مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 123 صيف 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الرسام فاروجان أرتونيان ـــ بقلم: كابرييل تاكفوريان ـ ت.د.هاروتيون قهوجيان

الفصل الأول المعنون ( الحيّة في الجنّة) من القسم الأول والفصل الثاني المعنون (محاولات النهوض من جديد- معرض فريد من نوعه ) من القسم الثاني من رواية عن حياة الأرمن في المهجر تحمل عنوان ( الحارس خلف الستارة ) للكاتب الأرمنيّ كابرييل تاكفوريان والحائزة على الجائزة الأدبيّة الأولى لجمعيّة زافاريان، طبع في مطبعة أريفيلك في حلب عام 1956 ضمن السلسلة رقم 28 لجريدة أريفيلك اليومية.‏

(الحيّة في الجنّة)‏

كان غروب خريفيّ رائع يرخي سدوله ببطء على أرض فسيحة،تتنفس هواء البحر النقيّ في ضاحية كليوباترا،إحدى ضواحي مدينة الإسكندريّة. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر تشرين الأول من عام 1924.خففت سّيارة أنيقة من سرعتها وتوقفت فجأة أمام فيلا جميلة، محاطة بالبساتين الخضراء، معزولة نوعا ً ما وتستند بجلاء على مرتفع.‏

خرج من السيّارة على عجل رجل قويّ البنية تبدو عليه علامات الغنى والهيبة. إنّه آرام أرتونيان، هكذا كانوا يسمّونه وبكلمات فيها نبرة الإنسان، الذي سعد بتحقيق أمنيته التي طالما حلم بها توجّه إلى الصبيّ الذي قفز بعده خارجا ًمن السّيارة كالسنجاب فقال:‏

ـ" فاروجان! هذا هو بيتنا" قالها وهو يشير إلى ذلك البناء الفخم المحتجب خلف الأغصان الخضراء الكثيفة. كانت لكلمة "بيتنا"، ذات المعنى والنبرة اللطيفة وقع على فاروجان الذي أحسّ بشعور وكأنّه أعطي الحقّ في أن يكون أحد أفراد ذلك البيت الرائع.‏

ارتسمت على وجه الصبيّ ابتسامة الفرح وأشعّت عيناه كبحيرة ينعكس عليها ضوء القمر طاردا ً للحظة شعوره بالتعجّب، الذي يخالج الصبيان غير المتعوّدين أمام وضع جديد يفيض بالأمل. قال في نفسه وهو ينظر حوله دون أن يشبع:‏

ـ طبعا ً،أب أو عمّ، أليس كلاهما نفس الشيء ؟".‏

حقا ً، كان المنظر خلابا. ً كانت الأرض تبتسم بالطرز العديدة للأبنية وبأنواع الأشجار الخضراء وخاصة أشجار النخيل الباسقة المنتشرة، وقد تبجّحت باللون الذهبيّ للخريف الذي حلّ باكراً.‏

عندما فتح الباب الحديديّ الكبير من قبل الخادم ودخلا معا ً، قبّل آرام ابن أخيه البالغ 9ـ10 سنوات بحرارة وأضاف بفرح رافعا ً يده بحركة تؤكد كلامه:‏

ـ يا بنيّ الحبيب من الآن فصاعدا ً، ستنسى أيّام التهجير المؤلمة وتعيش حياة جديدة وفرحة. لقد أوصيت الخادم أن يجهّز لك غرفة في الطابق الثاني تتوفر فيها كافة اللوازم".‏

ولكن بدلا ً من صعود الدرج رغب الصبيّ في التوجّه نحو الحديقة المليئة بالزهور، فقد جذبه منظر الجنّة تلك، حينها ناداه عمه قائلاً:‏

ـ "فاروجان! ألن تأتي لتتعرف على أمّك الجديدة ؟".‏

رغم انبهاره بمنظر الحديقة، إلا أنّ الصبيّ فهم ما يقصده عمّه، فصعد الدرج بسرعة ورأى السّيدة على أريكة متكئة في هيبتها. اقترب الصبيّ في خوف وسلم عليها خجلا ً.‏

ـ"هذا هو ابن أخي..." قال آرام.‏

على هذا الشكل من التعريف فحصت السيدّة الضيف في فتور من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، ثم تنهّدت:‏

=" آه ! كم يشبهك...!"‏

ردّ آرام بابتسامة الرضى على هذا الدلال في التشبيه.‏

="ما اسمك...؟.‏

ـ فاروجان...".‏

="فارو..جان "ردّدت السّيدة جانيت وهي تهجئ كلّّ مقطع في اسمه." يا لـه من اسم موسيقي...! هل تلك الكلمة أرمنيّة ؟".‏

ـ "ليست أرمنية وحسب بل اتخذت الآن معنىً شاعريّا ً إنّه اسم أحد كبار شعرائنا القوميّين والذي قتل بوحشية على طرق التهجير". قالها آرام في حزن.‏

خيّم على الجميع صمت عميق. اعتبر فاروجان اللقاء منتهيا ً فأدار رأسه. كان يرغب في رؤية هذه المسرحيّة المملة وقد انتهت.‏

عندها قال آرام وقد فهم ما يخالج نفس الصبيّ‏

ـ" الآن تستطيع الذهاب واللعب في الحديقة ".‏

نزل فاروجان الدرج ببطء واختفى بين الأشجار. لقد علق في شبكة سحريّة. وقف أمام منظر يأخذ الألباب. كانت شمس الأصيل قَد حوّلت الحديقة إلى لوحة رائعة وكانت موجة من الروائح الزكيّة الآتية من كلّّّ صوب قَدْ أخذت عقله ورجّحت مخيّلته السهلة الانطلاق برؤى حلوة وكأنها من الجنّة. كان يفكر في نفسه:‏

"آه ! يا لها من سعادة أن يحظى أحد بعمّ مخلص كهذا في مصر البعيدة !".‏

كان هناك على الشرفة في نهاية الصالة ثلاثة أطفال: فاهيه، أرتو وأرمينيه. أكبرهم بالكاد يبلغ الثامنة من العمر، والذين فور سماع صوت أبيهم أوقفوا اللعب وركضوا نحوه لاستقباله بصيحات الفرح قبلّهم في شوق، ثم قال في فرح ورضى:‏

ـ" فاروجان في الحديقة، هيّا يا أطفال ! اركضوا وقبلوه..." ثم جلس على كرسي قرب زوجته السيّدة جانيت، التي نهضت لتأخذ وضعيّة هجوميّة هذه المرّة. كانت عيناها تشعّان في تهديد وخداع. تركت الكنزة، التي كانت تحيكها لتقول بلغة أرمنيّة عاميّة وقد حوّلت نظراتها الحادّة نحوه:‏

ـ " كم تأخرت!".‏

ـ " إنّ بور سعيد ليست بمدينة قريبة فبالكاد استطعت أن أنهي عملي وأعود على عجل".‏

ـ " ألم يكن بالإمكان أن ترسل أحداً بدلاً من الذهاب بنفسك، فتتجنّب بذلك عناء السفر؟". قالتها بصوت متودّد ومتقلب. كان آرام ينظر بعينين حزينين.‏

ـ" أن أرسل أحداً ؟...يا له من اقتراح غريب...! هل كان بإمكان أحد أن يقوم بتلك المهمّة، التي تتطلب العطف والتضحية ؟ هل تؤمنين أنّ هذه الرحلة لم تسبّب لي أيّ تعب؟ بعد تلك السنوات من الشوق والانتظار‏

أن أسمع أنّ أخي قَدْ وطأ بقدمه هذه الأرض على صورة ابنه، الذي تركه،وأرسلَ شخصاً غريباً لاستقباله ! كم كان ذلك سيبدو ضرباً من عدم الإحساس! أليس الابن والأخ وابن الأخ بنفس القدسيّة بالنسبة لرجل حسّاس؟ هل تعلمين كم أنا سعيد الآن لأنني عشت هذا اليوم فرحة عشرات السنين ؟".‏

كانت الزوجة تنظر بصمت إلى إحساسه الفائض غضباً، وقد أخذها العجب كأنّها تحضر ذلك الإحساس الأول مرّة‏

ـ "كانت نيّتي أن أجنّبك المصاعب التي لا تفارق السفر الطويل ". أضافت بهدوء، كي تخفّف نوعاً ما من التوتر، الذي سبّبته.‏

ـ"ما من مصاعب غير منتظرة، حتى لو كانت هناك أسباب عائقة لما سبّبت لي التعب، بل قَدْ تزيد من غبطتي ".قالها آرام بسرور. وكي يُشرك زوجته في فرحته، بدأ بسرد التفاصيل الملفتة للانتباه، التي حصلت يومها، رافعاً من الشأن الحسّيّ لمعانيها.‏

ـ" عندما أخذت علماً بوصول فاروجان إلى بور سعيد، انطلقت، كما تعلمين، إلى الطريق في الصباح باكراً. حقاً، إنّ الانطلاق في طرقات مصر السهلة ممتع، خاصة عندما يخفق قلبك فرحاً أملاً بلقاء حبيب منتظر منذ زمن طويل. وصلتُ إلى ميناء تلك المدينة الجميلة حين كانت مجموعة من الصبية الأرمن تنزل من الباخرة. امتدت صيحات الفرح من معبر الباخرة حتى قاعات الجمارك. كان فضول القادمين الجدد في أوجهِ وعيونهم تشعّ نوراًَ، لأن أقدامهم وطأت الأرض التي طالما حلموا بها. تلك الأشباح البشريّة تم جمعها بصعوبة كبيرة من أنحاء عديدة من الصحراء فكانوا يحملون آثار جروح الشقاء والتشردّ، وبخاصّة على وجوههم، لا يغطّي أجسادهم إلا الجلد المجعّد، ولكن عيونهم تبدي عزيمة لا تقهر في التحمّل والعيش. كيف بإمكاني أن أجد الآن قريبي بين تلك الأمواج المتلاحقة والطويلة من الصبية؟ ذلك كان تفكيري حينذاك.‏

فتشتُ بين تلك الأشكال المتشابهة عن الطابع الخاص لأسرتي. لكنّني لم أخطئ، إذ ميّزت بين مئات الصبية الإشارة الخاصّة لدم أسرتي، وقد طرأ تبدل طفيف نتيجة الآثار التي تركتها أيّام التّشرد. رأيت فيه عينيّ أخي وجبين أختي وشفاه أمي الرقيقة. إنّه فرع طبق الأصل لآل أرتونيان، مع كتفه الأيمن الذي يتحرك لا شعورياً، كما كانت تفعل أمّه.‏

مسكته من كتفه، وأنا أناديه(فاروجان!) حدّق فيّ متعجباً بعيون برّاقة وابتسم. كأن أخي هو الذي ينظر إليّ في حزن مليء بالشوق. عرفني، وقد امتلأت عيناه بالدموع. قبّلته وضممته إلى صدري بعطف. أما هو فقد عانقني، بينما الدموع تنهمر من عيوننا. حينذاك اقترب المشرف، فقلت له: أعلمتموني أنّ ابن أخي سيصل بالباخرة اليوم صباحاً. ها أنا جئت لآخذه. وبسرعة قامت اللجنة المسؤولة عن إيواء الأيتام بإنهاء الأوراق الرسميّة فأخذتُ فاروجان إلى الفندق، حيث استحمّ ولبس الثياب، التي حضّرتها له مسبقاً. وهكذا تحوّل إلى صبيّ آخر. بعدها أسرعنا للعودة إلى الإسكندريّة. في الطريق بدأ فاروجان يحكي لي ما سمعه من أبيه وأمّه وأخوته وأقاربه عن حوادث التهجير التي تعصر القلوب والصور المفرعة التي تقشعرّ لها الأبدان، حيث تأثر بها روحياً. كان ذلك الصبيّ وصفاً حياً لما حدث في عام 1915.‏

استمعتُ إليه بحزن عميق، وقد ارتعد جسدي. يا إلهي! هل من الممكن أن يتحمل الإنسان كلّ ذلك الشقاء، الذي لم يسجّل التاريخ له مثيلاً أبداً ويبقى على قيد الحياة ويخرج من لهيب نيران ذلك الجحيم والفظائع المميتة؟ أجل، طبعاً، بالأعجوبة الإلهية".‏

كان آرام قَدْ أنهى كلامه. بعد ذلك ساد صمت مطبق للحظة. أيّة آثار تركت تلك الأمواج من الأحاسيس، التي نُسجت بها تلك المآسي، على روح زوجته؟..لا شيء... تقريباً...كما السيول، التي تنساب على أحجار الصوّان دون أن تترك أيّة آثار. كانت نظراتها اللامبالية تكشف عن عدم اهتمامها مع انزعاجها العميق. أخيراً انشق جدار الصمت، لأن السيّدة جانيت لم تستطع أن تجد الوقت الكافي كي تكثّف ما يختلج في أعماق نفسها، فجاءت لحظة الردّ:‏

=" ولكن أين سيقيم فاروجان ؟"، قالتها بدم بارد، وكأنها لم تفهم شيئاً من القصة التي تنفطر لها القلوب.‏

بدأ الدم يغلي في عروق آرام غضباً فردّ في وجهها صارخاً:‏

ـ" ما ذاك السؤال ؟ هل ينقصنا مكان في بيتنا لأجل فاروجان؟ ألا نستطيع أن نطعم شخصاً آخر؟ افرضي أنّ لدينا طفلاً آخر".‏

ـ" كيف ذلك؟ طفل آخر...! صبيّ غريب ! عفواً...أقصد غير ابننا الحقيقي، هل من الممكن أن نستقبله في بيتنا ونسكنه بين أولادنا،خاصة أنّه جاء من الصحراء...؟".‏

ـ "جاء من الصحراء... قولي مشرّد ولا تخافي! أفرغي سُمّك! يالها من إهانة وجرح للشعور، كان بإمكان التركيّ فقط أن يلفظ تلك الكلمات في وجه الأرمنيّ. اسمعي يا سيّدتي العزيزة، بالنسبة إليّ لا فرق بين فاروجان وبقيّة أولادي. ويجب أن يكون كذلك بالنسبة إليك أيضاً. أما بخصوص مجيئه من الصحراء فإنّ ذلك يجعله عزيزاً علي أكثر، لأنه في ذلك العمر اقتسم شقاء شعبه ونصيب كباره واشترك معهم في الشهادة. إذاً فهو بطل وجدير بالتقدير وعليك أنت أيضاً أن تنظري إليه النظرة نفسها. لو كنت تعرفين والده رمز الكرامة والتضحية، لكنت أول المدافعين عن ابنه، الذي أرسله الله كوصيّة إلينا مسلماً إيّاه لرعايتنا وعنايتنا".‏

=" هل من المعقول أن نستقبل غريباً كابن حقيقيّ لنا ؟ يا إلهي، أبداً، خذه إلى مدرسة داخلية". قالتها وهي تكرر في نفسها وتلطم رأسها بيدها في يأس.‏

ـ أي بعيداً عن الأعين ! أبداً لا أستطيع أن أقوم بذلك العمل الشائن بحق قريبي. بعيداً عن الأعين بعيداً عن القلوب... بالعكس إنّه بحاجة إلى العناية الأسرية كي ينمو اكثر من حاجته إلى الخبز، ويجب أن ينعم بتلك العناية هنا أمام عينّي".‏

هل من الممكن التصّدي لذلك الشعور الجيّاش؟ لم ترد السيّدة بعد ذلك، بل انزعجت وانزوت في غرفتها شاكية وصدّت بابها بقوة.‏

بقي آرام في مكانه محطماً وقد تسمّر كالتمثال، إذ لم يكن يتوقع ذلك التصرف العنصريّ. إنّ الشرر المتطاير من لهيبنا الداخلي لا يمكن أن يشعل روح الآخرين، حيث ينقصهم شيء يماثل ما يشتعل فينا بسهولة.إنّ المآسي الأسرية تنتج دائماً عن عدم إمكانية انتقال الالتهاب المتبادل بعد برهة استفاق آرام من تعجبه والتفت إلى وضعه الذي يدعو إلى الشفقة وانطلقت تنهيدة (آه...) من صدره.‏

كم كانت تلك التنهيدة معبّرة.‏

وفي تلك اللحظة استعاد آرام ماضيه بالكامل.‏

(محاولات النهوض من جديد معرض فريد من نوعه )‏

كانت الجرائد والمجلات الأرمنية والأجنبية في القاهرة والإسكندريّة تعلن بعناوين عريضة عن إقامة معرض فريد من نوعه سيفتح في الإسكندريّة بتاريخ 28 نيسان عام 1935 في صالات ( كاليري درفو ) تحت رعاية الحاكم المحليّ.‏

كان معرض الرسم يعد حدثاً غير مسبوق ضمن البرامج الفنّيّة في المدينة. وكان الفنّان شاباً في مقتبل العمر وقد أصبح معروفاً بسرعة بين عشاق الفنّ في العاصمة مثلما هو في الإسكندريّة بفضل ذوقه الفنّي المرهف وتفهمّه الكلاسيكيّ. إنّه الفنّان المميّز فاروجان أرتونيان.‏

بالكاد مضت سنة واحدة على عودته من باريس، حيث بقي عدّة سنوات بعد أن أنهى تعليمه العالي في روما بنجاح باهر، فعمل في البدء كرسّام ثم كمهندس معماريّ. وبعد أن أكمل اختصاصه في باريس غدا وجهاً بارزاً في العاصمتين، مركزيّ الفنّ، واشتهر من خلال المسابقات الدوليّة المتعدّدة. كان نجاحه متوازياً في مجالي الرسم والعمارة، الأمر الذي يبدو نادراً.‏

في تلك البلاد انتشر سحر موهبته الذي لا يقاوم في موجات كبيرة، رغم طلاقة تلك المراكز اللامحدود، والتي غالباً ما تحدّ من شهرة هؤلاء المبدعين وتعمُّقِهم أو تنشر إصداء إهانتهم بشكل خاص. كان لترفعه كمصري من بلد الفراعنة أثر أكثر إذهالاً. وكان حجم نجاحه الآتي من بعيد قَدْ نال إعجاب المصريّين من أرمن وأجانب. وعندما انتشر نبأ عودة الفنّان إلى موطن فنّه الأول أي الإسكندريّة درج بينهم التساؤل هل سيتناسب ذلك الإنسان فعلاً مع شهرته؟ لكن الجميع كانوا مقتنعين وبسرعة بأنّ قيمته الحقيقيّة لم تتغيّر من قريب أو بعيد وانّ الفنّان كإنسان كان يساير فنّه وأنّه ليس عبثاً أن يتقبّلوه بذلك النهم كرسّام موهوب ومهندس بارع في بلد يصعب تقبّله للفنّ.‏

رغم ألفته وطراز حياته في القاهرة والوسط الذي عاش فيه، إلا أنّه استقرّ في الإسكندرية فاستأجر (فيلا) جميلة بالقرب من ضاحية (كليوباترا ) كانت خالته التي عرّفها بأنّها أمّه تسكن معه ويكنّ لها احتراماً عظيماً إذ عوّضت له أهله الحقيقييّن بكلّ الأوجه لسنوات طوال.‏

كان من الصعب عليه إقناع خالته بمغادرة القاهرة، حيث عاشت سنوات طويلة مع زوجها الذي فجعت بوفاته، فارتبطت بالقاهرة بذكريات كثيرة حلوة ومرّة لكنّها رضخت في النهاية لتوسّلات ابن أختها كي لا تتركه وحيداً في مدينة غريبة، حيث من السهل جداً الخضوع لطيش الشباب. كذلك كان فاروجان يرغب أن يعوض بواسطتها حنان أمّه بقدر ما، ذلك الحنان الذي أغدقته عليه خالته لسنين منذ هروبه المليء بالمخاطر من بيت عمّه لحين سفره إلى أوروبا. لكن رغم تقصيّه إلا أنّه كانت هناك نقطة ظلت سريّة ولم يستطيع أن ينال عليها جواباً مقنعاً وهي من أين كانت ترسل له مصاريف الدراسة الباهظة في القاهرة وأوروبا لسنين عديدة، إضافة لمصاريف النقل والسكن والأدوات والمشغل؟ لقد لاحظ ومنذ اليوم الأول قدراتها الماديّة المحدودة، فأخبرته بأنّها باعت مصاغها وسنداتها لتدبّر لـه قيمة المصاريف وأرسلت لـه المال بانتظام، وبفضل ذلك المبلغ لم يلقَ فاروجان أبداً أيّة ضائقة ماليّة خلال حياته الطويلة والمكلفة في الاغتراب. كذلك لم ينل فاروجان أيّ إيضاح بهذا الخصوص من عمّه، الذي كان بدوره يحاول أن يحفظ ذلك السرّ في الخفاء لعلمه بعزّة نفس ورهافة حسّ ابن أخيه.‏

كان فاروجان قَدْ جهز لنفسه مكتباً للهندسة ولقي على مرّ الأيام نجاحاً كبيراً فاستلم تصميم وتنفيذ مبان كبيرة ومعقدة مهما كان طرازها. ولدراسته لطرز وتقنيّة العمارة في العصور القديمة والوسطى والحديثة بكلّ تفاصيلها فقد كان يتفهّم بخياله الواسع المشاكل والعقد المستعصية والإمكانيات الماديّة لحلّها وتنفيذها. وكفنّان تشكيلي كان متمكناً من إظهار تفاصيل رسومه بشكل واضح ومفهوم بحيث كان كثير من المهندسين المشهورين والخبراء يلجؤون إلى خبرته لحلّ المصاعب وإزالة العوائق في التنفيذ الدقيق للمنشآت المعقدة شرط أن يعودوا مطمئنين على لجوئهم إليه.‏

وهكذا أصبح مكتبه معروفاً على المستوى الدوليّ إذ كانت مشاريعه في توسّع مستمرّ. ولأجل إرضاء طلبات وعروض الكثير من الزبائن كان عدد كبير من الموظفين والمحاسبين يعملون باستمرار، فكان تصميم وتنفيذ مشفىً حكومي ضخم تتويجاً لموهبته وخبرته، فغدا المهندس المعماريّ الذي يشار إليه بالبنان في كلّّ الأوساط.‏

صار المال يتدقق بغزارة بالتوازي مع انتشار شهرته، لكن المال لم يكن يتكدّس عنده،بل يفيض كنهر يوزّع الطمي على الحقول والأراضي. كان يقول لمنتقديه بشأن سخائه وتضحياته: "لا أريد أن أكدّس المال فاصبح حارسه الرخيص. يجب أن يقوم المال بمهامه فلا يجمد أو يركد فيتحول إلى مرتع للسموم".‏

كان يصرف المال دون حساب، ليس لأغراضه الشخصيّة وحسب، بل لأهداف قومية وخيرية وإنسانية لإرضاء الطلبات وبصورة سخية أحياناً. كان عضواً في النادي الدوليّ للفنّانين ورئيس شرف لدار مكتبة رافي ـ زوهراب الأرمنيّة، فيشارك في كلّ النشاطات التي تفيد الوطن، دون تحفظٍ، إن كان من الناحية المادية أو المعنوية. ربما كان ارتباطه غير العادي بالمال نتيجة لأيام التهجير حين كان الأرمن ينطلقون على عجل في مسيرهم نحو المجهول، تاركين كلّ شيء من منازل ومصاغ ومال بأيدي الأعداء فاقدين بعد حين ما يعتريهم من لباس، جياع عراة وبحاجة لكل شيء، يرتجفون رعباً أمام الموت الذي سيأتي في اليوم التالي. في تلك المأساة كان الغنيّ يعاني أكثر من الفقير لأسباب عدة أولّها أنه لم يكن معتاداً على تلك الحياة القاسية، وثانيهما أنّه كان ينظر بحسرة إلى الوراء وفي قلبه غضب ويتعذّب لتسليم ثرواته إلى أعدائه الألداء ليتصرفوا فيها كما يشاؤون. إذا بالنسبة لفاروجان كان من المنطقي كسبه للمال الوفير وصرفه للفائدة العامة، لأن الغد مجهول بالنسبة للمهجّر الأرمني. فشكل حوله وسطاً مقرباً يحسد عليه واستطاع أن يجمع عدداً كبيراً من الأصدقاء والمعارف وأبدى رغبته تحت ضغوطهم في عرض نتاجه الفنّي على الجمهور، كما فعل قبلاً في باريس وروما. وهكذا ولدت فكرة الشروع في إقامة هذا المعرض في الإسكندرية. تم الافتتاح في حفل مهيب حضره الحاكم صديق فاروجان وعدد كبير من المسؤولين الكبار وعشّاق الفنّ والوجوه المعروفة وممثلو الصحف الأرمنية والأجنبية ومحاضر ومدارس الفنون وأعضاء المجلس المليّ الأرمني والطلاب وباقة مختارة من الحضور.‏

كانت اللجنة المنظّمة، التي يدخل في عدادها كلّّ من فاهيه وأرمينيه ومادلين ابنة أخت السّيدة جانيت وشّبان آخرون تقدم خدماتها للزوار مع القيام بأعمال أخرى في صالة العرض.‏

احتوى المعرض على ثلاثين لوحة زيتية وعشر لوحات لتجارب أخرى عديدة، وقد وقف الزوار بإعجاب أمام كلّّ منها سنذكر بعضاً من اللوحات المميّزة‏

1 ـ أكوام الطين تتحطم: بيت ريفي قديم وجميل مبنيّ على سفح جبل، يتعرض لضربات البرد والسيول والبرق لكنّه يبقى صامداً. من خلال النوافذ نلاحظ نظرات مليئة بالرعب خوفاً من قرب التهدّم. حول البيت آثار الخراب، الحواجز تتأرجح وأكوام الطين تتحطّم وأشجار الحور الباسقة المحيطة بالبيت تنحني والحراس يراقبون يقظين. كانت فكرة اللوحة واضحة. إنَّها صمود التكوين الروحي الأرمنيّ. كان فاروجان قَدْ تصورّ هذه اللوحة منذ فترة طويلة، وبالتحديد منذ شبابه إذّ جسّد بحسّه القوي الرعب من الخطر المحدق بقومه في ألوان دراماتيكيّة. كانت اللوحة مهداة إلى آرام أرتونيان.‏

2 ـ مأساة: مدينة أثناء المذابح، عجوز أرمنيّ عند عتبة بيته وهو يهّم بالدخول إليه، وقد تعرض للضرب من قبل القتلة المسلّحين بالهراوات والخناجر والفؤوس، فيبدو الضّحيّة وقد ارتمى على الأرض مضرّجاً بالدماء، يصارع الموت، كان المنظر مروّعاً لدرجة أن الناظر كان يسأل نفسه: هل سبق للرسّام يا ترى أن عاش تلك اللحظة المرعبة كي يصورها بتلك الحيويّة، فيخرج التعبير صادقاً.‏

3 ـ الماضي والحاضر: لوحة بألوان محليّة، الهرم الأكبر ليلاً في لحظة شاعريّة، حيث يقوم رائد النهضة في مصر بزيارته مع أعوانه ليستلهم من صرح الأبديّة هذا نزعة لربط الرؤيا الجديدة بعظمة الفراعنة القدماء. أهدي فارجان هذه اللوحة إلى متحف المدينة.‏

4 ـ العذراء: لوحة مثيرة للاهتمام، إنها لوحة حيّة لـ أرمنيه بوجهها الورديّ وجمالها الكلاسيكيّ، وهي تمثل البراءة العذريّة. لم يبق في نهاية المعرض أيّة لوحة، لقد وجدت جميع اللوحات مقتنيها. كان الزوّار بالمئات من أرمن وأجانب، وقد عبّروا عن إعجابهم بالمعرض في ألبوم خاص.‏

كان النجاح الباهر لشاب أرمنيّ كفنّان بين الأوساط الدوليّة قَدْ ملأ قلوب الأرمن بالغبطة غير المحدودة. إنّه كبرياء أمّة، إنّه أمر طبيعي نابع من أعماق كينونتنا وعامل مهم لتخفيف الشعور بالنقص في المهجر. وهكذا فإنّنا ننتظر أن يشهد الأجانب على تقدير قيمنا، ذلك هو مقياسنا.‏

هنا نورد ما جاء عن المعرض في دوريّة أرمنيّة في مصر تدعي( الصقل ): "منذ قرون، عندما فتح الأرمنيّ عينيه تبدّت أمام ناظريه جبال تعانق السماء، تحيط بها الغيوم، آفاق متعرّجة، حافاتها زرقاء ربّانية، سفوح الجبال تغطيها الخضرة، تنظر إلى الأودية السحيقة، حيث يختلط خرير مياه الأنهار مع فحيح الأفاعي. على بعد تتراءى له قبّح الكنيسة كرمز للديمومة، تنطلق منها رائحة البخّور المنعشة. وهكذا تتمايل روح ذلك الفتى على أمواج الجمال والسمو والأبديّة والرؤى بعد أن يتجسّد كلّّ ذلك كشعور وحسّ مرهف، كحكمة ورغبة، ولكن بعد أن تضاف إلى ذلك آثار الاضطهاد والتهجير والإبادة والمآسي فإنّ تلك الروح تتجسّد على ورق أو قماش اللوحة كصورة مدهشة أو قصيدة مؤثرة على صفحات كتاب أو أغنية كئيبة على أوتار قيثارة.‏

ليس فاروجان رائد فن ّالرسم الأرمنيّ بمواضيعه وحسب، بل بأسلوبه وألوانه أيضاً، حيث نحسّ المظهر الملفت للانتباه للفنّ القومي الأصيل بألوانه وخطوطه وتركيبته الممّيزة للشكل والخلق.‏

إننا نحييّ بسرور نهضة فنّ الرسم الأرمني ّ من خلال هذا الرسّام الحقيقيّ الفتيّ". ومن دوريّة ( الفنّ) الأجنبية نقتطف فقرة كتبت عن المعرض: " الفضاء رحب بين الحقيقة والخيال وغير قابل للاجتياز غالباً. لقد صهر فاروجان خفايا جماليات أوجه هذين العالمين في توافق طبيعيّ، حتى ليخيّل إليك أنهما متطابقان. لا عجب، فهما يبينّان لنا بشكل محسوس ومعاش بعمق روحاً قويّة في الأعماق، واسعة ومخترقة. إنّ عالمه الداخليّ الشاسع يضمّ تنوعاً غير عاديّ في خلط بارع للأشخاص والأشياء والظواهر والأشكال والألوان الممزوجة. تخرج كلّ تلك الأشياء من عالم قَدْ يبدو غريباً لنا، لكن الفنّان يحوله إلى شيء مألوف بمعجزة من ريشته. أمّا إذا ظهرت بوجه معروف فإنها تصور لنا بعد أن تلبس ثياب الفنّ السحريّة فتبدو أنها آتية من عالم غريب.‏

من الملفت للنظر ذلك الحسّ المرهف المتمّم بالرعب القوميّ، الحسّ الذي يقبل الترفع إلى أعلى درجات الفنّ ليخلق أسلوباً خاصاً مطبوعاً بالختم القوميّ. ومن دواعي السرور الإعلان أنّ الخطوة الحاسمة في نهضة فنّ الرسم الأرمنيّ قَدْ اتُّخذت، ويبقى أن تثمر تلك الخطوة بمبدعين جدد.‏

تهانينا بهذه المناسبة الفريدة".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244