|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
إنه أمر الله ـــ ت.مهران مينسيان ـ تأليف: سيمون سيمونيان(1) (1)عندما رُزق أرتين الطويل ببنت للمرة السابعة ولم يحاول أن يقتل نفسه ولا أن يقتل زوجته، غمر الشك الحقيقي لحظة جميع مواطنيه حول كونه صاصونياً أصيلاً. فقد أعاد جميع الصواصنة المعمرّين النظر في نسبه، وبعد دراسة مستفيضة، وبدهشة كبيرة وصلوا إلى نتيجة حتمية وهي أنَّه صاصوني أصيل، من قرية بيلاف في صاصون، وأنَّه حفيد سبط كينكو الشهير الذي كان قَدْ قتل دباً بصفعة واحدة قبل قرن من الزمان، وأنَّه شرب مياه الوطن الجبلية الخالدة، واستنشق هواءه البارد، وداست رجلاه صخور الوطن وتربته الطيبة، وأنَّه في الغربة أيضاً عاش كصاصوني حقيقي، وأنه أحب الخيول الأصيلة، وعمل طحَّاناً فقط، وحافظ على شرفه عالياً، أي حافظ على شاربه الطويل جداً، الموجود على جسمه النحيف والطويل جداً. ولكن بعد كلّّ هذه البراهين الثابتة، بقي مواطنوه المعمرون مدهوشين من أنَّ أرتين الطويل إن لم يقتل لا نفسه ولا زوجته، فإنَّه على الأقل لم يقص شاربه الطويل أيضاً، أو لم يهرب إلى الطاحون من الألم والخجل، كي يسجن نفسه هناك طواعية سنة كاملة فلا يرى الوجوه اللاذعة لمواطنيه الذين كانوا يملكون أولاداً ذكوراً، بل بقي في البيت ودخَّن سيجارته، وتأمَّل طويلاً وجه مولودته، وجه ابنته السابعة... * * * عند كانت زوجته تتألّم في مخاض ابنتها السابعة، كان أرتين الطويل قَدْ صعد إلى السطح وانحنى تحت جداره وصار يدخِّن سيكارته الغليظة بانفعال شديد وهو يراقب غروب الشمس ويسحب السَّبحة بأصابعه المضطربة، وكان "فريقٌ" من بناته قَدْ صعد إلى السطح أيضاً، فإحداهن كانت تنسج، والأخرى تغني، أمَّا الثالثة، زاروهي، فكانت تتعلَّم أغنية "ولادة فاهاكن"، وكانت قَدْ حفظت الأبيات الثلاثة الأولى: "كانت السماء والأرض في مخاض، وكان البحر الأحمر في مخاض أيضاً، وكان القصب الأحمر أيضاً له حصة من مخاض البحر". كان أرتين الطويل يتابع النظر إلى الغروب الأحمر بعينين نصف مغلقتين. هآ، إن الشمس تغيب، وبعد قليل سيولد طفل... ("كانت السماء والأرض في مخاض"). كان قلبه في أزمة شديدة وكان ألم الرزق ببنت سابعة والبقاء أباً لسبع بنات فقط يحط على قلبه كالرصاص وكاد أن يحبس أنفاسه، وكان القلق يرمي بروحه من واد إلى واد، كشجرة مقتلعة من جذورها من جرَّاء السيول الغزيرة التي شكلتها مياه جبال الوطن العالية. إن عائلته الموغلة في القدم ستنقرض نهائياً بدون صبي، كنهر صغير يسير في بادية واسعة. إن سراج بيته سينطفئ وبناته السبعة سيشعلن سراج بيوت غريبة وسيبقين عاجزات عن نقل اسم عائلة والدهن من جيل إلى جيل. إن كيان أرتين الطويل الذي كان قَدْ تعرَّض للاختبار ست مرات فيما مضى، هاهو يتعرَّض للاختبار السابع والأخير. مع البنت السابعة كان سيتحول إلى ميت ـ حيّ، إلى كائن بدون خلَف في الكون الواسع، سيتحوَّل إلى رجل بلا ثمرة، حتى أنَّ العيش بالنسبة إليه سيكون بداية موت بلا نهاية... ... كانت آخر شعاعات الشمس قَدْ انسحبت كأشواك القنفذ، والظلام أسدل ستاره على المدينة، وكانت أضواء البيوت قَدْ أشعلت، وكانت تصل إلى أذني آرتين الطويل من الأسفل، من بيته المغلق بإحكام آهات زوجته التي كانت في مخاض شديد منذ ست ساعات. لقد غمرته سعادة خاصة عندما تذكَّر قول أمه المتوفاة منذ أمد طويل بأن الذكور يولدون بصعوبة... تابع سحب سبحته التي كان رنين صوتها الناعم يسكِّن ألمه الناتج عن عدم الصبر. كانت ابنته زاروهي قَدْ حفظت درسها، لأنها كانت على السطح المظلم للبيت تردد الأسطر الأخيرة لأغنية "ولادة فاهاكن": ".... وكان له ذقن من اللهب، وكانت عيناه شموساً". نزلت بنات أرتين الطويل إلى الأسفل الواحدة تلو الأخرى ودخلن بيت جارتهن، لأن دخولهن إلى غرفتهن الوحيدة في دارهن كان ممنوعاً منعاً باتاً... بقي أرتين الطويل وحيداً على السطح وحدَّق بنظره إلى النجوم الساطعة والقمر الذي كان يطل من الأفق يضيء أحد طرفيه بهدوء. كان أرتين الطويل يسحب سبَّحته بلا انقطاع، وكان ينجِّم في ذهنه حسب حبّات السبَّحة وهو يجرّب حظه، وغالباً ما كان يحصل على نتيجة حزينة، ألا وهي أنه سيكون أباً لبنت... حيئذ كان أرتين المسكين يهتّز ويطلب الرحمة من الله رافعاً عينيه إلى الأعلى، كي يسلمه من تعاسة الرزق ببنت للمرة السابعة. توقف عن سحب سبَّحته كي لا يحصل على تنبّؤ سيئ من جديد. سارت نشوة دافئة في جسمه غمرته بنشاط خاص بالشباب، أُغلقت عيناه بهدوء وظهر أمام خياله "وليده الجديد". آه، كم سيحبّه وينقل جميع بركاته إليه عن طريق قبلات دافئة، وبحبّه اللاهب هذا كان سيعطيه نمو أسبوع كامل خلال يوم واحد. لقد جلب الحلم الجميل كنبيذ طيب خدراً ومن ثمّ نوماً إلى جسم أرتين الطويل المتعب من الانتظار. عندما استيقظ من نومه كانت الأصوات الآتية من الأسفل قَدْ انقطعت، وكانت آهات المخاض قَدْ سكتت، إذاً، فالولادة قَدْ تمت، وبما أنه لم تخرج أية امرأة إلى السطح لتهنّئه، إذاً، كان واضحاً بأن المولودة هي بنت... قلق أرتين الطويل كمن يسمع حكم إعدامه. قام من مكانه متمايلاً وهبط الدرجات بصعوبة، مرّ من أمام باب بيته المغلق الذي كان يُسمع منه ضجيج النسوة وحديثهن ودخل بيت جاره، حيث كانت بناته الست وأصحاب البيت جالسين بسكوت وحزن مكتوم. ذهب أرتين الطويل وجلس على مقعد فارغ، أشعل سيكارة ودخَّن بملء رئتيه وصار يسحب حبَّات سبّحته. تكلّمت جارته كي تقطع السكوت الذي كان يضغط على الجو ولكي تفهمه الحدث المحزن بلباقة، قالت: ـ يا عم أرتين، إن البنت الصالحة أفضل من ولد شرير. لم يجاوبها أرتين الطويل، بل قال في سره الولد الصالح يسوي أكثر من سبع بنات. نظرت بنات أرتين الطويل إلى والدهن الحزين بعيون كأنَّها مذنبة. كان سكوته يضغط عليهن. ساد السكوت من جديد. وفجأة انفجرت الصرخات القويّة لزوجته والتي كانت أعلى من صرخات المخاض. ركضت الجارة أيضاً إلى غرفة الولادة. كانت زوجة أرتين الطويل تريد الانتحار وكانت تلقي بنفسها من السرير... كانت الصرخات تمتد بلا نهاية وبأعلى درجاتها، وكانت المرأة المغلوبة على أمرها تزيد من قلقها واضطرابها كي تقلّل بالمقابل وتخنق في بحر ألمها آلام زوجها. باتت صرخاتها أكثر عصبية رويداً رويداً إلى أن أُغمي عليها وسقطت سقطة مميتة. اصفرّ وجهها ضارباً إلى الاخضرار، وغمر العرق الغزير جسمها وكأن أجنحة الموت تحرّكت بحزن. استطاع البصل والليمون والتمسيد السريع، وبصعوبة بالغة، إعادة المرأة البائسة إلى ما كانت عليه. أمرت المرأة الأكبر سناً بفتح نافذتين كي يحصلوا على كمية أكبر من الهواء البارد. لقد غمرت النسوة المجتمعات زوجة أرتين الطويل بالنصائح المختلفة، والتي أجّجت تعاستها بدلاً من أن تعزيها. عادت الجارة بقلق ونظرت إلى أرتين الطويل الذي كان مازال يدخّن ويسحب سبّحته بصمت، وكأنّه كان في سكوته يطلق أصواتاً أعلى من صرخات زوجته قبل أن يغمى عليها، وكانت أعين بناته الست قَدْ تبلّلت بشكل واضح من صرخات أمهنّ وإغمائها ومن سكوت والدهن الشرس. بعد قليل، عندما كانت الساعة تقترب من العاشرة، دخل مارديك، الابن البكر لجارته الذي كان يعود من اجتماع وهو يحمل تحت إبطه مجموعة من الصحف والمجلات الملفوفة بعضها على بعض، وهو يحمل في رأسه تربية أعلى من الوسط بقليل وكمية قليلة من العرق، أما على شفتيه فصفارة وأغنية خاصة بأرمينية. كان مارديك شاباً ظريفاً، وكان أرتين الطويل يحبه بسبب طبيعته السعيدة ولأنّه كان يعطيه معلومات عن أرمينية. خلال لحظات استطاع مارديك معرفة ما حصل وأراد التخفيف من ألم أرتين الطويل، فألقى الصحف والمجلات أمام البنات كي يتسلين بها وينسين تعاستهن التي لا تشفى، أما هو فالتفت إلى أرتين الطويل وسأله: ـ عم أرتين؟ ـ نعم، قالها أرتين الطويل. تشجّع مارديك، لأنه استطاع خطف كلمة من ذلك السكوت المتحجّر، وكأن تلك الكلمة الوحيدة التي خطفها منه كانت بمثابة إعادة الاستنشاق المفاجئ لرجل ميت، فأرتين الطويل، ذلك الرجل ميت نفسياً، هاقد عاد إلى الحياة. تابع مارديك حديثه: ـ كم عمرك، يا عم أرتين؟ ـ خمسون. ـ هل سجّلت اسمك لتهاجر إلى أرمينية؟ ـ نعم. ـ مازلت شاباً. غداً تذهب إلى الوطن، وهناك أيضاً ترزق بسبعة أولاد، وهذه المرة ترزق سبعة شبّان. لا تيأس، إن هواء وماء أرمينية مختلفان. إن هواء هذا البلد لا يناسبك. ضحكت "فرقة" مؤلّفة من ثلاث فتيات من بنات أرتين الطويل من كلام مارديك هذا، أما الثلاث الباقيات فتابعن تصفح المجلة والنظر إلى صورها. أما أرتين الطويل فلم يضحك ولم يغضب، بل سكت وانكفأ على نفسه. وحبَّات السبّحة ارتفعت مرَّات عديدة في يده بسرعة وهبطت بصوت جميل. سأل مارديك كي يبدِّد الصمت ثانية: ـ أليس كذلك، يا عم أرتين؟ ـ إن مياه الوطن مختلفة، قالها أرتين الطويل، إن مياه الوطن مياه مذكرة، أما مياه هذا البلد ففيها نفس امرأة... ضحك مارديك، ولكي يبث الحماس في نفس أرتين الطويل، خطب بإيمان: ـ في بلدنا، يا عم أرتين، ليس هناك فرق بين الشبان والبنات، فالبنات أيضاً يعملن كالشبان ويعنين بأهلهن كالشبان، البنات بطلات كالشبان، انتظر قليلاً لأريك، والتفت إلى بنات أرتين اطويل وقال: ـ أيتها الفتيات، ناولنني تلك المجلات /دعن والدكن يَرَ هذه الصور.. انفتحت صفحات مجلة كبيرة آتية من أرمينية، وبنات أرتين الطويل بدأن بالسرد بحزن أرمني: ـ بابا، هذه الفتاة هي مديرة هذا المصنع. ـ بابا، هؤلاء الفتيات يحصدن الزرع بالآلات. ـ بابا، هؤلاء الفتيات يجمعن القطن. ـ بابا، هذه الفتاة تقود طيارة. ـ بابا، هذه المرأة وزيرة.. تقلبت الصفحات، واستمرت الفتيات في صنع أشياء كثيرة في أرمينية، سيطرن على الأرض والماء، وكذلك على الآلات والقلوب، لكنهن لم يستطعن تحويل البنت السابعة لأرتين الطويل إلى ولد. انتهت الصفحات. ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه أرتين الطويل، فتشجعت الفتيات وعزين والدهن: ـ لا تفكر يا بابا، إني سأجلب لك السجائر إلى آخر عمرك، قالتها البنت الكبيرة التي كانت تعمل في معمل السجائر، والتي كان من حقها الحصول على السجائر من المعمل بأسعار مخفضة إلى جانب راتبها الصغير. ـ بابا، إني سأجلب لك الجوارب دائماً، قالتها الثانية التي كانت تعمل في معمل للجوارب. ـ بابا، قالتها الطالبة زاروهي، البنت الثالثة، إنني سأكبر وسأربح أكثر من الرجال كلهم ولن أتركك بلا معين، وأما إذا ذهبنا إلى أرمينية، فإنني سأجعلك تعيش مثل رجل له سبعة شبان. التفت الفتاة الرابعة إلى والدها وجلست الخامسة في حضنه، أما السادسة فاقتربت منه زاحفة وقالت: ـ با...با. ذاب الجليد المتمركز في قلب أرتين الطويل، ودفئت مياه ذلك الجليد وجلبت معها الحب لروح أرتين الطويل المتألِّمة. فرح مارديك من كلّّ قلبه. كان الليل قَدْ تقدّم، وكان عويل الكلاب يمتد في الظلام. باركت الجارة ابنها مارديك في ذهنها. كان بيت أرتين الطويل قَدْ فرغ من النساء، وكان على الجميع أن يناموا. حمل أرتين الطويل بناته الست وانسحب إلى بيته. كانت زوجته تنام نوماً عميقاً، نوماً خاصاً باللواتي يضعن أطفالاً، بعد الآلام الطويلة للمخاض. كانت حماته العجوز تدور في البيت لترتّب أشياء كثيرة. بدأت الفتيات الكبار بمساعدة جدتهنّ: مُدّت الأسرَّة على الأرض، والصغيرات نمن بسرعة، ومن ثم الكبيرات لكي ينسين في نومهنّ الألم الكبير الآتي من كونهنّ قَدْ ولدن بناتاً. أشعل أرتين الطويل سيكارة جديدة وهو واقف وظهره للجدار ونظر إلى الوجه المتألّم لزوجته من خلال الدخان المتصاعد، وقال لنفسه: ـ مسكينة. بعد قليل نامت حماته أيضاً. لم يبق يقظاً إلا أرتين الطويل الذي كان النوم بعيداً عن عينيه بعض الشيء تلك الليلة، في غرفة واحدة كنّ ينمن تسعة أشخاص وكلَّهن من نسل حواء: حماة وابنتها وسبع حفيدات. في ذلك الحشد "النسائي" أحس أرتين الطويل بألم لا يوصف وليس بالإمكان التكلّم عنه، ربَّما كان ذلك الألم الذي تفوح منه رائحة الموت والذي سيجلب إليه الإحساس المظلم بزوال نسله. غاص أرتين الطويل في تأمّلات، وفجأة استيقظت المولودة الجديدة، ابنته السابعة، وببكائها الهادئ والعذب أوقفت تأمُلات والدها، تأمّلات أب متحسّر على ولادة ابنته. قال أرتين الطويل بعد سماعه البكاء الذي كان له دوي حبات سبَّحته: ـ بنت الكلب... تابعت المولودة بكاءها اللامتناهي. اعتادت أذنا أرتين الطويل بسرعة على صوت ذلك البكاء، مثلما كانتا قَدْ اعتادتا سابقاً على الضجيج الدائم للطاحون. غرق أرتين الطويل ثانية في التأمّلات، التي نمت فيه بقوة وأجبرت الأصوات الناعمة لبكاء طفلته على السكوت. تذكّر أرتين الطويل ولادة بناته. عندما ولدت ابنته الأولى قال: مازلت شاباً. عند ولادة الثانية قال: إن الله يعطينا، أي أراد أن يقول بأنه في المرة الثالثة سيرزق ابناً. وحقاً، رزق أرتين الطويل إبناً في المرة الثالثة، فغمره بحب عميق وبحنان لا نهائي. فغطّوا سريره بغطاء من الحرير وعلّقوا على صدره صليباً ذهبياً، أما زوجته فقد علّقت خرزة زرقاء على كتفه كي لا يصاب بالعين، وعندما عمّدوه فاض العرق وتخلّصت رقصات وأغنيات صاصون من صدئها، لكن الموت قرر أن يأخذ ذلك الوليد بعد ستة أشهر وبقي حب أرتين الطويل وحنانه عاجزين أمامه. لم ييأس أرتين الطويل، لكنه في المرة التالية رزق بنتاً من جديد ومن قلقه هرب إلى الطاحون ولم يعد إلى البيت إلاَّ بعد ستة أشهر، وعند الخامسة هرب سنة كاملة، وأخيراً، عند ولادة السادسة شرب العرق وشهر خنجره كي يقتل زوجته. تذكر أرتين الطويل بعد ذلك كم صلّى حيئذٍ واستغاث بالقديس كارابيد، قديس مدينة موش، كي يرزق بابن بعد ست بنات...، وهاهو يرزق ببنت من جديد. كانت روحه الجبلية تكره البنات اللواتي هنّ أخصب مكان لأعمال الشيطان. كان يكره "بنات حلب"، يكره زينتهنَّ المصطنعة وسلوكهنَّ الجريء والحرّ، وبالرغم من عدائه الشديد لهنّ كان يُغمر بالفتيات. كان اسم عائلته سيذوب، وكان يفكّر أيضاً في كيفية تزويجهنّ... فمن الصعب أن يستطيع تحضير الجهاز لهن، هو الوحيد، وأما الذين يأكلون فهم تسعة أشخاص، ولهذا السبب كان قَدْ اضطر، ورغماً عنه، إلى إرسال اثنتين منهن إلى العمل، إحداهما في معمل السجائر والثانية في معمل الجوارب. كان قَدْ قرر بأنه لو رزق ببنت سابعة سيقتل نفسه أو زوجته، كما كان معارفه من الصواصنة يعتقدون ذلك، لكن كلام مارديك وصور المجلة الآتية من أرمينية شجَّعاه ومنحاه الأمان. في أرمينية بناته سيعملن بطريقة شريفة ولن يذبلن في البيت بسبب فقرهنّ، الشيء الذي كان سيحدث هنا، في المهجر. فالهجرة إلى أرمينية ستنقذه من المشاكل المادية. لكن يبقى ألمه الأكبر، الألم الذي لن يزول: الألم الآتي من عدم رزقه بولده. آه، بابن وحيد كانت البادية الصفراء لحياته ستزهر واحة خضراء، واسم عائلته القديمة سيلمع كسراج منير جيلاً بعد جيل، وموته بعد ذلك لن يكون مقبرة عائلته. آه، كم كان سيحبّ ذلك الفتى. كلّّ بركاته وكل ما كان سيفعله أجداده ولم يستطيعوا فعله كان سينقله إلى ذلك الفتى عن طريق قبلاته الحارة، وعندما يزوره الموت المحتوم، كان سيغلق عينيه بهدوء وهو يراهما مفتوحتين في عيني ابنه الشموس... * * * نزل النعاس على عيني أرتين الطويل، وأظلمت تأمّلاته التي ربما أكملت سيرها في حلمه. لم يستيقظ أرتين الطويل إلاَّ عند بزوغ الشمس. فتح عينيه اللتين التقتا بعيني زوجته التي كانت قَدْ استيقظت هي أيضاً. نظر كلّّ منهما إلى الآخر. كانت الوليدة تبكي بهدوء. طلبت الزوجة ماء. صعد أرتين الطويل من مكانه وسقاها كأساً من الماء، فشربتها، وبعد ذلك طلبت من أرتين وكأنها تطلب الماء ثانية: ـ أرتين، أين هو خنجرك، أغرزه في قلبي. كان أرتين الطويل واقفاً فوق سرير زوجته بقامته الطويلة، ومن الأعلى، من الأعلى جداً نظر إلى زوجته المعذّبة، واضطرب قلبه وهمس بصوت خفيف: ـ يا بايزار، إنه أمر الله، لقد مرّت أيامي هباءً، لنذهب إلى بلدنا، ربما نرزق بابن هناك... (1) أديب أرمني معاصر ولد في مدينة عينتاب في العام 1913 من عائلة مهاجرة من منطقة صاصون في أرمينية. بعد المجازر الأرمنية في تركيا العام 1915 التجأ وعائلته إلى حلب حيث تلقى فيها تعليمه الابتدائي الذي أكمله في ما بعد في أنطلياس (بيروت)، ثم عاد إلى حلب وعمل في التدريس مدة، ,أسس مجلة أدبية وعمل في مجال الأدب ونشر العديد من المقالات والدراسات التاريخية، انتقل بعدها إلى بيروت وعاش فيها إلى أن وافته المنيّة في العام 1986. في بيروت أيضاً عمل سيمونيان في مجال الأدب، فأسس جريدة أدبية أسبوعية ورأس تحريرها فترة طويلة (1958 ـ 1975)، وأسس كذلك مطبعة نشرت مئات الكتب القيِّمة، إلى جانب رواياته ومجموعاته القصصية العديدة التي نقتطف من إحداها هذه القصة الواقعية المأخوذة من حياة الصواصنة (نسبة إلى سكان منطقة صاصون في أرمينية) في حلب وهم المعروفون فيها بعملهم الشاق في الأفران والطواحين، حيث كان أغلب فرَّاني المدينة منهم في بداية القرن العشرين، حتى أن اسم "الصوصاني" كان يعني "الفرَّان" عند أهل حلب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |