مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 122 ربيع 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الأدب الصيني نجم مَجَرَّتَيْ (1) "غوتنبرغ" "والسبرانيت" "عن الفرنسية" ـــ ت.هدى أنتيبا

يمخر الأدب الصيني الحديث عباب التاريخ والنهضة الثقافية الاقتصادية والتقلبات الاجتماعية في تلك البقعة من العالم.. لتغطي فضاءاته المواضيع المحلية والدولية المرتحلة من الميثولوجيا والأساطير إلى الواقع المعيشي... أما أبعاده الإبداعية فهي تراثية حيناً ومعاصرة حيناً آخر ومستقبلية أحياناً... وإذا التراث يطفو على سطح الثقافة الصينية من جديد فيعيد إلى الذاكرة ما طوته يد النسيان... وإذا دور النشر الصينية تفرد لأدبها المهاجر جناحاً لا تقل مكانته عن أدبها المقيم... ولتحظى الآداب الأجنبية بركن مماثل... فاللغة الصينية مطلع الألفية الثالثة في مقدمة اللغات الأكثر تداولاً على شبكة "الإنترنت"... أليست المرشحة الوحيدة لدك أركان الثقافة الأنغلو ساكسونية على الصعيد العالمي؟.. ألا يتجاوز عدد القراء الصينيين الأربعمائة مليون قارئ في الصين وحدها دون الأخذ بعين الاعتبار أنسابهم في "هونغ كونغ" "وتاي وان" وأولاد عمومتهم الموزعين في دول الجوار؟! ألا يفوق هذا الرقم عدد سكان كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مجتمعتين؟!... لكن ما جديد الأدب الصيني؟... وما دور التراث في الحفاظ على اللغة والفلسفة والملحمة الشعرية والرواية وآداب الأطفال... حية في الصين اليوم؟.....‏

وماذا بالنسبة لعملية ليّ الأذرع بين حراس الأدب الكلاسيكي وبين التيارات الأكثر حداثة؟‏

"السبرانيت": أدب رقمي!!...‏

ما أن نشر "اكزينغ يوسن" ـ وهو دكتور في المعلوماتية عام 1997 روايته: "العيش كمخلوق بشري" فوق شبكة "الإنترنت" حتى أصبح نجم "الأدب السبراني الصيني كما يدعون cyberlittérature ويشغل "يوسن" منصب أستاذ جامعة علوم الاتصالات في العاصمة "بكين"... جل اهتمامه تعقب النثر الأدبي على مواقع شبكة الشبكات التايوانية والهونغ كونغية... وسرعان ما تم نسخ هذه الرواية فوق أسطوانات وأقراص مدمجة وقد أُغفل اسم صاحبها في زحمة منشورات الفضاءات السبرانية.... ثم نشرتها مجلة "تيانيا" الأدبية الواسعة التوزيع وتصدر في مقاطعة "هينان" الصينية... وما أن كشف "أكزينغ يوسن" هذه العملية حتى طالب المجلة بحقوقه فكان له ما أراد لتعيد "تيانيا" قبل أيام معدودة طبع "العيش كمخلوق بشري" على نفقتها الخاصة وبين دفتي كتاب مشيرة إلى خطأ إغفال اسم الروائي الصيني المذكور... ويعتبر "يوسن" وجهاً من وجوه تيار أدبي يسعى اليوم لتغيير المفاهيم الأدبية الكلاسيكية في الصين... ـ‏

فقد ظهر خلال أقل من عقد جيل من الروائيين اعتمد "السبرائية في الأدب" لنشر روائعه أمثال "لي أكزوهوان" ـ "ونانغ كيشن"... و"أننابابي"... و"جين هزاي"... "ومورنغ اكزوكون"... ونشر هذا الأخير العام الماضي رواية عنوانها "شانغ دوانسيني هذا المساء".. وتشكل ظاهرة جديدة في "أدب السبرانيت".. المحمول على شبكة الشبكات... وتسعى منذئذٍ عشرات الروايات لاقتباس أسلوب "اكزوكون" الأدبي والسير على خطاه... ومن أبرز تلك العناوين: "فقاعات هانغ زو"... و"قمامة جنيان".. "وفي شين زين" و"الغرق عشقاً"... وتندرج تلك الأعمال ضمن قائمة: "تعقيدات المدينة" حيث وصل عسر الحضارة إلى أوجه من خلال تحدي البرجوازية الصينية الصغيرة الصاعدة لعبثية المدينة الغربية وتكنولوجيا اللامعقول... وعلى غرار "يوسن" هاهي الأديبة والصحفية "موزيمي" تشعل الحرائق فوق شبكة "الإنترنت"... وتكتب "مو" الافتتاحية في مجلة "كانتون" إلى جانب تحريرها لمقالات نقدية أدبية في عدة صحف محلية.. نشرت "زيمي" مقتطفات من مغامراتها العاطفية في موقع "بلوغ" أي "اليوميات الخاصة" مما أدى إلى هجوم الصحافة عليها لتقدم على إغلاقه أواخر العام الماضي... وذلك رغم الحرية التي تتمتع بها تلك المواقع في الصين.. ولأن "الويب" ملجأ عشرات الأعمال التي ترفض دور النشر الصينية طباعتها لأسباب مادية أحياناً أو لاعتبارات أخرى كأن يكون المؤلَف باكورة أعمال كاتب مغمور أو ناشئ... وجدت زميلة "مو" الأديبة الشابة "شون شو" ذراعي الإنترنت مفتوحة أمام روايتيها "بي جين واوا" و"تسلية الألعاب".. وليعلق الأديب السبراني "لي اكزون هوان" على هذه الموجة قائلاً: "أدبهم ينتمي لعالم ألعاب الفيديو"... فالنجاح الذي يحققه هؤلاء على الإنترنت مفتاح دخولهم إلى دور النشر المطبوعة لأن "الشبكة" مؤشر على رواج العمل في أسواق "أون لاين"... ألم يتخذ هذا النجاح كذريعة للربح التجاري السريع عند حفنة من تلك الدور؟ ألا تجتذب الدعاية للرواية بتلك الكلمات "إنه العمل الأدبي الأكثر سخونة اليوم على الإنترنت" جماهير القراء الشباب؟! فالأساليب الكلاسيكية المعتمدة سابقاً للحصول على الاعتراف والمجد الأدبي تمر عبر المجلات المتخصصة في هذا المجال مما يعني تقليص عدد الأدباء الذين يحظون بهذا الشرف... لذا كان دور المواقع الأدبية على شبكة الشبكة مصيرياً بالنسبة للأقلام الشابة والواعدة... فهاهو موقع "رونغ هواكزيا" ـ وترجمته "تحت ظلال البانيان" والبانيان = شجرة تين هندية ذات جذور متشبعة وبارزة فوق سطح الأرض ـ يقوم بدور محوري على صعيد إطلاق الأسماء الجديدة في سماء الأدب الصيني المعاصر... وليغدو الجسر المعلق بين عالمين الأدب الكلاسيكي والأدب الرقمي الحديث... أسس هذا الموقع "ويليام زهو" عام 1997 وهو أديب صيني هاجر إلى بلاد العم سام قبل أن يعود إلى وطنه الأم ويقيم في "شنغهاي" = الملقبة باريس الشرق الأقصى... ويستقبل الموقع أكثر من مئة ألف مشترك... عرف شهرة طبقت الآفاق يوم نشره "مذكرات ميت": الرواية التي كتبها "لويوكينغ"... وتسرد معاناة شاب مصاب بالسرطان يدون مذكراته... كذلك الأمر بالنسبة لـ "معركتي الأخيرة" لصاحبها "لي جيا مينغ"... وتسلط الأضواء على يوميات رجل يكتشف نقص المناعة وقد بدأ يزحف إلى دمه... ويؤكد "رونغ هواكزيا" على أن الموقع المذكور يدشن شهرياً أحدث فضاءات التواصل بين أجيال الكتاب... ويقيم هذا الموقع مسابقات أدبية يشارك فيها أدباء متوجون أمثال: "وانغ شوو" "وهوهوا" و"جيابيغ وا" بصفة لجنة تحكيم.. ليطلق "شووا" الكاتب المتمرد في أدب الثمانينيات من القرن الماضي كلمته: "الأدب السبراني مستقبل الآداب العالمية"... فالتجربة التي يخوضها الجيل الشاب من الكتاب هي التي ستنجب عمالقة الأدب الصيني غداً... وهاهو موقع "رونغ هواكزيا" يعقد صفقة شراكة مع أشهر دور النشر في القارة العجوز وهي دار "بيرتلسمان" الألمانية ليبدأ الثنائي اختيار أبرز الأعمال الأدبية المسجلة فوق هذا الموقع الصيني ليتم نشرها ضمن دفتي الكتب الصادرة باللغة الألمانية ومن ثم ترجمتها إلى اللغات الأوروبية الأخرى... على غرار روائع "زيمي" و"اكزيكون" "وجيا ميننغ"....‏

"أنطولوجيا" الأدب الصيني...‏

يشبه المستشرقون الأدب الصيني بغابة عذراء يتوقف المثقفون الغربيون عند أطرافها دون أن يجرؤ أشجعهم على اقتحام أعماقها... ألم تتمحور معظم الدراسات والأبحاث حول مختارات من الشعر والمسرح والقص الغرائبي.. الصيني ليس إلا؟.. ليطل رأس الجبل الجليدي للأدب الصيني إلى النور مع بقاء جسمه تحت سطح مياهه البيضاء... فمن قرأ دعابة "مينسيوس" ونكات "كونفيشيوس" المثيرة للضحك؟! وأي قارئ يعرف روايات السلالة المندوشية أو قصائد "التانغ" و"السونغ" أو مسرحيات "اليوان" أو قصص "الميننغ" الصينية؟!.. فاختيار مقاطع من تلك الأعمال لا يعني معرفة البيئة التي ولدت فيها أو أسماء أصحابها أو... ثم لماذا يفضل الصينيون رواية "زيمي" على سواها؟ وكيف يختار المترجمون القصيدة الفلانية من الديوان دون سواها؟! وهل وراء انتقاء قصيدة "لي باي" الوطنية ـ يحفظها الأطفال عن ظهر قلب منذ المرحلة الابتدائية ـ وقصة القرد "سون ووكونغ" كما ترويها" ملحمة "الرحلة إلى الغرب" ـ أي هدف تربوي أو تعليمي أو؟!...‏

ثم إن لغة "وانغ اكزياوبو" في روايته "العصر الذهبي" وتقترب من "ألبير تو مورافيا" ـ تختلف كلياً عن لغة مواطنيه الروائية "جيانغ زيدان" في رائعتها "لمن يرتفع دخان أشجار التوت" والمشابهة "لإسماعيل كندورة"... وتصف "العصر الذهبي" الريف الصيني خلال سنوات الثورة الثقافية التي عرفتها البلاد أيام الزعيم الراحل "ماوتسي تونغ"... أما "اكزواكزينغ" فيعقد مقارنة ـ خلال رحلة بطله من الصين إلى الدول المجاورة ـ بين تراث وطنه وما شاهده في الخارج في روايته:‏

"كل ما تبقى سيكون ملكاً لك"... ومن أبرز الأسماء التي يرد ذكرها في أنتولوجيات الأدب الصيني المعاصر الصادرة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية... هناك عدد من الشعراء الأحياء أمثال "بي دو" و"شين لي" و"ديوديو" و"بينغ كوان" و"يانغ ليان"... والفلاسفة وأهمهم: "لواكزون" الملقب "فولتير" الصين و"تشوانغ تسو" و"ينيغ تشين"... والروائيين على غرار "مويان" و"بي فيو" و"غوو اكزياو" و"وانغ مينغ" و"فينغ جيكاي" و"لو وينغ فو" و"هان شاونغ" و"زهانغ وي" و"مويان" و"يوهوا" و"لي روي"... ومن أهم الخصائص التي تتميز بها كتابات الأدباء الشباب استعراض المادة المتخيلة في رواياتهم لزمن وفضاء متعدد الأقطاب... فأحداث رواية "أوبرا القمر" للأديب "بي في يو" تدور في الصين المعاصرة خلال مرحلتين متقاربتين نسبياً (نصف قرن)... كذلك الأمر بالنسبة لرواية "مدينة ليير" للكاتب "غوو اكزيالو" رغم أن الأماكن التي يرتحل إليها العمل الثاني متباعدة ـ قرابة 1800 كم ـ فيما بينها... ويرى النقاد أن التركيز على الزمان والمكان بهذا الشكل الاعتباطي طارئ على الرواية الصينية التي اشتهرت بفريسكاتها التاريخية... فرائعة "يوهوا" وترجمت إلى عشرات اللغات الأجنبية وعنوانها: "أن نعيش" تصف محطات مفصلية في تاريخ الصين القديم لكونها ترسم طباع شخصيات حية لعبت دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية دون التوقف ملياً عند الحبكة الدرامية... ولأن اللغة الصينية لا تولي اهتماماً كبيراً للمتوالية الزمنية في قواعدها (على سبيل المثال: الماضي البعيد والفعل المبني للمجهول والخ...) تأقلمت مع قص وسرد كلاسيكي تأريخي... لتسهم في عملية قياس الأفعال المرافقة للأحداث بتوقيتها الثابت أي الزمن الحاضر.... وإذا ما استخدمت الأعمال الأكثر معاصرة الزمن المتحول فإنها تجيره لاستكشاف العوامل النفسية التي تحرك الشخصيات أولاً وأخيراً..."فأبطال الرواية الصينية المعاصرة تقول "آني كورين" ـ أستاذة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في المركز الوطني للبحث العلمي في باريس المتخصصة في الآداب الصينية ولغتها ـ تتغير مسيرة حياتهم بين ليلة وضحاها... من هنا انطلقت التواترات والأزمات النفسية وأعمال العنف التي تسكنهم وتحرك "أفعالهم" ... تطور المدينة على سبيل المثال ـ يحرض القلق ويثير المشاعر المتضاربة لإنسان ملتزم بإيقاع مدينة "شنغهاي" أو "بكين" وآخر متمرد على قوانينها المتحولة... فهاهو "اكزي يانغ" يضرب في روايته: "حبيبة الحلاق" لعام 2003على وتر عصر السرعة والاستهلاك الذي اجتاح المدن الصينية منذ مطلع الألفية الجديدة خلال معايشة أبطاله لنمط الحياة الغربية... لكن تمجيد الأرياف والحياة الرعوية لا تزال تستهوي العديد من الأقلام على غرار الروائية "شي زيجيان" في رائعتها "سوار الجاد" لعام 2002 التي تعيد للقيم الريفية مكانتها في سماء الأدب... هذا إلى جانب نزول الرواية البوليسية إلى الساح لتحتل مرتبة متقدمة في عالم الأدب ولتغدو الأكثر شعبية بين أنواعه المتعددة... ويصور "زانغ يو" ببراعة الدوامة التي يقع فيها بطل روايته: "الشرطي" عندما يحقق في أوساط المافيا عن عملية تهريب المخدرات من "تاي وان" إلى كبرى المدن الصينية... وسرعان ما يساق هذا الإنسان الأمين النزيه إلى عالم الأنفاق حيث الجريمة المنظمة وأصابع الاستخبارات الأجنبية تؤجج نار الفتن وتجارة الأطفال والأعضاء و... ولتسجل تلك الأعمال الأدبية الحديثة الإصدار مستجدات على صعيد الشكل والمضمون معاً... إذ اقتبست شريحة واسعة من تلك الروايات مفردات من اللغة المحكية في شارع مدن ناطحات السحاب كشنغهاي إضافة لإدخال عدد من الروائين العامية إلى حوار الشخصيات "والأرغة" المرتبطة بدنيا اللصوصية والجريمة.. كذلك طعّم عدد آخر نصوصه بكلمات ذات جذور إنكليزية حور الصينيون لفظها لتغدو لفظة جديدة مدمجة بين لهجتين... كذلك التزمت حفنة من الأدباء بإحياء اللهجات المحكية في الأرياف على غرار "هان شاوغونغ" الذي ضمّن أعماله المفردات التي يستخدمها فلاحو مقاطعة "هونان" حيث يعيش هذا الروائي حتى اليوم... ويقول "لي روبي" في كتابه "الأدب الصيني ولغته المعاصرة" صدر عام 2001: "إن اللغة الأدبية أشبه بجهاز كشف الحقائق... تقيس نبض هوية ثقافة أو أدب أي شعب"... أليست الأدوات الأدبية لغات تعتمد أثناء تدوين القصيدة أو المسرحية أو؟! وهي محور العمل الإبداعي في "هونغ كونغ" و"تاي وان" و.. حين خضعت المقاطعتان للاستعمار البريطاني خلال قرن ونصف (حتى عام 1997 بالنسبة لـ (هونغ كونغ).....‏

ولا تزال "تاي وان" تحت رحمة اللغة الإنكليزية بلهجتها الأنغلو ـ أمريكية كما يفيد "يوفانغ" الأديب الصيني المتخصص في العلوم اللغوية.. ففي هاتين المقاطعتين "الهونغ كونغية" و"التايوانية" حيث يسيطر عالم المال والأعمال التجارية على نبض الشارع وحيث يجد المثقفون صعوبة في شق طريقهم نحو المجد أو حتى الاعتراف بمكانتهم ـ ظهر أدب يجمع بين الهم الشعبي وتطلعات الأوساط المصرفية الحاكمة الفعلية للجزيرتين....‏

أبرز أسماء هذا التيار: "لونغ بينغ كوان". وتعكس رواياته التأثيرات الأجنبية في حياة المجتمع التاي واني بشكل خاص... وكيفية تغلغل مفردات يابانية إلى اللغة الصينية لهذه الجزيرة التي احتلتها جيوش طوكيو مطلع القرن العشرين وصولاً إلى العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحكام "تاي بي" اليوم....‏

وتتباين لغة روايات كل من "هوانغ مينغ" المرتبطة بهموم الفقراء ـ وتترجم معاناتهم بتعابير مشتقة من حياتهم اليومية ـ وزميله "وانغ وينغ اكزين" في روايته "خصومة عائلية" لعام 1999 والمتمسكة بالتقاليد الصينية العريقة... كذلك الأمر بالنسبة للأديبة "لي آنغ" في روايتها "حديقة الضياع" صدرت عام 2003 وزميلها "تيين ياكي" في روايته "إلى أخوتي في القرية" لعام 2001 ويستخدم كل منهما لغة الريف حيناً ودروب المدينة الضيقة حيناً آخر....‏

صاحب النوبل...‏

لأنه الوجه المعروف في المدرسة الواقعية للأدب الصيني المهاجر ولأنه حصد جائزة نوبل في الآداب عام 2000 تتوقف هذه المقالة عند "جاو اكزينغ جيان"" أوغاو كسينغ جيان"... حصل "جاو" على الجنسية الفرنسية عام 1998 رغم أنه لا يزال يكتب وينشر بلغته الأم الصينية. ويعتبر النموذج الشامل لأدباء لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة... فإلى جانب كونه روائياً ودراماتورجيا وممارسته الفن التشكيلي (الرسم) يحترف "جاو" الإخراج المسرحي والنقد الأدبي وأدب المراسلات والرحلات... وحين يسأله الصحفيون لماذا لا يكتب باللغة الفرنسية؟ يجيب "اكزينغ جيان": "أنا كاتب خارج الحدود.. ليس مهماً من أين جئنا أو إلى أين سنرحل... فالوضع الشخصي اليوم مرتبط إلى حد ما بالعولمة الهوجاء التي اجتاحت هذا العصر لتجعل الفن يخضع لمعطيات السوق... أما الأدب فهو مرفأ للحرية الفكرية ويمثل آخر خط الدفاع عن الكرامة الإنسانية"....‏

وهاهو ينشر أواخر العام الماضي كتابين صدر كل منهما عن دار "السوي" ترجمهما إلى اللغة الفرنسية "نويل" و"ليليان دوكري"... وعنوانهما: "محقق الموت" و"شهادات الأدب"... ويحتوي الأول ثلاث مسرحيات تهاجم كل منها عمليات الاتجار بالفن والفنانين وكيفية تحول حفنة من المتاحف إلى سجن للأعمال الإبداعية.... ألا ينضوي النتاج التشكيلي تحت عنوان: "فن القمامة" بعد أن أصبحت لوحات ومنحوتات عدد من الرسامين والنحاتين لا ذائقة لها تعتمد على جمع الخردة وزجها في العمل الفني؟! ليخضع هؤلاء "للموضة السائدة" في أروقة مصممي الأزياء أو للهرطقات السياسية التي تتناقلها صحافة القمامة!!.. ويشير "جاواكزينغ جيان" في مقدمة كتابيه إلى "أوجين ايونسكو" الدراماتورجي الروماني الذي انتقل إلى فرنسا ليغدو أبرز وجوه المسرح الطليعي في فرنسا بعيد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف سبعينيات القرن العشرين.. ففي "وحيد القرن" نقد صريح وواضح لنزعة اللامعقول التي غرق في لجاها المجتمع الأوروبي آنذاك...‏

وهو ما يصيب ضفتي الأطلسي اليوم وقد اجتاحتهما العولمة بأعاصيرها وتكاد تبتلع الأخضر واليابس حسبما أفاد "جاو".....‏

وتشييد ثالث مسرحيات "جوا" وعنوانها "الثلج في آب" وتحمل الثانية عنوان "الضفة الأخرى" ـ بسادس بطريرك الفلسفة البوذية "هويننغ" ويصفه "اكزينغ جيان" بأنه أكثر حداثة من السيد المسيح ذلك لأنه لم يطالب بالخلاص وإنقاذ العالم على غرار المسيح ولم يحاول التضحية بشخصه وشبابه... ولم يدشن طقوسية خاصة به ولم يمنح مفاتيح السماء لأحد بل اكتفى بدعوة الناس للاعتماد على أنفسهم ليس إلا... ويتضمن مؤلف "جيان" وعنوانه "الأدب كشاهد" مطبوعات 2004 دار "كاراكتير" الفرنسية ـ مجموعة من المقالات النقدية والكلمة التي ألقاها "اكزينغ جيان" في استوكهولم أمام الأكاديمية السويدية ويدافع فيها "جوا" عن "الفرد الذي يجب أن يكون أولاً شاهداً على الطبيعة الإنسانية لا يطيع إلا الواقع الملح وهذا التوق هو مطلبه الأخلاقي الأسمى... وعليه أن يحرص على التعبير باسم هذا المطلب... فالأدب لا قيمة له إلا عندما يسمع صوت الفرد...‏

يستشهد "جوا" بعبارة "ديكارت": "أنا أعبّر إذن أنا موجود"... ويروّج "اكزينغ جيان" لاستقلال الفكر حين يعمل على تربية الشك الضروري للإبداع الأدبي.. وتترجم هذه النزعة التحدي الذي يطلقه المبدع في وجه المجتمع... ويتابع "جوا" في مقابلة له مع ملحق "اللموند" الخاص بالآداب الصينية قائلاً: "أنا لا أنتمي لأية مدرسة رغم أنه عام 1980 لقبني النقاد بالأديب الحداثي إثر نشري أربع روايات تسلط الأضواء على المجتمع الصيني المعاصر... وفي عام 1983 كتبت مسرحيتين تتكلم عن اللامعقول في الحياة وعن المجتمع الاستهلاكي في الغرب... فاتهمت بالعبث ثم نقلني النقاد ثانية عام 1985 إلى صفوف الأدباء الباحثين عن جذورهم.. وفي عام 1990 أصبحت الكاتب المتمرد...ولازلت أعتقد أن الأدب هو وسيلة لإنقاذ الذات رغم أني لم أتمكن من تغيير تفكيري ومنهجيتي في الكتابة: فكيف أستطيع الإدعاء بأني سأتمكن من تغيير الآخر؟!....‏

الفلسفة بين النسقية والمنبرية‏

اعتمدت الفلسفة الصينية على امتداد القرن العشرين سياسة توفيقية بين تيار تمسك بالتراث وآخر انفتح على أساليب التفكير الغربية.. ولأن الفلسفة محرك المجتمع الصيني بقواعده الشعبية والنخبوية على حد سواء ظلت الكونفوشسية صاحبة الكلمة الفصل نظراً لتجذرها في التقاليد الاجتماعية منذ قرابة ألفيتين ونصف الألفية... ولم تنجح "الطاوية" ولا حتى "البوذية" رغم معاصرتهما لتلك الفلسفة في التغلب عليها في عقر دارها.. فالعودة إلى "النيوكونفوشسية" ـ خلال العشرينيات من القرن الماضي ـ حين مرافقتها للشيوعية عملت على تربعها مجدداً على عرش الفلسفة الصينية اليوم... ولم يبتعد كل من "فانغ يولان" و"موزونغ سان" و"توويي مينغ" عن "الكونفوشسية" رغم تأويل الأول لهذه الفلسفة على ضوء الواقعية المنطقية والثاني انطلاقاً من النظرية "الكانتية" (نسبة للألماني "كانت") والثالث طبقاً "للبروسيس ثيولوجي" أي العلوم الدينية النسقية المنضوية داخل أطر العولمة... لكن هذا النهج الفلسفي الحديث ـ وأطلق عليه الدارسون "كونفوشيوسية المنبر" يواجه صعوبات جمة على صعيد فصل الطقوس الفكرية والجسدية عن المدرسة الأم... فالكادر الأنتروبولوجي/المؤسساتي لهذه الفلسفة يواجه تيارات مناهضة له تتصارع من أجل بقاء الأكثر شعبية والأقوى حجة... لكن ما الذي يميز تلك الفلسفة عن شقيقاتها الشرق ـ أقصوية؟؟؟ هل هي اللغة أو الكتابة بالرموز الإيديوغرامية (حيث الرمز يمثل كلمة كاملة) أو طريقتها في فهم العالم وتغيره بأساليب مختلفة عن سواها؟!...‏

في منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد ازدهرت في الصين مدارس للحكمة والبحث عن المعرفة وسبر أغوار النفس البشرية... عاصرت تلك المدارس نظيراتها في بلاد اليونان.. ولتتنافس فيما بينها في البلاطات والأوساط الأكاديمية... تناولت المناقشات آنذاك الطبيعة البشرية... ودوران الأزمنة... والعلاقات بين الأمراء وأفراد الشعب.. وأخلاق المحاربين و... ليتوقف تلامذة "كونفيشيوس"ـ واسمه الحقيقي "كونغ فوتسو هو" ـ من أشهر فلاسفة الصين‏

(551 ـ 479 ق.م) مؤسس نظام أخلاقي رفيع ـ عند أولويات تعاليمه وتقضي احترام التقاليد المتوازنة وتجاوز الذات والإخلاص للتراث الشعبي... هذا وطرح فلاسفة "الطاوية" أتباع "لاوزي" ـ حوالي القرن السادس ق. م ـ وأندادهم أنصار "زوانغ زي" (369 ـ 286؟ ق.م) "وهو ينان زي" (179 ـ 122 ق.م) ـ نظرية الاتحاد مع "الداو" أي الفراغ والانعزال عن العالم... لكن أباطرة سلالة "الكين" (221 ق.م) سرعان ما أمروا بإحراق مؤلفات ابتعد أصحابها عن القوانين والأعراف المتوازية خاصة تلك التي ليست قابلة للتطبيق العملي... ثم جاءت سلالة "الهان" (206 ـ 220 ق.م) فعمد عدد من حكامها إلى تنظيم فهرس يجمع أبرز التيارات الفلسفية في أرجاء الإمبراطورية... ليصل عددها إلى مئة مدرسة فكرية بين تقليدية وتجريبية... وما إن ظهرت "البوذية" إلى الوجود قبل ألفيتين حتى استعار تلامذة هذه الفلسفة حفنة من المفاهيم الطاوية لتتنوع تلك الأنظمة في طروحها وتأثيراتها... لكنها لم تختلف كثيراً فيما بينها... فالفلسفة الصينية بمجملها لا تنظر إلى الزمن من خلال مسيرته الثقافية التراكمية المتطورة على غرار نظيراتها الأوربيات إنما ترى حركة الزمن دورية... فالثورة على سبيل المثال ليست إلا عودة إلى حالة سابقة لحدوثها... كذلك الأمر بالنسبة للإله الواحد الكلي القدرة الحامل هم الإنسان ومصيره.. "فالداو" طاقة فراغية تولد قوتين متكاملتين متجابهتين: "الين" و"اليانغ"... تنتمي تلك الطاقة لفراغ يسمو فوق الوجود المادي لتتصل بالنهايات والأخلاق... ولأن الفلسفة الصينية رغم تعددها وتشعبها لا تملك خطاباً ثيولوجياً اهتمت بشعور الإنسان في علاقته مع الأفكار أكثر من تركيزها على طبيعة تلك الأخيرة... ألم تلتزم الصين بترجمة التاريخ على أرض الواقع؟! فما من ثقافة تناولت تاريخ أمتها كتابياً كما فعل المؤرخون والفلاسفة في الصين... إذ استخرج هؤلاء العِبَرَ والدروس لتسيير الأمور الراهنة... وليغدو المستقبل صورة طبق الأصل عن الماضي... فالصين المعاصرة تحكمها الأفكار وإيديولوجيات الشيوعيين والليبيرالين على حد سواء... ولأنها تجل الماضي بشكل لا مثيل له ينظر المفكرون الصينيون إلى المستقبل نظرة كونفيشيسية أي "الفرد يقرر مصيره عن طريق إغناء ذاته بالثقافة والمعرفة"...‏

"تشوانغ تسو" أنموذجاً...‏

من يقرأ تساؤلات "تشوانغ تسو" يدرك أن الفلسفة الصينية أقرب إلينا اليوم مما كانت عليه بالأمس.. فرغم ظهور هذا الفيلسوف في القرن الثاني قبل الميلاد إلا أن تعاليمه ظلت تنبض بالحياة عبر العصور لكونها تتناول استقلالية الفكر وطواعية اللغة... وهاهو الباحث الفرنسي "جان فرانسوا بيلوتير" في كتابه الذي صدر العام الماضي عن دار "اكيا" وعنوانه "دراسات حول تشوانغ تسو" يعطي هذا الفيلسوف حقه في تأسيس الفكر الصيني الأساسي.. يقول الباحث: "إن تساؤلات تشوانغ تسو وحوارياته تحدثنا عن حياتنا اليومية: عن حريتنا وإنسانيتنا؛ عن السلطة أكانت صينية أو سواها في قيادة المجتمع... من هنا جاء انسجام تعاليمه مع توجهات الأرستقراطية المتعلمة إلى جانب تأييد فئات المتشككين والمتصوفين وحتى الثوريين الماركسيين له"....‏

فالجانب الاجتماعي يقول "تشوانغ تسو" هو بحد ذاته شر لابدّ منه... تحكمه التقاليد = التشبه بالآخرين إلى جانب الصراع من أجل البقاء"... ورغم أن هذا الفيلسوف متشائم في جوانب من تفكيره إلا أنه ليس ساخراً.. إنه لا يقول أن الأمير يملك الحق الإلهي حين يفرض سلطته كما فعل المفكرون القانونيون التجريبيون... ثم إن "تسو" لا يدعو إلى موقف لا مبالٍ بالنسبة لهذا الشر... إنه يرى أن على الفيلسوف دراسة هذه النزعة نحو الشر عن كثب في محاولة لتفكيكها في ذاته وعند الآخرين وهذا أقصى ما يمكن أن يقوم به الإنسان حسب نظرياته... فعالم الجنس البشري سطحي أي المجتمعات الإنسانية محدودة الرؤية ومصابة بجنون العظمة وعشق الأرقام: ألا ينظر المجتمع إلى السماء من خلال ثقب غصن الخيزران؟ أما الكائن الذي يتبع "الطريق" فهو تلقائي يغير مواقفه طبقاً لأهوائه بحيث لا نستطيع أن نمسك به ليظل ثابتاً خاصة وأنه لا يملك نوايا مسبقة الصنع... ألا يعلم أن الجحيم مرصوف بالنوايا؟ وأن بإمكانه البقاء قابعاً في زاوية النسيان؟ يدرك العاقل أن باستطاعته مواجهة الآخر ليظهر الوجه الحقيقي للفيلسوف "تسو" الذي لا يجيب على أية أسئلة تتعلق بعالم ما وراء الطبيعة لأنه منغمس في رسم مخيلة جديدة تنسجم مع الحقيقة المكتشفة تدريجياً عبر المتغيرات والمستجدات الثقافية... ورغم محاولة البعض تصنيفه في قائمة الفلاسفة "الطاويين" وأحياناً بين أتباع "الكونفوشسية" إلا أن تلامذته اليوم في طليعة مدرسة علم الاجتماع الصينية وأشهرهم: "اكزيا ووتونغ".. وقد تأثر هذا الأخير بـ "مالينو فسكي" وصاحبه "هوشيي" الذي اعتمد نهج البراغماتية الأمريكية.. ألم تطرح أكاديمية العلوم الاجتماعية مؤخراً دراسة حول شرعية الفلسفة الصينية المعاصرة؟! تلك التي تسعى لتطبيع التقاليد "الكونفوشوسية" و"الطاوية" لتتأقلم مع العولمة الثقافية الجديدة؟! فظهور الليبراليين في العشرينيات في القرن الماضي كان وراء الدعوة إلى اعتناق مبادئ الفلاسفة الغربيين إلى جانب مطالبة المحافظين الجدد بإعادة قراءة الكتب الفلسفية الصينية بمنظار جديد في حين تأثر التيار اليساري الجديد بتعاليم "ماوتسي تونغ".. وسرعان ما عرفت الفلسفة الصينية بُعدها الثالث حين نزل الأتنولوجيون "علماء الأعراق والسلالات البشرية إلى الساح للقيام بدور جديد في المجتمع معتمدين على الفلسفة الأنتروبولوجية (علم الأجناس)...‏

طريق "الطاوية"...‏

على غرار السائح الذي يتوجه اليوم إلى "بيجين" وليس "بكين" كذلك يهتم الدارسون اليوم "بالداو" وليس "بالتاو" =نسبة إلى الطاوية.. يقول "هوينان زي" في دائرة معارفه: "فلاسفة الطاوية" ترجمة "شارل لوبلون" عن دار غاليمار "لابلياد" صدر عام 2003: "نحن الآن جنوب الصين في القرن الثاني ق.م أيام حكم سلالة "الهان" حين يحمل "ليوان" لقب الحاكم ولم يتجاوز السابعة من عمره.. إنه طفل يعشق المطالعة والموسيقى والكتابة ولا يهتم مطلقاً بالصيد أو الفروسية على غرار نبلاء... عصره يصبح في الخامسة عشر من عمره أمير مقاطعة "هوينان"... وما أن يتربع على هذا العرش حتى يستقبل العلماء والأدباء الوافدين من أنحاء الصين للتزود بمعارفهم....‏

في الأربعين من عمره يغدو أديباً مرموقاً.. لكن في تلك المرحلة يتوّج ابن شقيقه "ووه" إمبراطوراً ليتم اغتياله بعد فترة وجيزة... خلّف هذا الأمير قصصاً وروايات وكتباً فلسفية تتمحور حول "الواو" أي "الطريق هنا" الذي يحدد مسار كل مستجدات حياة البشر... إنه مبدأ يعتمد على التناوب المعرفي "الين يانغ"... بواسطته نستطيع سبر علوم الفلك والتاريخ والكيمياء والطب والموسيقى والحرب وعوالم النباتات والحيوان والميثيولوجيا لأنها أي تلك المعارف ذات أصداء "غان يينغ"... فالسماء دائرية.. صداها يغطي المعمورة... والأرض مربعة يولد صداها التناسل... أما الحياة والموت فمتساويان لأن أصداءهما واحدة في حين تحدد "الفصول" إيقاع الأزمنة لذلك تظهر أصداؤها في تعاقب الشتاء والربيع والصيف والخريف..."فالداو" مرتفع جداً يقول الفيلسوف الصيني بحيث لا يمكن أن يصل إليه كائن.. وعميق جداً بحيث لا يمكن معرفة قعره.. إنه يحيط بالفراغ والزمن بحيث لا يوجد أي مخلوق خارجه أو داخله... إنه يتصل بالسماء والأرض دون حواجز... ويسهر بدون قلق... وينام دون أن يحلم... عندما تظهر الكائنات يحدد اسم كل منها..." فالقداسة في الطاوية شبيهة بالسماء عندما يبعدها الفيلسوف عنه تقترب منه وعندما يدعوها تقف في منأى... عندما يتأملها يجدها فارغة من المعاني"... ويعلق "هوينانزي" على مبادئ الفيلسوف الصيني قائلاً: "عظماء الأمس يعرفون قيمة طعم الحياة دون أن تتنازعهم الأطماع.. أما اليوم فالناس غارقة في الجشع دون أن تقدّر طعم الحياة"...‏

ـ أعلام روائية و... ـ‏

"ليو أكزينو"... "جي في"... "سوتونغ"... "يوهوا".. "لي أنغ".. "هاجين" "لاوشي"... "شو سينينغ"... "شوتيين وين".. "لوإكزون".. وعشرات من الروائيين والقاصين الذين يرسمون اليوم ملامح هذين الفنين في الأدب الصيني المعاصر... نبدأ بـ "ليواكزينو" الروائي الطليعي في "أدب الندبات" كما يدعونه هناك .. و"ليو" رئيس تحرير مجلة "أدب الشعب"... نشر العام الماضي رائعته "غبار وتعرق" بعد روايتيه "موت لاوتشي" و"سمكة ذات وجه آدمي"... وينطلق الروائي من الواقع ليصف حياة معاصريه كما يقول الأديب... ينقب عن الأحداث المغمورة والتي تناساها المجتمع... ففي روايته "غبار وتعرق" يسلط الضوء على هجرة سكان الأرياف إلى المدن من خلال قصة عدد من الفلاحين الذين حطت بهم أقدامهم في "بكين" ليقعوا في براثن مافيات لا حول لهم أمامها ولا قوة.... وحين يستنجد البطل بأقارب له في المدينة على غرار ما كان يفعل في القرية توصد في وجهه الأبواب... وكان الروائي... "ليو" ـ وهو من مواليد "سيشوان" عام 1942 ـ قد دشن المدرسة غير الشكلية في الأدب الصيني المعاصر لقبت "أدب الندبات" عام 1977.. حملت له قصته "الأستاذ" المجد الأدبي.. وتروي معاناة أحد المثقفين الصينيين خلال الثورة الثقافية... أما "هاجين" فهو ابن ضابط صيني خاض الحرب إلى جانب جيش التحرير... حصل على منحة لدراسة الأدب الإنكليزي في بلاد العم سام.. ثم نشر روايته "المستنقع" مطلع السبعينيات من القرن العشرين... وتدور أحداثها بعيد وفاة "ماو" حين ينتقل البطل "بين" وزوجته "ميلان" من عشهم الزوجي إلى مسكن واسع في حديقة العمال برفقة ابنتهم الصغيرة التي بلغت الثانية من عمرها يمارس "بين" إلى جانب وظيفته في معمل الأسمدة ـ هوايته في التخطيط والرسم مؤمناً أن الفنون الجميلة قادرة على مكافحة الشر... ورغم أن "بيني" شبيه بأبطال "فرانزكافكا" إلا أنه لا يحقق المجد الذي يطمح إليه في حياته.. وفي روايته الثالثة: "جنون الحكيم" لعام 1989 ـ ينزل "هاجين" إلى الشارع الجامعي ليرافق بطله "جيان وانغ" في مسيرته الطلابية... و"وانغ" تلميذ متميز يتوجه يومياً إلى المشفى للسهر على أستاذه البروفسور "يانغ" المثقف العتيد الذي أصيب بشللٍ نصفي... يشعر البطل أن مصيره مرتبط بمصير "يانغ" معلمه.. أليست حبيبته "ميمي" ابنة هذا الأستاذ؟! ما إن صدرت روايته الثانية وعنوانها "الانتظار الطويل" حتى حصد "هاجين" جائزتي "الناشينل بوك" و"الين فولكنر"... وتسلط هذه الرواية الأضواء على تخبط طبيب ناجح يسعى على امتداد سبعة عشر عاماً للحصول على الطلاق من زوجته أولاً والاقتران بممرضة حسناء أصغر سناً من الزوجة القادمة من الريف ثانياً.. لكن مساعيه تبوء بالفشل..‏

وترتحل أعمال كل من: "مويانيغ"... و"لوك سون"... و"شوتين وين".. و"شي لي"... "ويتانغ يوان".. بين الرواية والقصة القصيرة ليشكل هذا التيار مدرسة دعيت بالقصص الروائية المتوسطة الطول... فهاهو "مويانيغ" في مجموعته القصصية الطويلة وعنوانها: "طفل من حديد" يحط مع القارئ في الأرياف حيث عاش الروائي والقاص طفولته ـ مواليد عام 1956 ـ في منطقة تعتبر أجمل بقعة في الريف الصيني وتقع شرق البلاد وتدعى "شانغ دونغ"... ولأن والده يعمل مزارعاً تناولت قصصه الحقل وزراعة الأرز والطواحين الخاصة بالحبوب ـ إلى جانب الفقر المخيم في تلك البقاع قبل نصف قرن من الآن.. وفي سن الحادية عشر يغادر الروائي "مويانيغ" المدرسة ليلتحق بالحقل فيعمل على زراعة الأرز وطحن الحبوب يدوياً وفي حراسة المواشي ورعاية الدواجن.. وهو ما سينقله إلى أعماله لاحقاً.. وحين يلتحق بالجيش يبدأ الشاب "مو" مسيرته الأدبية بنشر مجموعات قصصية وروايات أشهرها "خارطة الكنز" وأحدثها "الأثداء الجميلة"... ويرى النقاد في هذه الأخيرة لوحة فريسكية تصور المقاومة الصينية ضد الغزو الياباني كما تتناول اندلاع ثورة "ماو" والنهضة الكبرى وذلك من خلال حياة أسرة "شانغ وان" وبناتها الثمانية وولدها الوحيد "جنيغ تونغ" المدلل والذي يعشق أثداء النساء.. ففي مسقط رأس "يانيغ" يظل الأطفال يرضعون من أثداء أمهاتهم حتى سن الثامنة.. ولم تتغير تلك العادة الريفية حتى اليوم مما جعل مصير الفتيات مطابق لمصير جداتهن اللواتي عانين من الحرب والجوع والضغوطات العائلية والأمراض وصمدن على غرار الأديب في وجه تلك التحديات... ويعترف "مويانيغ" أن النساء أقوى إرادة وأصلب تصميماً من الرجال في رعاية أفراد أسرهم.. وكانت والدته تردد على مسامع والده حين يشعر باليأس والإحباط نتيجة المحصول السيئ هذا المثل القائل: "ما من نهر يعجز المرء عن اجتيازه"... لأن الطفل "يانيغ" كان شديد الإعجاب بالقصص التي روتها جدته رسم تلك الصور بالكلمات والأحرف في رواياته ليصّدق القارئ على غرار الأديب "أن الديك يستطيع أن يتحول إلى أمير جميل" و"أن الأشجار تتكلم مع الطيور" وأن "البحيرة تشارك في أحاديث الفلاح"... أما "سو تونغ" فيكاد يختص بكتابة الرواية التاريخية وهو صاحب "زوجات ومحظيات" التي ترجمت إلى عشرات اللغات ونقلت إلى الفن السابع قبل بضع سنوات أخرجها "زانغ يمون".. حصدت عدة جوائز سينمائية.. ومن أحدث أعمال "تونغ": "رز"... تدور أحداث هذه الرواية التاريخية في الثلاثينيات من القرن الماضي لتصور صراع الطبقات عشية ثورة "ماوتسي تونغ".. يتعرض بطلها مع أسرته لفيضان يدفعه للهجرة من القرية إلى المدينة حيث تفوق قساوة الإنسان قساوة وجبروت الطبيعة وليولد الصراع من أجل البقاء مشاعر الكراهية والحقد في قلبه.. كذلك تغطي "شي لي" وهي روائية وطبيبة صينية ـ ولدت عام 1957 ـ في روايتها الميلودرامية "أنت النهر" ربع قرن من التاريخ الصيني الحديث.. تدور أحداث "أنت النهر" يبن عامي 1964 ـ 1989 في قرية وهمية من مقاطعة "هوبي" الواقعة على ضفاف النهر الأزرق غرب "شنغهاي".. هنا تعيش الأرملة الشابة "لالا" في حالة فقر مدقع.. و"لالا" أم لسبعة أطفال إلى جانب حملها لطفل ثامن.. ينغمس كل منهم في الحياة السياسية للصين من خلال مشاركتهم في الثورة الثقافية.. يتابع الشبان تعليمهم المجاني بعد أن عانت الأم الأمرين... ترفض "لالا" العمل في أحد المصانع وقد تفرغت لخدمة منازل الأثرياء.. كذلك تمتنع "لالا" عن الاقتران بشقيق زوجها الذي يعرض خدماته عليها بعيد وفاة شقيقه.. وبعد عامين من انطلاقة الثورة الثقافية سنة 1966 يقضي أحد الأولاد نحبه بنتيجة إصابته بمرض عضال في حين تعاني شقيقته من حمل تسعى إلى إجهاضه.. ويتابع "الأبناء" دراستهم الجامعية لتوافي المنية "لالا" إثر بيعها دمها مرات ومرات مقابل حفنة من أكف الأرز لا تكفي لسد رمق هذه الأسرة الكثيرة العدد والهموم... ومن بين الأقلام الشابة التي بدأت تشق طريقها في عالم الرواية الصينية نتوقف عند "تيتان يوان" التي بلغت هذا العام سن العشرين.. وهي شابة متعددة المواهب تكتب الرواية وتمارس الغناء في فرقة ذائعة الصيت تدعى "تريب هوب" إلى جانب احترافها التمثيل.. تقول يوان" في مقابلة مع صحيفة "اللموند": "على غرار العديد من الشبان الذين لا يتجاوزون العشرين أشعر بالقلق والخوف من المستقبل فكل شيء يجري بسرعة في الصين اليوم.. الحياة تتغير بسرعة ولم نعد نعلم ما معنى هذه الحياة وماذا نريد فعلاً؟!.. الأجيال التي سبقتنا كانت تعرف مرشداً لها وإيديولوجيا تسير على هداها"...‏

ومن أحدث رواياتها "غابة من حمار الوحش".. أما زميلتها "غواكزيالو" صاحبة رواية "مدينة حجرية" فلم تبلغ سن الثلاثين. وتتوقف أحداث هذا العمل عند محطات من حياة شابة تدعى "جياينغ" تسترجع ذكريات طفولتها حين كانت تعيش في مرفأ صغير جنوب الصين... لتنتقل الأحداث من ناطحة سحاب في العاصمة "بكين".. الطابق 24 ـ إلى المرفأ القديم حيث يسرد الصيادون قصصاً مدججة بالأساطير سمعتها "جيانيغ" في طفولتها... وتعمل الأديبة "اكزيالو" كذلك كاتبة سيناريو وناقدة سينمائية ومؤلفة لعدد من الأفلام الوثائقية...‏

القصة القصيرة...‏

وعلى صعيد القصة القصيرة نشر "جي في" أستاذ الأدب الصيني في جامعة "بكين" عدة مجموعات قصصية مؤخراً أحدثها: "انطباعات موسم المطر".. ويتناول موضوعها قضايا اجتماعية مرتبطة بحمى الاستهلاك الذي اجتاح الشارع الصيني وبخاصة الطبقة المتوسطة التي اكتشفت كيف يدفع فجور المال الشبيبة للبحث عن المال/ الملك بالوسائل كافة.. ولا يجد لها القاص "في "حلاً سوى بالعودة إلى التراث الصيني...‏

والقاص من مواليد جنوب شرق الصين لعام 1964 أدار ظهره للكتابة التجارية كما ظهر في مجموعته "ندى العصافير" لعام 1996..‏

وأسوة بزميله "في" ينشر "اكزيان ينونغ" رائعته: "فتيان من كريستال" وهي مجموعة قصصية تدور حول مملكة الليل والاتجار بالأطفال وتقديمهم في المواخير كدمى لسواح يبحثون عن المتع الشاذة... ولأن القاص من مواليد "تاي وان" كتب عن مجتمع الأنفاق في تلك الجزيرة المتأمركة والتي تنفث فيها "المافيا" الفساد والعنف والإجرام.. كذلك يعمد "هوهوا" في مجموعته "صرخات الضباب" إلى كشف مشاكل تتعرض لها شريحة من طفولة "هونغ كونغ" و"تاي وان".. وتدور "الصرخات" حول جحيم حياة عائلة الوالد فيها دائم الخصام مع الجد الذي يرى فلذة كبده شبيهاً بالابن الضال إلى جانب كونه "دون جوان" القرية.. يدفع بطفله الصغير إلى أسرة تتبناه.. وتنتهي مغامرة الطفل المراهق حين تصاب والدته بالتبني بالجنون ليسقط هذا الفتى في مستنقع الجريمة... ويعتبر "هي هوهوا" ـ ولد عام 1960 وبدأ النشر في سن مبكرة ـ من الروائيين والقاصين الذين يجمعون بين السخرية والدراما في أعمالهم كما في روايات: "تعال نعيش" وأصبحت فيلماً أخرجه "زانغ يمون"... و"عالم متهالك" و"بائع الدم" ترجم إلى الفرنسية عند دار "آكت سود" الباريسية.. ولأن عالم القصة القصيرة متفاوت على صعيد المدارس الفنية الصينية من الواقعية إلى الخيال العالمي.. تستذكر هذه المقالة أسماء كل من "وانغ مينغ"... و"تي نينغ"... و"شوسيتنغ"... و"لو إكزون".. وسواهم من كتاب القصة المشاهير.. و"وانغ مينغ" من مواليد عام 1934 ازدحمت مسيرته الأدبية بالأحداث السياسية التي قادته من عضوية الحزب الشيوعي الصيني إلى حكومة "بكين" حيث شغل منصب وزير الثقافة... تأتي مجموعته القصصية "ابتسامات الحكيم" التي ترجمت إلى عدة لغات أوروبية لتروي بأسلوب شيق العبر والأمثال والحكم الشعبية التي جمعها الأديب من مناطق متفرقة من الصين.. كذلك الأمر بالنسبة لزميلته "تي نينيغ ـ ولدت في بكين عام 1957 وعملت مع كوادر حركة الشبيبة المتعلمة على محو الأمية في الأرياف... بدأت الكتابة عام 1957 وعملت مع كوادر حركة الشبيبة المتعلمة على محو الأمية في الأرياف... بدأت الكتابة عام 1975 لتضخ في أوردة قصصها القصيرة دماء الفلاحين الصينيين وكفاح المرأة إلى جانب الرجل لبناء الريف والمجتمع الصيني المعاصر.. أما "لو إكزون" فيعتبر والد الأدب الصيني المعاصر ـ ولد عام 1881 وتوفي عام 1936.. تعاد اليوم دراسة قصصه القصيرة مع نشرها وترجمتها إلى اللغتين الفرنسية والألمانية... فهي مرآة المجتمع الصيني منذ مطلع القرن العشرين حتى عشية الحرب العالمية الثانية... أهم عناوينها "يوميات مجنون" و"قصة آه".. وتنتقل أحداثها إلى مدن صينية تعاني من انعكاسات الحرب العالمية الأولى على سكانها عندما كانت تلك المدن تحت سيطرة الاستعمارين البريطاني والفرنسي اللذين روجا للأفيون وتجارة الرقيق في تلك البقاع هذا وينتمي لأسرة "شو" ثلاثة قاصين من "تاي وان" هم: "شو سينيغ"... و"شوتيني وين".. "وشويتين سين".. تزوج القاص والروائي "شو" وهو رجل دين اعتنق المسيحية من أديبة ليحترف كتابة الرواية على طريقة "فيكتور هوغو" صاحب "البؤساء".. ومن أشهر أعماله "الفولاذ المنصهر"... وتسرد قصة هذه الرواية كيفية تنافس أسرتين تسعى كل منهما للحصول على رخصة استخراج ملح المناطق الجبلية عندما تجد إحداهما عرابها ميتاً إثر تعاطيه الأفيون في منزله خلال عاصفة ثلجية.. ويشكل بناء سكة حديد قطار يمر قرب المنقطة حيث تجري الأحداث خلال عام 1949 خلفية هذا العمل الأدبي... وما أن يتوفى الأب "شو" عام 1998 حتى تخلفه ابنته "شوتين هسين" ـ ولدت عام 1958 ـ في كتابة القصة القصيرة.. ومن أبرز مجموعاتها "آخر قطار باتجاه سوي".. وتتخلل تلك القصص هواجس الموت والضياع... أما شقيقتها "شوتيني وين" ـ من مواليد عام 1956 ـ فتعمل على كتابة سيناريوهات أفلام المخرج الصيني المعروف: "هوسيين" ونفذ أفلام: "أزهار شنغهاي".. و"الدمى المتحركة"و... وتقع أحداث قصصها في عالم حكماء الصين وفلاسفتها على غرار "بوذا"... و"مدينة الصيف الملتهب".. ويخضع بطل هذه القصة لرغبات أسرة سلطوية تدفعه لفسخ خطوبته والزواج من امرأة ثرية تملك نادياًٍ للعراة تبتزه معنوياً وجسدياً... أما قصة "شوتين وين" وعنوانها: "الجنة" فتسلط الأضواء على فضيحة انتحار ممثلة تلفزيونية معروفة في "تاي وان" اللاهية تخفي جريمة بشعة سرعان ما تكشفها إحدى الصحف المحلية الناطقة بالصينية.. فإذا أصابع الاتهام تتوجه إلى رجل سياسة متزوج أقام علاقة مع حسناء الشاشة الصغيرة الدائمة الخلاف مع والدتها المصابة بالشيزوفرينيا... ولتختتم القاصة هذه المأساة بأغنية كانت ترددها الفنانة المغدورة يقول مطلعها: "أحببت الناس لكن لم يبادلني أحد هذه المشاعر"!!‏

المراجع :‏

ـ لموند الكتب آذار 2004 ـ ‏2005‏‏‏

ـ الماغازين الأدبي الرقم 429‏

ـ النوفيل أوبزرفاتور 2004 ـ 2005‏

ـ الفيغارو الأدبي آذار 2004‏

ـ "معجم أدباء العالم"... دار "بوكان" الفرنسية...‏

(1) من الصحف الفرنسية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244