|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
شارة ماو "عن الإنكليزية" ـــ فينغ جيكاي ـ ت.نبيل المجلّي تعريف بالكاتب: ولد فينغ جيكاي FENG JICAI في عام 1942 ضمن أسرة ثرية من تيان جين، في الصين، وبدأ فينغ جيكاي يكتب ويرسم في سن مبكرة. عزم على أن يدرس الفنون بعد التخرج في المدرسة العليا، لكن طول قامته الاستثنائي لفت انتباه أحد مدربي فريق كرة سلّة محترف، فأقنعه بأن يصبح لاعب كرة سلة. ورغم أن فينغ كان يستمتع بهذه الرياضة، فإنه كان يفتقد ممارساته الفنية وأخيراً استقال من الفريق فأقيل. كانت جهود فينغ ككاتب ورسَّام موضع شجب من الحكومة الصينية الشيوعية. كان قائد الشيوعيين في هذا الوقت، ماو تسيتونغ، قد بدأ بما كان يسمى بثورة العمال الثقافية العظمى (1965 ـ 1968)، وهي برنامج وضع على نطاق الأمة الصينية لغرس مبادئ ومُثُل ماو في الجماهير. ولم يتسامح مع أية فعالية كان يمكن أن ينظر إليها على أنها مناهضة للشيوعية، أو مناهضة لماو، أو مناوئة للصين من قبل الحكومة. واعتدي على فينغ الذي كانت كتاباته تتجه نحو النقد السياسي اللاذع من طرف الحرس الأحمر، ودُمّرت مجموعة كتبه وفنه. ولتجنب المزيد من الاضطهاد، شرع فينغ يخفي أعماله: التي كان من الممكن أن يؤدي اكتشافها من قبل الموالين لماو إلى اعتقاله أو حتى إلى إعدامه. ومن دواعي السخرية، أن الثورة الثقافية التي أدت إلى اضطهاد فينغ هي ذاتها حرّضت أيضاً كثيراً من كتاباته. فلقد قال مرة إن الأعمال الوحشية لهذه الفترة قد زودته بنفاذ البصيرة إلى الطبيعة البشرية التي تعبر عنها أعماله. بعد وفاة ماو في 1976، بدأت أعمال فينغ تظهر مطبوعة، فقد طبع عدة روايات وكثيراً من القصص القصيرة، والمقالات. وعلى النقيض من المواضيع المناصرة للشيوعية والمتبناة من قبل الكثير من الكتاب الصينيين المعاصرين، فإن كتابات فينغ تستكشف مواضيع أوسع، وأكثر عالمية يمكن أن تروق لشريحة أكبر من القرّاء. *** أقسم أن يحصل على شارة ماو(1) ضخمة هذه الليلة بعد العمل. فعلاً، كانت الشارة التي حملها اليوم إلى المكتب كبيرة وغريبة بما يكفي لتثير قدراً طيباً من الحسد. كان صهره قد استحصل عليها خصيصاً له من وحدة معينة في الأسطول وأحضرها إليه الليلة الفائتة فقط. بعد خصام بشأنها لحوالي النصف ساعة، وافقوا على أن يرتبوا دوراً: كلٌ سيحملها يوماً حتى تكون قد دارت مرة، ثم يحتفظ بها كل واحد مدة أسبوع في كل مرة. حصل عليها أولاً، لا لأنه رب البيت، وإنما لأنه قد أراد بإلحاح كبير أن يعرضها في العمل. أصرَّ، وكسب. كان مسروراً بنفسه في المكتب طوال الفترة الصباحية. فلقد أحدث تأثيراً حقيقياً. قال كل من رآه، بينما انحنوا لتأمل الشارة كما لو كانت نوعاً من الجواهر: "لقد فُقْتَنا جميعاً اليوم، يا سيد كونغ!". توجهت نظراتهم الحسودة إلى رأسه مباشرة. وكان واثقاً من أن شارة ماو خاصته كانت الأفضل في المكتب اليوم. عند الغداء طاف في أرجاء الكافتيريا ليتحقق أن كل أحد قد لاحظه. لكن حينذاك اقترب منه السيد تِشن، من قسم الإنتاج، عارضاً شارة أكبر، وأكثر جدة، وأكثر لفتاً للعين على سترته المكوية بأناقة. صورة مزينة بنقوش نافرة للقائد ركزت في شمس عظيمة من المينا الأحمر، تحتها باخرة ذهبية عملاقة كانت تتحرك عبر الأمواج(2). رُسم القائد من الأمام بدلاً من الصورة الجانبية. كان يعتمر قبعة عسكرية، وكانت قبعته وياقته تحملان شارات. كان الطلاء الذهبي رائعاً: كان وميض الذهب في مقابلة الحمرة يبهر العين. وكانت الشارة درة جامِعِ الشارات. أحس كونغ بشارته تظلم مثل نور خبا. وهي صغيرة أكثر من اللازم بالمقارنة ـ كل شارته لم تكن أكبر من الصورة التي على شارة السيد تشن، الذي لا بد أن شارته كانت بقياس ثلاث إنشات طولاً: بحجم قرص برازق(3) تقريباً. كان السيد تِشن هادئاً إلى أبعد حد ويمتلك دائماً وجهاً صريحاً، بينما كانا يمشيان جنباً إلى جنب، نظر السيد تشِن فقط إلى صدر كونغ وتجاوزه مثل بطل رياضي يقابل هاوٍ شاب. قرر كونغ مجروحاً، وغيوراً، وغاضباً أن يخرج ويحصل على شارة ضخمة لماو، حتى لو كلفته مدّخرات حياته. كان عليه أن يحط درجة السيد تِشن درجة أو درجتين فقط. حين وصل إلى البيت في المساء أخبر أسرته بفشله. بعد عشاء سريع جمع كل شارات ماو التي في البيت، ولفها بمنديل، وحشاها في جيبه. انتزع حتى الشارتين اللتين كانت زوجته وابنه يحملانها. ثم اندفع خارجاً إلى جادة "الشرق أحمر(4)"، أكثر شوارع التسوق نشاطاً في البلدة. فلقد سمع بأن الفسحة المكشوفة التي وراء مرآب المخزن التنويعي الكبير كان المكان الذي يُرحل إليه لشراء شارات ماو، كان الناس يقولون إنك تستطيع أن تحصل على أحدث الصيحات هناك. عند وصوله إلى هناك كانت السماء مظلمة وكانت كل المصابيح موقدة، لكن المتسوقين كانوا ما يزالون يملؤون الشارع. عملياً كان كل شخص يحمل شارات ماو؛ كان الأمر يبدو كما لو أنها أصبحت جزءاً آخر من الجسد البشري. بعض الناس كانوا يحملون أربع شارات أو خمساً على صدورهم، بالطريقة التي اعتاد الجنرالات الأوروبيون أن يحملوا بها أو سمتهم قبل مئة عام مضت. بدا لكونغ أن الناس ذوي الشارات الاستثنائية لماو كانوا يرفعون رؤوسهم أعلى من الباقين؛ في حين أن أولئك الذين يحملون شارات عادية صغيرة قديمة الطراز كانوا يتحركون بكآبة خلال الحشد. أياً كان المركز الاجتماعي، أو الدخل، أو القوة التي لديك، فإن نوعية شارة ماو التي تخصك هي القضية الحاسمة في هذه اللحظة الدقيقة. هل أضحت شارة ماو الدليل القاطع على الموقف السياسي لحاملها وعلى إخلاصه للقائد؟ والمحك وجهاز مراقبة القلب؟ بينما كان يمشي لم يلقِ بالاً للناس المتجهين نحوه؛ كانت عيناه فقط على شارات ماو خاصتهم. كانت تندفع نحوه شارات ملونة، ومتألقة من كل القياسات مثل شُهُب على مقربة من مركبة صاروخية في الفضاء الخارجي، ثم اكتشف شارة مثل شارة السيد تِشن تماماً. مد يده وقبض على يد حاملها. سأل الرجل وقد فوجئ بشكل واضح: "ماذا تظن أنك فاعل بالضبط؟" ألقى كونغ نظرة أقرب إليه: جندي قصير، وسمين، ذو كرش وعجوز. ربما كان ضابطاً. سأل كونغ بضحكة بارعة "عفواً، آه ـ أيمكنك أن تستغني عن شارة ما وخاصتك؟ إن لدي كل الأنواع ـ بإمكانك أن تختار، هل بإمكاننا أن نجري صفقة؟" سخر الجندي كما لو أنه يقول إن هذه الشارة كانت إرثاً أسرياً لا يقدّر بثمن. نظر بانزعاج إلى وقاحة كونغ. كان كونغ ما يزال قابضاً على كمه، قال بجفاف "لا سبيل إلى ذلك"، دافعاً كونغ جانباً، وتهادى مبتعداً. كان كونغ غاضباً، لكنه عزّى نفسه بفكرة أنه حتى لو حصل على الشارة، فإنها ستضعه فقط على قدم المساواة مع السيد تِشن. ما كان يريده هو أن يبزه. ثم لَمَح حشداً من تجار الشارات خلف مرآب السيارات. بدأ قلبه يخفق بقوة مثل قلب صياد يكتشف قطيعاً من الأسماك البرّاقة، وانطلق يعدو. حالماً صار ضمن الحشد، شعر كونغ بالحرارة وتورّد، لكنّ المشهد كان مدهشاً: تنوع لا نهاية لـه من شارات ماو ومجموعة من الباعة المتجولين يتبارون. كان البعض يضعون الشارات التي يأملون أن يبيعوها وينادون على الأنواع يبحثون عنها: "من لديه أشغال ووهان(5) الفولاذية بقياس اثنين ونصف؟" ـ شعار بقطر اثنين ونصف إنشاً ـ "سأقايضكم عليه!" وكان البعض يعرضون شاراتهم على مناشف اليدين؛ والآخرون، الذين كانوا يعتبرون الألوان الزاهية هي الجمال، وضعوا بضائعهم في صناديق زجاجية مسطحة مبطنة بالورق الملون على الجوانب والحرير الأخضر في الأسفل. ومع ذلك كان آخرون يثبتون شاراتهم على قبعاتهم بحيث كان على الناس أن يمدوا أعناقهم ليروها. كان الحشد يملأ الطرفين الجنوبيّ والشرقي لمرآب السيارات. بعض الناس تناثروا حتى في المرآب وكانوا يمرون بصعوبة بين السيارات. كان المكان بصيحاتهم المماحكة، والضحك، أكثر صخباً من سوق في العراء في أكثر ساعات الصباح نشاطاً. ضربه أحدهم على كتفه "عن أي نوع تبحث؟" كان المتكلم رجلاً منتفخاً، طُوالاً متوسط السن ومتملقاً كبائع متمرسٍ. لكنه كان يرتدي سترة زرقاء منتفخة بشارة وحيدة لماو بحجم غطاء زجاجة على الصدر. لم يكن يبدو أنه يملك بضاعة خاصة. "أريد واحدة كبيرة على الأقل بقياس ثلاثة ونصف. هل لديك أي منها؟" سأل الرجل "أو ـ هو ـ لا أشياء صغيرة من أجلك، إيه! هل يضيرك إذا كانت الصنعة خشنة قليلاً؟" بدا أن لديه ما كان يريده كونغ. "دعني أراها". أجاب الرجل دون أن يطرف له جفن "قل لي أولاً ماذا لديك". كان متعجرفاً مثل مليونير ـ شارات ماو. قال كونغ، ماداً يده إلى جيبه "إن لدي دزينات من مختلف الأنواع" لمس الرجل معصم كونغ. "لا تخرجها بين هذا الجمع. فسيسرقها أحدهم. تعال معي!" شقا طريقيهما بمرفقيهما خارج الحشد، وعبرا الشارع، ودخلا الزقاق المظلم بجانب مخزن الثورة للقبعات والأحذية. قاده الرجل إلى عمود الإنارة الثاني. طلب "دعني أرى بضاعتك". سلم كونغ الرجل باليد منديل شارات ماو خاصته. تفحصها الرجل، هازاً رأسه ومقهقهاً باستنكار، وأعادها. سأل بعد تفكر للحظة "هل لديك أشياء أفضل؟". "لا، هذا كل ما لدي". توقف الرجل ثانية. قال مشيراً إلى منديل شارات كونغ "ستواجه وقتاً عصيباً في بيع تلك المجموعة من الشارات في مقابل واحدة بقياس ثلاثة ونصف. لا تنس ـ الشارات الكبيرة مادة رائجة الآن". رد كونغ بسخرية "حسناً، علي أن ألقي نظرة على شاراتك، سواء كنت ستقايض أم لا. ثم سنرى الأشياء المهمة". مع ذلك، فإنه لم ير بضاعة الرجل أيضاً. وبدلاً من الإجابة، فك الرجل سترته الخارجية وفتحها بسرعة. أوشكت عينا كونغ أن تخرجا من رأسه: مائة شارة مختلفة من شارات ماو على الأقل كانت مثبتة إلى سترة الرجل الداخلية. فقد كان خزينة متنقلة لشارات ماو. لم يكن كونغ قد رأى قط شارات من هذه النماذج من قبل. قال الرجل قبل أن يتمكن كونغ من أن يملي ناظريه "لم تر شيئاً بعد، أَلقِ نظرة إلى الداخل ـ هناك حيث توجد الشارات الكبيرة". وفتح السترة المغطاة بالشارات ليُظهر كساءً آخر أيضاً محمّلاً بصفٍ فوق صف من الشارات اللامعة. كانت ضخمة: كانت كلها بحجم قبضة اليد على الأقل، وواحدة بحجم غطاء إبريق، كان يلفت العين مثل كركي بين دجاجات. صاح كونغ بسرور، وقلبه يدق بثقل "تلك هي الشارة التي أريد!" سأل الرجل بضحكة خافتة "ماذا؟ هذه الشارة؟ هل تعرف حجمها؟ إنها بقياس أربعة، أنت ترى حيث تقول "الولاء" ثلاث مرات بالذهب على طول هنا؟ إنها شارة "ولاء مثلث"(6) من كسيانجيانغ(7). لا أحد في هذه الناحية قد رأى هذه الشارات بعد. أخمّن أنك لا تعرف السوق: حتى أربعة أضعاف الشارات التي تملك لا تشتري لك واحدة من هذه. كل شاراتك معاً تساوي على الأكثر واحدة بقياس (ثلاثة ونصف). وذاك فقط إذا قايضتني ـ لا أحد آخر سيعطيك مثل هذه الصفقة الجيدة. شاراتك صغيرة زيادة عن الحد وعادية. توسل كونغ "لماذا لا تدعني آخذ هذه التي بقياس (أربعة) فقط؟ إن لدي هنا أربعين أو خمسين شارة، و...." كان مفتوناً بجنون بالشارة. لو أنه يستطيع فقط أن يحملها غداً، فإن السيد تِشن وكل شخص آخر في المكتب سيتغير لونه من الحسد. عندها فقط ظهر رجل قزم داكن اللون إلى اليسار واقترب لينظر إلى شارات ماو على صدر الرجل الطويل. ألقى الرجل الطويل نظرة عجلى على الوافد الجديد وأغلق سترته الخارجية بعنف. أعلن بفظاظة "لا صفقة!"، واختال مبتعداً، مجلجلاً مثل حصان مسرج بجرس. فكر كونغ، "لا أستطيع أن أدعه يمضي ـ على الأقل علي أن أقايضه على شارة بقياس (ثلاثة ونصف) كان على وشك أن يركض وراء الرجل الطويل عندما مد الرجل القزم ذو اللون القاتم ذراعه ليوقفه. بدا، بذقنه ذات الشعر القصير الأسود الشائك وملابسه السوداء، كما لو أنه نحت من الكهرمان الأسود. بدت عيناه المدورتان المومضتان كأنهما تنثران رونقاً على كل جسده. قال بصوت مثير "لا تقايضه ـ فخداع المبتدئين صنعته، وشارات الولاء المثلث تلك التي من كسينا نجيانغ فكل دزينة منها بعُشر دولار؛ فهي تعتبر قديمة الطراز. أخبرني ماذا لديك ـ سأقدم لك صفقة، فلدي شارة ماو لا تشبه شيئاً رأيته من قبل على الإطلاق". "أهي كبيرة؟" "كبيرة؟ حسن، إنها أكبر من شارة الولاء المثلث خاصته تلك. لكنها ليست مجرد كبيرة ـ إنها بدعة حقيقية، ولكن دعني أرى شاراتك أولاً". قدم كونغ صرته من الشارات ثانية وترك الرجل يتفحصها مثل مفتش الجمارك. ثم قاده الرجل عميقاً في الزقاق. كانت مصابيح الشارع مطفأة، وكان المكان حالك الظلمة، كان كونغ خائفاً من أن الغريب سيسلب ما معه. وكلما مضيا أبعد، كلما كانت الظلمة أشد، حتى أن الصورة الظلية للرجل امتزجت تقريباً بالظلال السوداء الكئيبة. سألَ، باذلاً جهداً فائقاً ليكون شجاعاً: "ألا أستطيع أن ألقي نظرة عليها هنا؟" "من غير ريب" وافق الرجل القزم ذو اللون الداكن، ومثل الرجل الطويل من قبله فك سترته، لكن صدره كان غشاوة مظلمة دون أدنى شارة لماو. قبل أن يتمكن كونغ أن يسأل أية أسئلة سمع قرقعة، وظهر شيء، مدور ومتوهج، يشبه القمر سحراً عل الجانب الأيسر من صدر الرجل. بدا لكونغ أن فتحة منيرة قد فتحت في صدر الرجل أو أن قلبه قد أضاء. وفي الداخل كانت صورة: صورة ملونة للرئيس ماو ملوحاً من على منبر تيان آنْمِنْ(8). حين أفاق من ذهوله العارض، فهم كونغ: كان الرجل يحمل محفظة زجاجية مضاءة بحبابة مصباح جيب. في المحفظة صورة ملونة للقائد ملوحاً بيد عملاقة كانت مرتكزة خلف حاجز كرتوني أحمر. كانت المدَّخرة مخفية مع الرجل؛ وكانت التمديدات متدلية من خلفية المحفظة؛ وكان مفتاح القابس في يده. نقرة من القابس وتظهر! وستضيء شارة ماو مثل تلفزيون ملون. اختراع عظيم حقاً! أطفأ الرجل الضوء. جاء صوته المعتد، والمتملّق في الظلام "حسنٌ، كم أعجبتك؟ أليست أمراً لا يصدق؟ ماذا ستعطيني ثمناً لها؟ لكن لا تنس أن المدَّخرات والقابس تساوي قدراً كبيراً من المال!". كان على كونغ أن يوافق على أن الشارة كانت حلية حقيقية. لكن اهتمامه تلاشى بسرعة. كانت هذه بدعة بيتية الصنع، وليست شارة مناسبة. وعليك أن تحمل معك جهازاً كاملاً من المعدات الكهربائية ـ تمديدات، ومدخرات، وقابس ـ كما لو أنك مروحة كهربائية. إضافة إلى، أنها يمكن أن تكون لافتة للعين ليلاً، لكنها ستكون باهتة كلياً نهاراً. قال بكياسة بعد لحظة تفكير "لكني أعتقد أنني لن آخذها، بما أنها ليست شارة مناسبة. ما أحبه شارة مألوفة، على الأقل بقياس ثلاثة ونصف إذا كان لديك أي منها". بدأ الرجل بنغمة البيع، لكن كونغ لن يغير رأيه. عندئذ جسَّه الرجل برغبة من رسغه. ظن كونغ، الذي كان خائفاً من أن يباغت، أن الرجل سيسلبه شارات ماو خاصته. ركض، محرراً ذراعه بدفعة، نحو مدخل الزقاق المضاء بسطوع. سمع الرجل يصرخ خلفه "أوقفوه!" خطر في بال كونغ أن بعض أصدقاء الرجل ربما كانوا كامنين في الجوار. انطلق خارج الزقاق وإلى الشارع، حيث اصطدم تقريباً بدراجة هوائية قادمة. قفز، جفلاً مثل أرنب من فوق الدولاب الأمامي وارتد منطلقاً إلى حشد تجار الشارات قرب المرآب، وخشية أن يكتشفه القزم ذو اللون الداكن، انحنى، مخفياً وجهه، وانسلَّ خلال الحشد. لحسن الحظ أنه نجا دون مزيد من الحوادث ومضى إلى البيت راكضاً كل الطريق. حين رأت زوجته كم كان شاحباً ولاهثاً، ظنَّت أنه مريض. وبخته، حالماً علمت ما حدث، وصبت له فنجاناً من الشاي لتهدئ من روعه. قالت: "هل شارات ماو في دماغك! أنت أبداً لا تفعل ما يفترض بك أن تفعله عندما تصل إلى البيت من العمل ـ وهذه الليلة، إضافة إلى كل شيء، تخرج إلى الشوارع لتقايض على الشارات. ألا تعلم في أي نوع من الرعاع يمكن أن تدخل هناك؟ وأخذت شارات الأولاد وشارتي أيضاً! لو أنها سرقت، ماذا كنا سنحمل غداً؟ سيقول الناس إنني ذهبت بدون شارتي لأنني لا أحب الرئيس ماو. سيقبضون عليَّ كمناهضة للثورة، ولن يكون هناك أحد ليطبخ لكم حين تعودون إلى البيت من العمل كل يوم. إن الحصول على شارات ـ ماو جيدة يتطلب براعة. انظر إلى السيد وانغ ـ هناك الآن ميكانيكي حقيقي. إنه ربما يكون متواضعاً، لكنَّ لديه من الشارات أكثر من أي شخص آخر". "أي سيد وانغ؟" "الشخص الذي يعيش في الطابق الثالث من البناء الأمامي. أمازلت لا تعرف من أعني؟ طبعاً أنت تعرف ـ زوج السيدة وانغ. ماذا دهاك؟ هل أفزعوك هناك أيها الساذج؟" "أوه ـ أجل ـ فهمت، من أين أتى بهذا المقدار الكبير من الشارات؟" "إنه مسؤول عن هيئة مصنع للشارات حيث لا يصنعون شيئاً سوى شارات ماو. ورب عمله يعطيه مئات منها ليصطحبها في كل جولات العمل. عليك أن ترشو بها هذه الأيام للحصول على غرفة في فندق، ولشراء بطاقات القطار، أو لطلب خدمة من أي شخص. إنها أفضل من الأموال النقدية. منذ بعض الوقت أخبرتني السيدة وانغ أن زوجها لم يدفع من أجل شراء شاحنة لعمله شيئاً سوى شارات ماو". "كم شارة كلَّف ذلك؟" "الرجل ذكي ـ ومن الممكن ألا يكون قد تخلى عن تلك الكمية. وظني أن شخصاً داهية مثله يملأ جيبه خلسة كلما سنحت له الفرصة. وإلا فلماذا تحمل السيدة وانغ شارة ماو جديدة في كل مرة أراها فيها؟ وحين أسألها عنها فإنها تراوغ فقط ضاحكة عوضاً عن الإجابة، لكنني متأكدة من أنها تحصل عليها كلها من زوجها. الآن فقط صعدت إلى هناك لتحصيل فاتورة الماء خاصتهما ووجدتهما يتأملان شاراتهما بإعجاب. اندفعت داخلة دون قرع وفي الواقع ألقيت نظرة". "هل ألقيتِ عليها نظرة جيدة؟ ما هي الأنواع التي لديهما؟" "لم أستطع أن أبدأ بإخبارك. كان هناك على الأقل ألف ـ كان السرير والمنضدة كلاهما مغطيين بها" "أكان هناك أية شارات كبيرة؟" "شارات كبيرة؟ أقسم أن واحدة منها كانت بحجم غطاء القِدْر". وهكذا فإن هدف بحثه الواسع كان تماماً في البيت المجاور كل الوقت. ركض، تاركاً شايه لم يلمس على الطاولة، إلى المبنى الأمامي بأسرع ما تستطيع رجلاه أن تحملاه. أخذ يصرخ "سيد وانغ!" حتى قبل أن يصل إلى الطابق الثالث. قبض الابتهاج، مثل يد غير مرئية، على حباله الصوتية وجعل صوته يرتجف. وحالما صار داخل شقة السيد وانغ، توسَّل إليه أن يريه كنوزه. كان السيد وانغ ملزماً قسراً، بما أن كونغ جار قديم. كانت هنا الآن شارة ماو كبيرة! كان السيد وانغ مليونير شارات ماو لو كان هناك واحد. وكان كونغ يعاني عقدة نقص. ثم اكتشف الشارة الضخمة التي ذكرتها زوجته. قال السيد وانغ إنها بقياس خمسة ونصف. وزنها كونغ بكفه. كانت ثقيلة بصورة مدهشة: نصف باوند على الأقل. لكن الصورة كانت مألوفة: شمس حمراء كبيرة مع صورة جانبية للقائد في الوسط وسلسلة من تسع زهرات عباد الشمس في الجانب الآخر من الشارة. كانت الزهرات تبدو أشبه بمناخل خشنة. كانت الصورة، المصقولة، والطلاء رديئين.كانت على أي حال، بلا ريب أكبر شارة في العالم ـ ستبدو شارة السيد تِشن بالغة الصغر بالمقارنة معها. كان كونغ يريد شارة كبيرة: إنها الأفضل ـ إنها تظهر وتُكسِبُ ذِكراً، توسل إلى السيد وانغ من أجلها وأبرز شاراته مرة إضافية. لحسن الحظ كان لديه واحدة بصورة للكرة الأرضية والتعليق: "إن شعوب العالم تتوق للشمس الحمراء". وتصادف أن السيد وانغ يحتاج إلى هذه الشارة ليكمل مجموعة من أربع شارات، لذا أعطاه كونغ إياها، مع اثنتين أخريين، في مقابل أكبر شارة في التاريخ. وصل إلى البيت محتضناً كنزه بيدين مرتجفتين. تعجبت زوجه وولده حين شاهداها "واو!" في الصباح التالي استيقظ باكراً، حلق، وغسل وجهه وعنقه، وارتدى ملابس نظيفة، بعنايةكما لو كان ذاهباً لاستلام ميدالية. بعد ذلك، استخدم مناديل زوجته الجديدة الناعمة، متجاهلاً احتجاجها، ليلمع الشارة الكبيرة بالسَّحم. كان لديه مشكلة بشأن تثبيتها. لقد غطت صدره الضيق حين حملها على جانبه، ولكنها حين وضعت في المنتصف بدت تافهة، مثل درع صدري لجنرال قديم. وتدلت سترته تحث ثقلها الضخم. أسوأ ما في الأمر، وبما أن الدبوس كان في مركز الخلفية بالضبط، أن الشارة مالت باتجاه الخارج مثل إطار صورة بدلاً من أن تبقى مستوية. ظل كونغ في حيرة إلى أن اقترحت زوجته أن ينتقل إلى سترته القطنية السميكة؛ مع أن الطقس كان لا يزال حاراً زيادة عن الحد على القطن السميك، سمح القماش القاسي للشارة أن تبقى مستوية بالطريقة التي يفترض بها أن تفعل. قام بعدة وضعيات، حاملاً الشارة، وأعجب بنفسه في المرآة. هلل ولده، مصفقاً بيديه "هوراه(9)! أبي شخص ممتاز! أبي رقم واحد!". كان الطفل جديراً بالاحترام ـ كانت تعليقاته مثل قشدة على الكعكة. أجل، فلقد كان حدث اليوم! كان الناس يرمقونه بينما كان يمتطي دراجته العادية على طول الشارع. كان بعضهم يشير إليه لرفاقه، لكنه كان يسرع متجاوزاً لهم قبل أن يستطيعوا أن يلقوا نظرة ملية عليه. كان مسروراً جداً. ولإطالة السرور، سلك الطريق الطويل إلى العمل. ضغط الناس في حافلة عابرة أنوفهم على النوافذ ليحدقوا. حين اقترب من بوابة بناء مكتبه توتر مثل ممثل على وشك أن يخطو خطوته الأولى والحاسمة عبر باب خشبة مسرح مضاء بسطوع. كان متوجهاً نحو بريق الشهرة. دخل البوابة وأقفل دراجته في الباحة. صاح أحدهم "هيه، تعالوا جميعاً، وانظروا إلى شارة السيد كونغ!" في مثل لمح البصر ومباشرة صار محاطاً بحشد. كان الناس يدفع بعضهم بعضاً بالمناكب ويمدون أعناقهم ليشاهدوا. كانوا ينظرون إلى شارته بذهول وحسد، وإليه باحترام جديد. كل واحد كان يصيح، مما جذب مزيداً من الناس. "تلك شارة كبيرة الآن. من أين جلبتها؟" "سيد كونغ أنت ملحاح حقيقي مثابر!" قال بضحكة معتدة، مبقياً يداً على الشارة في حال حاول أي شخص أن يختطفها: طبعاً! فأنا موالٍ للرئيس ماو". حاول بعض الناس أن يبعدوا أصابعه من الطريق كيما يستطيعوا أن ينظروا بشكل جيد إلى الشارة؛ آخرون حاولوا أن ينظروا خلسة إلى الخلفية ليعرفوا أين صنعت. صاح، قابضاً على الشارة "لا شيء مكتوب على الخلفية، إنها أنتجت من قبل معمل عسكري مصنف. رجاءً كفوا عن سحبها، فالدبوس صغير أكثر من المعتاد..." بدا قلقاً، لكنه في الواقع كان متهللاً. فالإثارة التي كان يسببها كانت لا نظير لها لا في المكتب فقط، بل من المرجح في المدينة كلها. إلا أن يصنع شخص ما شارة بحجم غطاء جرة، يستطيع عملاق فقط أن يحملها، ثم تذكر السيد تِشن: أين هو منتصر الأمس الآن؟ تضاعف الحشد إلى ثلاثين أو أربعين إنساناً. وكل شخص كان يثرثر على الفور. لم يكن يستطيع أن يسمع أي شيء. تسببت سترته القطنية السمكية بظهور العرق على جبينه. بدأ، غير قادر على تحمله أكثر، يشق طريقه بصعوبة خارجاً من بين الجمهور المحتشد والذي لا يحتمل، بعيداً عن الأيدي التي كانت تسحبه. "دعوني أخرج، إنكم تسحقونني!" ولقد دُغدغ حتى صار بلون القرنفل. أخيراً شق طريقه بصعوبة خارجاً مثل الشعيرية من آلة صنع الشعيرية. انتعش. لكنه عندها بالضبط سمع رنيناً، مثلما لو أن طبقاً معدنياً كبيراً سقط إلى الأرض. ثم سمعه يتدحرج حوله. لم يدرك ما كان الصوت إلى أن وصل واكتشف أن شارة ماو خاصته قد ذهبت. صاح "أوه، لا! لقد سقطت شارتي!" تجمد كل أحد وبدأ هو بحثاً مسعوراً. لم تكن الشارة على الأرض أمامه، لذا خطا إلى الوراء لينفتل وينظر خلفه. أحس بشيء ما صلبٍ وزَلِقٍ تحت قدمه. سمع امرأة تقول، قبل أن يفطن لما حدث "أوه، لا! إنك تقف على شارة عليها صورة الرئيس ماو!". نظر إلى الأسفل برعب ورأى شارة ماو تحت عقبه. كان يجب أن يكون قادراً على رفع قدمه بسرعة، لكنها كانت جامدة مثل قطعة خشب. صار جسمه ضعيفاً وغرق ثقله إلى الرِّجل المذنبة. وقف ملتصقاً بتلك البقعة، وكانت كل العيون مثبتة عليه. كان هذا الخطأ جريمة شنيعة أوصلته إلى شفير الدمار. لا حاجة لتعداد التفاصيل هنا. يكفي أن نقول إنه شفي من هوسه بشارات ماو وصار ينظر إلى هذه المواضيع السابقة لشغفه بخوف وارتعاش. صارت كل هذه الحوادث وراءه الآن. لكن هناك سؤالاً واحداً ظل يحيره حتى اليوم. ولعل المفتاح الوحيد للإجابة عليه يكمن فيما يلي "ظاهرة طبيعية": فبإمكانك اليوم أن تسافر إلى كل الثلاثة ملايين وسبعمائة ألف وسبعة آلاف ميل مربع لبلدنا ودون أن ترى شارة واحدة لماو.... (1) حلية ذات دبوس تصور ماو تسيتونغ، الرئيس السابق لجمهورية الصين الشعبية. (2) تمثل الشمس الحمراء الثورة الشيوعية، التي تتقدم تحت قيادة ماو. (3) نوع من الحلوى يصنع من دقيق القمح والسكر والسمسم. (4) شعار شائع في الصين؛ يحتفل بأن الصين قد تبنت حكومة شيوعية. (5) مدينة صناعية في وسط الصين فيها تم تنظيم العمال لنصرة ثورة ماو. (6) الولاء المثلث: شعار يعني الولاء لفكر ماو، والولاء للطريق الثوري لماو، والولاء لماو نفسه. (7) مدينة صناعية صينية تقع جنوب الصين. (8) منبر الخطيب في ساحة "تيان آنْمِنْ"، أكبر ساحة عامة مركزية في بكين، عاصمة الصين. (9) هتاف ابتهاج أو تشجيع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |