|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الأديب والمسرحي ليون شانط من الفلسفي والنفسي إلى التاريخي وبالعكس ـــ بقلم: خاتشيك أرسلانيان قبل مائة عام على وجه التقريب، باستقبال منقطع النظير وبنجاح استثنائي وبتصفيق عاصف دخلت إلى الأدب الأرمني مسرحية "الآلهة القديمة" التي لفتت الانتباه في كلّّ مكان من يريفان إلى تفليس حتى باكو وصولاً إلى اسطنبول وحتى الولايات الأرمنية البعيدة وقد فوجئت المجتمعات الأرمنية والمبدعون والمثقفون الأرمن بهذه الظاهرة التي كانت بمثابة معجزة في تلك الظروف فوجهوا أنظارهم إلى الأدب الأرمني عموماً والفن المسرحي خصوصاً. فقد نظمت أمسيات أدبية خاصة وتجمعات للجدل والنقاش والنقد والتقييم ومحاضرات وحوارات، وظهرت في الصحف والمجلات مقالات تسلط الضوء على المسرحية بجوانبها الأخلاقية والنفسية والفلسفية والاجتماعية والقومية. فالطبقات المثقفة والملتزمة كانت تشعر بالعجز إزاء التخلف الفكري والثقافي والأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بمعظم الطبقات الاجتماعية للشعب، وقد رأت في هذه المسرحية نقطة البداية لمرحلة سياسة واجتماعية وفكرية وثقافية جديدة والتي يمكن من خلالها التخلص من اليأس والإحباط والذل والتشاؤم فمسرحية "الآلهة القديمة" جاءت بهذه الرؤية إلى الحياة. وهكذا وبعد المسرحيات الواقعية للأديبين "شيرفانزادة" و"سوندوكيان" تظهر على الخشبة مسرحية كانت مختلفة اختلافاً تاماً بالموضوع وبالعناصر والبناء والشخصيات وبالعوالم الخارجية والداخلية للشخصيات. فالكاتب وبعبقرية مدهشة اخترق العوالم النفسية للناس حتى البسطاء منهم بتخيلات إبداعية، وبنى مشاهد موضوعية كانت نابعة من خصائص وشكل تلقي الإنسان للواقع وهكذا أبدع المسرحية ذات النزوع الفلسفي. "الآلهة القديمة" مسرحية مشاعر وأحاسيس نفسية ذات ظلال مرضية وغالباً ما تعيش شخصياتها في أزمات وسلوك مغرق في الأحلام والشاعرية والمثاليات الطوباوية "إنَّها صفحة جديدة في المسرح الأرمني. وبهذه المسرحية تبدأ قصة حياة ليون شانط الأدبية، حيث لم يكن له أن يسجل اسمه الذهبي في سجلات الأدباء لولا رائعته تلك. بهذه المسرحية وبكل مسرحياته عموماً يتبين أن شانط يستخدم المسرحية كوسيلة خارقة للتنقيب والإفصاح عن التكوين الداخلي للإنسان، عن القدر المأساوي في أشد الأوقات تأزماً وتحولاً في حياة الإنسان وباحتواء كامل وتام لخفايا النفس وبانكسارات في الزمان والمكان المتناسبين للوصول إلى الحقائق الإنسانية. فالمسرحية تذكرنا بالمسرحيات التراجيدية لـ "اسخيليوس" و"سوفوكليس" التي تقدم الإنسان بنشأة إنسانية يسعى إلى أن يكون إلهاً، وتقدمه بتكوين رباني يسعى إلى أن يكون إنساناً وبتساؤلات عديدة محتملة وبرؤى شاملة وبشمس الوعي والمنطق وبرياح خفيفة من الغريزة والإلهام وبمعرفة عميقة للواقع المر، أنشأ شانط أسلوباً ومضموناً جديداً وفلسفة جديدة للمسرح. أقام الكاتب مسرحياته على ثلاثة أعمدة (التمركز ـ الحركة ـ التبسيط) يقول شانط: (المرغوب والمؤثر بدون شك على الخشبة هو تمركز كلّّ الأشعة في نقطة واحدة). الرغبة الأولى (التمركز) في مسرحية "الآلهة القديمة" قائمة بالفكرة التي تعطي أسباب لأحداث تجري قبل ألف عام. فالبطل في هذه المسرحية يتوق إلى الربانية وعلى هذا الطريق الشاق يتعب من مواجهة القوانين والضغوطات النفسية والقيود العديدة فيحلم ويتمنى الوصول إلى الحرية البدائية بدون قيود أو شروط، يعني الوصول إلى الآلهة القديمة. هذه المسرحية تعالج الانفصام والازدواجية والتناقض في نفس هذا الإنسان وشانط يميز نوعين من الحركة في المسرح: داخلي وخارجي، هذا النوعان مرتبطان بشدة ببروز هذا أو ذاك على الآخر مع طغيان للداخلي أحياناً كما في "الآلهة القديمة". ومن الغوص في النفس البشرية ينتقل شانط إلى دراما الحياة غير العادية حيث مسرحية القيصر تعبر بنا إلى الأحداث والحركة المتدفقة لتتمركز بمهارة داخل النص وعلى الخشبة. القيصر مسرحية من العصور البيزنطية، كتبت عام 1914، بعد موت القيصر رومان يتولى فوكاس الحكم في الإمبراطورية البيزنطية بتشجيع من قائد الجيوش الشرقية الأرمني الأصل أوهان كوركين. يتزوج القيصر فوكاس الملكة الأرملة تيوفاني بنت الخمار، أي أنها آتية من أصول متواضعة متدنية منحطة، فهي فقيرة الروح ولكن مطامحها كبيرة إلى المال والشهرة والمجد وتريد أن تكون هي الحاكمة المطلقة مهما تعدد القياصرة على عرش بيزنطة. وبتوليه الحكم يفقد القيصر فوكاس الاستقرار النفسي والإيمان بالذات ويعتريه الخوف والشك حتى في أقرب المقربين منه وفي النهاية يذهب ضحية ضعفه النفسي فيبعد عن الحكم بالقتل ويتولى مقاليد الحكم أوهان كوركين قائد الجيش الذي كان مرغوباً ومحبوباً من كلّّ الناس ولكن أوهان يحب فقط امرأة واحدة هي آنا وهنا تتمركز الحركات الداخلية والخارجية للدراما المسرحية. يترقى أوهان المنتصر إلى المنصب بمجد عارم ولكن يفقد حبه وولعه بالحياة ويتحول إلى إنسان مرتبك وبائس. يقول القائد: (الكل يتبعونني بإعجاب منقطع النظير ويباركونني لانتصاراتي الجريئة، أنا واقف فوق صخرة شاهقة وصخرة في داخلي. كلّّ الأبطال تحت قدمي وكل شيء أيضاً، ولكن فجأة شاهدت أن انتصاراتي كانت وحشية وهزيلة وفارغة). يسقط القائد ببعده عن الحب العفيف والطاهر لآنا إلى أسفل الدنيا، إلى العالم الأرضي، ويتذكر كلام فاسيل ليكابي: (الذين يعيشون برغبة في التسلط والهيمنة هم فقط الأناس السفليون الذين يعيشون في قاع الحياة). يسقط أوهان إلى الهاوية بفقدانه إلى الأبد الحب الحقيقي والرغبة في الوصول إلى القمم الحقيقية ويصل إلى قناعة "كلّّ شيء فارغ وبدون معنى". في عام 1921 يبدع ليون شانط عملاً فنياً كلاسيكياً آخر كتب له العيش إلى الأبد. وزَيَن بآكاليل المجد الأدب والفن المسرحي الأرمني وهو (أميرة القلعة المهدّمة). فهذه المسرحية استثنائية بحركاتها الداخلية والخارجية وبقدرتها على التأسيس لفضاء مسرحي وأيضاً الرغبة الثالثة في المسرح وهي التبسيط. فوجود الأعمدة الثلاثة في المسرحية ووصولها إلى حد الكمال تجعل من هذه المسرحية استثنائية وترفعها إلى مستوى كلاسيكي كمسرحيات شكسبير المأساوية. فمحور التمركز هنا هو ثأر الأميرة آنا وتغيّر شخصيتها الدرامية تحت تأثير الحقد الجنوني. فالتغير الجذري لشخصية الأمير فرض عليها الذل والخنوع والعذاب مما قادها في النهاية إلى التعويض عن خسائرها عبر رغبة جامحة بالانتقام. سبب هذه المأساة هو الأمير فاسيل المعروف بفاسيل اللص والمشهور بميله الشديد للسلطة والمال والشهوات والذي يغزو بأعوانه قلعة الأميرة حيث يقتلون زوجها وولديها الاثنين ثم يأخذونها خليلة للأمير. هذا هو أصل الشر والوجه الحقيقي لفاسيل اللص والذي طبعاً له مبرراته الزائفة والمصطنعة لتبرير أفعاله الشنيعة والبربرية عندما يقول: إن الأرمن والمسيحيين المنطوين في هذه الجبال يدينون لي بحياتهم ووجودهم. هاجسان متطرفان الأول ظاهرة نفسية دائمة، أما الثاني فمؤقت ومفروض. فالأميرة آنا تصل إلى مبتغاها ولكن لا تصل إلى التعويض العادل. يقتل فاسيل الأب ولديه بوحشية بدون أدنى ألم. بتأثير بسيط وضعيف يقول: (أمرائي سيسامحونني عن هذا الحادث غير المنتظر والثقيل... غداً صباحاً سوف يتحرك الجيش... الموت بطريقه... والحياة بطريقها). الأبرياء يقتلون، الأميرة آنا أيضاً، أما الشرير فيبقى دون عقاب ويصل التوتر المتفاقم بالحركة الداخلية والخارجية للمسرحية إلى فك العقدة ولكن لا تتوازن كفّتا الميزان: الثأر والتعويض مثلما يحدث في مآسي شكسبير. مسرحية (أوشين بايل) المكتوبة عام 1929 مسرحية مأساوية ودرامية بشكل معمق وكامل، لعلها ليست مليئة بالهواجس والتوترات النفسية ولكن أحداثها التاريخية معطاة بشكل واضح وجلي وبحقائق ملهمة. تشع الحكمة والنضج الفكري والنفسي للأديب من خلال الخيوط الناعمة لنسيج هذه المسرحية والتي فكرتها الأساسية الصراع القومي للبقاء والوجود والنضال المرير للشعب الأرمني على مر العصور للحفاظ على وحدته وخصوصيته. هذه المسرحية مزينة بالرغبات الثلاث للأديب: التمركز، الحركة والتبسيط. يقبل الأمير أوشين نزولاً عند رغبات الأمراء الأرمن وبغير رغبة رتبة (البايل) في مملكة كيليكيا الأرمنية وأن يكون وصياً على الملك ليفون حتى سن الرشد. أما ريتا المرتبطة بأوشين بحب عميق فتوافقه وفي رأيها أن ذلك سيفتح الطريق نحو العرش ولكن الأحداث تجري بما لا تشتهي السفن. يسير أوشين بايل بطريقة المليء بالأشواك والعقبات بتنازلات كبيرة فيزوج ابنته للملك ليفون الذي يجلب لابنته الألم والعذاب، هاهي الضحية الأولى. التنازل الثاني: يتزوج أوشين من الملكة والدة ولي العهد ويفقد حبيبته ريتا. أما القوى النافرة واللا مركزية الموالية للاّتين فتعمل ضده، فمبادرته لإنشاء جيش موحد قوي لا يتلقاها الأمراء حتى المقربون منه برحابة صدر. يُهزم أوشين بايل، أما حلم تقوية وتعظيم الدولة الأرمنية في كيليكيا فيتحطم. تحاول ريتا التي تضحي بنفسها من أجل هذا الحلم محاولة يائسة لإنقاذ الحلم الذي تلقى حكماً بالموت. يرد أوشين على اقتراح ريتا بالهروب معه لإحياء الحلم من جديد بقوله: (يا إلهي، إن الإنسان قصير الرؤية وبائس، ناديت وقرّبت وحاولت أن أربط كلّّ الناس بي وبأفكاري وأبعدت عني الإنسانة الوحيدة، تلك الروح القريبة التي كانت لي). وهكذا فإن مسرحية أوشين بابل بأحداثها النفسية الغنية والتاريخية ليس لها مثيل في الفن والأدب المسرحي الأرمني. وبمسرحية أشوين بابل يضع المسرحي والأديب ليون شانط نقطة النهاية لإبداعاته الخلاقة الباهرة والاستثنائية بإعطائه الأدب والفن المسرحي الأرمني كنزاً لا يفني ومنبعاً فكرياً ونفسياً لا ينضب تنبض فيه القضايا الدائمة للإنسانية جمعاء وحلم الإنسان المكافح للوصول إلى الحياة الفاضلة والعيش الكريم. فالمسرحي العظيم باسمه المضيء وبأدبه العريق سيبقى خالداً في الأدب والفن المسرحي الأرمني وسيبقى سنداً للخير والفضيلة وأحلام الإنسان وأمانيه في العدالة والحرية والكرامة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |