مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 122 ربيع 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الرسالة "عن الإنكليزية" ـــ ليوكينغ بانغ ـ ت.موسى عاصي

ولد ليو كينغ بانغ سنة 1951. يعمل محرراً في صحيفة "الصن ـ شاين" من بين أبرز مؤلفاته: "الفحم الناصع كالثلج" و"لو تانغ ـ المرأة الجزّارة ـ "‏

تتألف خزانة الثياب العادية من بابين، لكنّ خزانة لي غو يتشانغ تتألف من ثلاثة أبواب. يُعتبر بابها الأوسط الأوسع، وله أقفال سرّية صغيرة تصل تروسها عند الإقفال إلى أطراف الباب الأوسط، إنّها خزانة رحبة تزيد من رحابتها المرآة التي غطّت الباب الأوسط بأسره. بدت الخزانة قادرة على استيعاب محتويات غرفة النوم كلّها، والنور الذي على الشرفة وحتى لي غويتشانغ التي غالباً تمشي مختالةً أمام المرآة.‏

بدأ موسم البرد فرغبت لي غويتشانغ في إعادة حياكة كنزة ابنها باستخدام بقايا الصوف من نسيج العام الفائت. فتحت باب الخزانة اليميني. ظهر اللوح الخشبي الذي يقسم ذاك الجزء إلى قسمين. خزّنت لي غو يتشانغ الأشياء النادرة الاستخدام في الجزء الأصغر، مثل البنطالات القطنية السود والمعطف الأزرق والتصاميم القديمة لطبعات حياكة شراشف السرير وحقيبة تحتوي على كرات الغزل المتباينة الألوان والحجوم. لا تفتح لي غو يتشانغ ذاك الباب كثيراً. وعندما تفتحه لا تغلقه حالاً، بل تفتح درجاً في الأدنى، وتخرج كتاباً وتقرأ رسالة تتوضع بين صفحاته. احتفظت بتلك الرسالة منذ تسع سنوات. ينشرح قلبها كلّما فتحت باب الخزانة، وكأنّ يداً خفية ترشدها فتنسى ما كانت ستقوم به وتتناول الرسالة ذات الصفحات الاثنتي عشرة، ولا تُعيدها إلى مكانها حتى تنتهي من قراءة كلّ كلمة فيها. بدت وهي تقرأ كأنّها تسمع كاتبها ينادي اسمها، فاضُطرت لعبور المقاطع الجميلة في الرسالة لتجده في التوقيع، المذيّل في الأدنى.‏

فتحت لي غو يتشانغ الدرج بهدوء وحذر شديدين، فلو كانت حمامة نائمة فيه لن تنزعج من جرّاء فتحه. تتعرّض هي للإزعاج كعادتها. خفق قلبها وأسرع وحتى قبل أن تمسّ يدها الرسالة. لكنّ الرسالة لم تكن في مكانها هذه المرّة. رفضت أن تصدّق اختفاء الرسالة التي احتفظت بها هناك منذ تسع سنوات. شككت في ذاكرتها وقدراتها الذهنية. استعادت عدداً من الأزمنة عبر صفحات كتاب الحياكة السميك دون جدوى. شحب لونها وارتعشت يداها وتلبّدت أحاسيسها. تناولت الثياب القطنية المطوية وشراشف السرير ونفضتها بطيش، وأخرجت الدرج وأفرغته في أرض الحجرة وتفحّصت كلّ صدع فيه مرتابة في أن تكون الرسالة ملتصقة بإحدى كرات "كبب" النسيج في الحقيبة البلاستيكية، وأفرغت الحقيبة فوق السرير غافلة وتدحرجت الكرات الملونة على الأرض. بدت كلّ كرة كأنّها تنشد نشيداً رائعاً وتعلن: أنا هنا. أنا هنا. لكنها ليست سوى كرات غزل ولا رسالة. جلست على حافة السرير، أغمضت عينيها جزئياً وراحت تتأمّل الموضوع ثانية. رفعت الكتاب مرّة أخرى آملة أن تخرج الرسالة إياها من بين صفحاته. بدا الكتاب مشاكساً وأوصد الدرب لتوقعاتها. أحسّت بوخز في أنفها وبالدمع يترع في عينيها.‏

ارتابت لي غو يتشانغ حالاً في زوجها. كان الوحيد الذي يحمل مفتاحاً للخزانة غيرها، والوحيد الذي عرف مكان الرسالة. لابدَّ أنّه أخذها. استاء من احتفاظها بالرسالة واعتبرها مجرّد ورقة عديمة الفائدة، وقف موقفاً متشدداً من قراءة الرسالة وهدد بتمزيقها إرباً إرباً إذا تبين له أنّها تقرأها. لم تقرأ الرسالة أبداً.‏

في أثناء وجوده في البيت ـ حفظتها في قلبها ـ أمّا عندما تكون وحيدة، فإنها تُغلق الباب والنافذة، وتربّت على صدرها وتقرأها باهتمام. تذكرت آخر يوم قرأتها بالتحديد.‏

تساقط المطر فغطّت أوراق شجر الحور الصفراء المبللة الأرض. حفّت أوراق الشجر خلال هبّات رياح الخريف الزائرة، وتساقطت والتصقت بالأرض، وبقيت أطرافها مدببة كأنّها آذان تصيخ السمع برويّة إلى هدير السماء والأرض الأخير. نظرتْ إلى صور ورقات الزهور المزخرفة، فاقشعرّت وتفجّر صدرها منقبضاً وعجزت عن تمالك نفسها، أرادت أن تُطلق نهدة فلم تستطع. تذكّرت وهي تراجع نفسها بنشوة أنّها لم تقرأ الرسالة منذ فترة طويلة. قالت: آسفة، آسفة، ثمّ أخرجت الرسالة وقرأتها. انتابها حلم يقظة بعيد وهلة مما أتاح لها أن تُطلق نهدة، كأنّها تلقّت عزاء مريحاً جداً، وهدأت. طوت الرسالة بحذر فائق ووضعتها في المغلف الأصلي وخبأتها بين صفحات الكتاب الذي أعادته إلى الدرج.‏

عاد زوجها إلى البيت متأخراً جداً ذلك اليوم. اتضح أنه عاجز عن اكتشاف ما حدث، هل شاهد الدرج بلمحة خاطفة فعرف أنّها لمست الرسالة؟ إذا صحّ ذلك فالأمر غاية في السوء. كادت ترى وجه زوجها الغاضب وهو يمزّق الرسالة بعصبية وينثر قطعها من فوق الشرفة. انقبض قلبها مع كلّ مزقة تخيّلت أنّ زوجها صنعها. وما أن أكمل طرح المزق حتى أحسّت أنّها طُرحت أرضاً. أوشكت أن تصرخ مذعورة. أو ربّما أطلقت صرخة خافتة جداً لا تسمعها سوى أذنيها. لكنّ قلبها سمعها فأفاقت من حلم يقظتها. اتضح لها أنها بالغت كثيراً في جديتها فهزّت رأسها ساخرة من نفسها وراحت تُعيد الأشياء إلى الدرج.‏

كان زوجها لطيفاً معها. حيّاها بحنان لدى عودته من العمل، واستخدم التعبيرات المحببة قبل دخوله إلى المنزل. فعل ذلك كلّه بيسر لكنّها لم تألف الأمر بعد، ولذلك لم يتفق الزوجان في هذا السياق. واليوم حيّته كالمعتاد عند الباب، وتناولت حقيبته من يده وقالت: لقد رجعت. وانزلق السؤال التالي من فمها: هل رأيت الرسالة؟ قررت أن تسأله بصورة غير مباشرة عندما يأويان إلى الفراش، لكنّها عجزت عن تمالك نفسها من جرّاء قلقها على الرسالة. مع ذلك، حاولت أن تتمالك نفسها بعد انسلال الكلمات من بين شفتيها، ولكن بعد فوات الأوان.‏

ـ رسالة؟ أية رسالة؟‏

ـ الرسالة إياها.‏

ـ أي رسالة؟ وضحّي. لماذا تترددين في كلامك؟ ما المسألة؟ قطّب حاجبيه وترك عينيه ترقبان.‏

أصابها العجز في وصف الرسالة. الرسالة التي وضعتها في درج خزانة الثياب.‏

تظاهر الزوج بعدم الفهم. قال وهو يحرّك يديه بصورة مثيرة: كيف لي أن أعرف؟ أي رسالة هي؟ لا أهتم بوجود رسالة أو عدم وجودها. استعاد حقيبته منها وأعطاها مجلّتين ملونتين قائلاً إنه استعارهما لها. وتابع: ثمّة قصص مثيرة عديدة، واحدة عن طلاق مطرب شعبي وأخرى عن تعارف النساء في المضافات، ولمّح إلى أنّ ذلك أكثر إثارة من رسالة.‏

تناولت لي غو يتشانغ المجلتين وألقتهما على الصوفا بعجرفة بادية في حجرة الجلوس وأعربت عن عدم رغبتها في قراءة أي منهما اليوم، اعتاد زوجها أن يستعير مجلاّت جديدة لها كلّ بضعة أيام خلال السنوات الأخيرة. تباينت المواضيع كثيراً، وتناولت مشكلات النساء وقضايا الأسرة والقانون والأفلام السينمائية والتلفزة والأزياء ومستحضرات التجميل. وعدها زوجها ألاّ يوفر لها الطعام الفاخر والثياب الأنيقة وحسب بل والغذاء الرومي الوفير. أدركت القصد الكامن خلف ذلك، لقد أراد إشغالها بالمجلاّت لكي تنسى الرسالة. قرأت جميع المجلاّت برويّة لكنّ أيّاً منها لم يعوّض عن الرسالة. قالت: كانت الرسالة في الدرج. ليس لها أجنحة تطير بها وقت تشاء. كيف تعلل اختفاءها؟‏

أجاب زوجها: سبق وغيّرتِ مواضع إخفائها. من يستطيع أن يضمن أنّ بمقدورك تذكّر المكان الذي وضعتها فيه آخر مرّة؟ وزيّن نظريته بمثال: عاشت مرّة امرأة هرمة وادخرت مبلغاً من المال من خلال جمع السلع القديمة وبيعها. أخفقت في إيجاد مكان آمن تضع المبلغ فيه، فلفّته أخيراً ووضعته داخل فردة حذاء قديمة مبطّنة بالقطن. نسيت كلّ شيء عنه وباعت فردة الحذاء مع بعض السلع القديمة. اتضح قصده. قصد تحميلها المسؤولية. يجب أن تلوم نفسها بدلاً من الارتياب في الآخرين.‏

لكنّ لي غو يتشانغ كانت واثقة من أنّها لا تستطيع أن تتذكّر مثل هذا المكان الخاطئ. ولن تتذكر ذلك أبداً لأنّها ليست هرمة.‏

دعيني أسألك: متى قرأت الرسالة آخر مرّة؟‏

أرادت أن تقول إنّها قرأتها في اليوم الماطر، إلاّ أنّها ابتلعت كلماتها لأنّها تذكّرت أنّ زوجها لم يكن يسمح لها بذلك. قالت مراوغة إنّها عاجزة عن التذكّر تحديداً وإنّها لم تقرأها مؤخراً.‏

تمسّك زوجها بترددها مفسّراً الأمر بأنّها مادامت عاجزة عن تذكّر آخر مرّة قرأت فيها الرسالة فكيف تستطيع أن تتذكّر المكان. فتح لها منفذاً جديداً. حان وقت انتهاء المدرسة. اذهبي واحضري ابننا.‏

عنيدة كانت لي غويتشانغ، تشبثت برأيها بإصرار رافضة رقّة زوجها. لن أذهب إلى أي مكان قبل أن أجدها. ارتعش صوتها وتفجّر الدمع في عينيها.‏

ضحك زوجها متوهّماً سخافة الموضوع. بعدئذ، ومثل شخص يلاطف فتاة صغيرة على وشك الصراخ، ربّت على ظهرها قائلاً إنّه لن يغفر لها حماقتها إذ اعتبرت الرسالة أهمّ من ابنهما. دعينا نسوّي الموضوع فيما بيننا، سأبحث عن الرسالة. لن ألوم أحداً سواي لأنّ أحداً لم يفرض عليَّ الزواج من امرأة ترتبط حياتها بقراءة رسالة. فتح باباً يؤدّي إلى خزانة الثياب ونظر حوله لحظة. راح إلى موضع الأدراج الستة. فتّش الدرج الأول والثاني. صرخ: تعالي وانظري. أليست هذه رسالتك الكنز!‏

دخلت لي غو يتشانغ إلى حجرة النوم وأشرقت عيناها بالسعادة لدى رؤية الرسالة في يد زوجها. غريب. كيف كانت في الدرج؟ لابدَّ أنّ زوجها حرّكها. ربما كان يمتحنها لمعرفة إذا كانت قد نسيتها. سارت إليه حالاً وكادت تختطفها لكنّه بادر مادّاً يده. هل تُقرّين أنّك شخصياً من وضع الرسالة هنا؟‏

مادامت قد وجدت الرسالة فلا رغبة لديها في إثارة جدال معه. لكنّ إجبارها على الإقرار بأنّها وضعت الرسالة في المكان الخاطئ مستحيل. أنّت، أعدها إلي، أعدها إلي. ألقت بجسدها على زوجها كطفل متلّهف واختطفت الرسالة، نظرت إلى اسمها على المغلّف ودسّت الرسالة في جيبها.. غطّت جيبها بيدها خشية أن تصنع الرسالة المستردة جناحين وتطير بعيداً.‏

بينما كانت توشك على المغادرة لإحضار ابنهما من المدرسة أوقفها زوجها وقال برزانة: آمل ألاّ تُري الرسالة لابننا، فنعجز معاً عن إعطائه التفسير المقنع. أريد لابني أن يبقى طاهراً وبريئاً.‏

لم توافق لي غو يتشانغ زوجها. شعرت أنّ رسالتها أنقى من الدم. لكنّها نزلت على الدرج دون أن تُفصح عن ذلك. لم تبتعد يدها عن جيبها، وكأنّها كانت تُمسك عصفوراً صغيراً تحسّ نبضات قلبه. رغبت كثيراً في إخراجها وإلقاء نظرة عليها، لكنها توقّعت أن يكون زوجها على الشرفة يراقبها، ونجحت في كبح رغبتها. نظرت إلى الشرفة. كان زوجها يراقبها، كما توقعّت، وينعم النظر في وجهة سيرها.‏

شاهدا تلك الليلة مسلسلاً تلفازياً عن رجل وبضع نساء. ليس هاماً كيف تطوّر الخط الدرامي، فقد حدثت المشاهد الرئيسة في الفراش، لم تسمح لي غو يتشانغ لابنها أن يشاهد مثل هذا اللون من البرامج، وإذا تصادف وأنهى وظائفه المدرسية كانت تبعثه للنوم. شاهدت البرنامج مع زوجها دون تركيز. حاكت كنزة صوفية لابنهما بينما ردَّ زوجها على عدد من المكالمات الهاتفية. كان يشغل منصب رئيس قسم في شركة المناجم، وهذا ما جعله يتلقّى فيضاً من المكالمات الهاتفية. عاد إلى ذكر الرسالة عندما استلقيا في الفراش، سأل لي غو يتشانغ عن المدّة التي تنوي الاحتفاظ بالرسالة. فجاء جوابها: لا أدري. صمت وبدا مكتئباً. هزّته لي غو يتشانغ لكنّ الرجل بقي صامتاً. شرحت لي غو يتشانغ أنّ الرسالة لا تتضمّن شيئاً هاماً. إنّها بريئة برمّتها. ثمّ اقترحت أن يقرأها زوجها. وعندما أنهت كلماتها قامت لتناول الرسالة من جيبها.. ومن ثمّ قدّمتها له. ألقاها جانباً قائلاً إنّه لن يقرأها مهما حثّته على ذلك. نفد صبره فدفع الرسالة والمرأة كليهما بعيداً. أحسّت لي غو يتشانغ أنّ أحاسيسها تعرّضت لجرح من جرّاء تصرفه ورأيه، فأعادت الرسالة إلى جيبها بصمت ورجعت إلى الفراش وسحبت اللحاف وغطّت رأسها. لم يرغب أي منهما في كسر طوق الصمت السمج وهلة. دمدم الرجل بصوت قوي في داخله معلناً عجزه عن تحمّل ذلك أطول.‏

لا يمكن اعتبار الرسالة مكتوبة بنية حسنة. لا تتضمّن كلمة مثيرة واحدة. وليست القواعد اللغوية مضبوطة في بعض المواقع. تبدو في حدّها الأعظمي شيئاً كتبه طالب إعدادي صغير.‏

عرفت لي غو يتشانع أنّ زوجها قال ذلك متعمّداً أن تسمعه. لم ينطق بكلمة سارة واحدة. يا له من رجل! رغم أنّه قرأ الرسالة سابقاً في أثناء غيابها فهاهو يفاخر بأنّها ليست جديرة بالقراءة.‏

استمر الرجل في ثرثرته. قال إنّه يستطيع كتابة عشر رسائل مثلها في يوم واحد، وسألها إذا كانت تصدّقه. لم يكن أمامها من خيار إلاّ أن تتكلم معه. أكتب إذاً. من منعك عن الكتابة؟.‏

الرسائل نتيجة للفراق. نحن دوماً معاً، فكيف أستطيع أن أكتب لكِ؟‏

سافرت في رحلات عمل. كان بمقدورك أن تكتب إلي. حسناً، سأكتبُ في المرّة القادمة عندما أسافر في رحلة عمل، ولكن هناك شرطاً واحداً. لا تتفجّري في البكاء. ذلك يُقلق ابننا. وقد يُفكّر أنّ حياتنا تعيسة. ضحك زوجها بعدها في محاولة لتهدئة التوتر.‏

انفجرُ في البكاء أم لا، هذا شأني، لا تتوهم أنّ بالإمكان إثارتي بسهولة.‏

اقترح زوجها شركاً آخر. إذا كتبتُ لك رسالة عاطفية طويلة، فهل تتخلّين عن تلك الرسالة وتحتفظين برسالتي؟‏

ترددت لي غو يتشانغ. يعتمد ذلك على مقدرتك في الكتابة.‏

اتفقنا. مدَّ زوجها يده لها، أحد معالم الاتفاق بالمصافحة بالأيدي.‏

مدّت يدها قليلاً تعبيراً عن عدم رغبتها في أن يمسك زوجها يدها، وربّتت بخفة على يده.‏

لم يدعها مع ذلك تسحبها بسهولة.‏

طار زوجها في رحلة عمل بعد بضعة أيام إلى مدينة جنوبية نائية دخلت معركة النمو حديثاً. قنعت لي غو يتشانغ أنّ زوجها سيكتب لها هذه المرّة دون ريب. لم يسبق أن كتب إليها رغم أنّه متعلّم جداً وقادر على إلقاء الخطب الممتازة في الاجتماعات. كان ظريفاً ومصدر بهجة لمن حوله غالباً. وغدتْ محط إعجاب قريناتها الإناث في حفلات الزمالة. لابدَّ أنّ هذا الزوج يستطيع أن يكتب رسائل رائعة. استمرّت تترقب رسالته بضعة أيام بعد سفره. لم تصل رسالة إلى المبنى الذي يقطنون فيه، تصل الرسائل أولاً إلى مكتب توزيع الرسائل الواردة إلى المنجم والصادرة منه، حيث يجري تحديد العناوين لكلّ قسم في العمل. عملت لي غو يتشانغ في مبنى مهاجع العمال العازبين في المنجم. يشابه المبنى فندقاً، وعملها مثل عمل مستخدمة الفندق ـ تغسل الأرض وتجلب الماء الساخن وترتب الغرف. ستستلم رسالة زوجها فور وصولها. لم تصل رسالة حتى نهاية اليوم السابع. قلقت وتأمّلت محاسن وجوده في البيت. كانت مرغمة على الاعتراف أنّه لطيف معها وشديد التعلّق بالتفاصيل ويراعي مشاعر الآخرين ويملأ الحبّ قلبه. قالت في نفسها: لكي أكون دقيقة، يعرف كيف يُحبّ المرأة، يمطرها بالمال والكلمات الرقيقة عند اللزوم، وكم يجهد دماغه لتأمين راحتها. اختلفنا غير مرّة، لكنّ خلافنا لم يبلغ حدَّ الإفراط مرّة واحدة. يعرف كيف ينسحب في اللحظة المناسبة. كان أكبر عمراً منها، لكنّ القلب المحبّ لا يتأثّر بالعمر، لا يصرخ، واست نفسها بالاعتقاد أنّه يختزن مشاعره متعمّداً إطلاقها في رسالته لها.‏

لم تصلها أنباء من زوجها فأخرجت لي غويتشانغ الرسالة المحفوظة بإتقان لكي تقرأها. كتبها عامل منجم شاب من قريتها. أحب كل منهما الآخر حبّاً جمّاً. لم تكن سعيدة عندما اقترحهما خطّاب لبعضهما، لأنّ عائلته فقيرة وتعيش في كوخين من القش. تلقّت تلك الرسالة منه خلال فترة ترددها حيث كان يعمل في المنجم. وافقت أن تكون عروساً له بعد قراءة الرسالة. يمكن الاستنتاج أنّ الرسالة نجحت في لعب دور حاسم في زواجهما. لسوء الحظ، وبعد أقلّ من شهرين على زواجهما، حيث كانت تعيش عروساً في المنجم، حدث انفجار غازي تحت المنجم فجأة وأودى بحياة عريسها الشاب. بكت كثيراً، وأُغمي عليها ثلاث مرّات، ولم تستعد وعيها إلاّ بوساطة العلاج الطبي. لم يُرزقا أطفالاً، وأخذت مكانه في المنجم طبقاً للأنظمة. لم يورّثها الشاب شيئاً سوى الرسالة. كان ذلك بالنسبة إليها كافياً لأنّها أحسّت أنّ الرسالة هي القلب النابض المفعم بالحيوية لعامل المنجم الشاب.‏

انتصف فصل الخريف وكان المساء هادئاً. سطع ضوء القمر على الشرفة برقة، أشعلت لي غو يتشانغ مصباح الطاولة وجلست منتصبة القامة، وبحذر فتحت الرسالة تحت النور الكهرماني الهادئ كعادتها. كُتبت الرسالة على ورق مسطّر على شاكلة رسم بياني، وكُتب كلّ حرف داخل أضلاع مرّبع، بهت لون الورقة نتيجة للقدم فبدت ساكنة وجافة ومتجعدة. أدّت كلّ لمسة لها إلى حفيف كحفيف أوراق الشجر في أثناء هبوب رياح الخريف، ورقّت ثنياتها وشفّت مما جعل الكلمات واضحة من تلك المواقع لحسن الحظ لم تنشطر الرسالة إلى نصفين. لم ترغب لي غو يتشانغ في إحداث ثنيات جديدة في الرسالة، ولذلك ما أن أنهت عملها في الحقول حتى ذهبت إلى معرض المعبد أو وقفت على ضفة النهر تُحدّق في الزمن البعيد البعيد. ليس هاماً أين وُجدت أو ظهرت، فقد لاحقتها عينان خجولتان وتأمّلتاها مليّاً. حاولت تفاديهما وسارعت الخطوات وجرت على طول النهر ذات يوم ربيعي. اعتقدت أنّها ابتعدت كثيراً فتوقفت كي تمسح العرق عن جبينها وتُسرّح شعرها الأشعث. نظرت إلى الوراء في تلك اللحظة ورأت العينين الثابتتين ثانية. تمالكت نفسها بدلاً من الهلع وبحثت عن تعليل في ذاتها لمعرفة سبب مثابرة هاتين العينين المتواصلة. أثارتها النتيجة حتى البكاء. لم تتفحّص ذاتها بحرص شديد سابقاً بل فعلت الرسالة ذلك. نظرت إلى جسدها في المرآة لكنّها أدركت أنّ مجرّد صورة جسدية أمامها. ساعدتها الرسالة أن ترى في ذاتها شخصاً مختلفاً، وأن ترى صورتها في قلب رجل آخر، خلافاً لصورتها التامة في المرآة، كانت صورتها الداخلية غامضة وكذلك قسماتها، لكنّ قسماتها كانت مختلفة أكثر. منحها الفرق بين ما هو واقعي وبين ما رسمته ريشته إحساساً بولادة جديدة. أرادت أن تجعل من الشخصية الجديدة مسعى حياتها وهدفها.‏

لا تتضّمن الرسالة كلمات وعبارات مميّزة حقاً. كلّ ما فيها اعتيادي مثل الحقول في فصل الخريف. مع ذلك، انطلق صدى منها يستحيل وصفه من بدايتها وحتى نهايتها. أصدرت صدى ثقيلاً وكئيباً أو بعيداً في الزمن والمكان، لكنّ ذلك يُعقّد وصفها بدقة، قد توجد إيقاعات أو أنغام مناسبة أكثر للمقارنة، أو ربّما خوار بقرة راجعة إلى صغيرها عند غروب الشمس في برية فسيحة، أو غناء رجل يكابد وحدة بينما يهبّ نسيم المساء، أو ثرثرة رذاذ فوق كومة قش قديمة في ليلة ربيعية. تساوق جمال ذلك كلّه مع صوت الرسالة بصورة طبيعية أشبه بضباب خفيف يعلو الحقول في فصل الخريف، ضباب خفيف ولطيف ورطب يبلل أهداب المرء لدى ملامسته، يعوق الضباب الرؤية لمسافة بعيدة، إلاَّ أنّ هذه الإعاقة تفسح مجالاً للرؤيا التي تلعب دوراً في جعل المرء يرى الأماكن النائية. لقد كان الخط رائعاً وليس له بديل، رغم أنّ لي غو يتشانغ لا تميل إلى محاكمة أنماط الخطوط، فقد يكون جيداً أو رديئاً، قرأت مرّة العبارة التالية، "إنّ قراءة الرسالة توازي لقاء كاتبها". لم تكترث بها في البداية، ولكنّها منذ تلقّت الرسالة، بخاصة بعد رحيل كاتبها إلى دنيا البقاء عن عالمنا البشري، أدركت عمق الأحاسيس المركّبة التي تجمع بين الحزن والعزاء في العبارة. ومادامت آراء الأفراد المتباينين تختلف فإنّ خطّ المرء يُجسّد خصوصيته، ويتفرّد كلّ فرد شأنه شأن خلايا الجسد. ثمّة رابطة دم ثابتة بين الفرد وخطّه. بدا خطّ عامل المنجم الشاب انطوائياً ومتناقضاً ومستنكراً، وفي الوقت ذاته كان ظريفاً ومنضبطاً ومحافظاً. بدت لي غو يتشانغ في كلّ مرّة تقرأ فيها الرسالة وكأنّها ترى اليد تخطّ الكلمات وبعدئذ ترى جسده النحيل وابتسامته الصامتة. ما تزال تحسّ به يمسك يدها ويأبى الرحيل عنها لفترة طويلة بعد قراءة الرسالة.‏

هتف زوجها في اليوم التاسع من المدينة الجنوبية واستفسر عن أوضاعها وأحوال ابنهما. وبعد أن اطمأن عليها قال إنّه سيرجع بعد يومين. سألت تذكّره بوعده: هل كتبت إلي؟‏

اعتذر قائلاً إنّه رغب في ذلك لكنّه انشغل كثيراً واحتسى قدراً من الكحول مع كلّ وجبة وعانى من ألم في رأسه. كانّ ذلك مزعجاً لكنّ عمله يقتضي الشراب مادام يطلب إسداء خدمات من الآخرين، إضافة إلى أنّه المضيف في هذه الحفلات. لم يكن قادراً على تفادي ذلك. وأضاف، إنّه ليس مضطراً لدعوة الناس إلى الحفلات والشراب وحسب بل لتقديم ضيافات أخرى، وسيخبرها عن ذلك بالتفصيل في البيت.‏

لم تذكر لي غو يتشانغ الرسالة ثانية. تعال إلى البيت بأسرع ما تستطيع. ابنك يتوق إليك.‏

أحضر لها العديد من الهدايا ـ ثياب وملحقاتها ومستحضرات تجميل. سألها رأيها في كلّ قطعة وهو يريها واحدة بعد الأخرى. وعد أن يكتب لها خلال رحلة العمل القادمة ويجعلها تعرف موهبته في الكتابة. ابتسمت لي غو يتشانغ. لم تثق كثيراً في ذلك.‏

في المساء.. سألها زوجها إذا قرأت الرسالة خلال غيابه. اعترفت هذه المرّة واستغرقت في التأمّل. لم تكتب إلي، فكيف تجرؤ على منعي من القراءة؟ أثنى زوجها على إخلاصها خلافاً لتوقّعاتها. تابع بعدها الإدلاء برأيه حول الرسائل، إنّها واسطة اتصال قديمة لأنّها بطيئة ومحدودة المعلومات، ففي الوقت المهدور على كتابة رسالة واستلامها يمكن إجراء مئة مكالمة هاتفية.‏

الهاتف سريع وملائم، والأهم أننا نسمع بعضنا الآخر. لماذا نستبدل الجيد بالرديء؟ وطلب من لي غو يتشانغ أن تستخدم تقنية الاتصالات الحديثة وألاّ تعتمد على الرسائل بعد الآن.‏

أجابت لي غو يتشانغ: إنّهما واسطتان مختلفتان ولا تتوافران بالتساوي.‏

ردّ الرجل مؤنباً عنادها. إنّهما متساويتان. أنتِ مولعة بوسيلة الرسائل كثيراً مما يُشير إلى أنّك عاطفية ومحافظة. قد تواجهين المتاعب في تقبّل الأفكار الجديدة نتيجة لأفكارك وعواطفك وقد تتخلفين عن الزمن، لا يستقرّ جوهر الموضوع هنا، بل في الحقيقة أنّ تصرفاتك تجرح مشاعر الآخرين، والأسوأ أنّها تؤثّر على حياة الأسرة والحفاظ عليها.‏

إنّك تبالغ كثيراً. كيف جرحت مشاعرك؟‏

مادمت تسألين فسأرد صراحة. لقد احتفظت بتلك الرسالة، التي تزعجني طويلاً، أحسّ أنّ زواجنا جسدي فقط، ورغم أننا تزوجنا ما نزال منفصلين عقلياً. أتوهّم أحياناً أنّ ما تخفيه في الخزانة ليس رسالة بل رجل قد يخرج في أي وقت ليكون الثالث بيننا.‏

استرقت لي غو يتشانغ النظر إلى الخزانة المقفولة. هذا في خيالك فقط.‏

يحدد الوجود الإيديولوجيا. لن أتخيّل شيئاً لولا وجود تلك الرسالة. ليتكِ تفعلين شيئاً بها.‏

ـ ماذا أفعل؟‏

ـ أعتقد أنّكِ تملكين سبلاً لمعالجة الموضوع.‏

ـ كلا، لا أَمتلك.‏

غضب الرجل، أعرف أنّك مازلت غارقة في حبّه.‏

ـ أي نوع من الحبّ هذا؟ كيف تسمّيه حبّاً؟ كاتب الرسالة ميت، أليس من حقي أن أحتفظ برسالة؟ ما أن أنهت كلامها حتى اعتراها حزن عميق وانهمر الدمع على وجنتيها.‏

عندما لاحظ كآبتها صمت كعادته وانتظرها حتى تهدأ. تابع حديثه بلهجة حذرة مداهنة كأنّه خشي انفجاراً آخر. قال إنّه أحبّها حباً جماً، وإنّه منذ زواجهما لم يرجع مرّة واحدة إلى بلدته ولم يكتب إلى زوجته السابقة التي ما تزال تعيش مع عائلته بعد الطلاق. فعل ذلك لأنّه أحسّ أنّ واجبه يُحتّم عليه أن يكون مسؤولاً عنها وعن ابنهما وعن أمن أسرتهما وسعادتها. أدرك أنّ كلماته لم تُحدث وقعاً عليها فانتقل إلى موضوع آخر، اقترح عليها أن تنمّي هواية مثل جمع الطوابع مثلاً. وأضاف: لا يهم إذا كتب شخص ما إليها، كما أنّ بإمكانها اقتناء الطوابع الجديدة من البريد. ترتفع قيمة الطوابع مع الزمن.‏

اختفت الرسالة الثمينة نهائياً في حادثة ما ذات يوم. وفي اللحظة التي تبينت فيها اختفاء الرسالة سألت زوجها عنها. ابتسم محاولاً تهدئتها وقال إنّها بانتظار مفاجأة كبيرة. أعلنت لي غويتشانغ أنها لا تريد مفاجأة بل تريد الرسالة فقط. لكنّه وعد بمفاجأتها فقط. عجزت بعد الانتظار الهادئ بضعة أيام عن تحمّل الأمر أطول فحاولت إرغامه على إعادة الرسالة. لم يبق أمام الرجل سوى خيار البوح بكلّ شيء: بعث الرسالة إلى مكتب جريدة المنجم طالباً نشرها. جادل أنّ نشر الرسالة مرّة يسهّل الاحتفاظ بها. تلقّت صدمة وامتعضت، ولم تكن مسرورة أبداً. شحب وجهها وارتعشت يداها وهي تعارض فعلته بشدة. سألت زوجها: بأي حق تبعث الرسالة، وطلبت منه استرجاعها في الحال، انفجر هو الآخر يوجّه اللوم إليها لأنّها لا تعرف مصلحتها، وتبدّى انفجاره غير مسبوق، تجادلا بعنف جداً وتقاتلا جسدياً. ضرب المرآة إثر نوبة غضب وحطّمها إلى قطع مما كشف لوح الخزانة الخلفي، بدا فراغ الخزانة الخادع الكبير أصغر وأعطت حجرة النوم إحساساً خانقاً.‏

قال الرجل: حسناً، لقد تحطّمت الآن. أدى تحطيم المرآة إلى صمت الزوجين لحظة.‏

رأى لي غو يتشانغ تشقّ دربها إلى مكتب الجريدة طلباً للرسالة. أخبروها أنّهم لم يتسلموا رسالة من هذا النوع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244