبل، فكيف يمكن أن أسبّب لها مشكلة؟.. لقد دعتني بدافع التهذيب، وماكان بمقدوري أن أقبل.‏

غير أنَّ الآنسة باي ألحَّت: "أنت أستاذ، فماذا عن تلاميذك؟... الطقس بارد جداً، والمطر لن يتوقّف عمّا قريب. تعالوا واشربوا بعض الماء الساخن. لقد قارب الوقت الظهر. يمكنك شراء بعض الخبز للأولاد. لديّ نقود وبطاقات إعاشة. ويمكنك أن تستخدمها".‏

ياللدقّة التي حسبتْ فيها حساب كلَّ شيء!... ولما رأيتُ صدقها، كففتُ عن الرفض. سمحتُ للأولاد أن ينحشروا في غرفتها، بينما جلبتْ هي إبريقين كبيرين وبعض الزبادي والطعام، ثم أشارت إليَّ: "أستاذ وانغ، اشربوا الماء أولاً. سأذهب لأحضر الخبز".‏

حين وصف علماء النفس حالة العازبين الذهنية، كتبوا يقولون: "مع الاقتراب من حالة النضج، ترتسم في الذهن صورة "الشخص المثالي"، شيئاً فشيئاً، وتكون خليطاً من شخصية المرء ذاته، والأِشياء المفضَّلة لديه، وسلوكه، وعاداته. ولدى التواصل مع شخص من الجنس الآخر والحديث معه، فإنَّ المرء يتحرَّى الطرف الآخر ويفكّر فيه تبعاً لصورة "الشخص المثالي" المتخيَّل. ولقد كنتُ آنئذٍ في مثل هذه الحال. وعلى صوت المطر، كنت أتجاذب أطراف الحديث مع الآنسة باي وآكل معها. وكانت نظراتنا الخاطفة الدافئة تعبّر عن عاطفةٍ رقيقة مترددة. وأثناء حديثنا، كان أحدنا يقوّم الآخر، في محاولةٍ لإيجاد أرضية مشتركة.‏

توقَّف المطر وسطعت الشمس من جديد، فاستأتُ. لماذا لا تنتظر الشمس أن نكمل حديثنا الشائق؟...‏

وبقيت في حالٍ من الاضطراب أياماً عدّة. تملّكتني ضروب من التوق والقلق. اختلَّ توازني. وكنت أعلم ماينبغي أن أقوم به لكي أستعيده. وأخيراً جاءت العطلة. ركبت دراجتي وذهبت لأعيد النقود وبطاقات الإعاشة للآنسة باي أملاً أن أستأنف ماكنا قد بدأناه من حديث.‏

كانت تلعب الكرة الطائرة مع اثنين من الشباب أمام الأستاذ. كان أحدهما لاعباً مشهوراً في فريق كرة السلّة في المنطقة؛ أمّا الآخر فكان لاعب كرةٍ طائرةٍ من الطراز الأول، ولدى رؤيتها لي، أعلنت الآنسة باي فرحة: "هاهو رياضي آخر". وعرّفتني على اللاعبين. وحين علما أنني مجرد أستاذ للرياضة في مدرسة ابتدائية، لم يخفِ لاعب كرة السلة ازدراءه وصافحني على مضض.‏

لقد أدركتُ المسافة التي تفصلني عن مثل هؤلاء الرياضيين، وتردّد في ذهني القول: "مواطنون من الدرجة الثانية. هذا لا ينفع". كيف يمكن لفتاة متألقةٍ محاطة بمثل هؤلاء الأبطال أن تقع في حبّ "مواطن من الدرجة الثانية" مثلي؟ لقد كان تصرّفها بدافع الكياسة وحدها، أما أنا، الملتاع، فقد أسبغتُ على ذلك دلالةً وأهميةً عميقتين.عليَّ أن أتمالك نفسي. لقد سبق أن رفضتني ستُّ بنات قبلها. فهل من حاجةٍ لسابعة؟...‏

هكذا أعدتُ النقود وبطاقات الإعاشة إلى الآنسة باي مع ابتسامةٍ باهتة ومضيت في الحال.‏

وها أنا الآن ألتقيها في مكتب الزواج. معنى ذلك أنها لم تجد بعد حبيبها، يالها من أخبار طيبة‍... فعبر مكتب الزواج، كان بمقدوري أن أواصل الحديث مع الآنسة باي وأناقش معها الأمور بمزيد من الصراحة والصدق. وحتى لو لم يُفْلِح الأمر، فإنني لن أشعر بالإذلال أو الارتباك.‏

"مكتب الزواج أمرٌ حسنٌ بالفعل"، قلت في نفسي.‏

وتبعاً لما أعلمه من الآنسة باي، ملأت الورقة الثانية على النحو التالي:‏

العمر: حوالي الخامسة والعشرين.‏

المهنة: ذات صلة بالرياضة.‏

الشخصية: ودودة، لطيفة، متسامحة.‏

الصفة المميزة: المسارعة إلى مدّ يد العون إلى الآخرين.‏

المظهر: ملامح متناسقة، جميلة ومتألقة، مع شامة سوداء تحت أذنها اليسرى.‏

أما بالنسبة لأوضاعها المالية وظروفها العائلية العامة، فقد كتبت: "لا يهمّ"، أو "ليس هنالك مطالب محدّدة".‏

سلّمتُ الورقتين لتْشِن العجوز. وطرح عليَّ بعض الأسئلة بينما كان ينظر فيهما.‏

"ذات صلة بالرياضة؟... ما معنى ذلك؟..".‏

أجبته: "أنا أستاذ رياضة. وآمل أن تقدّر زوجتي المقبلة مثل هذا العمل".‏

"بالطبع"، قال تشن العجوز، وهو ينقر بأصابعه على رأسه. "أنت تقصد فتاةً تعمل بائعة في متجر رياضيّ أو في الإعلانات الرياضية؟"...‏

أومأتُ برأسي موافقاً، وأضفتُ: "أو بائعة بطاقات في أستاد".‏

"وماهذا؟" تساءل تشن العجوز من جديد. "لقد كتبت" ذات ملامح متناسقة، جميلة ومتألقة، مع شامة سوداء تحت أذنها اليسرى". ما الذي تعنيه؟...‏

وسرعان ما اختلقت جواباً طائشاً:"أعني.. أنَّ أمي قد أخبرتني بأنَّ في مسقط رأسنا مثل هذه العادة. فالشامة تحت الأذن اليسرى ترمز إلى حسن الطالع. والفتاة التي لديها مثل هذه العلامة يُعْتَقَد أنها مطيعة تتحسّس ما عليها من واجبات".‏

"حسنٌّ، أنت ولدٌ بارّ. لم يعد هناك كثيرون من أمثالك بين شباب هذه الأيام". ومع هذه الكلمات، راح يضع الورقتين اللتين سلّمتهما له بين الملفّات. ثمَّ قال: "أرجوك، اترك لنا رقم هاتفك، وانتظر اللقاء السريع". ورافقني إلى الباب وضغط على يدي، وأضاف:"لا تقلق. كنت في الخامسة والثلاثين حين تزوجت. أفهم مخاوفك. وعلى الرغم من مواصفاتك غير المعتادة، سوف نبذل ما في وسعنا لكي نجد لك الشريكة المناسبة".‏

كانت الأيام التي تلت مفعمةً بالأمل والتوق. فجأة تملّك الهاتف أفكاري، بعد أن كنت لا أوليه أيَّ اهتمام. وكلّما رنّ، كنت أول من يرفع السماعة. وحين لا يكون لديَّ دروس ، كنتُ أجلس بقربه، وأربت على سماعته. وكانت أول مرّة أدرك فيها جمال الهاتف: "كان هاتفاً ورديَّ اللون، بقرصٍ من الكروم، يلمع متألقاً، وشريطٍ أخضر، مثل علم خفّاق يزيّن الشارع أيام الاحتفال. ذلك كان الخيط الملوّن الذي سيأتيني بالزواج السعيد.‏

بعد عشرة أيام، جاءني الهاتف برسالةٍ من مكتب الزواج:"وجدنا لك شريكة محتملة. سوف يجري لقاؤكما في المقصورة قرب البوابة الشرقية للحديقة البلدية في الساعة الثالثة من بعد ظهر الغد. ستحمل الفتاة جريدة في يدها اليمنى. تلافياً للخطأ، عليك أن تحمل مجلّة".‏

لم أبدّد الوقت في أن أحلق بنفسي، بل ذهبت إلى الحلاّق. وبأفضل بذّة لديّ، انطلقت إلى الحديقة كما لو كنتُ دبلوماسياً، يسافر إلى الخارج في مهمّة ذات شأن.‏

كانت النتيجة مخيّبة إلى أبعد الحدود. فالفتاة لم تكن الآنسة باي. ومع أنها كانت جميلة أيضاً ولها شامة سوداء تحت أذنها اليسرى، لكن عينيها بدتا لي خاليتين من البريق. وبدا صوتها خالياً من السحر. كانت تتكلّم بوتيرةٍ واحدةٍ، وتأكل أواخر الكلمات.وباختصار، كان الأمر أشبه بالإصغاء إلى موسيقى جنائزية، ولم يكن بمقدوري أن أتحمّل ذلك.‏

وبحسب قواعد المكتب، كان عليَّ أن أقدَّم تقريراً عن اللقاء الأول. وذهبت إلى هناك رأساً."إنها لا تنفع!", قلتُ لتشن العجوز. "أرجوكِ جِدْ لي واحدة أخرى".‏

"ما السبب؟"، قال لي تشن العجوز وهو يخرج بياناتي، وينظر فيها متمهّلاً، ثم سألني: "ألا تنطبق عليها المواصفات التي طلبتها؟".‏

وأجبته: "لا بريق في عينيها".‏

"لا بريق؟". وابتسم تشن العجوز ابتسامته السَمْحة، وأشار إلى إحدى الورقتين، وتابع قائلاً: "لم تكتب ذلك هنا! يصعب إرضاؤكم أنتم الشباب. لا تريد فتاةً بشامة سوداء تحت أذنها اليسرى وحسب بل أيضاً بعينين برّاقتين!.. غريب!.. ها ها ها!....".‏

"لسنا مناسبين أحدنا للآخر، على أيّ حال".‏

"حسنٌ، حسنٌ!.. لقد تركت أحد الأعمدة شاغراً، وسوف أساعدك على ملئه في الحال: "عيناها ينبغي أن تكونا برّاقتين". ونهض تشن العجوز، وربت على كتفي بلطف وهو يشيّعني كالعادة إلى الباب. "لا تقلق كنت في الخامسة والثلاثين حين تزوجت. أفهم مخاوفك. وعلى الرغم من مواصفاتك غير المعتادة، سوف نبذل مافي وسعنا لكي نجد لك الشريكة المناسبة".‏

موعدي الثاني كان مع بطلةٍ في الرماية. كانت جميلة، ربما أجمل من الآنسة باي. وعلى الرغم من شامتها السوداء تحت أذنها اليسرى، لم يعترني ذلك الشعور الماتع، المريح الذي شعرت به حين التقيت الآنسة باي. عيناها كانتا واسعتين، مثل فوّهة بندقية، يغشاهما نور باهت كما لو كانتا تسدّدان إليَّ. واعترت جسدي رعشة شاملة.‏

هرعت ثانيةً إلى المكتب لكي أقدّم تقريراً لتشن العجوز. وكالعادة، ابتسم لي بمودّة، وقال: "كيف الحال هذه المرّة؟.. لا يمكنك القول إنَّ عينيها بلا بريق...".‏

"بريق؟ إنهما مثل شعاعين من أشعة الليزر. لا أستطيع احتمالهما". وكالعادة، شيّعني تشن العجوز إلى الباب. وصافحني، وأضاف: "لا تقلق! كنت في الخامسة والثلاثين..".‏

وفي المرّة الثالثة، مضيتُ قبل أن يتمكّن تشن العجوز من القول: "لا تقلق!...".‏

وفي مدخل الزقاق، جلستُ بائساً على درج حجريّ ورأسي بين يديّ. لقد خاب أملي ثلاث مرّات. وكان واضحاً أنَّ "الشخص المثالي" الذي تفكّر به الآنسة باي ليس شخصاً مثلي.‏

وحين رفعت رأسي، وقعت عيناي فجأة على الآنسة باي. كانت تبتسم لي. ونهضتُ منتعشاً.‏

"أستاذ وانغ، إلى أين؟". سألتني بصوتها الموسيقي.‏

"أنا... أنا ذاهب لزيارة أهل واحدٍ من تلامذتي"، أجبتها بسرعة.‏

"لماذا تجلس هنا، إذاً؟".‏

"لقد تعبت من المشي... وجلست لأرتاح".‏

وشعرتُ بارتباك شديد: كان واضحاً أنني أكذب. وحاولت أن أخفي ارتباكي فقلت بضعفٍ:‏

"أراكِ ثانيةً. لديَّ ما أفعله. إلى اللقاء....". وانسحبت.‏

بعد بضع خطوات، وقفتُ ورحتُ ألعن نفسي.‏

"ما الذي يجعلني، أنا الرجل الناضج، داجناً على هذا النحو؟". حين ذهبتُ إلى المكتب، كنتُ آمل أن يقدّموني إلى الآنسة باي، وقد كانت واقفةً أمامي الآن دون أن أجرؤ على أن أكلّمها. فهل ستأكلني؟".‏

والتفتُّ ورأيت أنها لا تزال واقفةً بلا حراك، مثل تمثال ربّةٍ يونانية، تحدّق بي.‏

استجمعت شجاعتي وعدت إليها. وبعد أن أطلقتُ تنهيدة عميقة، ثبّتُ بصري إلى الأرض، وقلتُ بصوت خفيض: "لقد ذهبتُ إلى مكتب الزواج، لكنَّ المواعيد التي رُتِّبت لي لم تكن تنفع. هذه ثالث مرّة. أشعر بإحباط شديد".‏

"وأنا كذلك"، قالت الآنسة باي معترفةً. "أنا أيضاً ذهبت إلى هناك ورتّبوا لي ثلاثة مواعيد أيضاً، لم يكن أيّ منها مناسباً".‏

"أنتِ أيضاً....".وارتفع في صدري أملٌ لم يكن متوقّعاً، وراح قلبي يخفق بشدّة.‏

لم تقل الآنسة باي شيئاً. ورحنا نسير جنباً إلى جنب. ولم أتمالك نفسي عن سؤالها: "لديك في عملك فرص كثيرة لأن تلتقي نجوم عالم الرياضة. فما الذي يدفعك إلى اللجوء إلى مكتب الزواج؟".‏

أجابت: "مكانة الرجل وشخصيته أمران مختلفان".‏

استرخيت مثل جندي يتلقى الأمر: "استرح!". وكانت لديَّ الجرأة لأن أمازحها قائلاً: "لقد خيّبنا مكتب الزواج كلينا. وها نحن زميلان في المعاناة!".‏

"ليس الأمر كذلك بالضرورة"، ردّت قائلةً. "بحسب الرياضيات، خيبة زائد خيبة تساوي خيبتين. أما في الحياة، فقد تكون النتيجة معاكسةً تماماً في بعض الأحيان. خيبة زائد خيبة قد تساوي الأمل!"....‏

ما قالته كان غريباً، لكنه ينطوي على حقيقةٍ ما فلسفيةٍ. تسارع خفقان قلبي، لكنني لم أجد الشيء المناسب لكي أقوله. بدأت أتذوّق طعم الحبّ الرائع العميق، ذلك الطعم المثير والفاتن بخلاف تلك الخيبات الفعلية الكالحة التي سبّبها مكتب الزواج. وانزلقت الكلمات من شفتيّ:"عَمَلُ المكتب أشبه بعمل أخي الأكبر. إنه يدرس الوراثة الحيوية. وكلّ يوم يسجّل على بطاقاته كثيراً من المعطيات المتعلّقة بالجنس، والوزن، ولون الشعر وهلمجرا...".‏

قهقهت الآنسة باي، وقالت: "ياللسانك السليط!".‏

"لاشكَّ أن فريق المكتب يعمل بجدّ. خذي تشن العجوز مثلاً، كلما ذهبتُ إلى هناك يبدي الكثير من المودّة. لكنني لم أتعرف على الفتاة التي تروقني. لقد فشلت جميع المحاولات".‏

"مادامت فتاتك المثالية في ذهنك، لماذا لا تكلّمها مباشرةً. لماذا تسبّب مشكلةً لمكتب الزواج"؟...‏

"القول أهون من الفعل. لقد زُجِرْتُ مرّات كثيرة. وعلى الرغم من حماسي لفتاة معينة، كيف يمكن أن أتأكّد من اهتمامها بي؟.. فلست سوى أستاذ للرياضة في مدرسة ابتدائية". وألقيت إليها نظرةً خاطفةً مفعمة بالمعاني.‏

فجأةً تورّد خدّاها.‏

كنّا صامتين كلانا، وسرنا ببطء معاً، ننظر إلى الأرض، ونضرب أخماساً بأسداس... بعد برهة، سألتني الآنسة باي بصوت خفيض: "ما الذي تريده إذاً؟".‏

نظرتُ إليها، كان رأسها لا يزال خفيضاً، وكانت تحمل في يدها منديلاً أحمر. واستجمعتُ شجاعتي وأجبتُ: "يجب أن تكون لها شامة سوداء تحت أذنها اليسرى".‏

"وماذا أيضاً؟".‏

"يجب أن يكون لعملها صلة بالرياضة".‏

"وهل من شيء آخر؟".‏

"يجب أن تكون ودودةً ولطيفة، تسارع إلى مساعدة الآخرين، وعيناها برّاقتان...".‏

وصببتُ كل المواصفات التي أريدها.‏

"وهل من شيء آخر؟".‏

"لا هذا كلّ شيء!"، أكّدتُ لها بقوة.‏

"لكن"، رفعت الآنسة باي رأسها، ورمقتني بنظرة من طرف عينها، "كيف عرفت أن الفتاة التي تحلم بها قد ذهبت أيضاً إلى مكتب الزواج؟".‏

ولم أحر جواباً.‏

وتابعتْ بشيءٍ من العبوس: "ضع نفسك مكان الفتاة، كيف يمكن لها أن تقع في حبّ رجل يلاحقها خلسةً مثل عميل سرّي؟".‏

أثارني ذلك كثيراً، فسارعتُ محتجاً بصوتٍ مرتفع: "لم ألاحقها. فقط راقبتها في غرفة الاستقبال حين كنتُ في الغرفة المخصصة للرجال".‏

ابتسمت الآنسة باي وأشارت إلى منديلها الأحمر؛ "أيها الوغد، لم أتخيّل أنك يمكن أن تقوم بمثل هذه الحيلة...".‏

......‏

بعد شهر، ذهبتُ إلى مكتب الزواج مع الآنسة باي.‏

استقبلني تشن العجوز بالمودّة المعهودة. وما إن رآني حتى بادرني بالقول: "لقد اهتممت كثيراً بمشكلتك ووجدتُ أنَّ هناك إحدى عشرة فتاة تنطبق عليهن مواصفاتك. هل تريد أن أرتّب لك موعداً مع إحداهنّ؟".‏

وأجبته، وأنا أشير إلى الآنسة باي التي كانت تقف خلفي: "لا، أشكرك، لم يعد ثمة حاجة، لقد جئت خصيصاً لأقول لك إنني وجدت فتاتي. ولا أريد أن أزعجك بأمري بعد الآن".‏

"فتاتك؟". حدّق بي تشن العجوز مندهشاً ثم نظر إلى الآنسة باي، وسألها: "لم تسجّلي عندنا، أليس كذلك؟".‏

"بلى"، أجابت مبتسمةً، لقد سجّلت، لكن الأمر لم يفلح".‏

صمت تشن العجوز. ثم التفت، وأخذ رزمة من الأوراق وراح يقلّب فيها.‏

"كُفَّ عن البحث في هذه الأوراق. ليس سهلاً أن تصنّفوا البشر تبعاً لعشرةِ بنود في بياناتكم. حاولوا أن تجدوا حياةً أفضل للعازبين. اخلقوا لهم مزيداً من الفرص كي يلتقوا. نظّموا لهم الرحلات، والحفلات، واللقاءات، وكثيراً من النشاطات.تلك، برأيي، هي الطريقة الأفضل".‏

وهكذا وصلت قصتي إلى نهايتها السعيدة.‏

الكاتب في سطور:‏

وُلِدَ هِيْ زياوهو في شانكسي، في تايوان، عام 1950، بعد تخرّجه في المدرسة الثانوية، عمل لحّاماً في محطة لتوليد الطاقة الكهربائية. نشر منذ عام 1972 فصاعداً كثيراً من القصص القصيرة، من بينها "جمالٌ مُرَكَّب"، و"خارج مكتب الزواج"، اللتان نال عليهما جائزتين في عامي 1980 و1981 على التوالي، وهو الآن عضواً في فرع شانكسي من رابطة الكتّاب الصينيين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244