|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لقاء صحفي مع الروائي الأرمني وليم سارويان (1908 ـ 1981) ـــ بقلم: زوري بالايان ـ ت.نبيل المجلي من هو وليم سارويان WILLIAM SAROYAN؟ ـ ولد في مدينة (فريسنو) Fresno بولاية كاليفورنيا عام 1908 ـ هاجر أبواه من أرمينيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبيل ميلاده بفترة قصيرة. ـ توفي أبوه وهو في الثانية من عمره فألحق بمؤسسة للأيتام، مكث فيها خمس سنوات. ـ اضطرت أمه للعمل كي تدبر نفقات معيشته هو وأخوته. ـ ألحق بالمدرسة حتى سن الخامسة عشرة. ـ مارس في صباه مهناً عديدة كبيع الصحف وجني العنب ثم عين موزعاً للبرقيات.. أغرم بالقراءة منذ الصغر، وثقف نفسه بنفسه، مما هيّأ له العمل في الصحافة فيما بعد. ـ صدرت أول مجموعة قصصية له عام 1934: (الفتى الجريء على الأرجوحة الطائرة.) * من مؤلفاته القصصية: ـ الأطفال الصغار (1937). ـ يا حب.. هاك قبعتي (1938). ـ السلام.. شيء رائع (1938). ـ اسمي آرام (1939). * من مؤلفاته المسرحية: ـ قلبي في الأراضي المرتفعة (1939). ـ الناس الحلوين (1941). ـ رازل دازل (1941). * من مؤلفاته الروائية: ـ الملهاة الإنسانية (1943). ـ مغامرات ويلزي جاكسون (1946). ـ روك وإجرام (1950). ـ أمي.. أحبك (1956). ـ أبي.. أنت أحمق (1957). ـ هنا يأتي، هنا يذهب، وأنت تعرف من يكون (1961). ـ منح جائزة (بوليتزر) عن مسرحية (أيام حياتك) ضمن مجموعة المسرحيات (قلبي في الأراضي المرتفعة). لكنه رفض استلام الجائزة لأنه يكتب من أجل الفن والإنسان لا من أجل أي اعتبار آخر. ـ توفي عام 1981. تحت عنوان "حوارات من أجل قوة السوفييت..." نشرت مجلة الأدب السوفيتي "Soviet Literature" في عددها الصادر في الشهر 12 من عام 1977 مقابلة مع الروائي الأرمني الأصل والذي ولد وعاش جل حياته في الولايات المتحدة الأمريكية وتوفي فيها، أجريت خلال إحدى زياراته لأرمينية. أجرى المقابلة زوري بالايان ZORI BALAYAN وفيما يلي نص المقابلة القيمة: بالايان: أيها المعلم، زرتم الاتحاد السوفيتي لأول مرة في 1935. ورحلتكم التالية إلى هذا البلد جاءت بعد ربع قرن. وهاأنتم مرة أخرى. إن الفترات الزمنية التي تفصل بين كلّّ زيارة من زياراتكم عن الأخرى كانت طويلة فعلاً. أود بالتالي أن أسألكم السؤال التقليدي: ما هي التبدلات التي لاحظتموها؟ سارويان: أود بادئ ذي بدء أن أقول إنني لاحظت أيضاً تبدلات في نفسي. ولست أخشى أن أتهم ثانية، كما جرى من قبل، بكوني ذاتياً زيادة عن الحد أو بكوني أنزع إلى رسم الذات. لأنه في مثل هذه اللحظات تحدث التبدلات داخل المرء. فكر فقط في ذلك: لقد جئت أول مرة إلى أرمينيا حين كنت في السابعة والعشرين من العمر. في المرة الثانية كنت في الـ 52، والآن أنا في الـ 68. رجل عجوز إنَّها تماماً مثل اللوحة الذّاتيّة الفلسفية الشهيرة التي لا تنسى لساريان ـ أعمار الفنان الثلاثة على لوحة واحدة. إنَّها من كلّّ النواحي لوحة لثلاثة أشخاص مختلفين. لكن توجد بالنسبة لوليم سارويان في كلّّ رحلة من الرحلات الثلاث عامل رابط: الانفعال المفرح الذي شعرت به حين وضعت قدمي فوق ترابي الأرمني. عموماً، يصعب التعامل مع التبدلات باختصار. أستطيع أن أقول فقط إنني وجدت في رحلتي الأولى أن الأدب الأرمني مجسد في تشارينتس، وإساكيان، وديميرتشيان، وفي الثانية ـ بماري، وكوتشار، وزاريان، والآن قَدْ أستلم للتو جيل شاب. هناك شعور بالتعاقب. وهذا ليس فقط في حالة الكتاب. فلقد حدثت اليوم مثلاً، أن لدى أحد بنائي الحجارة بالوراثة والذي يبلغ الستين من العمر، وهو صانع الألواح الحجرية المنحوتة المذهلة خاتشكار، ثلاثة أبناء يعملون معه. إن تقاليد معلمي نحت الحجارة الأرمن يجري الحفاظ عليها. أجل أنا أرى، وأراقب، وأحس بالتبدلات. قبل واحد وأربعين عاماً مضت رأيت للمرة الأولى ليس يريفان فقط بل وموسكو، أيضاً. في هذه الرحلة أيضاً أتيت إلى هنا عبر موسكو وصدمت بحقيقة أن الكثير قَدْ تغير في هاتين المدينتين. فكلتاهما نمت بصورة هائلة وأصبحت أنيقة في نفس الوقت. بالايان: قابلتم مارتيروس ساريان الذي حفلت لوحاته، مثل كتبكم بالضوء والأحلام، أكثر من مرة. رسم ساريان صورة لكم... سارويان: ساريان حي مع رسومه في ذاكرتي. كنت أنظر إليه وأفكر: كم هو مدهش أنه في الثمانين من العمر! كنت مسروراً أنه في هذه السن الوقور مفعم بالحياة ويمتلك ذهناً صافياً ويداً ثابتة. جعلني هذا آمل أنه يمكنني أن أكون أنا أيضاً قادراً على الاستمرار في العمل لوقت طويل. إنه من الصعب الحديث عن فنان. بالأمس زرت المتحف المنزلي للمعلم وكنت طوال الوقت الذي بقيته هناك أجد نفسي بحاجة لأن أفعل شيئاً واحداً فقط ـ أن أبقى ساكناً. لأنني، كما تعلم، لا أعمل في اللوحات بل هي التي تعمل فيّ. وللإيجاز، إنه ذات الشيء القديم الذي كان نقادي يوبخونني من أجله دائماً. بالايان: ما يسمى بذاتيتك؟ هل تعتبر ذلك منصفاً؟ سارويان: إن نقادي باتهامهم لي بهذا، لا يخامرهم الشك أبداً أنهم كانوا، عامدين أو صدفة، يصفونني بدقة أنني كاتب الرواية في الاعتبار الأخير، هي الروائي والقصة هي القاص. نحن نتعرف إلى الكاتب لا من خلال أسلوبه وحسب وإنما من خلال عمق مشاعر المؤلف كشخص، وكفرد. أنا، مثلاً، لن أصدق أبداً أن كلّّ الضيق النفسي الموجع الذي نراه في أبطال دوستوييفسكي يمكن أن يكون قَدْ ابتدع أثناء جلسة المرء على مقعد، كما يقال. مرة لفت نظري عنوان: ربما كان حكاية معاناتي أو ربما قصة ما مررت به. شعرت أن على المرء ألا يعطي لكتاباته مثل تلك العناوين لأن الكتاب يكتبون دائماً عما عانوه أو مروا به. لهذا أنا لا أقبل تعبير "ذاتية". إن حياة همنغواي الشخصية كلها موجودة في كتبه. أنا أحب وأقدر توماس وولف كثيراً وأذكر أنني ابتهجت، حين اتهم هو أيضاً بنفس الكلمة سيئة السمعة. بالايان: حدثتني، يا معلم، أنك وثني بطبيعتك، وأن لديك كثيراً من الآلهة التي تحميك حينما تكتب. سمّ لنا بعضها من فضلك. سارويان: الصدق، والإخلاص، والسخرية... بالايان: منحتم جائزة نقاد نيويورك على كتابكم "وقت حياتك". ما هو موقفكم من النقد هذه الأيام؟ سارويان: أنا شخصياً، لا أستطيع فقط أن أعمل بدون النقد، وإنما أستطيع أن أقوم بهذا بسعادة فعلاً. أظن أن الأدب أيضاً بمعنى محدد، يستطيع أن يحيا بدونه، الأمر الذي لا يمكن أن يقال عن النقد بما أنه لا يمكن أن يوجد من غير الأدب سابقاً في الماضي البعيد حين كانت الإلياذة والأوديسة تكتبان، لم يكن هناك نقد رسمي ولم يكن ثمة مشكلة: ولا أظن أن هوميروس أصيب بالعمى في شيخوخته لهذا السبب. فيما يتعلق بي، يجب أن أعترف أنني أحب أن أمدح لكنني لا أنزعج كثيراً جداً حين أطرق بالمطارق. في هذه المسألة كما في كثير من المسائل، أشعر بقرب لا نهائي وتعاطف مع تشيخوف العظيم الذي تعلمت منه ـ كيف أصوغ هذا؟ ـ ربما الثقافة. كان يعتقد أن على المرء ألا يستجيب للنقد. ذاك مبدأ مدهش. ليس كلّّ شخص لديه الشجاعة الكافية وعزة النفس لأن لا يستجيب للنقد. إذا تدبرت هذا، فإن الناقد إما مصيب وإما مخطئ. إذا كان مصيباً، فمن الحماقة أن ترد عليه وإذا كان مخطئاً، عندها لا معنى لأن تشتبك معه لأنه في ذلك الحدث لا بد أن يكون إما أحمق أو غير شريف. شعور، مع ذلك، يحفزني لأن أقول إن النقد جنس أدبي مستقل. أو على الأقل، أنا أرى، أنه هكذا يجب أن يكون. بالايان: من هم الكتاب الروس والسوفييت الآخرون، فضلاً عن تشيخوف، الذين تشعر أنك، كما قلت، قريب منهم ومتعاطف معهم؟ ساوريان: فضلاً عن تشيخوف؟ حسن، تشيخوف يأتي في المقام الأول. لقد رافقني خلال حياتي. وحتى هذا اليوم كثيراً ما أقرؤه. كلّّ ما عنده يثير حسدي ـ بالمعنى الجيد للكلمة... إن له روحاً رقيقة، وغنائية مرهفة، وإخلاصاً صافياً. حتى عناد تشيخوف وشجاعته رائعان. في مقدمة مختارات من أعمالي، وضعت قائمة الكتاب الذين أثروا فيّ. بينهم تشيخوف، وتولستوي وغوركي. هذه القائمة، على أي حال، يمكن أن تتابع. أنا لا أعيد فقط قراءة تشيخوف وتولستوي؛ كلّّ عام تقريباً أجد أنه من الضروري أن أقرأ المعطف لغوغول. غير ناس دوستويفسكي وتورغينيف. من الكتاب المعاصرين، أستطيع أن أسمي شولوخوف، وسيمينوف، وإهرنبورغ، وفآغن دافتيان. لقد ذكرت للتوّ غوغول وما حدث لي أنني في هذا اليوم بالذات كنت أفكر فيه. هذا الصباح وقبل الشروع، وجدت حوالي 20 إنساناً في غرفتي في الفندق... كلهم، أناس طيبون، ولطيفون، حضروا ليحيوا ابن بلدهم. مراقباً وجوههم، للحظة أو نحو ذلك تذكرت لا إرادياً غوغول. أنا دائم الذهول من مقدرته على وصف أناس متنوعين، ورسم لوحات متنوعة، وشخصيات متنوعة. وكل ذلك بضربة أو ثلاث ضربات دقيقة من ريشته. وهناك أمامي كانت كلّّ هذه الوجوه المختلفة، كلها فريدة، بعضها ذو مظهر جيد وبعضها ليس كذلك. وعلى الرغم من حقيقة أنها لم تكن لحظة مناسبة، لنقل بصراحة، ورغم الضجة، والصخب، والضحك، والدعابات، أردت فجأة أن ألتفت إلى تصنيف هذه الوجوه. بالايان: أعتذر لمقاطعتك لكن هذا الصباح كان في غرفتك في الفندق كثير من الضجيج والصخب. وكنت أنت أكثر أولئك الموجودين مرحاً. متى إذن وجدت الوقت لـ "تصنيف" وجوه ضيوفك؟... سارويان: ذاك عملي. لنقل هذا بطريقة مختلفة: عن هذا الأمر كان كلّّ عملي. أنا لا أصبح كاتباً بمجرد أن أجلس إلى آلتي الكاتبة. إن النقر على الآلة الكاتبة هو جزء واحد من عمل المرء، هو جزء من العملية. لا يستطيع الكاتب أن يجلس على مقعده ما لم يكن مشحوناًَ، وممتلئاً بانطباعات وخيالات جديدة وطازجة دائماً. بالايان: هل تحب الشعر؟ سارويان: قَدْ سئلت ذات السؤال من قبل غرانت ماتيفوسيان. طرحه وبدأ في الحال الإجابة عليه نيابة عني. قال إنني شاعر يكتب النثر. أدرك أن ما يلمح إليه هو غنائية معينة في كتاباتي. على أي حال أنا أكتب الشعر أيضاً. فقد بدأت مهنة الكتابة بالشعر. ومازلت أكتب قصيدة المناسبة. لكنني لا أنشرها أبداً. ليفعل ذلك من أجلي بعد موتي. أفترض، أن سبب كتابتي للقصائد، هو أنني أحتاجها. وربما أحتاجها لكي أشعر بقوة "الكلمة الصحيحة"، وقوة الإيجاز، وازدراء الدوران الطويل، وطبعاً، لكي "أحس" بالمجاز. باعتقادي، إن الصور واللغة المجازية هي التي تميز، في نهاية المطاف، الشاعر من غيره والفنان من الحرفي. وجلّ الأمر أن شخصاً لا يكتب أبداً أيّ شعر يستطيع أن يكون شاعراً وفناناً. خذ مثلاً، غريغور غورزاديان. الذي أخبرت أنه بنى جهازاً وضع في الفضاء. كنت سأشعر أنني غُبنت لو لم أحظ بمقابلة غورزاديان. ليس واضحاً بالنسبة لي ما الذي يعمله. رأيت بعض ترجمات لمقالاته على مقعده: قرأت العناوين ولم أستطع أن أفهم شيئاً. إن موضوع بحثي هو الروح البشرية في حين يدرس هو الفضاء الخارجي والنجوم. يمكنه أن يمضي مئة سنة وهو يشرح لي، ماذا يعمل وسأظل غير قادر على أن أفهمه. لكنه بدأ فجأة يستخدم اللغة المجازية. وفهمت أن طاقتنا على تطبيق ملاحظاتنا للمجرّة من الأرض قَدْ استنفدت. ما أنجزناه أننا الآن نملك في أيدينا قطعة من ذيل حيوان ضخم ومجهول ومن خلال هذه القطعة نحاول أو نستجمع انطباعاً عن الحيوان ذاته. تزداد بإخراج العالم لتلسكوبه إلى الفضاء، قدرته على المراقبة مرات عديدة أكثر. وكم تكلم غريغور بروعة عن نجومه! كم كانت عيناه تشعّان! تكلم ولم أستطع أن أفهم شيئاً. تحدث عن حياة وموت النجوم ـ ومرة ثانية لم أفهم شيئاً. أنا أعرف فقط حياة وموت الناس، والأشجار، والبحيرات. وبدأ، كما لو أنه يقرأ أفكاري، يتكلم عن شجرة التفاح. لن أنسى في حياتي شجرة غورزاديان. وأستطيع أن أرى شجرة تفاح حقيقية، حقيقية بشكل تام تنمو هناك في الفضاء. تكلم هذا الرجل اللطيف الذي أغرمت به كثيراً عن كيفية امتلاكنا لأفكار مختلفة عن النجوم لا لأنها مختلفة كثيراً بعضها عن بعض وإنما لأننا نراها في أزمنة مختلفة من حيواتها. وملاحظاً بوضوح أنني أجهد ثانية وأعاني من غلظة فهمي، قال إن علي أن أتخيل أننا ننظر إلى شجرة في الشتاء. إنَّها جافة كما لو كانت ميتة. في الربيع هي، مع ذلك، شيء آخر تماماً: تبدو بطريقة ما وكأنها تغني وهي مغطاة بسحابة من الأزهار القرنفلية والبيضاء. وهي مع ذلك شجرة أخرى في آخر الصيف أو بداية الخريف. ثمة الآن شيء له علاقة بالكتاب المقدس بالنسبة لها تتدلى الفاكهة منها مثل دمى تتدلى من شجرة عيد الميلاد. طبعاً، لو أن شخصاً رأى شجرات التفاح المختلفة كثيراً هذه في نفس الوقت، فإنه لن يظن أنها واحدة وأنها ذات الشجرة. شجرات تفاح ونجوم... أمر رائع! إنَّها ببساطة معجزة وشيء يجب أن أكتب عنه. أنا شخص بعيد ليس فقط عن السياسة وإنما عن العلم أيضاً. ومع ذلك أحيي العلماء وخصوصاً أولئك الذين هم في أرواحهم شعراء. إذا كان العالم شاعراً في روحه، فإن هذا يعني أنه سيبدع الجيد فقط. من حسن حظنا، أن غورزاديان فنان علاوة على ذلك. حين أستخدم هذه الكلمة أستدعي دائماً ميناس أفاتيسيان. إنه فنان عظيم. وإصراره على مغادرتنا مبكراً هكذا هو مأساة كبيرة للفن الحديث. ميناس شاعر أيضاً. أنا أحب الشعراء، أحب الشعر. بالايان: هل عندك أي نوع من الشعارات؟ سارويان: لا أظن ذلك، لا. أفضل أن أقول إن لدي مبدأ أجهر به في نفسي: "لا تجعل نفسك تابعاً لأحد ولا تجعل أحداً تابعاً لك أيضاً." بالايان: أنت مسافر بالفطرة. لا تستطيع أن تجلس ساكناً. أخبرت أنك ذات مرة اعتبرت الدراجة الهوائية أفضل وسيلة للانتقال من مكان إلى مكان آخر: يستطيع المرء أن يحظى برؤية جيدة لما حوله. من الواضح أن السفر يؤدي إلى ملاحظات، وانطباعات، ومعارف جدد، وبكلمة واحدة، إلى كلّّ ما يحتاجه الكاتب. والسفر الذي لا ينتهي، هو على أي حال، يتطلب لياقة بدنية، وهو مرتبط بالرياضة. لذا أود أن أسألك، ما هو موقفك من الرياضة؟ سارويان: إن عالم الرياضة مادة مدهشة للكاتب. في هذا المجال يستطيع المرء أن يغبط جاك لندن وهمنغواي. من الروس يجب أن أذكر كوبرين. الرياضة شباب. والشباب لا يستطيعون العيش بلا أبطال. وحين ينظر الشاب إلى بطله، فإنه يناضل ليحسّن نفسه: وهذا هام. أنا بالذات لم انخرط أبداً في أي نوع من الرياضة. رياضتي المفضلة هي السفر. أول شيء فعلته حالما حصلت على مال كاف أدخره، أن أقوم برحلة إلى العالم القديم. كان هذا بعد طبع مجموعتي القصصية الفتى الجريء على الأرجوحة الطائرة في الولايات المتحدة. حالما دفع لي، عبرت المحيط وقدمت إلى أرمينيا. وقتها قابلت وتصادقت مع يغيشة تشارينتس. كنت فخوراً ليس فقط لأنني ابن بلده بل لأنني كنت كاتباً تماماً مثله. أتذكر حينئذ، قال لي تشارينتس: "أنت تكتب بالإنجليزية، لكنك مع ذلك كاتب أرمني. وكان، طبعاً، محقاً على طريقته. فيما بعد كتب شخصياً أن كلّّ ما أفعله ينهض على ثلاثة أحجار أساس هي: اللغة الإنجليزية، والتراب الأمريكي، والروح الأرمينية. بالايان: ما الذي تكرهه أكثر من غيره؟ وما الذي تحتقره؟ سارويان: الجبن. الغدر. دعاية الحرب والعنف. إن مما يدعو للأسف أحياناً أن أناساً موهوبين أيضاً، إما بسبب قصر النظر أو لأنهم منتشون بالنجاح والشهرة، يسمحون لأسمائهم أن تستغل، غير مدركين، ربما، أن هذا يؤدي إلى النكبة. إن الحروب لا تبدأ صدفة، إنَّها لا تبدأ بصورة مباغتة كلياً. تبدأ الحروب قليلاً قليلاً حين يجيز الناس لأنفسهم الجبن والغدر، ورغبة في التلاعب بالمثل والمبادئ ويذعن الآخرون لهذا. بالايان: ما الذي تعتقده فيما يتعلق بروح هيلسينكي، "الانفراج"؟ ساوريان: أعتقد أن اتفاقيات هيلسينكي والانفراج كلاهما رائع. إن صون السلام والتفكير بمستقبل كوكبنا هما في المحصلة ما يدعو إليه الفنان الحق أيضاً. هنا الشيء الكثير يعتمد علينا، أنا لست سياسياً، ولا رجل دين لكنني أبشر بالطيبة والصدق. ومن التبشير أستطيع أن أنتقل إلى الدعاية الفاعلة. وأعتقد الآن أنني سأقوم بدعاية لأرمينية السوفيتية. أقول "سوفيتية" لأنني رأيت، إذا جاز لي التعبير، عدة "أرمينيات" في العالم ـ مستعمرات أرمينية في دول مختلفة. وحتى بلدي الأم فريسنو (كاليفورنيا)، يمكن أن يعتبر نوعاً من أرمينية ـ كان هذا صحيحاً بصورة خاصة في بداية القرن. أنا أقول كلّّ هذا لأبين أنني حظيت بالفرصة لكي أقارن. وأنا أقول إن أرمينية السوفيتية هي، في نظري، واحدة من أفضل البراهين لصالح الاتحاد السوفيتي. أنا أعرف كيف كانت أرمينيا ذات مرة؛ رأيتها بعينيّ قبل نصف قرن تقريباً مضى وأراها اليوم. أنا مقتنع بعمق أن إنساناً فخوراً فقط، إنساناً حراً، إنساناً ممتلئاً بالإحساس بكرامته ـ وأود أن أضيف، بالكرامة القومية ـ استطاع أن يرفع نصباً رائعة في أرضه لكل كتابه الكلاسيكيين تقريباً. قيض لي أن أرى نصباً لضحايا الإبادة الأرمن وتوقفت لأفكر بامتنان للشعب الروسي الذي أنقذ الأرمن من الذبح عن بكرة أبيهم. بعد كلّّ هذا، أنا أيضاً، ضحية من ضحايا الإبادة. أنا ولدت فوق تراب أجنبي. بالايان: يا معلم، أنتم كتبتم ما ينوف عن 2000 قصة، ناهيك عن العدد الكبير من الروايات والمسرحيات... ساوريان: بما أننا اتفقنا على أن هذه ليست ببساطة حديثاً في سيارة بينما هي ترجّ بمرح على طريق غارني وإنما هي مقابلة حقيقية، هذا يعني أنك ستسألني الآن ما الذي أعمله وما هي الخطط المستقبلية عندي. لن أخبرك. ليس لأن الأمر سر ولا لأنه أمر خرافي. الأمر ببساطة، أنني أعمل دائماً، أكتب دائماً. فأنا كاتب. أنا أكتب عن الناس. ولكي أخبرك ماذا أعمل الآن، فإن علي أن أعطيك موجزاً عن الحبكة. وما الحبكة إلا حكاية. أنا أفضل أن يعلم قراؤك أن وليم سارويان في نهار ضبابي جميل انطلق خصيصاً ليشاهد مكان عبادة وثني. سيفهم كلّّ شخص أن المرء لا يستطيع أن يزور أرمينيا دون أن يذهب ليرى غارني. أنا في الواقع رأيت غارني من قبل. في الطريق من لينينغراد إلى يريفان، أراني رازميك دافويان وليفون مكرتشيان صورة لغارني في البرافدا بصورة طارئة، دعني أضيف شيئاً لما قلته تواً. إن استعادة هذا المعبد الوثني القديم، هذا الصرح الذي لا يقدر بثمن للثقافة العالمية، لهو أيضاً برهان على قوة السوفييت. بالايان: كوننا ذكرنا بعض الأجناس التي تعمل عليها أردت أن أسألكم بعدئذ ما الذي تقولونه في السينما والتلفزيون بما أن هاتين الوسيلتين الجماهيريتين تتنافسان بنجاح مع الأدب؟ سارويان: أنا أحب السينما. اعتدت أن أفعل الكثير من أجلها. ثم ولوقت فضلت أن أنقطع عنها. فيما يتعلق بالتلفزيون، فذاك سؤال أكثر تعقيداً. فأنا، مثلاً، ليس عندي تلفزيون في البيت. التلفزيون طبعاً هو أقوى منافس للأدب. لكن له بعض المنافع. فبعض الكتاب الذين لا موهبة لديهم، ومهووسو النسخ الذين لولاه لانتزعوا طريقهم بنجاح إلى الأدب، وجدوا ملجأً تحت سقف التلفزيون. في نفس الوقت عدد كبير من المجلات والصحف أفلست في حين أن حجم طبعات الكتب تدنى وارتفعت أسعارها. يكلف الكتاب اليوم حتى 10 دولارات. حتى أنني أجد نفسي أحياناً غير قادر على شراء كتاب. في هذا المجال أنتم، هنا، مجانين تماماً: أكثر كتبكم، كما رأيت بنفسي، تكلف أقل من روبل.... شخصياً أحب أن أطبع في الصحف. والعديد من قصصي رأت نور النهار في الصحف. هذا يجمع فضيلتي الطبعات الكبيرة مع قدرة الوصول إلى عدد كبير من الناس فوراً. تقرأ الصحف عادة كلها في المحاولة الأولى، دون أن تضعها جانباً ـ خلافاً للكتب. لا أظن أن التلفزيون سيخلق صعوبات جدية للكلمة المطبوعة. "في البدء كانت الكلمة" ـ وهذا لن يتغير. إن أولئك الذين يعتقدون أن الناس يقرؤون أقل في هذه الأيام مخطئون. وعلى المرء أن يخشى لا من التلفزيون وإنما من الوسطية في الجودة، والسوقية، ونقص الموهبة. يبدو لي أن اختصاصيي المستقبل المعاصرين يضيعون وقتهم في بحث مسألة مكان الأدب والتلفزيون في المستقبل. لا شيء ـ لا الآن ولا بعد ألف عام ـ سيحل محل معطف غوغول بالنسبة لي. بالايان: ماذا تقول بشأن الشعبية الواسعة لما يسمى أدب الإمتاع الجماهيري في الغرب؟ سارويان: إن عبارة "أدب امتاع" ذاتها فيها شيء غير طبيعي. الأدب ليس كرة قدم أو مصارعة أمريكية. سألتني مرة الشاعرة الرائعة، سيلفا كابوتيكيان، من هي النماذج الأصلية لقصتي ومسرحيتي قلبي في الأراضي المرتفعة. سميت كلّّ الشخصيات، متضمنة النساء، وأضفت أنني كنت النموذج الأصلي لهم جميعاً. أي نوع من الإمتاع حين يحيا الكاتب أولاً حيوات أبطاله ومن ثمّ يبلغ هذه الحياة المركبة لقرائه! تتكون المهمة الأسمى للكاتب ليس من قدومه بذاته إلى أبواب جماجم قرائه وإنما من جعلهم جميعاً يدخلون حياته، وبيته، وقلبه. أي نوع من الإمتاع هو ذاك! الأدب الحقيقي وحده من يستطيع أن يبشر بالطيبة والإنسانية. دوستويفسكي، مثلاً. بالايان: هل تعتبر نفسك كاتباً ذا شعبية؟ سارويان: هناك من هم أكثر شعبية، وحولهم يصنع ضجيج أكبر. لكنني شخصياً أحب نوعية شعبيتي. إنَّها هادئة تماماً، والناس يستقبلونني لا بنشوة مَرَضيّة وإنما بابتسامة. بالايان: هل ترتبط رحلتكم الحالية في أرجاء أرمينية بأي أهداف ملموسة في عملكم؟ سارويان: أجل. بكتاب. ولقد باشرت به للتو. بالايان: كان في إحدى مجلاتنا الأدبية قسم يدعى "كيف تكتب؟" ماذا كنت ستجيب على سؤال كذلك؟ سارويان: لا أعرف. يمكن للمرء أن يسأل خبازاً، مثلاً، "كيف تخبز الخبز؟". وإذا سألت، هل تعتقد حقاً أنه سيكون قادراً أن يشرح لك كيف يخبز الخبز؟ أنا لا أعرف كيف أكتب. أنا أستطيع أن أقول شيئاً واحداً: أنا أكتب كلّّ يوم. لا أكون أبداً ولا في أي مكان دون آلتي الكاتبة. كلّّ يوم ـ هذا هام كثيراً. لأنك إن كتبت كلّّ يوم، فلا يمكن إلا أن تقول شيئاً واحداً ذا قيمة مرة في السنة على الأقل. بالايان: ليس من الأدب أن نذكر ضيوفنا بتاريخ مغادرتهم. أود بالتالي أن أسألكم متى تنوون أن تأتوا إلى الاتحاد السوفيتي مرة أخرى؟ سارويان: أنا لست ضيفاً على الإطلاق هنا. في كلّّ مرة آتي فيها إلى هنا، فإلى بلدي، وإلى أبناء بلدي. ربما آتي خلال سنة. بالايان: خلال سنة ستكونون في السبعين.... سارويان: خلال سنة، ستكون السنة المئة والخمسون منذ انضمت أرمينية الشرقية إلى روسية. أحب أن احتفل بهذا اليوم العظيم مع أبناء بلدي. لست أعمى وأستطيع أن أرى إلام صار وطني. أعرف كيف كان ذات مرة. ولد وليم سارويان على أرض أجنبية. أريد للناس أن يولدوا على أرض أجدادهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |