|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أرمينيا جذوري ـــ بقلم: أسدغيك جمكيرتن ـ ت.عبد الله حجار مؤلفة الكتاب سويسرية من أصل أرمني عملت في المنظمة العالمية الخيرية "كاريتاس" وشاركت عام 1988 في بعثة إلى أرمينيا لمساعدة ضحايا الزلزال هناك، وقررت إثر عودتها إلى سويسرا أن تعود إلى أرمينية لتكتشف البلد والشعب ولتتعلم اللغة الأرمنية، وقد أمضت سنة كاملة في أرمينيا في أحد بيوت الطلبة بعد حصولها على منحة جامعية. تسجّل في كتابها "أرمينيا جذوري" شهادة عن سجلّ للحياة اليومية في أرمينيا السوفيتية التي تسير نحو الاستقلال، وانطباعاتها عن الشعب المضياف وظروف الحياة اليومية الصعبة والروتين وروعة الآثار، وتطَّلع على آمال الشعب وهمومه الاجتماعية وتتعاطف معها محاولة نقلها إلى بلاد الانتشار وأوروبا كنوع من العرفان بالجميل وهي تحس بأنها وجدت جذورها في بلدها الحقيقي أرمينيا وكأنها ولدت من جديد... يتألف الكتاب من 260 صفحة تطرقت فيه إلى أكثر من 50 موضوعاً في مختلف الشؤون البيئية والاجتماعية والسياسية والمالية مع التطلّعات المستقبلية وصفتها بشعور وتفكير من عاش في أوروبا وبتفصيل دقيق لما هو غير مألوف لديها مثل إعداد الطعام ولف اليبرق. ونقتطف من كتابها فصل "العام الجديد" و"الميلاد" و"عيد مولد" و"في المطعم" نموذجاً على أسلوبها الجزل في الوصف والتعبير. ع.ح. العام الجديد 31 كانون الأول 1989 غدا يبدأ العام الجديد. يوم الاجتماعات الكبرى في العائلات، حيث يتم إعداد وجبة طعام فخمة لتكون بداية جيّدة للعام. إني ملزمة بالذهاب لقضاء سهرة الميلاد عند ليفون. لقد ألحّ كارو كذلك... لكن ليفون هو صديق ابن حماي، أي هو صديق مختار وكان فيه شيء من الألفة والفطرة التي كانت تخص كل البدايات. ولذلك يكون هدف أن أكون أرمنية، قد تحقق... ذهبت إذن لقضاء السهرة عند ليفون. في 31 كانون الأول كانت تتوارى السنة القديمة وتبدأ السنة الجديدة. "تطايري يا أغطية زجاجات المشروب، وليسمع رنين الكؤوس"، "غداً سوف تطرد الهموم وسوء الحظ"... لكن لا! في الحقيقة، العيد المفترض لم يكن موجوداً، لم يحاول أي شخص أن يبذل جهداً ليعيش الأمل، حتَّى ولو لمناسبة واحدة أو لساعة واحدة... العيد هنا، ربَّما يُبتهج به بوجود الطعام، لكن الأنفس غير سعيدة، وسوف ننتظر برصانة منتصف الليل قبل الجلوس إلى الطاولة. وينتظر كالعادة دائماً أمام هذا التلفاز شديد الاحتكار، المُثقل بالضجيج والصور الذي يبث لنا مسلسلات أفلام أوروبية رديئة. ليليت وفكتوريا يبدو عليهما الإرهاق، أحاطت بأعينهما هالات سود من التعب، لقد قامتا بإعداد فطائر خلال الليل بطوله. كما أن إيزابيل الصغيرة مريضة. هواء يريفان الفاسد لا يناسبها. وبعد إيزابيل سيأتي دور ديكران... بسبب التلوّث، الجهاز المناعي لسكان يريفان متخرّب بشكل كبير، والمرض المتزايد بسبب ظروف الحياة شديدة الاضطراب سوف يستقرّ بشكل دوري في كل فرد من العائلة، وسوف يؤدي لاحقاً إلى هجمات جديدة غامضة. ويمضي الوقت، ويخفف الكونياك الكآبة، الجو هادئ، وكان ليفون يتألم أكثر فأكثر من ركبتيه. أدَّت إصابته بالروماتيزم إلى إحداث تشوهات. لا. لا يوجد شيء يمكن القيام به، لقد حاول كل شيء دون جدوى. ـ لقد ابتلعت بالتأكيد كمية من الدواء تعادل رفاً في صيدلية، ولم أستفد منها شيئاً. يجب القول بأن الأدوية هنا... لكل يوم موكب كآبته... هذه الليلة، إنه العام الجديد، وكل شيء سيبدأ من جديد. إيزابيل، غارقة في قراءاتها، تعطس مرات عديدة. ـ هل تناولت ملعقة العسل هذا الصباح؟ نعم، لقد تناولتها. بالطبع لو كانت مع الليمون لكان ذلك أفضل. لكن هنا الليمون... في تقديري، أن ليمونة واحدة تماثل بغلاء سعرها قيمة وجبة في مطعم جيد في سويسرا. بينما بالنسبة للعسل، فلدينا العلبة الثمينة المجلوبة من سويسرا والتي يُحتفظ بها للحالات القصوى... إنها "علبة العسل ذات القطرات الذهبية". أمَّا بالنسبة إلى ليفون، فإن جرعة من الكونياك الأرمني أوري هي التي تشفي الرشح والذبحات الصدرية لديه. قليل من الأوري المدعّم بقليل من الفلفل والثوم... وبصحتك!!! وأخيراً حل منتصف الليل. عام سعيد! عام سعيد! سنة مباركة Chnorhavor nor dari! أخرج ليفون الشمبانيا؛ على المرء أن يستمتع إنها السنة الجديدة. الشرب نخب العائلة، ونخب أولئك الذين تركناهم في سويسرا، وفي أرمينيا... كلام وكلام من أجل الجميع... لكن القلب بالتأكيد لم يكن سعيداً. لقد حضّرت فكتوريا الأرز المطحون التقليدي المزود بالمشمش والخوخ والزبيب، كما توجد قطع منتخبة من فخذ الحمل، كنا ليفون وأنا قد ذهبنا نبحث عنها قبل عدّة أيام على طريق إتشميازين الشريان الكبير الذي تنتصب على جانبيه خرفان تلهث أو خرفان مسلوخة لا تلهث، رأسها المقطوع مرمي على حافة الطريق. ويباع اللحم... إنه اليوم وجبة العيد! لكن في العاصمة، لا يبيع اللحامون شيئاً... وفي الأفران يوجد الخبز فقط في الصباح الباكر. في هذه الليلة سيقدّم البرتقال على طاولة ليفون. أنا أعلم أن الكيلو غرام يكلّف 13 روبلاً في السوق. برتقال للجميع ويوزع عدة مرات على الجميع. ويقشّر ليفون البرتقالات ثمَّ يضعها بشكل أرباع وبعناية في كل صحن على حدة. مذاق ذهبي. برتقال منتخب ربَّما من جورجيا. سنة سعيدة! إنه العام الجديد! سنة مباركة Chnorhavor nor dari! أمَّا ديكران فهو تحت الطاولة غير مهتم، يلهو بأقدامنا المصطفة جيداً، وهو يقوم بإحصاء الموجودين ويخطئ أحياناً في العدّ. الأول من كانون الثاني 1990 سنة جديدة أيضاً، لكن هذه المرّة في ضوء النهار. الجو في وكالة الـA.P.N. أقلّ وطأة لقد قررت مجموعة الرفاق أن تبذل جهدها لتفرح. وسيحتفل بالعيد عند كل شخص وبالدور وفي وقت محدد. أولاً عند روبين حيث سأتعرّف على عائلة من الفنانين الرسامين، لفت بعض أفرادها انتباهي بتعبيرهم شديد النمطية. أخوة، بنات حمَ، أب وأم وأجداد... صباح الخير للبعض، صباح الخير للآخرين: وتتتابع الوجوه، جمال قديم صارم حيث يمتزج الذكاء مع السحر. كان وجودهم كافياً لعيد اكتشاف شعب حكايات الأطفال. وبعد صفقة قوية في راحة اليد دلالة على الصداقة، أدخلني الوالد في الحكاية: غرفة تزخر باللوحات والصور الشخصية للعائلة، وعلى مقربة مسند خشبي نصف مستور تحت قماشة كبيرة بيضاء وبعض المجلات مبعثرة على الأرض. وفي الغرفة المجاورة طاولة مرتّبة: غطاء طاولة مخرّم وصفّ من الكراسي وكؤوس وصحون وملاعق وسكاكين وشوك وتعاقب صحون... الديكور ذو أبهة وكأنه ينتظر ملوكاً... إنه ملوك استعملوها ورحلوا. سنذهب بعد ذلك إلى بيت أرثور حيث الجو متوتر، لأنَّ الزوجين متخاصمان. الطاولة الرائعة معدّة بالطبع لكي تجعل المرء ينسى ويسامح... المضيفان متضايقان. لحسن الحظ، هناك طفل صغير ظريف ومستبد يلهو ويشوّش كل شيء. وتقبله الجدّة ويغتنم الصغير المتهيج الفرصة ويرمي الصحن على الأرض، وبما أن اليوم هو العيد فللعزيز الصغير الحق هو أيضاً في الحصول على قطرة من الشمبانيا من كأس أبيه. ويستمر العيد عند آفيد حسب البرنامج الموضوع مع الطاولة الفاخرة والمليئة بالأطعمة. ولكن... هل كان يجب البدء من جديدة مرة أخرى؟ ـ بالطبع؟ إنه لشرف كبير لنا أن تكوني ضيفتنا! وبمجرّد أن عرفت والدة آفيد أنني أرمنية راحت تتكلم بصوت عال وتقوم بالعناقات الحارة... نجلس إلى الطاولة وهاهي المأدبة مرة أخرى. وأشعر أن ساعتي قد دَنَت لكثرة الطعام الذي تناولته وأستعد لمواجهة أزمة كبدية. ويبدو لي أن الألوان تمتزج وتختلط الصحون وتزداد الكؤوس، تتصادم فيما بينها مع طنين في كل مكان... لنتكلم عن شيء آخر. ومقابلي على الطاولة كانت الأخت هرمينة وهارون ابنها ذو الأربعة عشر عاماً ولم يعمّد بعد. لا تسألوني كيف كان يتم الحوار. همس آت من بعيد كان يتضخم بالتدريج ليصبح صوتاً جلياً على شكل سؤال: ـ هل أنت معمدّة يا أسدغيك؟ هل بإمكانك أن تكوني إشبينة لهاروت؟ كانت بضعة كؤوس مبعثرة هنا وهناك، وكان الجو مكهرباً نوعاً ما بالكحول واللامبالاة. وكنا نتكلم من وقت إلى آخر عن تعميد هاروت، لكن "في يوم ما"، و"يوم ما" هذا دوماً بعيد. كان عليّ أن أفكر، أن أكون إشبينتها، نسيبة وَلَد أرمني... غريب كيف أن كل شيء هنا يؤخذ ببساطة... وفي الحقيقة الجو مساعد... وإذا كان هاروت يريد ذلك حقاً، فلمَ لا؟ هاروت! نعم، أراد ذلك حقاً من كل قلبه! إذن تمَّ الاتفاق! تمَّ تبادل التهاني بين الجميع وسيول من الخطابات المنوعة والمبهجة، وتم تثبيت كل شيء. وتم العماد وهو تقليد بسيط في العائلة في الأسبوع التالي. لقد تعلّم هارون الإيمان بشكل غامض من أهله بدون دعم من أية جهة. على كل حال كان وجه هاروت، يوم العماد، مشعاً ومؤثراً جداً. وحال إنهاء عملية الغمر بالماء قمت دينياً بتنشيف الطفل بمنشفة الإشبينة. وعند الخروج من الكنيسة تمَّ توزيع الشوكولا... إذن عام جديد وقرار كبير ولد هناك وسط هذه النفحات الروحانية. وينتهي النهار، أوف، ما زال أمامي عام لاستعادة قواي... أمَّا بالنسبة لأهل المعمّد الفرحين فإنهم مشروحو الصدر ومبتهجون. ولحسن الحظ كان ليفون يقود السيارة بأعصاب باردة وهو جالس خلف المقود. بينما جلس أرثور وروبين في القسم الخلفي يشكلان زوجاً ممتازاً: يلوحان بالتحية بالقبّعة والشبابيك مفتوحة بالكامل ويحادثان المشاة وركاب السيارات العابرة الأخرى معلنين أنه العام الجديد. وأن جميع الآمال مسموحة، وأنه غداً أو بعد غد ستصبح الكاراباخ جزءاً من أرمينيا، وأن جميع الأرمن في العالم سوف يعتمدون. ـ سيداتي سادتي، سنة جديدة طيبة، نحييكم بصوت منخفض. في الواقع أن القبعة المحترمة للصديق روبين وهي تمد إيماءة صاحبها رفيع الشأن أخذت في الوقت نفسه حرياتها لتذهب تلهو في آفاق أخرى، في قناة بالصدفة متواضعة. لقد وضعت بذلك نهاية لسنوات من الخدمات المخلصة والجيدة لرأس شخصية مليئة بالإساءات والأهواء، لكن حمل القبعة غفر لها كل شيء. الميلاد 6 كانون الثاني 1990 الميلاد(1). تساقط الثلج طيلة الليل ثمَّ توقف، مصحوباً بهبوط برد جليدي. وعلى حافة نافذتي، تجمدت حبات زيتون أرمين السود الكبيرة داخل مائها الذي تحوّل إلى جليد. ويشير ميزان الحرارة عندي إلى 15 درجة تحت الصفر. الميلاد. مولد الفقير. لكن الفقير هو ملك. وتبدو المدينة بهية وجميلة. ويوزع الرز على المؤمنين عند باب الكنيسة وKhorovats (المشاوي) مجلوبة من كاراباخ أمام ساحة الحرية. وكان أهالي يريفان قد أرسلوا الهدايا إلى أطفال كاراباخ. إنه تبادل الأعمال الخيرية بين الوطن الأم والابن المفصول عنه. وجد روبين سيارة مع وقود لذهابي إلى إتشميازين، وهو نفسه يجب أن يلتقط فيها صوراً للوكالة. الميلاد في الكاتدرائية. سيمسح روبين الكاتدرائية طولاً وعرضاً وهو يمر بصعوبة ضمن حشد كبير ومتراص من الناس، وفي يده آلة تصوير يلتقط بها صوراً من قريب ومن بعيد: دخول موكب رئيس الأساقفة مع نوابه والشمامسة الشمعدانيين والإنجيليين وأولاد خدمة القداس، ويتقدم موكب الحاشية بعظمة وقد اصطف أفراده بانتظام على نسقين وجاء من بعدهم صف المرتلين مزهوين في ثيابهم الزرق. والتقطت صور بعض لحظات التوقف مثل تلك البركة التي تعطى للجموع برسم إشارة الصليب ومشهد نظرة الفتاة الصغيرة الحالمة وهي تحدق في الشمعة التي ترتجف... صور وصور... حصاد وفير من الصور... ونفدت أخيراً الأفلام. لقد توقفت آلة التصوير وعدوان ومضاتها. هدأ روبين ووضع آلة التصوير ضمن محفظتها، لكن ومضات أخرى ربَّما لأشخاص آخرين ما زالت تعمل... إنه على كل حال متحفظ جداً بالنسبة إلى الكنيسة. وهو متوتر جداً، إذ أنه "لا يستطيع البقاء في صالة سينما حتَّى انتهاء الفيلم" ويعرف ذلك في نفسه. ومع ذلك فقد توقف في الكنيسة. ربط بين حياته وعمر القباب من آلاف السنين، إنه عمود من اللحم إلى جانب أعمدة من الحجارة مسنداً ظهره بسكون وثقل مثل ركيزة. عند الخروج من القداس، قدّم لي كهدية صليباً من هذه الصلبان الصغيرة المصنوعة من النحاس الأصفر والذي يباع عند مدخل الكنيسة. بينما السوفييتي كان قد قدّم لي صليب أرمينيا. كان الأرمني يستعيد تقليده ويرتبط بماضيه من جديد. اقتحم رمز العطاء أبواب الإيمان. وهي طريقة تقول "لا" للفلسفة المادية وللتأكيد مجدداً على هويته الأرمنية. يا لها من صرخة! اليوم، ينقل قداس الميلاد على التلفزيون الأرمني. وما كان ذلك يحدث من قبل أبداً. وقد تابعت الكنيسة حجّها الكبير وهي تجذب وراءها شعباً يولد من جديد. إنه الميلادّ! عيد مولد 18 آذار رجفة برد: البارحة، كانت درجة الحرارة 15ْم. اليوم، البرد قارس. غداً، إنه عيد مولد ليندا زميلتي في بيت الطلبة. يجب الاحتفال! فريقنا مدعوّ، وهو مؤلف من ثمانية طلاب، من بينهم أرمن من الولايات المتحدة وسوريا ولبنان وحتى "حسن" السوري المحبوب الذي لا يتكلم سوى العربية والروسية! وكل ما استطعت أن أفهمه منه، أنه يمضي وقته في العيش على أحزان حب يحاول إغراقه على مراحل بدعوتنا إلى شرب الكحول. أشغل نفسي في عمل اليبرق مع كوهار وهريبسيميه. اشتُريت أوراق العنب طازجة من السوق، تُنقع طويلاً وتُفصل بعناية واحدة واحدة لتُدرج فيها حشوة معدّة من الرز والتوابل وقطع ناعمة من اللحم. عمل طويل يحتاج إلى صبر كررته الأيدي الأرمنية منذ أجيال وهي تتأمل في أرق الصغير الأخير أو في زيادة سعر البندورة. ـ انتبهي، يبرقتك صغيرة جداً، وهناك وضعت كثيراً من الحشوة، يجب وضع الكمية الكافية لملء جميع أوراق العنب. وهذه يجب أن نلفّها من جهة العروق. والأوراق الممزقة يمكن استعمالها أيضاً. أجل، هاأنذا الأرمنية يداي ممتلئتان بالرز وورق العنب، أعمل في غرفة الطلبة في يريفان. على طاولة الدرس بعد الانتباه لإبعاد القواميس وأشعار طومانيان. وعلى مسافة قريبة، على الموقد الكهربائي الصغير وفي طنجرة ضخمة وضع اليبرق بعناية على شكل أهرامات. وفي الغرفة المجاورة، تحضر البيتزا: وقد امتزج العجين بالماء والملح ثمَّ ستمدّ لاحقاً الخضرة الصغيرة المتوفرة في السوق، ثمَّ شيء فاخر جداً، بعض أسماك مملحة جلبها حسن من سورية. أمَّا الجبن، فقد أمنّه روبين، جبن قاسٍ مجلوب من هولندا ويؤمَّن بأسعار غالية في الشوارع العميقة من المدينة. سيجري الطبخ في فرن الطبقة العليا، في طرف الممر. بقي أيضاً موضوع المشروبات: لا يوجد نبيذ في المدينة كلها. لقد علَّقت الحوانيت لوحاتها "لا يوجد نبيذ". لا فائدة من الإلحاح. إلا إذا... بالطبع "إلا إذا"... إنه النظام D للعلاقات التي ستظهر في آخر لحظة، وبنفس الرشاقة التي يخرج فيها الساحر الحَمَامات من قبعته تظهر زجاجة أو اثنتان من هذه الزجاجات الثمينة. وإذا كان يلزم عشرون زجاجة. حسناً. ابن عم يسكن في الريف سيؤمنها. تحولت غرفة الدراسة إلى مختبر حقيقي. إن إنجاز اليبرق يستغرق زمناً يمتد حتَّى منتصف الليل، حينما لا يسيل من الحنفيات أية نقطة ماء. الأيدي الغارقة بالدسم ستتدافع أمام علبة المحارم "الكلينيكس" المصنوعة في سويسرا". غداً، سيجلب حسن الخوروفاتس (الكباب المشوي) الذي يباع على الرصيف ملفوفاً ساخناً في لافاش (الخبز الرقيق المصنوع على الصاج). كارينيه ستجهّز الأطراف بالكراميل في بيتها. ونورا ستجلب الكاتو الموصى عليه. دائماً النوع نفسه من الكاتو، مصنوع من عجينة البسكويت المطاطي بدون طعم، مغلّف بكريما لا طعم لها كذلك. ويضاف إلى كل ذلك سكاكر على شكل أزهار وردية وخضراء. إنه الكاتو التقليدي الذي لابدَّ منه ولو في المناسبات الصغيرة. من أجل الموسيقى سنجمع كل ما لدينا من أشرطة التسجيل: من الفولوكلور الأرمني حتَّى (الروك) الأمريكي مروراً ببعض الأغاني الجبلية السويسرية... سيكون العيد جميلاً! حوالي 15 شخصاً سيأتون ليحيوا الجدران اليائسة في غرفتي. روبين بصوته العريض يؤدي أغاني حبه، ثمَّ بدون توقف ينتقل إلى أغانيه الثورية المفضلة. ليندا سترقص، وحسن، وهو رياضي متفوّق، سينفذ قفزة رهيبة متجنباً الكرسي الذي يُبعد بفطنة من خلفه. وستجد العصابة الصغيرة في الممر مخرجاً أكثر ملاءمة لحيوياتها الملتهبة. حتَّى الساعة الواحدة من الصباح، سنكون أسياد الطبقة بكاملها. إذنٌ مؤمَّن ومثبَّت بفضل حضور أرمين "حارس" الليل. في المطعم 21 آذار عادت مياه الأحواض في المدينة للجريان وعادت من جديد خطوط سير أهل يريفان الذين جاؤوا للاستمتاع بالرطوبة قربها. البارحة قبض أرمين راتبه ويريد أن يحتفل حالاً. ـ قبل فوات الأوان... يشرح. ومن الآن فصاعداً وفي كل شهر، سنحتفل بذلك معاً في المطعم. ـ إلى أين نذهب؟ ـ إلى تفليس، إنه مطعم جيورجي يبعد قليلاً في مرتفعات المدينة. وهو مطعم تعاوني نظيف جداً ومعتنى به. الطاولات الثلاث أو الأربع مشغولة بالكامل. كلا، ظلّت إحداها فارغة من أجلنا. طبعاً أرمين قام بحجزها. الجو خانق قليلاً. وآلة تسجيل (أو حاكي) قديمة تبث أغاني تقليدية، لكن أصواتها غرقى بالكامل بإيقاعات بطارية اصطناعية. واهتماماً بمدعويه، يلحّ أرمين على وجوب سماع بعض ألحان الناي(2). يصل النادل. يطلب منه تشكيلة "مازا"(3)، وبشكل خاص صحناً "إنكليزياً". ويخرج أرمين من محفظته السوداء الرسمية جداً هدية من صديق إنكليزي، والمكمّل الذي لابدَّ منه، الذي لا يباع في المطاعم ولا يتوصل إليه إلا عن طريق العملة الأجنبية: زجاجة الويسكي. هي ساحرة حرّرت دائماً حالات روحية في أرمين. ومع العزف الحزين والأنين الخفيف للناي في الخلف أحسستُ أنا أيضاً بأن روحي تتناثر. جلس الثلاثة رعاة أسفل الشجرة ذات القشر الكثيف والأوراق اليابسة والأغصان المكسَّرة. الأعشاب عالية ونادرة وبريّة. وأخرج راعيان ناياً صغيراً من جيبهما ورافقهما الثالث مع طبلته. وعلى بعد قليل، كنيسة منسية ترتعش. القبة مقتلعة وأحجارها راسخة أكلتها الطحالب. وفي جهة أخرى، سيدة عجوز بغطاء رأس أسود يتدلى على كتفيها جالسة على مقعد حجري عند مدخل البيت؛ ورفيقها العجوز بجانبها ينظر إليها ووجهه يستند على يده. تغزل المرأة صوفاً غامقاً وتقيس حركاتها الطويلة الموجهة إلى الكتف المنحدر لرجلها. وهناك على البعد، بقرتان رأساهما منخفضان تدوسان الأرض بثقل وتجران وراءهما الدرّاسة التي يوجهها الفلاح بعصا طويلة في يده. ازرع أيها الزارع ولتكن حركتك أبدية من أجل الطاولة في منزلك كل هذه الحبوب المتناثرة ستمطر غداً مطرة مطهّرة على أحفادك(4). رغبة شديدة تصعد من أعماق ذاتي، رغبة البقاء فترة في أرمينيا القديمة هذه. وأن أعود إلى الغضار القديم في مهد تقاليدها. ـ سآخذك إلى قرية تيليجان، يقول لي أرمين، لي فيها عائلة ومكان. وسوف يستقبلونك بفرح. لقد تكلم عن "كيور (Kiour) مقطع واحد وحرف" راء "r" قاسية في الأخير. كلمة كاملة لتدل على "قرية" والتي تعني أيضاً "ريف" في الأرمنية. حدّ قصير جداً وصعب ليدلّ على الآفاق البعيدة المتموجة تحت الريح، الأراضي المزروعة أو الأراضي القاحلة وبدون حصاد، وعلى حياة الزهد والمليئة للفلاحين وتقاليدهم الغنية. "كيور" ليست بعيدة عن "كار" (الحجر) ولكنها أكثر حلاوة، كما لو أن التربة اللزجة قد صقلت زواياها. "كيور" إذاً أرض ثقيلة ترن مثل آخر اتصال بالحياة. ويشكل الأرمن شعباً ينتمي إلى الأرض. سَكَتَ أرمين. سكون ممتلئ بالحنين. رغبتي بالدخول بعمق أكثر أيضاً في أرمينيا يجعله يفكر: ـ لماذا يسعى كثير من الناس لمغادرة البلد؟ في الواقع حوالي 12000 أرمني غادروا خلال السنة الماضية. والحركة لا تزال في بدايتها الآن، آخذة معها في موجاتها المتعاقبة جزءاً كبيراً من القوة العاملة الحية في البلد. ـ ذلك اليوم أيضاً، يتابع مرافقي، قال لي طبيب" "أرمين أنت الذي لديه اتصالات مع الخارج، ساعدني على الخروج من هنا". نفس الطلب جاءني من موسيقي. بلدنا تفرغ، من جميع المهن بدون تحديد. كارثة حقيقية. الناس لا يصبرون وليس لديهم مثابرة ولا يتبعون أي هدف وينحرفون عند وجود أقل عائق. ما يهمهم النتائج الفورية وهي الأكل جيداً واللباس الجيد والحصول على سيارة ومسجلة... ـ لكن أنت يا أرمين، ماذا يبقيك هنا؟ ـ أسدغيك، أنا أرمني، أنا أرمني "جيد"، ومهما كان المستوى، اتّحد ذاتياً مع شعبي. قدري أن أرتبط به. هنا موطني وليس في مكان آخر. (1) يعيد الأرمن الميلاد في 6 كانون الثاني في الوقت نفسه مع عيد الغطاس انسجاماً مع تقليد الكنيسة الأولى. (2) ناي صوته خشن ودافئ من الآلات الأكثر شهرة في أرمينيا له شعبية جداً لدى الرعاة. (3) مجموعة صحون مختلفة من السلطات والخضار تقدم باردة كمقبلات. (4) من قصيدة للشاعر تانييل فاروجان (1884- 1915)، مأخوذة من ديوانه "نشيد الخبز"، أشعار مترجمة من قبل فاهيه غوديل، نشر: "ما بين هلالين" 1990. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |