مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 123 صيف 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

البنفسجة الجبلية ـــ بقلم: أكسل باكنتوس(1) ـ ت.توفيق الأسدي

تكتسي قمة جبل كاغافابيردا بالغيوم على مدار العام. وتخفي بقع الثلج البيضاء الأسوار المسننة للقلعة، بينما تبرز الأبراج السوداء العالية هنا وهناك. من بعيد يبدو أن هناك حرساً يقومون بدوريات من فوق الأسوار وأن بوابات القلعة الحديدية الضخمة مقفلة وأنه في أي لحظة قد يتحدى أحد الحراس غريباً يتسلق الجبل.‏

ولكن حين تبعثر الريح السحب وتتلاشى المزق البيضاء، فإن القمة المائلة للبرج تبدو أول ما تبدو ثم الأسوار التي نمت عليها النباتات، والتي غرق نصفها في الأرض. لا بوابات ولا حرس.‏

يعم الصمت خرائب كاغافابيردا. الصوت الوحيد المسموع هو صوت نهر "الباسوت" الهائج في الوادي إلى الأسفل وهو يندفع في طريقه، يصقل صخور المرو في حوض النهر الصخري العميق الضيق. يبدو وكأن هناك آلافاً من الكلاب الذئبية تعوي تحت المياه المزبدة، وهي تنهش بأنيابها سلاسلها الحديدية.‏

كان صقر ونسر قَدْ عششا في الأسوار. وعند سماع أول وقع لأقدام راحا يطيران وهما يزعقان زعقات حادة ويبدأان بالتحويم فوق الخرائب. ينضم إليهما عقاب جبلي. منقاره سيف معقوف ومخالبه رماح مدببة أما ريشه فدرع من زرد.‏

الزهرة الوحيدة التي تنمو على هذا الارتفاع الشاهق على جبل كاغافابيردا هي البنفسجة. لونها أحمر كالدم بلون أقدام طيور الترمجان. تبرز الزهرة من بين الخرائب. وحين تحط الغيوم فوق أسوار القلعة الموحشة، فإن الساق تنحني إلى الأسفل لتدع الزهرة تلقي برأسها على صخرة جففتها الشمس. هاهي خنفساء لامعة تستحم في غبار الطلع، وترى الزهرة أرجوحة والعالم برعماً قرمزياً.‏

هناك بعيداً في الأسفل، في الوادي على الضفة المقابلة لنهر الباسوت، أكواخ عديدة. في الصباح تصعد أعمدة صباحية من الدخان من الفتحات الدائرية في الأسقف. تتحول إلى شرائط زرقاء وتختفي بين الغيوم. في حر الظهيرة قَدْ يصيح ديك في القرية. يرسم فلاح عجوز، وهو يتثاءب في ظل منزله وقد غرق في ذكرياته، أشكالاً على الرمل بقضيب.‏

يجري الوقت ببطء في كلّّ مكان من القرية وفي القلعة في الأعلى. تشبه السنون الأوراق المتغيرة لشجرة. تصبح الذكريات مختلطة. والآن كما هو الحال دائماً، يندفع النهر هنا، وفي الأعلى هناك الصخور نفسها والعقاب الجبلي نفسه.‏

كم عدد الأجيال التي عاشت حياتها على ضفة الباسوت؟ كم عدد الناس الذين نشروا أبسطتهم اللبادية الرثة هنا وغطوا أسقفهم بالقصب؟ في الربيع حين يزهر البنفسج على منحدرات كاغافابيردا فكم هو عدد من اصطحبوا عنزاتهم وأغنامهم نحو مراعي الجبل، ثم ملأوا أعدلة سروجهم بالجبن، وأكلوها في الشتاء مع خبز الشوفان؟‏

في عصر أحد الأيام الحارة كان ثلاثة رجال يمتطون صهوات الجياد قَدْ صعدوا المنحدر الصخري لجبل كاغافابيردا. ومن ملابسهم وطريقة رجلين منهم في الجلوس على سرجيهما كنت تستطيع أن تميز أنهما من سكان المدن الذين لم يسبق لهم أن شاهدوا القلعة أو الصخور الشاهقة من قبل.‏

كان الرجل الثالث هو دليلهم. وبينما كان الرجلان الأولان يتشبثان بعرفي جواديهما وكانا عملياً قَدْ أحنيا ظهريهما إلى أقصى حد للحفاظ على نفسيهما من السقوط، كان الراكب الثالث يهمهم أغنية وهو يتأرجح في سرجه، أغنية حزينة ويائسة شأن الوادي المهجور، وشأن الجرف الكئيب والقرية البعيدة.‏

كانت الغيوم التي تخفي القلعة وراءها تنفتح أحياناً كما الستارة، فتكشف الأسوار حيناً وتغطي القمم حيناً آخر. الراكب الأول لم يستطع أن يبعد عينيه عن الأسوار. في ذهنه كان يراجع الأساطير التي رويت عن القلعة، حكايا محفوظة في التاريخ المدون على الرقوق الذي يعود إلى عهود كان الأمراء يحكمون فيها هنا، حين كانت الجياد المدرعة تطأ الممر خارج البوابة الحديدية والمحاربون الملوحون برماحهم يعودون من رحلات الصيد. كانت العينان المحدقتان من خلف نظارتين عيني عالم. كان يستطيع فعلاً مشاهدة المحاربين والرواة الذي دبجوا القصائد في مديحهم وبروا قصباتهم وهم يدونون الكلمات فوق الرقوق. كان قادراً على سماع وقع حوافر تلك الجياد القديمة. كما كان صعباً عليه أن يصعد وهو راكب هذا الجرف الذي كان ساكنو القلعة السابقون يتسلقونه بكل سهولة كأنهم ماعز جبلي.‏

وأخيراً وصلوا القرية. تابع الراكب الأول طريقه. كان يبحث عن الدرب القديم ولم يلاحظ لا الأطفال الذين يلعبون في رماد نار المخيم ولا العنزات التي لحقت به بعيون مندهشة.‏

أما الراكب الثاني، وهو رجل يرتدي قبعة من اللباد، فلم يكن يبحث عن الماضي على قمة كاغافابيردا. كانت ممتلكاته عبارة عن قلم رصاص مبري ومجموعة سميكة من أوراق الرسم. ما أن يطل عليه وجه أو زاوية فاتنة بصخرة مغطاة بالطحلب حتى يبدأ بالرسم.‏

كان أحد الراكبين عالم آثار والآخر فناناً. وحين وصلوا إلى أول مسكن اندفع عدد من الكلاب باتجاههم. وما أن سمع بعض الناس النباح حتى خرجوا وراحوا يحدقون إليهم من عتبات البيوت.‏

أما الأطفال الذين كانوا يلعبون في الرماد فراحوا يراقبون الكلاب النابحة وهي تطارد الجياد. عبثاً حاول الدليل أن ينهرها بسوطه. ظلت الكلاب ترافقهم حتى أسوار القلعة وعندها فحسب استدارت عائدة وراحت تهبط مجدداً وبسرعة.‏

بدت حجارة القلعة وكأنها عادت إلى الحياة: كانت تكلم عالم الآثار. اقترب من كلّّ حجر، وانحنى باحثاً عن شيء ما، ثم قاس الأحجار، وراح يدون في دفتر ملاحظاته، وهو يحفر في التراب برأس حذائه ليكشف حجراً متشكلاً آخر. وأخيراً تسلق السور وحشر رأسه عبر إحدى فتحات الرمي في البرج. عند مشاهدته الكتابة المحفورة في السور صرخ عالياً.‏

قفز الدليل الذي كان قَدْ أرخى عنان جواده وجلس قرب السور يدخن، قفز واقفاً عندما سمع الصرخة. ظن أن الرجل ذا النظارتين قَدْ لدغته حية.‏

كان الفنان يرسم خرائب السور والبرج المدبب. وحين أنهى رسم مدخل القلعة توقف قلمه الرصاص في الجو، فقد كان النسر، الذي أزعجه وقع الأقدام، قَدْ طار من عشه. وراح الآن يحوم فوق البرج. لحقت به الطيور الأخرى وهي ترفرف أجنحتها بقوة.‏

تجمعت الجياد الخائفة معاً. وحين صرخ عالم الآثار بأنه اكتشف قبر الأمير باكور، فإن الفنان لم يكن يعرف ما الذي يتحدث عنه عالم الآثار. كان يتابع طيران النسور، والرفرفة القوية لأجنحتها، مفتوناً بمناقيرها الحمراء كالدم. كان هناك شيء جليل في حومانها.‏

لم يشعر حين سقطت قبعته عن رأسه ووقعت على قمة الصخرة.‏

راح فلاح دس منجلاً في حزامه وعقد منديلاً قذراً على رأسه وهو يتكئ على عصا يتسلق المنحدر الصخري ويقترب من الدليل.‏

كان قَدْ شاهد الرجل ذا النظارتين يحرك صخرة. وحين سأل الدليل عمن يكون هذان الغريبان وعما يبحثان بين الخرائب، لم يحر هذا جواباً. ثم قال إنه مكتوب في أحد الكتب أن جرة كبيرة من النقود الذهبية مدفونة في مكان ما فوق قمة كاغافابيردا.‏

غرق الفلاح في نوبة من التأمل. ثم هز كتفيه وهبط نحو الوادي ليحصد الدخن في حقله. كان يحدث نفسه بصوت مرتفع وهو يمضي بعيداً. لكم كان محظوظاً لو أنه وجد الكنز المدفون. لكم جلس فوق كلّّ حجر حركه الرجل ذو النظارتين. لو أنه كان يعلم فحسب بالكنز من قبل لكانت جيوبه سترن بالذهب. آه، كم بقرة كان سيشتري.... وهكذا وصل إلى حقله وهو منشغل بأفكاره. خلع سترته الطويلة ورمى جانباً الأفكار العقيمة معها، وأمسك بحفنة من الدخن وراح يحصد.‏

كانت بنفسجة قَدْ أزهرت بين الآثار، ولكن عالم الآثار لم يلاحظ الزهرة القرمزية اللون ولا العشب. كانت كلها قَدْ سحقت تحت جزمته.‏

كان العالم بالنسبة إليه متحفاً عظيماً واحداً ليس فيه شيء حيّ. أبعد اللبلاب الذي كان يغطي الحجارة برأس عصاه واقتلع البنفسج الذي أزهر في الشقوق ومرر يده بحب فوق الأحجار، وكشط الغبار الذي حتّ الكتابات المنقوشة. أما الفنان وبعد أن رسم كلّّ ما كان عالم الآثار مهتماً به، فقد بدأ يرسم الخرائب وعش النسر بين الصخور المسننة والبنفسجة المتفتحة في أسفل السور.‏

غادروا القلعة في العصر، وقبل الشروع بالهبوط سار عالم الآثار من حول الخرائب مجدداً، وهو يكتب ملاحظات في دفتره، ثم مشى بسرعة ليلحق بالآخرين.‏

في هذه المرة سار الدليل في المقدمة. ولو كان عالم الآثار يفكر في الأمير باكور والرقوق، ولو كان الفنان يستذكر البنفسجة وهو يصغي إلى مياه الباسوت المزبدة، فإن الدليل كان يحلم فقط بالكعكة الطازجة وجبن الماعز واللبن.‏

أنزل السروج عن الجياد عند أول مسكن، شد قوائمها ثم دخل عبر الباب الضيق. أقحمت الجياد الجائعة أفواهها في العشب النضر.‏

في الداخل، كان صبي صغير جالساً قرب الموقد وهو يشوي حبات من الفطر في الرماد الحار. وقد بوغت بمشاهدة الرجل الغريب. لم يكن يعرف إن كان عليه أن يهرب ويترك حبات الفطر تحترق، أو أن يخرجها من الرماد. وحين سمع وقع قدمي أمه الحافيتين يقترب أصبح أكثر جرأة. أخرج حبة فطر مشوية وراح يبردها فوق أحد أحجار الموقد.‏

دخلت أمه، وجذبت منديلها إلى ما فوق عينيها ثم مضت نحو الركن. أخرجت وسادتين من كومة من الفرشات وقدمتها إلى الزوار.‏

أخرج الدليل علبة طعام من القصدير من حقيبة ظهر عالم الآثار.‏

قال: "نحن جائعون يا أختاه. هل لك أن تعطينا بعض اللبن، إن كان لديك لبن، وأن تغلي لنا بعض الشاي؟ لدينا سكر."‏

مضت المرأة نحو الموقد، أبعدت حبات الفطر ثم انحنت فوق الرماد وبدأت تنفخ عليه. انزلق المنديل من على رأسها فكشف للفنان جبينها الأبيض، وشعرها الأسود الداكن وعينيها الداكنتين. لم يستطع أن يرف عينيه عن الموقد المدخن والمرأة تنحني فوق الرماد. أين شاهد هذا الوجه من قبل؟ إن هذا هو الجبين المرمري نفسه والعينان البنفسجيتان الداكنتان نفسهما. حين نهضت المرأة لتضع المنصب ثلاثي القوائم فوق النار فإن عينيها والغبار الأبيض للرماد الذي يغطي حاجبيها وشعرها لم يكونا يبعدان عنه سوى مسافة بوصات قليلة.‏

كانت سنون كثيرة قَدْ مرت. هل يمكن لوجهين أن يكونا متشابهين إلى هذا الحد؟ حتى شكل الفم كان هو نفسه عند المرأتين.‏

كان وجه هذه المرأة مسفوعاً بأشعة الشمس، ولكن عينيها كانتا عيني تلك المرأة، كان لهما كلتيهما الخصر النحيل ذاته والجسم الضئيل. كانت المرأة تتحرك بسرعة وصمت وهي تعد لهم الشاي. وكلما انحنت أو نهضت أو سارت فوق بسط القش كانت الأساور الفضية على كميها ترن كأجراس صغيرة بينما راح ثوبها الطويل يصدر حفيفاً رقيقاً.‏

المرأة الأخرى كانت ترتدي أيضاً أثواباً لها حفيف، ولكنها كانت ترتدي معطفاً رمادياً وقبعة من المخمل الأسود لها دبوس برتقالي اللون أيضاً.‏

تلك المرأة كانت بعيدة جداً الآن. ربما كان الباسوت الذي يتدفق نحو نهر آخر يصل أخيراً البحر حيث جلس ذات مرة على الشاطئ الرملي قرب المرأة الأخرى.‏

فتح الدليل علبة الصفيح الثانية. ظل عالم الآثار ينظر إلى الغطاء والأوعية التي عليه. كان الصبي يأكل من حبات الفطر ثم ينظر متعجباً إلى علبة الصفيح اللامعة، منتظراً أن يفرغها الغرباء. لاحظ الدليل نظرته فأعطاه إياها. راح الصبي يهزها. التهم كلب كان يقبع في الخارج اللقمة المتبقية من اللحم ولعق بقاياها. ثم اندفع الصبي خارجاً ليرى رفاقه العلبة البيضاء اللامعة، وهو مشهد لم يكن أحد قَدْ رآه في تلك الأنحاء.‏

جلست المرأة إلى القرب من الموقد، وراحت ترفع غطاء الإبريق مرات عديدة لتتأكد من أن الماء قَدْ غلى.راحت تعبث بالنار وتقرب عيدان الحطب من بعضها البعض، وهي تحمي عينيها من الدخان الذي راح يتصاعد كسحابة ويهرب من الشقوق في جدران القصب.‏

بدت المرأة الجالسة عند الموقد، والتي كانت ركبتاها واضحتي الخطوط تحت ثوبها الطويل، للفنان، كساحرة تستطيع أن ترى المستقبل في الدخان المتموج.‏

لم تكن المرأة الأخرى قَدْ سارت حافية القدمين قط كما لم يسبق لها أن جلست قرب موقد يتصاعد منه الدخان.‏

كان البحر يموج كالحمم البرونزية في الصباحات، ويلعق الصخور على امتداد الشاطئ. والمرأة في المخمل الأسود كانت قَدْ جلست على الشاطئ، وراحت ترسم خطوطاً في الرمل برأس شمسيتها ثم تمحوها. كان يفتت قضيباً يابساً بين يديه، والأمواج، التي كانت ترمي بالزبد عند قدميها، راحت تأخذ فتات القضيب نحو البحر. وبينما كانا جالسين هناك عند الشاطئ، وعدت المرأة بأن تتزوجه، وأصبح العالم فجأة بحراً لا حدود له، وقلبه جزءاً منه.‏

ثم جاءت أيام أخرى. كانت قَدْ فرقتهما على نحو مفاجئ جداً. كلّّ ما تبقى له كان ذكرى عينيها البنفسجيتين ومعطفها الرمادي ورأس شمسيتها الذي كتبت به ومحت وعدها في الرمال.‏

جلجل غطاء الإبريق. أخذت المرأة بعض الصحون من سلة كما وضعت بعض الكؤوس المطلية على الغطاء. وحين انحنت فوقه انزلقت ضفيرتها الطويلة من فوق كتفها. المرأة عند شاطئ البحر كانت ذات شعر قصير وعنق أبيض وبشرة نصف شفافة.‏

عاد الصبي راكضاً وهو يحمل العلبة الفارغة.‏

كانت مجموعة من الأطفال تقف عند المدخل، وهم يحدقون بصراحة إلى الغرباء. لم تكن هناك نهاية لمتعة الطفل حين أعطي علبة ثانية. في هذه المرة لم يركض بها خارجاً، بل جلس فوق البساط. صبت له أمه بعض الشاي، وأسقط له الفنان كتلة كبيرة من السكر في كأسه. كان الصبي مأخوذاً بالفقاعات التي راحت تتصاعد من كتلة السكر. دس إصبعه في الكأس ليستخرجها. ورغم أن الشاي الساخن حرق جلده فإنه لم يصدر أي صوت، فقد كان السكر الذائب لذيذاَ. ابتسم عالم الآثار، فقد تذكر دون شك مشهداً من ماضي البشرية. ملأت المرأة الإبريق مجدداً وابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى ابنها الشقي.‏

لم تفت ابتسامتها الفنان. كانت مألوفة جداً. حين يشابه الناس بعضهم بعضاً، فإن ابتساماتهم تتشابه أيضاً. أولاً ارتجفت شفة المرأة العليا ثم انفرجت شفتاها وأضاءت الابتسامة عينيها.‏

أخرج الفنان دفتر الرسم من جيبه، وتصفح رسوم الصخور والنقوش ثم رسم بمهارة المرأة الجالسة قرب النار.‏

كانت خطوط جسدها مألوفة. وفي ذهنه كان قَدْ رسمها خلال سنوات كثيرة.‏

لم يشاهد سوى الصبي الرسمة في دفتره. بدا له أن الصفحات البيضاء التي تخص الرجل المرتدي القبعة اللباد تعكس كلّّ شيء كمرآة، شأن مياه النبع الصافية.‏

بعد فترة قصيرة، جلب الدليل الجياد. وضع اللجام وشد الحزام لكل جواد ثم ثبت حقائب السروج وعاد ليودع المرأة. نهضت وسرعان ما جذبت منديلها فوق جبينها. لمست أناملها يده الممدودة بسرعة. أما الآخران فقد مدا أيديهما إليها ولكنها ودعتهما بأن ضغطت بيدها على قلبها وحنت رأسها.‏

أعطى الفنان الصبي بعض النقود الفضية وربت على رأسه.‏

شقت ثلاثة جياد طريقها هابطة المنحدر الصخري لجبل كاغافابيردا نحو الوادي في الأسفل. كان كلّّ من الرجال الثلاثة الهابطين من الجبل قَدْ غرق في أفكاره.‏

كانت زهور البنفسج متفتحة على امتداد الدرب. انحنى الفنان وهو جالس على سرجه وقطف زهرة وضغطها على دفتره، على الصفحة التي رسم بها امرأة رشيقة قرب موقد.‏

كانت الحجارة تصلصل تحت سنابك الجياد وتهبط مجلجلة نحو الوادي.‏

كان هناك بحر مزبد في ذهن الفنان. كان الموج يضرب الشاطئ فيرمي على الشاطئ أولاً بامرأة في قبعة من المخمل الأسود ثم بامرأة في ثوب طويل وضفيرتين ثقيلتين تتأرجحان على ظهرها، ثم خرائب قلعة وزهور قرمزية تتفتح عند أسفل أسوارها.‏

كان الشفق قَدْ هبط.‏

هاهو رجل يصعد الطريق نفسها نحو الجبل. كان قَدْ دس منجلاً في حزامه. كان الرجل متعباً فقد كان يحصد طوال النهار العيدان القصيرة للدخن وكان ظهره يؤلمه. لذا كانت خطواته قصيرة وقد راح يتكئ بقوة على عصاه ويتوقف كثيراً ليلتقط أنفاسه. كانت ركبتاه ترتجفان كلما توقف. كان ذلك هو الرجل نفسه الذي حكى له الدليل عن الكنز المدفون في القلعة. كان يتطلع من حقله ليرى الفرسان يهبطون. لقد بدا له أن الذهب كان في حقائب سروجهم، الذهب الذي بقي مدفوناً قروناً تحت الصخرة نفسها التي جلس عليها بينما كانت عنزاته وخرافه ترعى بين الخرائب. وربما لأن أفكاره لم تكن تمنحه الرضا أو لأنه كان متعباً جداً فقد كان عصبياً جداً كدب جائع خرج للصيد المسائي.‏

حين وصل إلى أول مسكن رفس الكلب جانباً بعد أن هرع هذا لاستقباله، ثم أخرج المنجل من حزامه ورماه في الزاوية. جلس على البساط قرب الموقد وهو يتكئ على العصا.‏

كانت النار لا تزال تدخن.. كان الإبريق يغلي. كانت قطعتان من السكر فوق الوسادة.‏

وقبل أن يتاح للحصاد أن يخلع نعليه المصنوعين من لحاء الشجر ويهزهما ليتساقط منهما الفتات، دخلت زوجته. كانت الأساور تجلجل في أكمامها، وكانت طيات ثوبها الطويل تصدر حفيفاً. كان ابنها يتشبث بتنورتها وهو يمسك بالعلبتين الفارغتين.‏

ركض نحو أبيه ليريه كنزه. وفجأة أدرك الرجل أن الفرسان جلسوا على بساطه. ثم أراه الصبي النقود الفضية التي أعطاه إياها الرجل الغريب الكريم.‏

أزاح الرجل الطفل بعيداً بيده ورمى بالعلبتين الفارغتين. تدحرجتا وكذلك فعل الطفل. ولكن الطفل قفز واقفاً والتقطهما مجدداً. ثم دفن وجهه في تنورة أمه وراح يبكي. شعر الأب بالأسف عليه. ناداه وطلب أن يرى النقود. اقترب الصبي منه وهو يبتسم من خلال دموعه، وقد قبض على النقود براحته. ثم حكى لأبيه أن الغريب كان معه شيء لامع له صفحات بيضاء في جيبه. كان الرجل الذي أعطاه النقود قَدْ حمل بعيداً صورة أمه فوق إحدى الصفحات.‏

مزقت الغيرة، مثل التماعة البرق، قلب الفلاح الغاضب. جحظت عيناه. شحب وجهه. نظرت المرأة إلى ابنها وتضرج وجهها. لاحظ زوجها التضرج في وجنتيها. وفي اللحظة التالية كان قَدْ نهض. أمسك بيديه المشعرتين العصا الثقيلة وضرب بها المرأة على ظهرها.‏

جلجلت أزرارها وارتمت جديلتاها جانباً. انقلب الإبريق. طار الطرف المكسور للعصا نحو إحدى الزوايا. لم تصرخ المرأة، بل تلوت من الألم فحسب. أمسكت ظهرها بيدها وخرجت من المنزل، لتبكي هناك في الخارج. لحق الطفل بها وهو لا يزال يقبض على العلبتين واختبأ في تنورتها.‏

كان الزوج يغمغم طوال تلك الفترة، ثم تناول بعض كعك الدخن، ووضع قبعته المصنوعة من فرو الغنم تحت رأسه واستلقى فوق البساط.‏

ومن جديد حل الصمت على جبل كاغافابيردا. انطفأت النيران في المواقد بينما كان الليل يهبط بظلمته. أما كلاب القرية، المرتجفة من خوفها من الوحوش الضارية، فقد التفت على أنفسها خارج البيوت. كان الغنم ينام في العشب. نامت المرأة فوق بساط، وغطت الطفل بقطعة من اللباد.‏

زحفت غيمة أشبه ببزاقة هائلة الحجم فوق الجبل نحو الأكواخ.‏

غطت العتمة الطحالب والصخور بينما استقرت رطوبة الليل على فروات الخراف النائمة.‏

هبط الندى على تويجات البنفسجة. كانت خنفساء صغيرة قَدْ ثملت من عطرها فنامت على كأس الزهرة. وبدا للخنفساء أن العالم كان بنفسجة عطرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244