|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحمل الأبيض ـــ بقلم: سيرو خانزاديان ـ ت.توفيق الأسدي" عن الإنكليزية" سيرو خانزاديان: (ولد عام 1915). كان ابناً لفلاح وعمل راعياً وهو صبي. نال شهادة أهلية التعليم في عام 1934 وعمل معلماً في القرى الجبلية حتى اندلاع الحرب في عام 1941 حين ترك التعليم ليخدم في الجبهة. وقد جرح خلال العمليات عدة مرات وتلقى أوسمة على بسالته. نزل الجنائني العجوز "نافاسارد" إلى النبع الذي يتفجر من تحت شجرة الجوز وذلك ليغتسل ويرتاح. وما أن انحنى ليدع الماء البارد يرشش وجهه الذي سفعته الشمس حتى سمع قائد المجموعة يناديه: "هاي، يا نافاسارد، أسرع. لقد عاد ابنك أرشاك". "ماذا؟" قال العجوز مستثاراً ثم نهض بصعوبة. اندفع إلى حيث كان الرجل واقفاً برشاقة مدهشة بالنظر إلى سنه. "ما الذي قلته؟ متى وصل؟ أين هو؟" "إنه في القرية. رأيته بنفسي. وهو يقود سيارة زرقاء ويعبر بها القرية. يا لحظك يا نافاسارد! لقد باركك الله بابن جيد!" بدأت الشمس تلمع أكثر بعشر مرات من نورها السابق. أحس نافاسارد بأنه كان يطير طيراناً. وراح قلبه يخفق بقوة من الاستثارة. بدا نافاسارد وكأنه يتفكر في شيء ما وهو ينظر في اتجاه القرية. ولكنه استدار فجأة وركض نحو معصرة الخمر بدلاً عن ذلك. لم يكن قد رأى أرشاك منذ عشر سنوات. في كل عام كان ينظر إلى الطريق بأمل وينتظر. لقد انتظر بصبر. والآن أخيراً سيراه. لقد عاد أرشاك في وقت ملائم: كانت الفاكهة في البساتين قد أينعت وكان هو لا يزال معافى وقوياً. لم يكن لنافاسارد أقرباء أحياء في القرية. ولم يعش حياة سعيدة. لم يكن قد رزق بأولاد من صلبه وكانت زوجته قد توفيت قبل سنين كثيرة. أما أخوه وزوجته اللذان ماتا جوعاً خلال الحرب فقد تركا له ابنهما الوحيد أرشاك. التقط نافاسارد الرفش الذي كان على الأرض قرب حافة الخندق وبدأ بالحفر. كانت الأرض رطبة وتحمل رائحة النبيذ. أخرج جرة صغيرة كان قد دفنها قبل عشر سنوات وسرّ من ملمس الوعاء الفخاري البارد. راح يتشمم العبير الرقيق للنبيذ وابتسم وقال لنفسه: "لقد تحول إلى حليب سباع". ثم تذكر أن أكبر بطيخة قد نضجت تحت شجرة التوت الكبيرة قرب حافة النهر. قطع ساق البطيخة ومسح الغبار الفضي عنها بحاشية سترته الطويلة وراح يتأمل أقلامها اللامعة. همهم: "أرشاكي يحب البطيخ". ركع ووضع ذراعيه حول البطيخة وضغط عليها بشدة وأذنه على قشرتها. أومأ برأسه موافقاً على ملاءمة الصوت. ثم مضى نحو شجرة التين وتسلقها بصعوبة وبدأ يقطف من ثمارها الحلوة كالعسل والتي كانت الطيور قد نقرتها من هنا وهناك. اختار أفضل الثمار وصفّها برقة في سلة محبوكة لامعة. ثم انطلق نافاسارد على امتداد ضفة النهر حيث كان حمل أبيض في الشهر السادس من عمره يرعى. كان يوفر الحمل لمناسبة خاصة. "لقد عاد أرشاك إلى بيته. وقد عشت أخيراً لأرى هذا اليوم." قال نافاسارد لنفسه وهو يفك وثاق الحمل. راح هذا يثغو بصوت مرتفع. قال نافاسارد: "لنذهب يا صديق. هيا بنا، لقد عاد أرشاك." تسلق الممر شديد الانحدار نحو القرية. كانت السلة الثقيلة تضغط على كتفيه، والنبيذ يترشش في الجرة، بينما كان الحمل الخنوع والوديع يركض أمامه أو خلفه. قال لـه الناس الذين قابلهم على الطريق: "إلى أين تمضي في هذا الوقت المبكر؟" وكان الرجل العجوز يجيب بافتخار: "لقد عاد أرشاك في زيارة." في الطريق كانت كل شجرة وأجمة وكل حجر ونبع يذكره بطفولة أرشاك. كم من المرات حمل الطفل على ظهره صاعداً الممر شديد الانحدار. كان يجلس ليرتاح على هذه الصخرة. كان نافاسارد يعطي أرشاك أجاصة ويمسح أنفه بحاشية سترته الطويلة. كان هناك النبع الذي كان أرشاك يحب أن يشرب منه. كان نافاسارد يجعل كفيه بشكل كوب ليشرب منهما أرشاك. وهاهو البستان الصغير. كانت الأشجار لا تزال تحمل الكثير من الثمر الذي بقي أخضر حتى ونحن في وقت متأخر من الخريف. حين كان أرشاك في السابعة قد سقط ذات مرة من شجرة الكرز تلك وكسر ساقه. وقد حمله نافاسارد كل مسافة الطريق التي تمتد أميالاً كثيرة إلى الطبيب في المستوطنة البعيدة. ثم فكر نافاسارد بكل الأمور التي باعها ليجهز أرشاك لحياة المدينة حين أرسل الصبي ليدرس هناك. مر زمن طويل ولكن أرشاك تخرج في الجامعة ثم ذهب ليدرس في موسكو. وقد وصل إلى مراتب عالية في هذه الحياة. غالباً ما كان نافاسارد يحكي لأهل قريته عن العمل الهام جداً الذي يقوم به أرشاك في العاصمة، وحول سيارته الفخمة وأنه يعيش في أكبر منزل في موسكو. كان الرجل العجوز حريصاً على أن يصل القرية بسرعة. كان النبيذ يترشش في الجرة والحمل الخنوع الوديع يلحق به. وصل أخيراً إلى منزله ولكنه لم ير سيارة أرشاك في الخارج. تساءل نافاسارد: "لم لم يقد سيارته إلى المنزل مباشرة؟ آه؟ ما الذي أتحدث عنه؟ الحصى حاد جداً هنا. وربما خشي أن تتضرر عجلات سيارته. إنه لأمر جيد أنه لم يقد سيارته حتى المنزل." كان منزله ذو الطابق الواحد والسقف الممهد والشرفة والأرضية الترابية أشبه بعش نسر على منحدر الجبل، وذلك بين منازل أخرى كثيرة مشابهة. دخل نافاسارد إلى الباحة، وضع الجرة والسلة على الأرض، ورمى ملء ذراعيه عشباً إلى الحمل وراح يتطلع في أرجاء المكان. ولأول مرة في حياته بدا له المنزل مثيراً للشفقة وآيلاً للسقوط. "حسناً، إنه بيت أرشاك أيضاً. لن يخجل من بيته." هذا ما قاله ليعزي نفسه وبدأ ينظف الباحة. "تهانينا يا نافاسارد، فقد عاد أرشاك." هذا ما قالته الجارة العجوز له وهي تطل من فوق السياج. احمر وجه نافاسارد خجلاً. (شكراً. وأتمنى أن يعود غيّابك أنت أيضاً). "لقد رأيت أرشاك." "هل كان هنا؟" "كلا. لقد ذهبت إلى الدكان لأشتري رزمة من الإبر ورأيته واقفاً أمام مكتب المزرعة. يا له من شاب جميل. لا يمنك أن تقول عنه إلا أنه ابن شاه. لم أستطع أن أبعد عينيّ عنه. فليباركك الرب." "شكراً"، قال الرجل العجوز بصوت بحّ من الانفعال. ومضى ينظف الباحة بحماسة. أولاً كنس التراب: "لا أريد لابني أن يغبّر حذاءه". ثم ضرب مسماراً ناتئاً بحجر: "قد يعلق كم أرشاك بهذا المسمار ويمزق سترته". فتح نافاسارد الباب. كان هناك سرير صغير يتكئ مهجوراً إلى الجدار العاري. "سأقول: أتذكر كم نمت في هذا السرير الصغير يا أرشاك ونمت أنا على الأرض؟" كان يفكر بصوت مرتفع وهو يمهد الغطاء بيده. "سأقول: هذا صحنك العتيق الذي كنت تأكل منه. انظر يا أرشاك، هذه ملعقتك الخشبية. أتذكر يوم اشتريتها لك من ماناس نحات الخشب؟ ثم أخذتها إلى الرسام الذي لونها من أجلك؟" وبينما راح يحادث أرشاك على هذا النحو في فكره، مضى نحو النبع وجلب بعض الماء ورش الباحة والشرفة والأرض في الداخل. ثم بدأ يكنس. ومن جديد أطل رأس جارته العجوز من فوق السياج. "نافاسارد، هل تعرف أن أرشاك ذهب إلى منزل رئيس المجلس؟" "كلا، ومتى مضى إلى هناك؟" "قبل أن تعود مباشرة." "لا بد أنه لاحظ أن لا أحد في البيت فذهب إلى هناك ليرتاح. سيأتي. لن يضيع الطريق." "طبعاً". جلب نافاسارد بعض الحطب الجيد وكومه قرب الموقد خارج المنزل. ثم أخرج سكينه من حزامه ومضى نحو الحمل. في اللحظة الأخيرة غيّر رأيه. "سأنتظر حتى يصل أرشاك." هكذا قرر ونظر باتجاه منزل رئيس المجلس ذي الطابقين. "ما الذي يؤخره؟ سرعان ما سيحل الظلام. ثمار التين ستفسد، والقرانيا ستفقد مذاقها." أخرج الثمار من السلة ووضعها على حافة النافذة. ثم استعار مفرش طاولة جديداً من الجيران وغطى به الطاولة، ونفض السجادة وغطى الكنبة ووضع وسادة عليها. كان كل شيء جاهزاً الآن. ومع ذلك، فإن أرشاك لم يصل بعد. "ما الحكاية؟ لماذا ذهب إلى منزل رئيس المجلس؟" تساءل نافاسارد بغضب وارتجفت يداه. وعلى أي حال فإنه سارع إلى تعزية نفسه قائلاً: "أرشاك شخص مهم. عليه أن يزور رئيس المجلس ويسأله عن أحوال القرية. ولماذا العجلة على أي حال؟ سيكون لي وحدي يومين اثنين. لن أدعه يغيب عن ناظري. سنعوض الزمن الضائع. كانت الشمس تغرب، ولكن أرشاك لم يأت إلى البيت. بدأ قلق الرجل العجوز بالتصاعد. ومرت لحظة كاد فيها أن ينطلق نحو منزل رئيس المجلس، ثم غير رأيه. خرج إلى الباحة ونادى على حفيد جاره. قال: "امض مسرعاً وانظر ما يفعله أرشاك. قل له إني في البيت أنتظره." عاد الولد بسرعة فائقة. "حسناً، هل رأيت أرشاك؟" "أجل". "ما الذي يفعله؟" "يشرب النبيذ". "هل قلت له إني في البيت؟" "أجل". "وما الذي قاله؟" "قال: حسناً." كرر نافاسارد الكلمات لنفسه. "حسناً إذن. هذا يعني أنه سرعان ما سيأتي إلى البيت. سأشعل النار لأجهز الششليك في هذه الأثناء". سرعان ما كانت نار جيدة قد اتقدت في الموقد. ثم راح ينظف أسياخ اللحم. عاد إلى المنزل ومسح الغبار عن المصباح وجلس إلى الطاولة وراح ينتظر. راح الوقت يتجرجر دون نهاية. انطفأت الأنوار في القرية وبدت المنازل حميمة. كان ضجيج الشارع قد بدأ يتلاشى. وسرعان ما كان الصوت الوحيد هو صوت الكلاب التي تنبح بحزن في البعيد. كان أرشاك لم يصل بعد. خمدت النار وتركت كومة من الرماد في الموقد، بينما كان الحمل يتمدد على العشب وهو يلوك جرته. كان نافارساد يصغي بكل جوارحه وهو يحدق إلى العتمة. تعبت عيناه وبدأتا تدمعان وشعر بثقل في رأسه. نهض ولكن قدميه رفضتا التحرك. "لم عليّ أن أرجوه ليأتي؟ أنا أكبر سناً منه. عليه هو أن يأتي إليّ"، هكذا بدأ يغمغم، ثم عزى نفسه مرة أخرى قائلاً: حسناً، إنه شخص هام. ربما لديه عمل هام يناقشه مع رئيس المجلس. سيأتي إلى البيت حتماً في الصباح". ومع ذلك، فقد راح ينتظر. انتظر حتى ساعات الصباح الأولى. كان ليل الخريف على وشك الانقضاء. كلّت عينا الرجل العجوز من التحديق بتصميم في العتمة. ولكن النوم غلبه تدريجياً. نام نافاسارد وهو جالس إلى الطاولة. لم يعرف كم طال نومه. أيقظه صوت الجارة وهي تناديه من الباحة. فتح عينيه ودهش إذ رأى أول شعاع من الشمس يدخل من النافذة. "نافاسارد. هاي يا نافاسارد"، نادت الجارة. اندفع خارجاً من المنزل. كانت جارته تطل من خلف السياج. "كيف حدث أن نمت إلى هذا الوقت المتأخر اليوم؟". "ما الأمر؟ هل أرشاك في طريقه إلى هنا؟" قالت وهي تهز رأسها: "كلا. أرشاك ابنك يغادر القرية. انظر إلى الطريق". أحس نافاسارد وكأن السقف قد وقع على رأسه. ركض نحو الكوخ الواطئ وتسلق إلى السقف. كانت سيارة أرشاك تسرع على امتداد الطريق، هي تلتمع تحت نور الشمس، وهاهي تصبح بسرعة أصغر فأصغر. كانت مشيته المضطربة مشية رجل عجوز. كان نافاسارد يشق طريقه هابطاً الممر نحو البساتين. بدت عيناه اللتان تحدقان إلى الأرض غائرتين، وبدا ظهره أكثر انحناء مما كان قبل الآن. كان الحمل الأبيض يطفر مرحاً وراءه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |