مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 123 صيف 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رعاة ماسيس(1) أو فارت(2) وشوشان(3) (1867م) للشاعر والمسرحي "بيدروس تورْيان" ـــ ت.هدى انتيباو وارطان درمنجيان

مسرحية غنائية تتألف من أربعة فصول تتخللها موسيقا فولكلورية من القرن التاسع عشر ترافق الأحداث‏

لمحة عن حياة‏

بيدروس توريان‏

(1851 ـ 1872)‏

ولد بيدروس زمبايان بن أبراهام (المعروف بـ "توريان") في "اسكيودار" تركيا حالياً (أرمينية الغربية سابقاً) عام 1851 وتوفي شاباً في القسطنطينية (استنبول) عام 1872م.‏

وهو شاعر وكاتب مسرحي درامي أرمني.‏

أنهى دراسته في ثانوية "اسكيودار" عام 1867م.‏

عمل في مجالات مختلفة منها: في صيدلية ثم كاتب ومدرس خاص وممثل. كتب الشعر، والدراما وعمل كمراسلٍ صحفي حتى أصبح معاون رئيس تحرير جريدة يومية "برعم آفاراير". كذلك اشتغل بترجمة أعمال كبار الأدباء العالميين منهم "فيتكور هوغو" و"شكسبير" إلى اللغة الأرمنية، معظم أعماله المترجمة مفقودة.‏

أما أعماله المسرحية، فساهمت في تطوير الدراما المسرحية الأرمنية بشكل كبير. كان "توريان" أول كاتب أرمني من القرن التاسع عشر، يتطرق إلى التاريخ القديم من منظار عامة الناس، حيث كان يظهر غضبهم وامتعاضهم من الممارسات الخاطئة للسياسات التي تنتهج من قبل الحكام والملوك.‏

من أعماله المسرحية "فارت وشوشان" أو "رعاة ماسيس" (1867م)، و"الملك أرادشيس" (1869م)، وغيرها.‏

دشن "توريان" منهجاً حداثياً" للدراما الرومانسية الأرمنية، متجاوزاً القيود الكلاسيكية المتعارف عليها.‏

وصلنا من أعماله الشعرية تسعة وثلاثون عملاً منها ستة وعشرون كتبت عام 1871م. ولأعماله الشعرية قيمة إنسانية وشعبية كبيرة. يتحول إلى بطل لقصائده العاطفية. وبخاصة عندما يتعاطى مع الطبيعة التي يراها عذراء نضرة، وكان دائم الاهتمام بمضمون الأشياء وليس بشكلها الخارجي.‏

من أعماله: "يجب الموت"، "أحببتك"، "البنفسج" وغيرها.‏

كان دائم البحث عن إنسانية الإنسان وكيفية الحفاظ عليها وتطويرها، وكان يناهض مشاعر ومواقف اللامبالاة واللاإنسانية...‏

رعاة :ماسيس"...‏

الشخصيات:‏

* باريد: صاحب المزرعة ومالكها.‏

* فارت: نجل "باريد".‏

* شوشان: ابنة "باريد" بالتبني.‏

* مريم: المرأة المتسولة.‏

* سورماك: اللص.‏

* كيغام: ابن سورماك.‏

* كوركين: فلاح من القرية.‏

* ديران: صديق سورماك.‏

* أحد الرعاة.‏

الفصل الأول‏

الزمن منتصف الليل... صدى خرير مياه نبع، في الجانب الأيمن من المشهد يضيء المكان قمر شاحب... هناك حفرة على الجانب الأيسر من المكان‏

المشهد الأول:‏

يظهر "سورماك" بمفرده (مونولوج)‏

يا لها من ليلة ساحرة... لا بل رائعة.. وأوقات هادئة بالنسبة لمجرم من طينتي... القمر، كالأحلام تغفو على هديه الضمائر... قمر يخطب ودّ ليلة حبلى باستراحة الأبرياء... حتى لتبدو أية حورية جميلة تنزل من السماء جلادة في أعين جزار من ثوبي قتل أبيه... علماً أن تلك الحورية ترمز لآلهة الحب في نظر إنسان بريء. أين حلقّت يا طفولتي؟! رحلت بعيداً عني... حملتك طاقية الإخفاء... زرعتِ التعاسة في دروب حياتي!!...‏

عندما كنت طفلاً عرفت ملاكين: الحياة والموت... جناحاهما النور ابتسما لي وجلبا معهما الحظ... عندما اجتزت مرحلة الشباب، لبس الموت قناعه الرهيب... كرهته... وأحببت الحياة لتتفجر في قلبي ينابيع مفعمة بالمآسي، يا له من وشاح أسود يحجب ضميري!!.. أحياناً تعذبني مخيلتي... أرى تحت أقدامي امرأة بريئة... مقهورة... وأسمع أحياناً لعنات أصواتٍ تتمتم يائسة... لكن ماذا تعني الخبطة السهلة؟ نسمة تنساب كالبرق فتثلج القلب وتنثر خلفها دمعاً لا يدوم لحظات معدودة... مهما يكن، أتوق لتلك النسمات... أنا أحب.. دعوني أشعر أن هناك من يحبني... آه... أسمع وقع أقدام... إن القادم حتماً مسافر... لأتشجع...‏

...فاصل موسيقي...‏

المشهد الثاني‏

"سورماك" و"كيغام"‏

كيغام:‏

(يدخل من جهة اليمين)... آه نعم... إنَّها مرارة الحب...‏

سورماك:‏

(يقترب وبيده خنجر) حياتك أو مالك؟!.‏

كيغام:‏

أي مال تطلبه مني أيها اللص البائس؟! أنا لا أملك سوى قلب حزين!!.‏

سورماك:‏

أنا لن أصغي إلى تلك الكلمات.. مالك أو حياتك؟‍.‏

كيغام:‏

إذن اقتلني.. لكن اعلم أني لا أملك شيئاً.. إذا كنت متعطشاً لدم شاب مسكين ومشرد تخلص مني وابسط عند أقدام تلك التي أحب جسداً يقطر دماً...‏

سورماك:‏

(على انفراد) يا للفتى المسكين... أقواله هزت كياني وحركت مشاعري... لا أجرؤ على رفع قبضتي في وجهه، كأن يداً خفية تمنعني وتلجم حركتي...‏

كيغام:‏

ماذا قررت أيها اللص؟‍.‏

سورماك:‏

انطلق... ترأفت بك.‏

كيغام:‏

ترأفت؟! آه شكراً... إذن مازلت أملك بصيصاً من الأمل في صفحة سمائي المظلمة.. أمل يقودني من جبل إلى جبل... بالله عليك... إذا رأيت امرأة تدعى "مريم" تبحث عن ابنها "كيغام"... قل لها: إنه يائس... سيقضي نحبه قريباً لاعناً والده كما أوصته أمه...‏

سورماك:‏

(بهلع وعلى انفراد) يا للسماء هذا ولدي... قبل قليل كنت سأقدم على سفك دم ابني أيضاً... (بصوت مرتفع) اذهب، اذهب أيها الفتى المسكين لكن لا تلعَن والدك أي درس!؟... (يتمتم بصوت منخفض) فهو رجل يائس وملعون أيضاً...‏

كيغام:‏

شوشان... شوشان: من أجلك أريد أن أموت!‏

سورماك:‏

قلت "شوشان"؟!....‏

كيغام:‏

إنه اسم تلك الراعية التي أحب!.‏

سورماك:‏

(على انفراد) إن ولدي هو غريمي... (وبصوت مرتفع) ارحل بسرعة من هنا قبل أن يحصل لك مكروه... (يبتعد كيغام حزيناً).... آه!! من أنا في هذه الدنيا؟! غاية اللعنات... الجميع يلعنني... لكن مع ذلك لا يرتجف قلبي عندما أقدم على عمل إجرامي... هناك أصوات وقع أقدام تقترب... إنه بالتأكيد مسافر آخر أختبئ هذه المرة؟!.‏

المشهد الثالث‏

سورماك (في المخبأ) وديران (في العلن)‏

[يظهر "ديران" في الجانب الأيسر للخشبة "يلتفت ويعاين الجهات الأربع" لا يرى "سورماك"]‏

ديران:‏

إنه لم يأت بعد... سأشي به... منذ فترة وهم يبحثون عن هذا المجرم: قاتل الوزير، ولا يعلمون أنه هو نجل ذاك الوزير... لقد خصّ الملك مكافأة كبيرة لمن ينجح في إلقاء القبض عليه... ها... من يرفض اليوم هذا المبلغ الجاهز بدون تعب؟.‏

سورماك:‏

(يخرج إليه)... يا طاعن القسم ونكّاث اليمين.. أيها الرجل السيء... كنت أعتقد أنك الصديق المخلص الأمين والوفي...‏

ديران:‏

هاهو... (يهرب منزوياً لشدة ذعره)... لقد افتضح أمري...‏

سورماك:‏

ديران؟! أمن أجل حفنة من الدراهم... تشي بصديق عمرك؟... تذكر كيف أقسمت اليمين بحرمة ألف كنيسة وكنيسة في مدينة "آني"؟!.. ألست أنت أيضاً شريكي في الجريمة؟! لاسيما أنك أنت من حرضني على القتل العمد؟. إذا كنت تريد أن تُزج في السجن برفقتي أو أن يحكم عليك بالموت فقم بالوشاية بي للملك!!..‏

ديران:‏

(انقلب مازحاً) بالفعل أنت صديق حقيقي... كنت أمتحنك بهذه المناسبة ليس إلا... فأنا أتشوق لأشاهد وأعرف إن كان بإمكانك خيانة صديقك لمجرد التطرق إلى هذا الموضوع!!‏

سورماك:‏

(يتكلم على انفراد) افتضح أمرك أيها الغبي "ديران" (ثم بصوت مرتفع) يا صديقي أنت السبب في شقائي.. لو لم تكن يا ديران موجوداً لكنت أنام الآن قرير العين... لقد جعلتني مجرماً... في سبيل راحتك تحولت أنا إلى قاتل أبيه... دفعتني إلى السرقة من أجل السرقة والتي لا طائل أجنيه منها لتصبح حياتي في نهاية المطاف شبيهة بحياتك الآن... تبدو لي السماء وكأنها جلاد يتربص بي... في كلّّ مبادرة أخطوها أرى بوابات الجحيم تنقّض علي تريد ابتلاعي حتى بدأت أجد الورود تنفث السموم... أيها الجاحد الوضيع... دفعتني لقتل والدي... بددت الأموال التي ورثتها عنه مذ صحبتك في ملاهي الميسر والمجون حيث المأكل والمشرب و... ديران!... ديران! يا ناكر الجميل... من أجلك استبدلت دعاء والدي بلعناته.. أنا شقي الآن وسأبقى كذلك... لأنني من‏

أجل إرضاء نزوات جاحد مثلك قضيت على والدي... كنت ذات يوم نجل الوزير، أصبحت اليوم لصاً طريداً...‏

ديران:‏

دعك من هذا الكلام الفارغ وكن صلب الشكيمة قاسي القلب لا تكن رعديداً كالأطفال... واعلم أن العيش سيان للمجرم الشقي وللمستقيم البريء... السعادة تقرع القلوب دون استئذان... أكانت حقلاً شائكاً أو مزهراً... يشهد على ذلك ندى الصباح تنيره شمس الحياة. قد تذبل أزهاره عند المساء لتنتعش صباح اليوم التالي... هكذا هي حياة الإنسان: بؤسٌ اليوم وسعادة في الغد... الحياة في نهاية المطاف أشبه بنهر تارة تنساب مياهه بين الحقول والزهور وطوراً بين الصخور... والآن لنهتم بعملنا!. ما الهدف من لقاء اليوم؟.‏

سورماك:‏

سنعمل على خطف "شوشان" ابنة "باريد" بالتبني... مع العلم أن نجل هذا "الباريد" يحبها... وفي الليالي المقمرة يخرج الثنائي للتجوال في الحقول... يبدو لي أن هناك صعوبة في تحقيق هذا المشروع... لكني مستعد للموت في سبيل احتضان "شوشان" بين ذراعي لمرة واحدة ليس إلا....‏

ديران:‏

لا تقلق كثيراً... لا أتوقع مواجهة أي خطر... سننهي هذا الموضوع دون إثارة أية ضجة وبهدوء... أنت تعلم مقدار مهارتي في هذه الأمور... تشجّع... رأيتهما وأنا في طريقي إليك يتجولان بين أشجار الكرمة... كانا على بعد من منزلهما...‏

سورماك:‏

هذا خبر سار... أخيراً أصبحت "يا شوشان" في قبضتي... سأحول نظراتك المتعالية تلك إلى ابتسامة.. سوف أجعل قلبك يخفق رغماً عنك على وقع دقات قلبي....‏

ديران:‏

تمهل قليلاً... هل سأتقاضى أجرة مقابل هذا العمل؟.‏

سورماك:‏

بالتأكيد... (ثم على انفراد: أجرتك هي الموت الليلة إذا نجحت في مساعيّ)!!‏

ديران:‏

فلنذهب إذن... لا تتردد بقلب شجاع وضربة لا تخيب...‏

سورماك:‏

لنذهب على الفور... أنت تنفذ عملية القتل وأنا أقوم بالحراسة والمراقبة.. أحسنت يا ديران.. إذا نجحت الخطة...‏

ديران:‏

ألا تزال الشكوك تساورك بالنسبة لهذا الأمر؟‍ (يتمتم على انفراد: "بددت شكوكه" قبل أن يتابع بصوت مرتفع) لنتجه من هنا... انتبه.. القمر هذه الليلة متخفٍ يساندنا.. إن كنت تريد سماع الحقيقة: القمر أيضاً يشاركنا في جرمنا.‏

سورماك:‏

(يقف بمفرده) يعتقد هذا الغبي أن تصريحه السابق عن الوشاية بي طوي إلى غير رجعة... فليعتقد ذلك... (يبتعد الرجلان من الجانب الأيسر للمسرح)...‏

المشهد الرابع‏

يدخل "فارت" و"شوشان" متشابكي الأيدي.‏

فارت:‏

حبيبتي شوشان، لقد تعبت!! استميحك عذراً‍!! هل نجلس بعض الوقت عند تلك الساقية؟.‏

شوشان:‏

أنت تعلم أني لا أشعر بالتعب طالما أنا بقربك يا فارتي...‏

فارت:‏

"شوشان" ما أن داعبت أصابع الحب الناعمة قيثارة قلبي، ولأول مرة في حياتي حتى رحت أتصور حضنك الدافئ ويديك الرقيقتين. وقلت لنفسي: متى ستأتي لحظات السعادة المرتقبة فتهمسي يا حبيبتي في أذني وببساطة كلمة: "احملني يا فارت"... ها أنذا بين أحضانك يا شوشان... كم هي سعيدة تلك الزهرة المرسومة فوق شفتيك وتلك النسمة التي تداعب وجنتيك؟!. وكم هي سعيدة تلك الأشعة المتغلغلة بين ضفائر شعرك والأكثر سعادة هو ذاك الذي يحبك من كلّّ قلبه!..‏

شوشان:‏

حقاً ما أحلى الحب؟! "فارت".. الحب ربيع أزلي يغار عليه قلب كلّّ منا.. انظر يا فارت الطبيعة كلها معبأة بمشاعر الحب... القمر يشع حباً... والزهرة تفوح حباً... آه كلّّ شيء غارق في الحب...‏

فارت:‏

شوشان... كم أنت جميلة... ثنايا قلبك طاهرة كأوراق السوسن.. نظراتك حلوة كبريق أول شعاع للفجر... روحك عليلة كنسمة الصباح... آه لو لم تكوني في هذا الوجود لأصبحت كبرعم وردة تغلفها الأشواك يذبل قبل تفتحه.‏

شوشان:‏

يعلم الباري أننا لا نستطيع العيش منفصلين لذلك دفعنا إلى حضن واحد... لنلتقط أنفاسنا من الحب... أليس كذلك؟... "فارت" سنظل عاشقين كما تحب الزهرة النسيم... آه... أنظر كيف يدق قلبي بشدة كأنه يريد الخروج من صدري والتحليق على مقربة من قلبك!! اقترب مني حبيبي "فارت" وضمني هكذا على الدوام بين ذراعيك... هل ترى كيف يبتسم لنا القمر وكأنه يريد هو أيضاً القفز من هالته المزينة بالنجوم لينضم إلينا... إنه مولع بنا... ويسهر على حراستنا ويتبعنا حيثما نذهب... أيها القمر! سوف تنير دروبنا ليس فقط خلال حياتنا وإنما كذلك عندما نموت... سوف تظلل ثرانا.. يومها سينهمر الدمع فوق هذا الثرى عوضاً عن الحب... لأنه الآن يبتسم عندما نمر من هنا بالطبع سيحزن لموتنا... أيها القمر المسكين... مثواك عبارة عن غيمة كثيفة...‏

فارت:‏

لا تقولي هذا شوشان! لماذا تذكرين الموت؟! من الأفضل أن نستمر في العيش معاً بمحبة وسعادة أبدية... ألا تعرفين ما أكنه لك من مكانة، حياتي أنت، أولى ابتساماتك لي تحولت إلى شمس مشرقة في حياتي...‏

شوشان:‏

هذا القلب النابض الذي اقترب من جسدي هو قيثارة محبة، فأنا كذلك لم أكن أفقه الحياة قبل تعارفنا، فإثر حرماني من أسرتي كننت أعيش بهذا القليل الذي ورثته عنهما... اعتقدت أني سأظل بائسة إلى الأبد... لكني كنت مخطئة... فنظراتك الأولى أزاحت وشاح الحزن الذي أحاط بقلبي... قبل التعرف عليك كنت أمضي النهار بين السهول والغابات حزينة أنتظر حلول الظلام... وما أن يطل الغروب وتصبح خيوط الأفق ذهبية حتّى أشعر بالبهجة لأني اعتقدت يومئذٍ أن حياتي ستنتهي.. اعذرني يا حبيبي لم أكن أعرفك آنذاك... ولم أقاسِ آنذاك من لهيب الحب، أما الآن فقد اكتشفت أني كنت عقيمة التفكير.‏

فارت:‏

ماذا تعتقدين يا شوشان؟... لو أن سائر الناس أحبوا على طريقتنا لامتنعت الأزهار عن الذبول من شدة غيرتها... يا شوشان يا هدية الحب الصافي... هل ستتوقف الطيور عن التغريد لشدة غيرتها منا؟‏

ومن سيوقظنا لنتبادل القبل مع إطلالة أول شعاع كلّّ صباح؟ ما ألذ تلك اللحظات...‏

شوشان:‏

يبدو الوقت قَدْ أدركنا لنعد إلى المنزل... "فارت" غداً في الصباح الباكر نأخذ الماشية ونصعد على سفح جبل "ماسيس".... أليس كذلك يا فارت؟.‏

فارت:‏

حسناً شوشان... ولكن ما هذه الأصوات؟ أنصتي!.‏

(تتردد كلمات مرثية غنائية تنبعث عن بعد تنشد):‏

أيها الليل الساجي المضاء‏

امنحني ما يكفي من الوقت‏

لأذرف الدمع السخي بأسى‏

أنت فقط من يواسي آلامي‏

وأنت يا سماء الرحمة والعظمة،‏

أطلب منك أن تتمتم شفتاي،‏

اللعنة، لأطلقها على ذاك الذي أدمعني‏

وخدعني وأفرغ حياتي من الأمل...‏

بائسة أنا، بؤسي لا يعرف النهاية،‏

إذاً فلتسقط اللعنة على "سورماك"،‏

ولتُسحقَ روحي لأني خائنة للحب،‏

الرحمة أيتها السماء ولتتذكري دموعي.‏

شوشان:‏

ما هذه المرثية التي تستجدي الشفقة... لمن تكون يا ترى؟.‏

فارت:‏

لامرأة يائسة بالتأكيد... من يدري أية مصيبة ألمت بها؟.‏

شوشان:‏

هل تبكي يا "فارت"؟ لكن لماذا؟ أتوسل إليك أن تخبرني!.‏

فارت:‏

هذا الصوت "هذا الرثاء أثر في وجداني... لا أعلم كيف سالت دموعي بشكل لا إرادي...‏

شوشان:‏

آه!!.. يا لها من امرأة مسكينة!... أي حزن أصابها يا ترى؟ "فارت"... هل نستطيع مساعدتها؟.‏

فارت:‏

ربما... ما أثقل حزنها!! إنَّها تحاول التخفيف عن ألمها... يبدو أنها تفتقد لمن تبث إليه شكواها... فاضطرت لاتخاذ هجعة الليل سلواها... علها تبحث عمن يواسيها... يا لها من امرأة بائسة!!.‏

شوشان:‏

ما هذا القلب الذي تملكه المدجج بالمشاعر الجياشة يا فارت؟! كيف ذرفت عيناك الجميلتان الدمع هكذا بسرعة؟ (تضع شوشان يدها فوق قلبه).... كيف يخفق قلبك بهذه القوة؟! اهدأ يا حبيبي!!... بالطبع يمكننا مساعدتها قدر المستطاع.... هيا بنا لنذهب بهذا الاتجاه!.‏

فارت:‏

توقفي... هاهي أصوات أقدام صماء تقترب... يبدو أنها هي... فلننتظرها!!.‏

شوشان:‏

لكن اهدأ أرجوك...‏

المشهد الخامس‏

"مريم" بالإضافة إلى الشخصيات السابقة‏

مريم:‏

(تدخل من الجهة اليسرى للخشبة.) ندبي ذهب أدراج الرياح... ليس هناك من يسمعنى.. حتى رب العالمين أدار وجهه عني... أنا بائسة... امرأة مجنونة لا تعلم أين طريقها... تبحث باستمرار عن قبر تحت أقدامها... يا موت لماذا أبطأت المجيء؟ فقدت الأمل... لا حدود لشقائي... "سورماك" لتطاردك اللعنات إلى الأبد ولتظل لعنتي حياتك بوشاح من الحزن!!....‏

شوشان:‏

ماذا أصابك يا امرأة؟ وأية كوارث ألمت بك؟ هل أنت من كانت تترنم بمرثية الرحمة؟...‏

مريم:‏

لكن من أنت أيتها الشابة الحسناء؟ وماذا تفعلين في هذا الوقت من الليل؟.‏

شوشان:‏

أنا راعية القرية اليتيمة الأبوين... تبناني فلاح طيب القلب... خرجت مع هذا الشاب نضرب في الحقول الغافية... نحن عاشقان...‏

مريم:‏

شابان متحابان؟ إذن أتمنى لكما السعادة.. ودعاني أرثي حالتي البائسة... أنتما لا تعلمان ما هو الشقاء؟‏

فارت:‏

تشجعي أيتها المرأة البائسة... قولي لنا ما المصيبة التي تعانين منها وسترين أننا سنساعدك قدر المستطاع.‏

شوشان:‏

اعلمي أني كنت على غرارك مسكينة ووحيدة في الحياة... وعندما استضافني هذا الشاب النبيل في منزله أنعمت عليّ محبته منتهى السعادة‏

مريم:‏

عندما أروي لكما مصيبتي ستعلمان أن الحب يكمن وراءها...‏

الشابان:‏

الحب!!.‏

فارت:‏

هل يمكن لهذا الإحساس النبيل أن يؤدي إلى الشقاء؟!.‏

شوشان:‏

لكن أخبريني، كيف وقعت في شباكه وأصبحت بائسة؟!.‏

فارت:‏

نعم أخبريني أتوسل إليك!.‏

مريم:‏

إن رويت لكما قصتي لن تلوماني؟.‏

الشابان:‏

لا إطلاقاً!!‏

مريم:‏

قبل تسعة عشر عاماً من الآن تزوجت فلاحاً أحببته كثيراً وهام بي عشقاً. رزقنا الله بعد فترة طفلاً وحيداً ونشيطاً... لننعم بالسعادة لبعض الوقت.. وفي أحد الأيام (ذاك المشؤوم) بينما كنت هائمة على وجهي في الحقول عند غروب الشمس وقلبي فرح غارق بالحب... مرت دقائق معدودة اختفت على أثرها أشعة الشمس ليتربع قمر ذهبي في صحن السماء متسلقاً الأفق... وأنا في طريق عودتي إلى المنزل أجمع الأزهار... سمعت فجأة صوتاً يتلفظ اسمي.. أصابني ارتعاش خفيف... استدرت نحو مصدر الصوت لكني لم أجد أحداً.. راح قلبي يخفق بشدة.. تابعت طريقي ليصل إلى مسامعي الصوت ذاته من جديد، التفت إلى الوراء لأشاهد شاباً جاثياً على ركبتيه يناديني...‏

شوشان:‏

من كان صاحب ذاك الصوت؟.‏

مريم:‏

عرفته منذ الوهلة الأولى.. إنه شاب أقسمت له ذات يوم أن أبادله حباً بحب عندما كنت مراهقة... أصابتني القشعريرة ساعتئذٍ... ولم أتمكن من متابعة سيرى، استوقفني الحب... سرت إليه خطوات معدودات.. وأنا في حالة فقدان الشعور... لأجده خلال ثوان بين ذراعي.. حباً مأساوياً كان.. انفصلنا أخيراً.. لتمر عدة أيام أخرى... ثم هربت برفقته واختبأنا في الجبال المجاورة...‏

هناك عرفت معنى الحزن وذرف الدموع... وأنجبت طفلاً أسميته "كيغام"... والده ذاك المجرم الخسيس... حملت رضيعي ذات يوم وابتعدت عن ذاك المكان لأعيش بصحبة طفلي... حتى أضعته قبل شهر، وبعدها فقدت حملاني وشاتي التي أقتات من حليبها... وها أنا أعيش شقية منذئذٍ... وفيما بعد اضطررت للتسول بين هذه القرية وتلك، وبين ذاك الجبل وجاره.. انتقل بين تلك الأماكن كالمتشردين... إنني مذنبة، استميحكما عذراًُ. لقد دفعتماني للبوح بأسراري...‏

فارت:‏

سامحناك أيتها المرأة المسكينة!!...‏

شوشان:‏

ونتضرع إلى الله تعالى، عله يغفر لك.‏

فارت:‏

لكن من هو زوجك الشرعي؟! بالطبع لابد أن نكون قَدْ سمعنا عنه، إن كان من سكان قريتنا...‏

مريم:‏

إنه الفلاح الملقب "باريد".. لو شاهدته الآن لما عرفته... لأنه مضى سبعة عشر عاماً على انفصالي عنه...‏

فارت:‏

قلت الفلاح "باريد" أيتها السماء!!‏

شوشان:‏

هل أنجب أولاداً؟‏

مريم:‏

لكن لماذا ظهر الحزن على وجهيكما؟! نعم عنده ولد وحيد يدعى "فارت" وهو ابني أنا!!.‏

فارت:‏

يا إلهي ماذا أسمع؟ إذن أنت والدتي التي فقدتها منذ طفولتي؟!‏

مريم:‏

أمك أنت.. آه!!‏

فارت:‏

نعم أمي!! أنا "فارت" ولدك ولازلت أحبك!!‏

مريم:‏

وتسامح أمك.. أليس كذلك؟! (يتعانق الاثنان)...‏

شوشان:‏

يا لمحاسن تلك الصدفة السعيدة!!.‏

فارت:‏

أمي أنت سعيدة الآن لأن ابنك بين ذراعيك؟!‏

مريم:‏

نعم أنا سعيدة يا بني!.‏

فارت:‏

لو أخذتك إلى والدي.. لن تحزني أليس كذلك؟!‏

مريم:‏

إلى والدك!! آه لا... لا... لست أهلاً لمحبته واحترامه... ربما يكنّ لي اليوم الكراهية والبغضاء، وإن طرقت بابه قَدْ يطردني!!.‏

فارت:‏

أنت مخطئة يا والدتي... فوالدي لا يزال يحبك... وهو لا يعلم تفاصيل القصة التي رويتها قبل قليل... ويعتقد أنك ضائعة ليس إلاَّ... ولو أخذتك إليه سيستقبلك بالأحضان.‏

مريم:‏

لكن إذا علم بقصتي تلك... سوف...‏

فارت:‏

(مقاطعاً): يصفح عنك... شوشان" أحضني أمي أيضاً... بعد أيام يا والدتي سوف تكوني شاهدة على حفل زفافنا... أنت أيضاً ستباركين هذا الزواج السعيد...‏

(يُسمع عندئذٍ صوت يصرخ من بعيد: ساعدوني، ساعدوني... انجدوني...)‏

فارت:‏

آه... هذا صوت صبي.. لأذهب وأتبين الأمر!.. (يخرج فارت)‏

مريم:‏

(تسعى وراء فارت): توقف.... توقف... قَدْ يتربص بك الخطر! (تغادر الخشبة في أعقابه)...‏

شوشان:‏

ما معنى هذه الكلمات التي خرجت من فم "فارت"؟ العرس.. آه... بعد وقت قصير سأزف إلى "فارت"!! سيصبح زوجي!... هكذا سأدعوه بعد قليل... يا لسعادة هذا القران.‏

المشهد السادس‏

شوشان وكيغام‏

كيغام:‏

(يسير حزيناً... يلتقي شوشان...) هذه شوشان! (يركع على الأرض)...‏

شوشان:‏

شاب أمامي جاثياً على ركبتيه! قف على قدميك! ماذا تريد؟ (تساعده على الوقوف).‏

كيغام:‏

نظرة... ابتسامة... كلمة...‏

شوشان:‏

لم أفهم ما تقول... أفصح!! ماذا دهاك؟.‏

كيغام:‏

إن نطقت قَدْ يعجز لساني عن البوح... آه... أحبك يا شوشان!.‏

شوشان:‏

فارت... فارت... تعال....‏

كيغام:‏

ها.... اصمتي... اصمتي... أرجوك ارحميني!‏

شوشان:‏

لكن كلامك يخيفني.. اعلم أن...‏

كيغام:‏

اسمعيني... إنك تمرغين قلباً تحت قدميك.. ينزف في كلّّ خطوة دماً... أملك هذا القلب لكنني أهديه لك وأنت ترفضينه.. إذن اطعنيه في الصميم لأنه يخفق كلّّ لحظة من أجلك... أزيلي بالخنجر ذاك الاسم الذي حفره الحب عميقاً في قلبي... لتذبل هذه الشفاه لأنها تنطق اسمك كلّّ لحظة... إن كنت لست أهلاً لحبك.. اقتليني أرجوك قبل أن تقولي "لا أحبك"... أنت لا تعرفين الرحمة يا شوشان... اعتقدت أنك سترأفين لحالي... لكني كنت مخدوعاً... أجيبيني بكلمة "نعم" أو "لا"!! أنت تبكين! إذن هل أصدق أنك تحبينني؟ أديري وجهك باتجاهي! تكلمي!! لا ترهقي قلبي!!.‏

شوشان:‏

(على انفراد) نعم أبكي "فارت".. يا لهذا الشاب المسكين!! لأني أعلم ماذا يعني أن يقع الإنسان في الحب وألا يبادله الطرف الآخر مشاعره تلك...‏

كيغام:‏

بماذا تفكرين؟ ماذا يجول في خاطرك؟ ستحبينني أليس كذلك؟ ضميني إلى صدرك لنكون سعيدين!! قولي لي كلمات تعبر عن حبك لي ليزول التشاؤم عن نفسي كي يغرد البلبل في الصباح الباكر ليمحي كآبة الليل عن الغابة.‏

شوشان:‏

لكني لا أستطيع أن أبادلك الحب... أيها الشاب المسكين.. تعهدت للسماء ألا أمنح حبي سوى لـ "فارت"... فكيف أنكث عهدي؟ لا...لا... لا أستطيع التخلي عن "فارت" من أجل شخص غريب، لا أعرفه وبإمكانه الارتباط بفتاة أخرى.‏

كيغام:‏

إذن حكمت عليّ بالموت... اعلمي أني لن أنعم بالسعادة بعد اليوم، حياتي ستكون حزينة... سيجلد الحب قلبي بسوطه... ذكراك ستظل تطاردني حتى القبر... وعندما سألفظ اسمك شوشان شوشان... ستدق الأشواك في قلبي كالمسامير... وعند أية تنهيدة سيتوارى جثماني أكثر فأكثر... وفي نهاية الأمر ولدت مجبولاً بالآلام وسأحملها معي إلى القبر... لأن طريقي شائك من المهد إلى اللحد... إذن هكذا تريدين الموت للذي أحبك أكثر من روحه... شوشان... ترغبين موتي!!.‏

شوشان:‏

لا أستطيع أن أحبك (تبتعد عنه).‏

المشهد السابع‏

ينضم فارت إلى الشخصيات المذكورة سابقاً‏

فارت:‏

(يدخل ويتكلم مع حبيبته) لنذهب يا شوشان.. والدتي تنتظرنا...‏

شوشان:‏

من أصدر صوت الاستغاثة؟...‏

فارت:‏

إنه صبي وقع في البحيرة عندما كان يلعب على ضفافها!..‏

شوشان:‏

هل تمكنت من إنقاذه؟.‏

فارت:‏

نعم... وحملته إلى منزل والديه القريب من المكان.‏

شوشان:‏

فارت... أنت ملاك حارس... (ينسحب الاثنان من المنصة إلى خلفيتها).‏

كيغام:‏

آه... آه... (يبتعد يائساً)...‏

المشهد الثامن‏

يطل "سورماك" و"ديران" من الجانب الأيسر‏

سورماك:‏

كيف اقتفينا أثرهما ولم نجدهما؟... ديران... ربما أقدمت على خداعي!!..‏

ديران:‏

وَلِمَ أخدعك؟! كان المسكينان يتجولان عندما جئت للقائك.. وإن وجدتهما الآن وأنا على هذه الحالة من الغضب الشديد سينال الشاب ضربة تشطره إلى نصفين.‏

سورماك:‏

اخرس أيها المنافق!... يجب أن نعثر عليهما لأن منتصف الليل شارف على الاقتراب... ربما وليا بوجهيهما شطر المنزل...‏

ديران:‏

إذن لنؤجل تنفيذ العملية إلى الغد... بالتأكيد سننجزها غداً وسننجح.‏

سورماك:‏

هل أنتظر حتى الغد؟!... قرن من القلق واللهفة؟ لا... لا أستطيع مقاومة هذا الشوق... ألا تعلم كيف يشتعل قلبي هياماً؟.‏

ديران:‏

إذن... لأذهب هذه المرة للبحث بالقرب من منزلهما.. ابق أنت هنا... وفي حال احتجت لمساعدتك أطلق إشارة لتوافيني على جناح السرعة.‏

سورماك:‏

إذن... اذهب يا ديران ولا تعد خالي الوفاض. (يبتعد ديران من الجهة اليمين للمسرح).‏

المشهد التاسع‏

سورماك (لوحده)‏

سورماك:‏

أيتها الشهوة الآثمة!! ألن تخمدي؟ هل سيظل لهيب نارك الجهنمية ينهش قلبي؟ كم أرقت من الدموع وسفكت من الدماء البريئة بهاتين اليدين اللتين لا تعرفان الشفقة فوق هذا اللهيب الذي لم ينطفئ بعد؟!. أيها القلب! ألم تسمع صوتها قبل قليل؟ ألست أنت من علمها تلك المرثية المأساوية؟ كيف تتقن لحن البراءة ليس إلا... أنت لقنتها كيف يكون الحزن؟! وكيف تكون الخطيئة؟ لا يزال أنين صوتها يتردد في أعماق قلبي.‏

لا يزال منظرها يزرع الحزن في روحي... حين أخرج أحياناً في وضح النهار تنتابني المخاوف من أن أجد مبررات لجرائمي التي تفترسني كما يفعل النمر مع طريدته... اتخذت من الليل ستاراً كثيفاً لإخفاء جرائمي... تخيفني إشراقة الشمس التي تبعث البهجة في نفوس الأبرياء أهرب منها لأختبئ في أعماق الغابة... تؤرقني جرائمي.. ماذا أسمع؟ وقع أقدام... هناك من يركض في هذا الاتجاه! (يلتفت إلى جهة اليمين)... هذا ديران لقد نجح.. هاهي "شوشان" بين ذراعيه.. (على انفراد) تشجع يا سورماك!! ويا ساعدي لا ترتجفا... يجب أن يموت "ديران"... هذه الحفرة ستصبح قبره... لن يستطيع النجاة والخروج منها... كي لا يبقى كاشف أسراري وشريك أقداري على قيد الحياة.‏

المشهد العاشر‏

سورماك، ديران، شوشان (مغمى عليها).‏

سورماك:‏

أحسنت ديران... أنت شجاع...‏

ديران:‏

(حاملاً شوشان بين ذراعيه)... انقطعت أنفاسي... أنا منهك من التعب....‏

سورماك:‏

هل أغمي عليها؟!‏

ديران:‏

نعم...‏

سورماك:‏

كيف نجحت؟.‏

ديران:‏

ما أن ابتعدت عن هذا المكان حتى شاهدتهما يسيران أمامي. وضعت المعطف على رأسي كي لا يتعرفا علي... واقتربت قليلاً فشاهدت "مريم" ـ خليلتك ـ تتحدث إليهما....‏

سورماك:‏

خليلتي "مريم"؟ (بصوت خافت) عن أي موضوع كانوا يتحدثون؟!‏

ديران:‏

لم أصغ! هجمت بغتة على "فارت" وطرحته أرضاً بضربة من خنجري.‏

سورماك:‏

هل كانت الضربة قاضية؟.‏

ديران:‏

لا... لكنها عميقة الأثر... عندما هممت بحمل "شوشان" بين ذراعي ومغادرة المكان... شعرت بيدٍ تمسك بي، وبصوت يتوسل ويقول "ولدي" استدرت لأجد "مريم" أمامي.. ركلتها بشدة ورميتها أرضاً دون حراك... وهكذا جئت إليك دون إزعاجات أخرى.. إذن ماذا سنفعل الآن؟ قل بسرعة كي لا يداهمنا أي خطر.‏

سورماك:‏

هاتها (يتناول "شوشان" بإحدى ذراعيه ويطعن بالأخرى ديران)، مت أنت كي أستطيع التفكير جيداً.‏

ديران:‏

آه.. يا لك من ناكر للجميل... مجرم‏

سورماك:‏

الآن بإمكانك أن تشي بي! فلتنعم بالراحة يا قلبي، لم يعد هناك واشٍ يعرف أسراري.‏

ديران:‏

(يصرخ بصوت متقطع) هذا الرجل قتل أباه الوزير "فاهرام"...‏

سورماك:‏

ديران المسكين... الليل فقط يستطيع سماع صوتك...‏

ديران:‏

لا... الله يسمعني... (يقضي نحبه ويستعد "سورماك" للرحيل حاملاً "شوشان" بين ذراعيه).‏

مريم:‏

(تأتي من الخارج وهي تردد): من قتل ولدي؟!.‏

سورماك:‏

يا للسماء... هذه هي... يا ركبتَيْ... لا تضعفا.. هيا إلى الأمام!! وأنت أيها القلب الدنيء، لماذا تخاف من امرأة وأنت صاحب هذا الكم من الجرائم... لماذا أصابك الذعر؟... اهدأ.‏

المشهد الحادي عشر‏

الشخصيات المذكورة في المشهد العاشر‏

مريم:‏

(تهرع إليه): أيها المجرم!! ماذا فعلت بولدي؟.‏

سورماك:‏

مريم... كفى... اتركيني... ولا تقفي في طريقي وإلا قتلتك أنت أيضاً!!‏

مريم:‏

هذا الصوت... ليس غريباً... أعرف صاحبه... من أنت؟.‏

سورماك:‏

لا تسألي عن اسمي... فقد طاردتني ذكراك مراراً... لم ينقطع صوتك عن مسامي صباحاً مساءاً... تكفي اللعنات...‏

مريم:‏

(تقترب من "سورماك" وتحدق فيه) "سورماك"... (ثم تصرخ) آه... أيها المجرم... أنت مرة أخرى!! لتلعنك السماء إلى الأبد... (تجثو على ركبتيها بيأس) يبتعد "سورماك" عنها حاملاً "شوشان" بين ذراعيه ويسدل الستار.‏

نهاية الفصل الأول‏

الفصل الثاني‏

المشهد الأول‏

يدخل "باريد" و"كوركين"‏

باريد:‏

ما هي طلباتك أيها العجوز "كوركين" تكلم؟ أنت تعلم أني لم أرفض لك طلباً إطلاقاً!!.‏

كوركين:‏

أتعلم كم هو عزيز الابن على قلب أبيه؟.‏

باريد:‏

دون أدنى شك... الابن هو مستقبل والده...‏

كوركين:‏

ودموع فلذة الكبد، ماذا تعني؟.‏

باريد:‏

كأنها تحفر قبر هذا الوالد، هكذا حدثت الأمور معي... منذ ذاك المساء يوم وجدت ابني جريحاً على قارعة الطريق حملته وجئت به إلى المنزل، وهو لا يتوقف عن البكاء على فراق حبيبته "شوشان"... وقد عثرت عليها يوم كانت طفلة يتيمة الأبوين... فتبنيتها لتقاسمنا الحياة... في هذا المنزل... وإن كنت تريد الحقيقة أنا كذلك أذرف الدموع على فراق تلك الفتاة البريئة لأنني أحببتها كما أحب ابني... وكنت أزمع تزويجهما بعد أسابيع قليلة.. لكن للأسف...‏

كوركين:‏

بما أنك عانيت من مرارة الحزن... إذن اسمعني، عندما عدت ليلة البارحة إلى المنزل... ارتمت ابنتي بين ذراعي... لم أنتبه لمقلتيها الدامعتين.. لكن بعد برهة شعرت برطوبة تنساب إلى صدري، فخاطبتها بلهجة تأنيب: ماذا أصابك يا فتاتي؟ فأجابت: "أنا بائسة يا والدي"... أحزنني كلامها... ضممت وجهها الجميل إلى صدري بقوة وسألتها: ما بك تكلمي! أجابتني: "أحبه"! ودموعها تنهمر فوق وجنتيها... أخيراً استطعت انتزاع سر حزنها... إنَّها مغرمة بابنك "فارت"!!...‏

باريد:‏

ابني أنا؟!‏

كوركين:‏

نعم.. ثم قالت لي: "إن لم أتزوجه سأعيش بائسة طوال حياتي"... آه... حاولت إقناعها بغير ذلك لكني فشلت ولست أدري ماذا أفعل؟ وأفكر الآن كيف سأتصرف وماذا أصنع عندما تصبح غاليتي بائسة؟... وضعت أملي فيك يا "باريد" أنت فقط من يستطيع إنقاذ ابنتي من الشقاء الذي سيصيبها... أيها النبيل "باريد"... انا على استعداد للموت فداء لابنتي... إنني أحيا من أجلها، حياتي كلها مرهونة بابتسامتها... شعر رأسي هذا الذي زحف إليه الشيب أنثره شعرة شعرة عند قدميها إن كان هذا الأمر يسعدها... أصبحت منهمك التفكير بها حتى رحت أخشى أن تشعر شفتاي يوماً ببرودة الموت تسري إلى جسد ابنتي...‏

باريد:‏

تشجع أيها العجوز "كوركين"... لا تستسلم لليأس هكذا بالتأكيد تشفق السماء على أبٍ مثلك فتحول دون رؤيته لابنته تذرف الدموع... انظر كيف أتجلد أنا أمام تنهدات ولدي التي تمزق القلب وهو يذرف الدمع وحيداً ليل نهار... وقد ابتعد عني. اللعنة على ذاك الذي جعل ابني فتىً بائساً... هذه حالة كلّّ منا... لكني سأعرض عليه ابنتك التي تحبه... فإن استحسن الفكرة أصبحنا كلنا سعداء...‏

كوركين:‏

ليباركك الرب... كم أنت نبيل يا "باريد" وطيب القلب... تأخر الوقت الآن... سأذهب إلى الحقل وقد نلتقي عند المساء. إلى اللقاء... (يبتعد من الجانب الأيسر للمسرح).‏

باريد:‏

لتذهب بسلام (ينصرف إلى الداخل).‏

المشهد الثاني‏

مونولوج "فارت" بمفرده‏

فارت:‏

ما أن يطل الفجر حتى تساورني تخيلات أن "شوشان" في أحضاني... لكني أخدع نفسي باستمرار... انتظر وكلي أمل وبكل جوارحي... رسول الحب: نسمة الصباح... ربما تأتي بسلام... حاملة قبلة من "شوشانتي"... لكنها تنساب بهدوء وتمر بصمت وكأنها تسير إثر جنازة... إذن "شوشان" توفيت أجيبيني أيتها الغابات والسهول!! هل ذبلت تلك الزهرة الناعمة؟ كيف تصمتين ولا تجيبينني؟ آه... فهمت إلى ما ترمين؟ تباً لتلك الليلة... يوم اكتمل البدر الحديث الولادة... ربما هي الآن في السماء... تنتظرني كي أتبعها وأحضنها وأقبل تلك الشفاه التي ما برحت تنطق بالحب الأبدي... لم أعد أستطيع تحمل هذا الشوق... تمر أيامي المتبقية مخلفة حزناً كبيراً في قلبي... ندى الصباح تحول إلى دموع تنهمر من عيني نقطة نقطة... أما الأزهار فليست سوى ذكريات حزينة... ذكرى حبيبتي ما برحت تعذبني... الثرى فقط يستطيع أن يضع حداً لأحزاني (يخرج خنجراً من جعبته) فليخترق هذا الخنجر قلبي... ولأمت!!... (يهم بطعن نفسه عندما يدركه "باريد" فيمسك بيده)...‏

المشهد الثالث‏

فارت وباريد‏

باريد:‏

توقف! ماذا تفعل يا بني؟ هل نسيت أباك المسكين، ألا تعلم مدى الضرر الذي تلحقه به؟.‏

فارت:‏

آه دعني أموت يا أبت!!.. دعني أغادر فأدرك تلك التي رحلت قبلي!.‏

باريد:‏

إذن أنت تحبها أكثر من أبيك العجوز؟.‏

فارت:‏

لا يا أبت! لكن من دونها لن أشعر بطعم الحياة!...‏

باريد:‏

موتك سيجلب لك السعادة؟! ماذا سيفعل عندها والدك وقد أصبح وحيداً في هذه الحياة؟ من سيضم إلى صدره ليعزيه؟! وهو لا ولد له سواك، أنت وحيده! عندما سيمرض من يريحه من آلامه؟ تجلد يا بني!! ربما لا تزال "شوشان" على قيد الحياة؟! ربما عادت يوماً تبحث عنك!! فإذا ما وجدتك قَدْ فارقت الحياة ستغدو بائسة... تجلد!! ربما ستستجيب السماء لتضرعاتنا... لكن يا بني إن كنت تحب والدك... أبعد ذكرى "شوشان" عن مخيلتك وعندها ستجد السعادة مع أية فتاة أخرى...‏

فارت:‏

كيف ذلك؟.‏

باريد:‏

ابنة "كوركين" تحبك وهي تنتحب ليل نهار من أجلك.. وأنت تعلم كم هي فتاة جميلة و...‏

فارت:‏

هل رحت تهذي يا والدي؟ أنا أمحي ذكرى "شوشان" من قلبي وأعشق سواها؟ عندها ستصمني الغابات والسهول "بالمحب الخائن" وستفرش الأرض بالأشواك تحت أقدامي أينما توجهت احتقاراً لفعلتي تلك... هذا القمر الفضي الشاهد على حبنا سيكن لي كراهية لا حدود لها وهو مختبئ خلف الغيوم... آه لا أستطيع أن أنساها وأنسى حبها... لماذا وقفت يا والدي بيني وبين الموت؟ ربما كانت أرواحنا في هذه اللحظات تتعانق هناك في السماء؟ ربما كنت الآن في أحضان "شوشان"؟!.‏

باريد:‏

ووالدك؟!... عندها سيقف والدك الحزين أمام حجر قبرك الجامد يرتعش من شدة الصقيع... آه الآن فقط اكتشفت أنك لم تعد تحبني يا "فارت"!!.‏

فارت:‏

آه لا... إني أحبك يا أبت... اطلب دمي... أمنحك حياتي... لكن لا تطب مني قلبي... دع هذا القلب يذوب ويتلاشى في حب "شوشان".... لا أستطيع أن أغرم بفتاة سواها.. صوت "شوشان" الحزين لا يفارق مسامعي وهي تهمس: "أحبك على الدوام"، لا أستطيع... إذا كانت "شوشان" على قيد الحياة فأسقيها كؤوس "أشاف" وإن كانت ميتة سأحمل حزني عليها إلى القبر... إن أحببت سواها ستصل تنهداتها إلى أذني خلال رقادي وأنين دموعها سيصم مسامعي... ستغدو كلّّ قطرة من دمها عذاباً وندماً ينهش قلبي... شفاه "شوشان" التي كانت نبع القبلات ستصطبغ باللعنات... يومها يا أبت ستضيئ بروق الكراهية سمائي... آه كيف أستطيع أن أغرم بسواها؟...‏

باريد:‏

إن كنت لا تحب سواها توقف عن النحيب كي يتوقف والدك عن الحزن... لا أرغمك على التعلق بامرأة أخرى يا بني... لكني لا أرغب رؤيتك فاقد الأمل وحزيناً!! منذ اليوم إن شاهدت بارقة دمعة حزن في عينيك أو صعد من بين شفتيك أنين خافت فاعلم أن والدك العجوز سيبدأ عدّ درج السلالم المؤدية إلى قبره...‏

فارت:‏

(دامع العينين) آه... مستحيل يا والدي... إن حدث هذا الأمر عندها إذن سأترك هذه الدار وأتشرد من جبل إلى آخر كي لا تراني فاقد الأمل... سأظل أنوح وحيداً في أعماق القبور حتى تنقطع دموعي وتغطي رأسي أتربة سوداء...‏

باريد:‏

آه... لا.... يا حبيبي... ابق بين أحضاني... واذرف الدموع وسأبكي أنا بجانبك... بدموعك سأروي جبهتي المعذبة... وبقبلاتي الممزوجة بالدمع سوف أغمر وجهك الجميل... لا تبتعد عني آه... أبداً أبداً يا ولدي...‏

فارت:‏

لا... لا... يا أبت... سأظل إلى جانبك على الدوام...‏

باريد:‏

بوركت يا ولدي الجميل... لكن أقسم لي أنك لن تذرف الدموع عندما أكون بجانبك...‏

فارت:‏

أعدك يا أبت كن على ثقة!...‏

باريد:‏

حسناً جداً... يا ولدي! هكذا تسعد والدك، (يدخل إلى المنزل) مسكين كوركين...‏

المشهد الرابع‏

فارت بمفرده‏

فارت:‏

والدي المسكين!... كم أحزنته!... شوشان... انظري من أجل حبك أدمعت عيني والدي العجوزتين... أعلمُ أنك في ناظري أجمل من والدي عندما تخلدين للنوم بهدوء في أحضاني وعندما ترددين على مسامعي "أنا أحبك"... أنت جميلة جداً... آه... وحلوة جداً... (يجلس على مقعد ويغطي وجهه بيديه).‏

المشهد الخامس‏

فارت وسورماك (يدخل هذا الأخير من الجانب الأيسر وهو يتظاهر بالتسول)...‏

سورماك:‏

لنمتهن هذه المرة التسول... احتراف هذه المهنة أسهل من اللصوصية وأكثر أمناً من الإجرام.. رغم هيامي بـ "شوشان" إلا أني لا أستطيع الابتعاد عن الذهب... منذعدة أيام تنتابني هواجس بخل غريبة (يشاهد فارت) أعتقد أن هذا الشاب هو "فارت"... كم هو بائس!... هيا بنا... لنقم بواجبنا "فارت" غني بما فيه الكفاية... والآن لأختلق قصة مأساوية... عندها لن أحرك مشاعر الجالس أمامي فقط وإنما سأعمل على إفراغ جيوبه كذلك. هذه مهنة تجلب السعادة، يصبح المرء صاحب ثروة بدون تعبٍ... (يقترب من فارت)...‏

فارت:‏

لماذا أنت هنا، أيها الرجل الطيب، ماذا تريد؟.‏

سورماك:‏

(يتظاهر بالبكاء)... إذا نظرت إليّ بإمعان ستعرف سبب مجيئي إلى هنا!!.‏

فارت:‏

أعتقد أنك فقير وجئت تطلب حسنة...‏

سورماك:‏

أنظر كيف يعطف إنسان محب للشفقة، على رجل بائس مثلي. ولدي الحبيب... أولادي ثلاثة لا أم لهم.. كسرت يدي اليمنى قبل ثلاثة أيام... ولم يعد بإمكاني تامين الطعام لهم. أنا جائع منذ يومين... تعاني أسرتي من الفقر والجوع... تجمّع الصغار المساكين حولي وهم يرددون: "أبي نحن جياع"... كم مرة حاولت الانتحار بعد أن فقدت الأمل لكني تراجعت خوفاً على مستقبل أطفالي... ورحت أتسول من منزل إلى آخر طالباً الشفقة والإحسان... طردني الكثيرون... وما أن حصلت على قليل من النقود حتى سرقني اللصوص خلال العودة إلى المنزل... آه... أنت فقط أيها الفتى النبيل تعرف معنى الرحمة... امنحني قليلاً من المال إرضاءً لحبيبتك.. انقذ هذه العائلة البائسة...‏

فارت:‏

أيها الرجل المسكين.. خذ هذا المبلغ وانصرف بسرعة لتعتني بأطفالك... هذا المبلغ الذي أعطيتك إياه هو كلّّ ما أملك... (يعطيه النقود...)‏

سورماك:‏

(يأخذها) شكراً لك أيها الفتى النبيل... أرجو من الله ألا يحرمك ممن تحب إلى اللقاء (بمفرده وهو ينصرف) فارت المسكين... بعدما سرقت حبيبته، ها أنا أسرق ماله. بدأ عملنا يثمر بشكل جيد... لنتابع... (عند انصرافه تطل أمامه "مريم" وجهاً لوجه فيسرع الخطى... تصرخ "مريم" بفزع ويغمى عليها)...‏

المشهد السادس‏

فارت ومريم‏

فارت:‏

ماذا جرى لهذه المرأة؟ لابد أني أعرفها... أمي؟... نعم هذه أمي!... يا له من مشهد يهز المشاعر!! من كان يا ترى هذا العابر؟! (يحمل مريم ويتابع) أمي... أمي... ماذا حدث لك فجأة؟!... تماسكي... كلميني؟!.‏

مريم:‏

(تعود لوعيها وتنظر إلى فارت) يا إلهي ماذا أرى؟!.‏

فارت:‏

لا تتفاجئي أمي... أنا "فارت" ابنك بين يديك!!‏

مريم:‏

أنت تكذب! ألم يفارق "فارت" الحياة في تلك الليلة اللعينة؟!‏

فارت:‏

لا... لا... استطاع "فارت" النجاة من طعنة ذاك اللئيم... ويا ليته لقي حتفه يومئذٍ... لكن أخبريني يا أمي من هو هذا المتسول؟ ولماذا حزنت عندما رأيته؟.‏

مريم:‏

(بمفردها) أيها الفتى المسكين! إنه لا يعرف غريمه!! (ثم بصوت مرتفع) إنه وحش اتخذ شكل ذاك الإنسان الذي يثير الشفقة...‏

فارت:‏

وحش... هل تقولين الحقيقة؟!‏

مريم:‏

ولماذا جاء إلى هنا؟‏

فارت:‏

جاء يتسول طالباً الحسنة... أخذ مالي ورحل...‏

مريم:‏

(تلعن سوروماك) أيها الخارج عن القانون، ألم يصبك الهلع من أن تطأ قدماك هذا المكان حيث تنتظرك اللعنة؟ آه!!! ألم تحطم لعنات هؤلاء الأبرياء رأسك عندما خطفت الحبيبة من حضن حبيبها؟ بتّ منبوذاً ومحتقراً حتى من قبرك! تقف قدمك فوق جثث الأبرياء والأخرى تتطلع إلى أفمام الجحيم... لم يعد برق السماء يخيفك! لا تزال تدمى هذه الحياة بما تقترفه يداك دون شعور بالندم!!..‏

فارت:‏

آه... خطف "شوشان" (يهرع إلى الجانب الأيسر من الخشبة)...‏

مريم:‏

توقف، توقف... آه لقد ذهب (تعود لرشدها)... هل يا ترى هذا ولدي الذي رأيته؟! حتماً إنه هو... وربما... يكون شبحاً لم يعرف الراحة فهرب من قبره للبحث عن حبيبته؟.‏

المشهد السابع‏

باريد ومريم‏

مريم:‏

فارت... إياك أن تقتله... ماذا أفعل؟.‏

باريد:‏

(يدخل) ماذا تقولين أيتها المرأة؟ ولدي يقدم على القتل؟...‏

مريم:‏

إن ولدي يهرع للوقوع في أيدي مجرم... أنقذوه!!‏

باريد:‏

ماذا حصل يا إلهي؟ لكن من أنت؟‏

مريم:‏

(دامعة العينين) أمه‏

باريد:‏

(بدهشة) مريم!!‏

مريم، تجثو على ركبتيها أمام زوجها...‏

(يسدل الستار)...‏

نهاية الفصل الثاني‏

الفصل الثالث‏

في المشهد: حقل زاهر... وتلة في الجانب الأيمن خلفها جبال مرتفعة... يتهاوى شلال فوق سفحها‏

المشهد الأول‏

فارت (بمفرده)‏

فارت:‏

حتى متى سأتشرد في البراري أبحث عنك وقد تقطعت أنفاسي بعيداً عن دار أهلي. "شوشان" أطارد اللص الذي اختطفك؟. آه... لو صعدت إلى السماء دعيني أرَ وجهك لو مرة واحدة من وراء الغيوم... لأنظر إليك... لأتطلع إليه ثم أموت... لأصعد إليك وأضمك، آه يا حب... ليتني لم أذق يوماً طعم حلاوتك وحزنك؟! لكن بماذا أتفوه الآن؟... وقعت في غرام "شوشان" وفي سبيل هذا الحب كانت أول قبلة وبسمة وتنهيدة ودمعة... عندما تراودني ذكريات تلك الأيام كيف نمضيها متعانقين نلتقط أنفاسنا معاً... تبدو لي الآن الليالي التي أمضيتها بعيداً عنها كأنها عاصفة لا تعرف شروق الشمس!... يا ملاك الرحمة انزل من أهاليل السماء واجمع دموعي بين راحتيك لتقدمها إلى العلي القدير... وأخبره أني لن أنساها ما حييت...‏

المشهد الثاني‏

فارت وكيغام (يبدو الأخير نحيلاً، شاحباً ومرهقاً)‏

فارت:‏

(يرى كيغام يسير بخطوات بطيئة مثقلاً بالهم)... هاهو شاب آخر فاقد الأمل... أعتقد أنه هو أيضاً أضاع حبيبته، ويشعر بالشقاء مثلي... ولشدة معاناته يبدو شبيهاً بالأشباح..‏

كيغام:‏

اعتقيني أيتها الذكرى الظالمة ولو لفترة قصيرة!! ألا يكفي وقوع القلب أسير حبك؟... لكنك لا تصغي إلي!... أنت لن تهجريني حتى يغشى الظلام عيني.. أيها الحب إلى متى ستلعق دماء فؤادي كما تفعل الأفعى؟ "شوشان"! يا ليت عينيّ لم ترياك قط...‏

فارت:‏

(على انفراد): شوشان! يا للسماء! ما هذا الاسم الذي انطلق من فم هذا الغريب؟ (يتقرب من كيغام)... الفتاة التي تلفظت باسمها قبل برهة... هل تعرفها؟ هل رأيتها؟ تكلم بسرعة تكلم؟!‏

كيغام:‏

تلك الفتاة... آه... إني احبها...‏

فارت:‏

تحبها؟! لكن هي، هل تبادلك مشاعرك؟!‏

كيغام:‏

رفضت حبي...‏

فارت:‏

لكن متى؟ وأين رأيتها؟‏

كيغام:‏

منذ أكثر من شهر، خلال إحدى الأمسيات عند أطراف الغابة... هناك صارحتها بحبي... لكنها أبَت أن تبادلني مشاعري... لأنها تحب شاباً آخر يدعى "فارت"... كانت لا تنقطع عن ترديد اسمه...‏

فارت:‏

آه يا "شوشان".... كنت أعلم أنك تحبينني بكل جوارحك...‏

كيغام:‏

ماذا؟ تحبك؟ إذن أنت هو "فارت"!! لكن أين هي الآن؟ اعمل معي معروفاً... دعني أشاهدها للمرة الأخيرة،، كما ترى سأفارق الحياة قريباً!!.‏

فارت:‏

وأنت، ألا ترى دموعي؟.‏

كيغام:‏

آه... لقيت حتفها؟.‏

فارت:‏

كلا... تم اختطافها.‏

كيغام:‏

اختطافها؟‏

فارت:‏

الآن أنا أيضاً أريد رؤية وجهها حتى لو للحظة... لكنها غير موجودة هنا...‏

كيغام:‏

إذن سأموت دون أن أشاهدها ثانية؟‏

فارت:‏

وستلعن "شوشان"؟ لأنها رفضت حبك.‏

كيغام:‏

آه... كلا... سأباركها قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة... فأنا لا أزال أحبها... سألعن ذاك اليوم الذي رأيتها فيه في الحقل جالسة قرب ضفة النهر تنظر إلى مياهه... لم أدر يومئذٍ من هو الأكثر نقاء، هي أم الجدول؟.‏

فارت:‏

آه... يا "شوشان"! ألست أنقى من الجدول؟‏

كيغام:‏

نعم... كانت تنقصني هذه اللطمة الأخيرة.. هل سأقضي نحبي؟ (يتوارى وراء التلة).‏

المشهد الثالث‏

فارت (بمفرده)‏

فارت:‏

منذ الصباح يثقل علي النعاس... مرت ثلاثة أيام ولم يغمض لي جفن... آه لأغفو هنا قليلاً... ربما تتراءى لي "شوشان" في الأحلام فيزول شوقي إليها... شوشان لا تنسيني أبداً... (يهم بالرقاد مستنداً إلى شجرة تسمع الأغنية التالية، فينصت إليها بقلق ودهشة...)‏

أغنية حب‏

1 ـ آه أيها الفجر الشهي اللذيذ‏

انثر فوق الأرض الندى والشذرات‏

وظلال الغابة الحالمة،‏

لتسمع زغاريد الطيور الجميلة.‏

2ـ هيا استيقظ بسرعة يا فارت،‏

مع حقول وغابات آرارات،‏

هناك لنذرف الدموع حتى المساء،‏

قلباً لقلب ويداً بيد.‏

3 ـ قبلة، مقابل ألف مصيبة،‏

هناك ننعى الحب،‏

نذراً للمحبة الأبدية،‏

بالشفاه، بالقلب وبالروح.‏

فارت:‏

هذه الأغنية؟! وهذا الصوت؟ يجب أن أتذكرهما.. إني أرتجف وقلبي يخفق بشدة... نعم... هذا صوت "شوشان"... لكن أين أنا؟ في السماء، على الأرض؟! نعم، نعم تلك الأغنية التي كنت أسمعها يوم كانت تجلس قرب سريري... أيتها السماء، أيتها الأرض أجيباني؟ أين شوشان؟ من أين جاء صوتها؟ "شوشان" أنا هنا، هنا... لكن أين أنت؟... لأحملك وأضم يديك إلى قلبي؟! (يرحل مسرعاً من الجهة اليسرى)...‏

المشهد الرابع‏

يطل باريد وبرفقته "مريم" (من الجهة اليمنى)‏

باريد:‏

آه كم أنا تعب... نعم... سرنا مسافات طويلة!! متى سنجده؟ هل غادرنا "فارت"؟ ولدي الحبيب وأملي الوحيد... كان السند لشيخوختي...‏

مريم:‏

تحلَّ بالصبر يا زوجي العزيز!!‏

باريد:‏

أأصبر؟!.. نعم سأتجلد... لكن ها قَدْ مرت أيام عدة على مغادرته المنزل، ابتعد وترك والده العجوز يائساً... فراق "فارت" عاصفة اقتلعت كياني... هبّت ولن تهدأ إلا يوم رحيلي عن هذا العالم... لا يذرف الولد إلا دمعة عند وفاة والده...، أما الأب فيذرف كلّّ لحظة دموعاً ليظل ابنه على قيد الحياة... آه لا يعلم الأبناء ما معنى الأبوة... فارت، فارت... كم أنت قليل الوفاء لوالدك؟ والدك الدائم التفكير في كيفية إسعادك... أنت نسيته من أجل حبيبتك!!.‏

مريم:‏

زوجي العزيز... أنت لا تعلم كيف يتغلغل تأثير الحب في قلب شاب يافع لم يتجاوز السبعة عشر عاماً من عمره... عندما تزهر بذور الحب في فؤاده ينطفئ وهج عاطفته نحو أبويه... ورغم ذلك فإن دمعة واحدة من عين أب تكفي لإخماد مشاعر ذاك الهيام... تجلد سنجده حتماً ونعود إلى منزلنا لننعم بحياة سعيدة هادئة... (على انفراد) لكن ماذا بالنسبة لولدي "كيغام"؟‍ لا أستطيع أن أكون سعيدة بدونه.‏

باريد:‏

نعم سأتحلى بالصبر... لكن إن لم نجده، ماذا سأفعل؟... آه هل أقدمَ على إزهاق روحه في لحظة يأس؟ يا لهذه الشكوك التي تساورني!! أي نهر ابتلع جسده؟، فأسكنه مياهه، أي مكان اصطبغ بدمه الأحمر القاني؟! فارت!، فارت! هل أذبلك الموت، كما تذبل عاصفة الشتاء الورود؟ آه، هل يبشر أحدهم الوالد الثاكل أنه قَدْ يجد وحيده على قيد الحياة؟! كأن الطبيعة حزينة على بني (يلتفت إلى الجهة اليسرى) ماذا أرى؟! هاهو أحدهم يطوف في الغابة؟ هل هو فارت؟!... يا لسعادتي إن كان هو (ينصرف)!!.‏

مريم:‏

اذهب لملاقاته قَدْ يكون "فارت".‏

المشهد الخامس‏

مريم (بمفردها)‏

مريم:‏

لكن من سيعيد إليّ ولدي "كيغام"؟! بالرغم من أنه ثمرة جريمة خيانة العهد لمن أحبه... لقد فقدت ولديّ... عندما أجد أياً منهما ربما سأتمكن من نيسان الآخر... زوجي المسكين، كم هو بائس؟! ربما وجد "فارت" (تنصرف من جهة اليسار).‏

المشهد السادس‏

كيغام (يفتش عن أحدهم)‏

كيغام:‏

لقد رحلت... سأموت.. هاهي المنية تنشب مخالبها تنتظر أن أضمها.... ليدفن حبي وأملي تحت تلك الأزهار.. ما أنا؟ وكيف أصبحت؟ تحولت إلى خيط وصوت مرثي... يد خفية تدفعني إلى قبر حفره الحب بسواعده المدماة... سأنزل إلى هذا الرمس "شوشان"... أحبك كثيراً!! ليكن قاعك عميقاً أيها القبر كي لا تتسلل أصوات وكلمات وقبلات الحب من سطح الأرض... أيها الحب، جلاد الشبيبة!! أنت من يشحذ سكينه باستمرار! إلى اللقاء أيتها الغابات والحقول... ومرابع الطفولة... وداعاً يا أمي... لتجتمع الدموع التي تذرفينها فوق قبري... انهارت قواي... قدماي لم تعودا تحملاني (يسقط أرضاً) شوشان!! أمي!!..‏

المشهد السابع‏

"كيغام" و"مريم"‏

مريم:‏

ما هذا الصوت الذي سمعته؟ كأن أحدهم يناديني "أمي"! (تشاهد "كيغام" فتقترب وتمعن النظر إليه ثم تصرخ)... كيغام!!.‏

كيغام:‏

أمي! أهذه أنت؟!‏

مريم:‏

قف على قدميك، قم انتصب.. ضم أمك يا ولدي!‏

كيغام:‏

آه لا أستطيع!‏

مريم:‏

ماذا جرى لك يا بني؟ يا لوجهك النحيل والشاحب... يا لهاتين الركبتين الضعيفتين!‏

كيغام:‏

أحببت فتاة، لكنها رفضت أن تبادلني مشاعري!!.‏

مريم:‏

الحب، مرة أخرى؟‏

كيغام:‏

فرميت نفسي صوب الجبال... لم أكن راغباً في الطعام والشراب ولا حتى في تنفس الهواء... عبثاً حاولت أن أنساها... نسيتك ولم أتمكن من نسياتها... طيفها كان يطاردني كما يطارد الجلاد ضحيته... كان يدفعني لإطلاق الزفرات والتنهدات... امي كانت تضعف قواي بحيث لم أعد قادراً على وداعك للمرة الأخيرة اليوم...‏

مريم:‏

بني... سأحرم من وجودك بقربي... لن أتمكن من تحطيم أبوابٍ ستفصلني عنك اعتباراً من اليوم... تلك التي تحول دون الابن وأمه وقد اغرورقت مقلتاها بالدموع...‏

كيغام:‏

أمي لا تغرقي قلبي المحترق بالدموع لأنها عوضاً عن أن تطفئه ستذكي لهيبه... دعيني أذرف الدموع الأخيرة في الدقائق المتبقية لي من عمري... لأنها ليست كالدموع التي ذرفتها خلال طفولتي... إنَّها اليوم قطرات من دماء فؤادي تخرج من مقلتي بعد أن نضبت دموعي...‏

مريم:‏

آه ثم آه... أهكذا هي الحياة؟ وهكذا يكون الإنجاب؟ لتتمتع الأم بولدٍ يجب أن تنعم بقلب لا يكل ولا يتعب!!..‏

كيغام:‏

إذن لماذا جئت بي إلى هذه الدنيا؟ إن كنا سنبقى أنت وأنا هكذا يائسين؟.‏

مريم:‏

ألا ترى أنه الحب!!...‏

كيغام:‏

كملاك جميل تراءى الحب لأول وهلة.. استقبلته لشدة روعته لكن فيما بعد وجدت أنه يفتقد لتلك الروعة... وجدت الحب جلاداً يتعقبني بدون هوادة والهراوة بين يديه... وأخيراً أمسك بي وأصابني في مقتل... لكن لتتبارك السماء، إنَّها لم تحرم شاباً مثلي من رؤية والدته... ضميني إلى صدرك للمرة الأخيرة يا أمي!...‏

مريم:‏

آهٍ هل ستترك أمك هكذا يا ولدي؟‏

كيغام:‏

أسدل الظلام أمام ناظري... هاهو شبح الموت أمامي يقف منتظراً... وداعاً يا أمي... (يلفظ أنفاسه الأخيرة ويموت)...‏

مريم:‏

ساعدوني... ساعدوني... ابني يقضي نحبه... آه لقد مات... أصبح جثة هامدة... لم يعد "كيغام" حياً... سأقضي بقية حياتي أنتحب فوق قبره...‏

المشهد الثامن‏

"مريم" و"باريد"‏

باريد:‏

(يبدو فاقد الأمل) عبثاً... ليس هو...‏

مريم:‏

(ترى باريد) آه...‏

باريد:‏

من هذا؟... إنه ليس "فارت" (يقترب من الجثة)‏

مريم:‏

هذا ولدي... (يسدل الستار)...‏

نهاية الفصل الثالث.‏

الفصل الرابع‏

توزيع الديكور: كهف مظلم، أقواس، حفيرة في جداره، قنديل يتدلى من القوس....‏

المشهد الأول‏

"سورماك" (يغط فوق المقعد ويسمع شخيره) و"شوشان" (نائمة داخل الحفيرة)‏

سورماك:‏

(يهب منتفضاً عكر المزاج يتلفت حوله... ينظر باتجاه الحفيرة، فيهدأ)... لازلت طليقاً وسعيداً... ولا تزال شوشان في قبضتي... آه! ما هذا الحلم المزعج الذي رأيته؟... لا يزال قلبي يخفق من شدة الخوف... هاأنا أرتجف كلما تذكرت ما حصل... لماذا لا أستطيع أن أنعم بحب هادئ؟! أيتها السماء الظالمة، لماذا سلبتني راحة الفؤاد؟ ما أن يحل المساء حتى أستشعر جلادين يحومون حول رأسي... يتربصون بي... لباسهم أسود، يرمقونني بنظرات مدججة بالتهديد والوعيد... تمر ذكريات الماضي أمام ناظري، أما خلال النهار فأشعر أني لست على ما يرام... خيال والدي المسكين لا يبرح مخيلتي وقد وضع يده الباردة فوق صدري وراح يضغط لجهة قلبي!!. أتذكر ذاك المساء الرهيب حين قفزت من فراشي وأنا أرتعد خوفاً... التفت حولي فزعاً... رفعت عينيّ إلى السماء لأشاهد القمر يرمقني بوجهٍ عابسٍ... تسمرت في مكاني كتمثال جامد...، ثم تقدمت بتردد... تراءت لي حبيبتي آنذاك فتشجعت... لأني كنت أمني النفس بالعيش إلى جانبها طليقاً، وصلتُ ساعتها أمام غرفة والدي... دخلت... وجثوت أمام فراشه... رغماً عني انطلقت زفرات حسرة من أعماق قلبي، رحت أتصبب عرقاً بارداً... عندها، انتهى كلّّ شيء... فقد أقدمت بيدي هاتين على إزهاق روح أبٍ كان يقف حجر عثرة أمام مشاريعي المريبة... لا تزال نظراته الأخيرة ترافقني...‏

شوشان:‏

(تحاول خداعه) كم أحبك!!‏

سورماك:‏

عندما أسمع هذا الصوت الرقيق أشعر بالسعادة. وعندما أحضن "شوشان" تسكن نفسي وتهدأ... كنت قاسياً معها مراراً... وما أن استغاثت حتى ركنت تلك القساوة جانباً كي لا يخرج والدي من قبره وينضم إلى صفها... كانت نائمة كما هي عليه الآن في حالة إغماء... اجتاحتني رغبة همجية... كرهتني على إثرها وراحت تبكي... لكنها بدأت تحبني وتعطف عليّ... كم هي جميلة؟... كأنها ملاك هبط من السماء وحط على الأرض من أجل الحب!....‏

شوشان:‏

(تعيد ترديد الكلمات اللاحقة) أنا أحب "سوماك"؟! هذا الخارج على القانون؟! مستحيل، أنا أكرهه!!.. أتظاهر أني أكن له الحب كي يثق بي ويخرجني من هذا الكهف المظلم...‏

سورماك:‏

أيتها الشقية! افتضح أمرك... ابتساماتك إذن كانت كاذبة؟! ستدفعين غالياً ثمن تلك الاعترافات!...‏

شوشان:‏

(تصحو حزينة وتقترب من سورماك) هل لا يزال الظلام يخيم على النهار؟ سورماك... أشرق الفجر كما أعتقد... لأني أسمع زقزقة العصافير عن بعد.قلت لي: أنك سوف تدعني أشاهد شروق الشمس اليوم وقد حرمت منها منذ زمن... كم أنت طيب القلب؟!... وكم أحبك يا سورماك؟‏

سورماك:‏

اتركيني أيتها المنافقة اللعينة! أنت تخدعينني... أعرف ماذا وراء بارقة البسمة في عينيك؟ إنَّها تخفي كرهك لي يا ناكرة الجميل... أنا أحبك وأنت تعملين على ابتزازي بابتسامتك غير المبالية!!.‏

شوشان:‏

ماذا تقول سورماك؟ هل جننت أم أنك تمزح؟! (على انفراد) يا إلهي لم أعد لأفهم؟ يا ترى ما الذي جرى له؟!‏

سورماك:‏

لا... لا... أدرك جيداً ما أقوله!! كنت أستمع لتنهداتك خلال نومك وأتلمس الدموع المنهمرة في الظلام فوق وجنتيك... وأرى قلبك محزوناً تنعكس فوق صفحات وجهك الصفراء أمواجه المتلاطمة كأنها في المرآة!! لا تعقدي الآمال على حبك المخادع لأنه ليس له أي تأثير على قراراتي القادمة!....‏

شوشان:‏

أخطأت سورماك بشكوكك تلك أخطأت بحق مشاعري... هل تعلم أن كلماتك كالسهام تصيبني في قلبي؟!....‏

سورماك:‏

إن كان الأمر هكذا فأقسمي أن قلبك يحمل الحب الصادق... ها أنت صامتة لا تريدين التفوه بكلمة! هل جعلك هذا الكلام تصابين بالهلع؟... إذن استنشقي عبق ظلمات هذا الكهف! وبللي هذه الحجارة بدموعك! أو فجري هذه الأقواس بتنهداتك، لا أحد سيسمعك ويعطف عليك... ليس في الجوار سوى سورماك!‏

شوشان:‏

آه... إنك تعذبني بقسوة... سورماك! من عهد إليك أمر طعن قلب نذرٍ بهذه الطريقة؟ كنت بدأت للتو أقطف الزهور من بستان الحب وأصنع منها باقة؟ لتعمل على خطف تلك الباقة من يدي فتضع مكانها باقة من الشوك... كنت قَدْ بدأت أشعر للتو بالحب والحيرة في ظل بساط السماء الأزرق المطرز بالنجوم... لكنك فتحت أمام أقدامي هاوية دفعتني إليها قسراً... أنتحب الآن تحت ظلال أقواس مظلمة... نعم... أكرهك "سورماك"! فلتذرف دموعي تحت جناح هذا الظلام بسكينة... هنا لن يرأف بحالي أحد؟!‏

سورماك:‏

لا تتكلمي هكذا يا "شوشان"!! بادليني الحب لتعرفي السعادة! واعلمي ما أن ترسم وجنتاك ابتسامة الحب الصادق حتى يفيض هذا الكهف المظلم بالنور... وتتحول تلك الابتسامة إلى شمس تنير قلبي وقلبك... ما أن تبتسمي حتى تلبس تلك الأقواس السوداء اللون الذهبي... سيتوارى كلّّ منا كالزهرة في هذا المكان الموحش أما عندما ستمنحني شفتاك قبلة الرضا فستجول تمتماتها كموسيقا قيثارة طرية في تلك الأرجاء... ماذا تريدين أكثر من هذا؟!‏

شوشان:‏

أمراً واحداً فقط! لا تعرفه أنت!...‏

سورماك:‏

لكن عندما ستحبينني بصدق سأدعك ترينه شخصياً دون قبره.‏

شوشان:‏

هل "فارت" حي يرزق؟... لا... من غير المعقول! ألم تقض عليه؟ يا ظالم إنك تعذبني باستمرار... توقظ في مخيلتي ذكريات حزينة دفنت في أعماق قلبي... أنت تخدعني... تخبرني أنه حي يرزق كي أعتقد أنك لست قاتله!!.‏

سورماك:‏

أقسم، إن بادلتني الحب سترينه!‏

شوشان:‏

لست أثق بقسمك، حتى وإن رأيته بأم عيني سأصرخ أني في حلم كاذب ليس إلا... وإن رؤيته محض خيال (بيأس تغطي وجهها بيديها ثم تتجه لتجلس جانباً)...‏

سورماك:‏

(على انفراد) يجب أن أدعها وحيدة لتعاني مزيداً من اليأس... ثم أعود فتضمني إليها... لأذهب وأحضر قليلاً من الطعام).‏