|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أشعار أرمنية للشاعر صياد نوفا ـــ ت.برجوهي أفتيان صياد
نوفا هو "أشوغ" أي شاعر وزجَّال ومؤلف وملحّن ومُغنٍ وموسيقي متنقل يجوب
البلدان. هذا اللون معروف في الشرق بالزجل أي القصيدة المحكية المغناة. ويترافق
الغناء بالعزف على الآلة الوترية "الكمنجة". ينظم
"الأشوغ" الشعر ويلحنه ويغنيه ارتجالاً في المجالس. ولكمة
"الأشوغ" تعني العاشق بالعربية بسبب ميل هذا اللون من الغناء والشعر إلى
العشق، وحب الحياة، والجمال، والصفاء الروحي. ولد
صياد نوفا واسمه الحقيقي "هاروتيون" بين عامي (1720- 1722) في عائلة
متواضعة. نزح والده "قره بيت" من مدينة حلب واقترن بأمه
"سارة" التي جاءت مع عائلتها إلى عاصمة جورجيا تيفليس هرباً من المذابح
في أرمينيا. عاش
صياد نوفا في كنف عائلته في تلك المدينة التي احتضنت أجناساً مختلفة من القوميات
وكانت آنذاك مدينة للمرح والرقص والفنون، إذ شكلت الجالية الأرمنية فيها أغلبية
السكان وشغل عدد كبير من أبنائها مناصب رفيعة في القصر الملكي وخدموا البلاد
بإخلاص. صياد
نوفا كلمة فارسية الأصل وتعني "الأمير الموسيقي" وقد سمي باسم الدلع
"أروتين" يقال إنه عمل مع والده في النسيج، ولكن عشق الفن والغناء طغى
عليه وأصبح مغنياً مشهوراً. كان يملك صوتاً عذباً وخيالاً واسعاً ومهارةً في العزف
والإبداع. دوره كبير في إيصال الأغنية الشعبية إلى العالمية. زار بلداناً عديدة
حتَّى وصل إلى الهند، وغنى وألّف بلغات ثلاث: الأرمنية والجيورجية والآذرية
وبالتالي شمل إبداعه الحضارات الثلاث. أوصلته
شهرته إلى القصر الملكي الجيورجي، فأصبح شاعر البلاط وأشوغ الحفلات والمجالس وساقه
قدره لعشق الأميرة "أنّا" ابنه الملك الجيورجي وخطيبة أمير من عائلة
أوربيليان الأرستقراطية. عبَّر
عن حبه بأبيات رائعة وتعابير جميلة مشبهاً حبيبته بالأزهار والأحجار الكريمة
والعطور والحرير والشمس والقمر. إذ
احتار في وصفها قائلاً:
وأنشد
أيضاً:
وقال
أيضاً:
يصف
دلال حبيبته في مشيتها:
كان
حبّه في الغالب عذرياً، إذ وردت كلمة "القبلة" مرة واحدة في أشعاره:
يقول
أيضاً: قفزتُ
من حلمي حين دنت أنفاسكِ مني حبيبتي. ويمدحها
حائراً:
ويسترسلُ
قائلاً:
ويستطرد
قائلاً:
أشعاره
عن الحبيبة والحب والعشق كثيرة وكان يسمى بـ"خادم الحب" فهو مستعدٌ
للتضحية من أجلها حين يقول: إن
طلبتِ الخلودَ فديتكِ بروحي. نلاحظ
عند صياد نوفا في البداية العاشق المتيم بجمال ومحاسن حبيبته ولكنه يتحوّل
تدريجياً إلى إنسان يائس إذ يقول: عاشقٌ
فاقدُ اللبِ أنا تائه بين الدروبِ همومي
كالسيفِ ذي الحدينِ أنّى لعاشقٍٍ تحملها حبكِ
أحرقَ قلبي جعلني كطائرِ القطا أرقصُ ألماً يا مقلةَ العينِ. كذلك
يقول: أشهدُ
أنّ لا حبيبةَ في الدنيا إلا أنتِ. وللحب
مكانة قدسية لديه: لا،
لن أحبَّ غيركِ أنتِ الوحيدة في الدنيا. ونجد
ألمه وحيرته في أبيات جميلة:
حبه
العميق يحرقه فيقول لها: نارٌ
أنتِ ونارٌ خماركِ بأي نارين أحترق. ويتألم
من تصرفاتها قائلاً:
وأحاطه
اليأس من كل جانب وهو يقول: جفتْ
دماءُ قلبي من الآهاتِ لوعةُ
كبدي كادتْ تهلكني جاحظُ
العينينِ ظمآن مسحورَ اللسانِ فقدتُ
عمري كالحلمِ، حرمتْ من الثمرِ شجرتي. ويتمنى
التوقف عن نظم الشعر والغناء حين يقول: فيا
ليتَ شعري قد جفَّ في حلقي ولجمتُ
فمي من لوعةِ الكبدِ. ويصف
حبّه الكبير والمجنون والبائس: عشقكِ
جعلني مجنوناً مجروحَ الفؤادِ هائماً على وجهي عشقكِ
بحرٌ أنا فيه كقاربٍ صغيرٍ يا مقلةَ العينِ. ولدرجة
أنه يتمنى الموت كي تأتي الحبيبة وتبكي على قبره وهي تكشف عن رأسها (هذا تقليد
وثني يجسد الحزن عند النساء): يا
ليتني أفنى فتبكين عليَّ وشعركِ كالأشعة منثورٌ يا مقلةَ العين وتعبير
مشابه آخر حين يقول: لن
أبتعدَ عنكِ ما لم يحن أوانُ الموتِ. حينها
أسدلي على قبري جدائلَ شعركِ الحريرِ. وكان
يعي الفارق الطبقي بينه وبين حبيبته الغالية، فمكانته الاجتماعية متواضعة، ويقول: أعلم
يا حبيبتي أنكِ لستِ لي أنتِ
ملكة وأنا درويشٌ تائه. لكنه
يملك الكرامة وعزّة النفس لذلك يؤكد ويقول: لو
تحوّلت الصخورُ إلى جواهر فلا يهمني لو
ابتعدَ الناسُ عني فلا يهمني قلبي
بنارِ الحبِّ ملتهبٌ فذاكَ يبعدكم عني أبعدوا
الشمسَ عني فظهري محملٌ بثلوجٍ من الهمِّ فهو
في حيرةٍ من أمره أيخضع لعواطفه أم يتحرر منها، فيقول: أيخدم
خادمٌ صاحبينْ أم
بستانيٌ حقلينْ. ويضيف: لوعةُ
القلبِ لا تطفئها السيولُ يحاول
اللجوءَ إلى طريقةٍ أخرى للتخلّص من مأزقه: يا
ليتَ مرشداً يهديني في الكونِ يحررُ
القلبَ من حبكِ يا جميلتي فنارُ
حبّهِ لا تُخمدها نصيحة أو وعظ لذلك يختم قوله بالأبيات التالية: لو
اجتمع سبعة حكماء لنُصحك فيا
صياد نوفا مصيرك محتوم فهو
صريح وحكيم في أقواله: محترمٌ
من حافظَ على اعتبارهِ. عزةُ
النّفسِ عندهُ كبيرة: ليت
عمري يمضي دون أن أمنَّ على أحدٍ ليتَ
همومي تمضي دون أن أمنَّ على أحدٍ مهلاً
ليتني التقيتُ الخيَّرَ فللشرِ لا أحيد أحافظُ
على صورتي بالمرآةِ معززةً دون أن أمنَّ على أحد. لكنه
يخاف من الحياة: أنفخُ
اللبنَ خائفاً من حرقة الحساءِ الساخنِ للساني كبوتُ
كبوةَ الذئبِ العاجز عن الحراك المكسور الظهرِ. اشتهر
صياد نوفا كشاعر للعشق والحياة وحملت إلينا أشعاره فلسفة "الحب" ولكنها
لا تنحصر ضمن مجال الوصف لمحاسن الحبيبة والحبّ البائس والتذمر بل له أبيات كثيرة
يحلل فيها الحياة بذكاء وحكمة ويملك نظرة ثاقبة. ونجد
ذلك في الأبيات التالية:
يوجه
هذه الأبيات للحبيبة وأيضاً لرفيقه، فيقول: اجعلْ
لكلماتك معنىً فأنت صاف ونقي يا أخي أنت
ماء الحياة الذي يملأ الإبريق الذهبي يا أخي أيشبع
الذي ينهل من هذا الماء أنت نبع من الحليب يا أخي العالم
بحر أنت قارب فيه تلهو كفقاعة يا أخي أخاف
أن تحرقني فأنت نار لا تخمد يا أخي. وتتمثل
الحكمة في الأبيات التالية: هناك
من يرى الحياة في كأس النبيذ والآخر
في الحفلات والمجالس أمَّا
لساني فيعشق الكلمة الحرة. وقال
أيضاً: الإنسان
يُعرفُ من لسانه حتَّى لو أصبح وزير الشاهِ ولا
يهاب أحداً حين يقول: الحقيقة
لا تفنى وإن حُرقت بالنارِ ابتروا
لساني إن كذبت أفدوا بروحي اللهُ
في السماءِ أنا على الأرضِ أعدكم بأن لا يمسّ الكذب لساني. ويدرك
أنه ما هو مسموح له لا يسمح لعامة الشعب قائلاً:
يتمنى
مانحاً الخير والبركة للعالم: أكشفُ
عن حمل أوزعُ الحظَ للقادمينَ أمنحُ
رأسي ضحية للراضين والرافضين. ويقول
مدافعاً عن مصالح الشعب: أنا
لا أهاب الموت لكني أبكي من أجل الناس جميعاً. لقد
استُبعد صياد نوفا عن القصر الملكي الجيورجي عام (1752) بسبب الأقاويل والفتن. كتب
في هذه المناسبة أبياتاَ كثيرة يرفع صوته إلى الملك "هيرقل" يلومه تارةً
ويمدحه تارةً أخرى، آملاً أن ينال العفو ورضى الملك. يقول
له في أغنيته المشهورة جداً:
وبصراحة
أكثر:
ويضيف
محافظاً على كرامته ومكانته كما يليق بشاعرٍ:
يبرز
مدى أهميته عندما يوجه كلامه لهيرقل الملك: إن
مت لن تلتقي بمثلي فأنا
شاعر بلاطك ليتك تضن بي. كان
إخلاصه للملك كبيراً ومع ذلك نلاحظ في قصيدته اللوم المبطن حين يقول: احتفظ
بصياد نوفا ولا تبعده عن بيتك طوال
عمرك لن تلقى خلاً أميناً مثله. كان
الملك "الأب الروحي الكبير" بالنسبة له، ويقول متألماً:
ويستفسر
حول ذنبه من خلال أبيات كتبت في عام (1753) قائلاً: همي
كبيرٌ لا يمكنُ البوح به كتبتُ
رجائي وتركته لرحمة الحاكمِ احكم
بالحقِ واعدل في محاكمتي وإن
كنتُ مذنباً فليكن حبل المشنقةِ من نصيبي. في
ربيع (1753) كتب القصيدة التالية وقد كان مطروداً من القصر متشائماً لكنه قلبه كان
يحن إلى الحبيبة: هيا
أصغِ إلي يا قلبي المجنون أحبب
الحياة، أحبب الأدب، أحبب الكرامة إن
كان العالم في ثباتٍ فماذا تأخذ معكَ أحبب
الله، أحبب الروح، أحبب الحبيب لتكن
أفعالك مرضية لله هناك
نصائح ثلاث هي عن الروح والجسد أحبب
الكتابة، أحبب القلم، أحبب الدفتر فيا
قلب هيا اقبل لا تطمع الخبز
والملحُ الحلال لا ينكر افعل
خيراً لا يسخر منك أحد أحبب
النصيحة أحبب الصبر أحبب الخير صياد
نوفا مرحى لك إن فعلت ذلك من
أجل روحك منحت نصف عمرك إن
رغبت بأن لا تحاسب في النهاية أحبب
الدير، أحبب الصحراء، أحبب الحجر حكمته
أيضاً للحبيبة بمغزى مشابه من خلال الأبيات:
ويبدو
أن محاولاته الكثيرة ورجاءه الحار عند الملك كانت غير مستجابة لذلك يقول:
نجد
في الأبيات التالية وصفاً للسخرية وكلمات السخط التي تعرض لها بعدئذ: قال
أحدهم: "ارحل" فخرقة بالية أنت وقال
آخر: "بئرٌ كريه الرائحة أنت". وقال
كذلك:
وأيضاً:
ويقف
صياد نوفا مهان الكرامة ومتألماً يخاطب الملك متمنياً أن يكون عقابه من الملك
مباشرة وليس على يدي مرافقيه حين يقول: بإذن
الله يجب أن يكون المرء رحيماً من
يعلم الجبل أن يلاقي الجبلَ ليتك
بالضرب نصحتني وكان
عزلي وإهانتي على يديك كونك
والدي الروحي الكبير أنت. ونجد
الإهانة واليأس في الأبيات التالية عندما يقول للملك: لو
حطموا قلبي ونصبوه على الخشب لن
أفارقك ما دامت أنفاسي على شفتي أرمي
نفسي في البحرِ ربَّما أنقذني نهر الكورا([1]) وفي
عام (1758) نظم الأبيات التالية عندما أعيد إلى القصر فترة ثمَّ أُبعد منه للمرة
الأخيرة ومن المتوقع أن ذلك حصل في عام (1762). يقول
فاقداً الثقة والصداقة: أصحابي
تحولوا إلى أعداء لي فأين الأمان قل
الملح والخبز لم يبق الضمان فقد
الأمان الحقيقي لم يبق للحكمة مكان. يقول
أيضاً: لا
تصدقوا لا اعتبار للدنيا لم
يبق هناك شعراء ولا أصحاب عشقٍ. لكنه
إنسان بمعدنه ويتفوق على اللذين أهانوه. فيبادل الكره بالخير رغم أنهم حاولوا
تحطيم قلبه: هيا
اخدم محملاً بالهم يا خادم الشعب صياد نوفا فليس
بإمكان أحدٍ الحصول على الرقي امنح
الحلو لمن يعطيك المر. ونلاحظ
هنا أنه يستبعد فكرة رجوعه إلى القصر الملكي ولم يعد يطلب من الملك محكمة عادلة
إنَّما حياة متواضعة:
أُرغم
صياد نوفا على الابتعاد ليس فقط عن القصر الملكي بل حُكم عليه بقضاء بقية حياته
كاهناً. صياد
نوفا شاعر البلاط المشهور، المغني والملحن الكبير ارتدى لباس الكهنوت مرغماً وسميّ
باسم جديد هو "الأب استيفانوس" ويعتقد أنه بعد وفاة زوجته أصبح مطران
دير "هاغباط" وسميّ "الأب تافيت". والسؤال
الذي يخطر على البال: ما
الذنب الذي اقترفه والذي سبب طرده من القصر؟ نجد الجواب في الأبيات التالية: يا
صياد نوفا بلسانك زدت من آلامك فاستعد
للتآخي مع الآلام والهموم. إن
دفتره الشعري أغلق عام (1759) أمَّا الأبيات التالية فقد كتبت في عام (1768). يا
ترى ذنب من؟ من أين صدر؟ إنها
ثمرة فؤادي كل الذي حصل. تذكرنا
هذه بأبيات أخرى يقول فيها: الإنسان
عديم التجارب يندم كثيراً. ذهب
صياد نوفا ضحية مكيدة فظيعة إذ تحول من عاشق محب إلى ناسكٍ متعبد. انتقل من القصر الملكي
إلى دير في قرية متواضعة. فقد تنبأ الشاعر بهذا الحدث وهو يقول لحبيبته من خلال
الأبيات التالية: ماذا
أعمل بمال الدنيا من دونك ألبس
عباءة من الشَّعر، من الخام أمضي
تائهاً من دير إلى دير. كذلك
لم يخطر في بال صياد نوفا أنه سيفقد آلته الموسيقية الغالية. من
خلال قصيدته المشهورة التي كتبت عام (1759) يمدح فيها الكمنجة نجد:
لكنه
عاش قرابة خمسة وثلاثين عاماً بعد كتابته لهذه الأبيات بدون الكمنجة الحبيبة فقد
سلبت منه الكمنجة إلى الأبد. له
قصيدة مشهورة من المحتمل أنها كتبت بعد ثلاثة أشهر من قصيدته السابقة. وقد
توصل فيها صياد نوفا إلى ذروة اليأس وتنبأ بحسّه المرهف المصيبة القادمة قائلاً:
كان
لكاثوليكوس الجيورجي "أندون"دور هام في عزل صياد نوفا والقضاء على حياته
الاجتماعية. وهنا
يقول صياد نوفا للكاثوليكوس: نيافة
الكاثوليكوس أقدم
لك احترامي يقولون
أن جيوبك مليئة فمن
أين لك ذلك؟. يبدو
أن الحوار كان حاداً بينهما واتهام الكاثوليكوس واضح في الأبيات: | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||