|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الشاعر نرسيس شنورهالي ـــ بقلم: سربوهي هايرابيديان ـ ت.نزار خليلي ترك الآلاف من الأرمن في القرن الحادي عشر وطنهم الأم أرمينية هرباً من المشاكل العديدة التي كانوا يعانون منها. ولجؤوا إلى مملكة كيليكيا المستقرة ليعيشوا بسلام في ظل الكرسي البابوي الذي انتقل إليها للسبب ذاته، طلباً للعيش الهني بعد ما ذاقوه من العسف الطبقي والتعصب الديني اللذين شلا الحركة الفكرية والاقتصادية. ودأب اللاجئون حين انتقلوا إلى كيليكيا على بناء الكنائس والأديرة والمدارس في أهم المدن مثل: روم كلا –تراناركي –سكيفرا –لامبرون ودارسون استمراراً لحياة يئسوا من أن تكون سعيدة. ووجدوا في موطنهم الجديد بالفعل استقراراً وأماناً أطلق لقرائح مفكريهم العنان لتسيح في أجواء الطبيعة الخلابة، يستوحون منها مواضيع أعمالهم الأدبية والفنية، فأبدع فلاسفتهم وشعراؤهم وفنانوهم، وقدموا أروع ما جادت به نفوسهم. في ظل ذلك الاستقرار، وإلى جانب كل الروائع الثقافية، انتعش الشعر الأرمني الغنائي، الذي طغت عليه اللغة الدينية في البداية، حين كانت المفاهيم الدينية مسيطرة على الفكر الإنساني، ترفض كل ما عدا ذلك من الفنون وتعتبره خارجاً عن الدين مهما كانت الأحاسيس فيه سامية. في ظل هذه الظروف، برز شاعر شاب، تعرف على حضارتي الشرق والغرب وتغذى من بدائع الطبيعة وخرج عن المألوف وطلع على الناس بأبلغ التراتيل الكنسية وأجملها التي ما زال بعضها سارياً حتى يومنا هذا إنه نرسيس شنورهالي. ولد نرسيس شنورهالي عام 1102 في حصن (دزوفك) في مقاطعة (دلوك) الواقعة شمال كيليكيا بين مدينتي خربوط وعنتاب في عائلة آبيراد بهلووني، من أسرة بهلووني النبيلة أصحاب الإمارة الحاكمة. تيتم وهو في السنة الأولى من عمره مع أخيه الأكبر كريكوريس من الأبوين فكفلهما عمهما الكاثوليكوس كريكور فكاياسير. وبعد موته، عاشا في كنف الكاثوليكوس بارسيغ آنيتسي، الذي عهد بهما بدوره لتعليمهما وتربيتهما إلى الأسقف المشهور (ستيفان مانوك) في الدير الأحمر في كيليكيا. في العام 1113، تولى أخوه كريكوريس، وهو في العشرين من العمر تقريباً كرسي الكاثوليكوسية خلفاً للكاثوليكوس بارسيغ آنيتسي الذي توفي إثر نوبة قلبية مفاجئة. على أن الظروف السياسية الطارئة لم تتركهما في نعيمهما بل أجبرتهما على الانتقال من الدير الأحمر إلى (روم كلا) أي (قلعة الروم). بعد إتمام دراسته، رسم نرسيس كاهناً على يد أخيه كريكوريس الذي لاحظ أن أخاه رجل الله، شاعر بالفطرة موهوب، لذا حمله مسؤولية الإشراف على الكنيسة. لم يخيب نرسيس نظرة أخيه إليه، بل راح يؤدي واجبه على أكمل وجه، فرتب مواعيد الطقوس الدينية وزودها من شعره بتراتيل وصلوات ما زال بعضها كما ذكرنا آنفاً سارياً حتى اليوم. في العام 1164 استقال أخوه كريكوريس من منصبه الكاثوليكوسي بسبب كبر سنه ومرضه، بعدما رسم نرسيس خلفاً له. وبعد ثلاثة أشهر توفاه الله ليستريح إلى جانبه. وتولى نرسيس زمام أمور الأمة الأرمنية الممزقة المدمرة وراح يعمل بجد لإصلاح ما يمكن إصلاحه سياسياً واجتماعياً ودينياً. لكن انشغاله بأعباء الكنيسة لم يمنعه من الاهتمام بالأدب شعراً ونثراً حتى وفاته عام 1173 عن 71 عاماً من العمر. حمل نرسيس لقب شنورهالي (الوديع) لما عرف عنه من دماثة في الخلق والوقار. وفوق كل هذا كان متعدد المواهب: فهو خطيب وسياسي محنك، ومرب فاضل، وشاعر عبقري، وناثر مجيد وملحن موسيقي. إلى غير ذلك من الأمور التي جذبت الناس إليه وجعلته قبلة أنظارهم، فراحوا يطلقون عليه ألقاباً مشرفة مثل: (الحكيم) (المنور المثالي) (الكاهن العالمي) (النور المضيء) وغيرها. ولم يكن ليحظى بكل هذا التقدير لو لم تؤهله مواهبه الفطرية الشاملة المواكبة للثقافات العالمية التي صقلها له كل من العالمين الفاضلين هوانيس ساركافاك وكريكور ماكيسدروس مع آريسداكيس لاسديغيرتسي، ووضعوه على درب الأدب الأرمني الصحيح. سار نرسيس في هذا الدرب حاملاً مشعل الشعر الأرمني الذي بدأ بتطويره في القرن العاشر ووصل القرن الثاني عشر بفضله إلى موقعه العالمي. على أن عبقرية شنورهالي في الشعر لم تقلل من شأنه في النثر، فهو ناثر في خطبه ومواعظه وبعض كتاباته التي اعتلت مكانة مرموقة من الأدب الأرمني. نظم شنورهالي أشعاراً تتضمن أمثالاً ملغومة على شكل أحاج وحزازير، دخلت الأدب الأرمني كفرع جديد لم يكن معروفاً من قبل تحت عنوان (أمثال لتسلية الإنسان) صاغها بلغة شعبية دارجة أخذ مواضيعها من الحياة اليومية يهدف من ورائها إلى شحذ أذهان الناس وتسليتهم في آن واحد، ولقد ألف في هذا المضمار 300 مثل تنقسيم إلى قسمين: قسم ديني وقسم دنيوي. ولقد اقتبس مواضيع القسم الأول من العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس، رمزية في تركيبتها تجريدية في مضمونها. أما القسم الثاني فأخذ مواضيعه من الروايات الشعبية وعوالم الإنسان والحيوان والطبيعة. وهي شعبية لا بموضوع الأحاجي وحسب، بل بالصور والمفاهيم والأسلوب واللغة. علماً بأنه قدم أحاجي القسم الأول بلغة (الكرابار) بينما قدم الثانية باللغة العامية الدارجة. نسرد على سبيل المثال أحجية تدور حول السماء تقول: الكنيسة عالية واسعة، قائمة لا عمد ولا سند، قناديلها ليست معلقة بحسد، وضاءة من دون زيت. على هذا النمط من هذه الرباعيات نجد الكثير الذي يشمل كل المخلوقات، معتبراً الإنسان وحده معجزة الطبيعة، وما الدنيا سوى مضافة تستضيف المخلوقات ردحاً من الزمن، تكرمها خلال فترة الضيافة، ثم تلفظها وتتركها عرضة للفناء والتلف: توجد على الأرض مضافة لعابري السبيل ولكل من يؤمها من المخلوقات، يؤمها الأغراب، ويغادرها المعارف، أما سدنتها والقائمون عليها، فيكرمون الضيف إذا جاء، ويسلبونه حاجته بين يروح، هم لا يسرقون له بعض أشيائه، بل ينهبونها كلها. أما أحجيته عن الكتاب فمشوقة جداً: هو دار مفتوحة كصفحة بيضاء دخلته دجاجات سود لتبيض بيضاً للأجيال تتكلم بلسان الناطقين. نظم شنورهالي معظم أحاجيه على وزن 4*4 وهو يطابق بحر الرجز مسـ/تفـ/عـ/لن الذي يصلح للغناء، لذا لحنت أحاجيه وصارت تغنى في الاحتفالات والأعراس لإدخال البهجة إلى قلوب المحتفلين، وبذلك صار هذا النمط من الشعر واحداً من الأنماط الجديدة في الأدب الأرمني. كذلك، وبهدف التعليم، وبناء على طلب من الطبيب الأرمني الكبير مخيتار هيراتسي عام 1162 نظم أرجوزة (السماء وزينتها) التي تتحدث عن الأجسام الفضائية وطبيعتها وحركاتها، لكن الأرجوزة لم تنجح في الوصول إلى هدفها ولم تحظ بقيمة تذكر. من الأعمال التاريخية الروائية الشعرية، رواية (الرواية) التي تتحدث عن تاريخ الأمة الأرمنية اقتبسها من كتاب (تاريخ الأرمن) للمؤرخ العظيم موسيس خوريناتسي، ورواية (رثاء يتيسيا) كان فيهما الرائد في ميدان القصص التاريخي المنظوم. وقد نالتا إعجاب النقاد والمدققين لأنهما نظمتا بأسلوب جذاب على الرغم من فقر القافية وضعف التركيب. تعد ملحمة (رثاء يتيسيا) من أبدع أعمال شنورهالي بل هي تشكل زينة الشعر الأرمني في القرون الوسطى لما ترويه من أحداث محزنة شملت تدمير يتيسيا في أرض الرافدين. تتألف الملحمة من 2096 بيتاً من الشعر تنقسم إلى أربعة أقسام: المقدمة –حصار المدينة –إبادة أهلها وتدميرها –استنزال اللعنات على الأعداء والتطلع إلى المستقبل. استعمل المؤلف في ملحمته أسلوب التشخيص في الرواية، وهو أسلوب جديد على ذلك العصر، إذ شخص مدينة يتيسيا، بامرأة ثكلى فقدت بنيها وراحت تنوح عليهم. وما من مواس وما من معبر عن الأسى والأسف، وما في الميدان غير المرأة الثكلى يتيسيا تبكي وتتوجه إلى شعوب العالم وإلى المسيحيين وإلى الكنائس والبلاد ذات النفوذ كالقدس والإسكندرية وروما والقسطنطينية وأنطاكية، تطلب الرحمة، من دون أن تسمع صدى صوتها: ابكوا، ابكوا، بصوت عال نوحوا علي بحرقة أنا يتيسيا، مدينة أورها فقدت رجالها، وخلفت أيتاماً وأرامل أناديكم بصوتي النسائي أعول وأسترحم مسقطة وشاحي عن رأسي كاشفة عن زينتي المقدسة مقطعة شعري العزيز معفرة رأسي المشعث ضاربة صدري بالحجر ملطخة وجهي بالوحل أجلس مع حزني في ظلمة الليل هاربة من ضوء النهار وبدلاً من أقمطة الأطفال أحمل بيدي منديلاً أسود، شعار الحزن أذرف الدموع الغزيرة مثل مياه نهر صاخبة جارفة بعدما صرت زرية في البلاد مفضوحة بين العباد. لا عجب بعد هذا من أن نرى جذور هموم الأمة تنغرس في فكر شنورهالي لتمتد من كيليكيا إلى أرمينية الكبرى يرثي ضياع مجدها وزوال ملكها ويحزن على معاناتها على مدى الدهور، وعلى وضعها الحالي المؤلم، فيتذكر الملك فاغارشاباد العظيم ويتذكر مدينة آني الموجوعة التي لا يختلف قدرها عن قدر يتيسيا بعدما تمزقت على دروب التاريخ، وخسرت بهاءها ورونقها وصارت أطلالاً خربة، فراح يسأل فاغارشاباد عن يتيسيا وعن بلاد الأرمن عموماً: إني أتساءل أيها الجليل وأرجو أن ترد على تساؤلي أين هو عرشك الآن؟ أين هو تاجك وسراجك؟ عروس ابن الملك. ماذا حل باحتفال العرس؟ أين هو الكرسي البابوي المقدس؟ أين الأساقفة في المحفل المقدس؟ أين الكهنة المواكبون؟ الذين يستعدون للمناولة؟ أين هو عطر البخور الفواح؟ أين تواريت أيها الجليل؟ يوم عيد الرب. لقد ضاع عرش مدينتك فاغارشاباد وزال مجد الملك السابق. وفيما هو يتأثر ويحزن لما أوقعه هذا الصراع بين المتحاربين لا يرى فرقاً بينهم من القادمين للدفاع عنهم والقادمين للهجوم عليهم، لأن كل فريق يسعى إلى تدمير ونهب ما تصل إليه يده غير عابئ بالمآسي التي يخلفها، ومن خلال هذا الحزن يتذكر محاسن المدينة الطبيعية بإحساس شاعر مرهف ويقول: منها، ينبع ماء الحياة، لينبت غرس الزهر البديع، فيجري مثل نهر وديع، يروي البساتين الجميلة، فيفور في داخلي بحر عظيم، يضحك للنسيم العليل، ويغسل أدران الوحل، ويزين الساحات الواسعة، فينبت غرس مختلف الألوان، كمثل ما في جنة عدن، فتتكاثف أوراق الشجر، وتعطي ثماراً شهية، وتتمايل أغصانها تحت ثقلها بدلال، لتفوح منها رائحة الخلود. في نهاية الملحمة يستنزل اللعنة على رأس العدو ويطالب بالانتقام من الجلاد ومعاقبته على عمله، فيقول مخاطباً يتيسيا: لقد أفلت شمسك بالسيف، وتيبس زرعك النضير، وتقطعت أوصال حياتك، التي وضعت أملك فيها، فضعت وضاع معك الآلاف وتشردوا تشردوا وراحوا يتسولون، وأخرجوا من ديارهم مهجرين، وبدلاً من أن أتنعم، وينعم أبنائي بثرواتهم جاء الأعداء ونهبوها. بعد هذا يخاطب أبناء يتيسيا على لسان يتيسيا نفسها، يؤنبهم ويعدهم بأكاليل في السماء خالد: أما أنتم يا أبنائي الأحباء، فلستم أمواتاً وإنما أحياء، لأنكم آمنتم بالأرض، فكللتم إلى السماء |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |