|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مشعل ينبغي ألا ينطفئ ـــ عبد الكريم ناصيف كما ينتقل مشعل الماراثون من يد إلى يد إلى أن يبلغ غايته ويشعل الشعلة الدائمة كذلك ينتقل مشعل المعرفة من أمة إلى أخرى دون أن يتوقف إلى أن يصل إلى غايته البعيدة وتشتعل شعلة المعرفة الدائمة التي لا تعرف انطفاء أبداً. وإذا كانت هناك من أمة أضاءت ذلك المشعل أول مرة فإنما هي أمتنا، وإذا كانت من أرض حملت ذلك المشعل في انطلاقته فإنما هي أرضنا، مهد العلم والمعرفة والحضارة... ألم تكن بلاد الشام أول من أضاء حروف الأبجدية وعلم البشرية فن الحرف والكلمة؟ ألم تكن بلاد الرافدين أول من عرف الزراعة ودجّن الحيوان ورصد الأفلاك وحدد الشهور والسنين؟ ألم يكن وادي النيل أول من صدّر الحكمة والحساب وهندسة الري والعمران؟ لقد حملت أمتنا طويلاً ذلك المشعل لتأتي أمم أخرى وتحمله ردحاً من الزمن: الإغريق.. الفرس.. الرومان.. وفي مكان آخر وأزمنة أخرى الهند والصين... لكي يظل المشعل مضيئاً ينير حلكة الليل ويضمن للمعرفة الاستمرار وللبشرية التقدم والمستقبل الذي لا يرجع إلى الوراء... ومن جديد عاد المشعل إلى أمتنا وقد قفزت قفزة نوعية على طريق العلم والمعرفة.. لتصنع حضارة قل مثيل لها في التاريخ.. سواء من حيث الاتساع والامتداد أو من حيث التجذر والعمق فحيثما وصلت أنوار مشعلها تغلغلت عميقاً في النفوس لتغدو الحضارة العربية الإسلامية حضارة كونية شاملة تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وترسل إشعاعاتها إلى كل مكان: علماً ومعرفةً، أدباً وفكراً، شعراً وفلسفةً، حتى باتت بغداد ذات يوم عاصمة العالم، وغدت قرطبة محجاً لطالبي العلم والباحثين عن المعرفة.. وصارت اللغة العربية لغة العالم بلا منازع.. فكل من يريد أن يدرس الطب عليه أن يدرس قانون ابن سينا وكل من يريد أن يدرس البصريات عليه أن يدرس ابن الهيثم ونظرياته وكل من يريد أن يدرس الرياضيات عليه أن يتعلم جبر الخوارزمي، كذلك الكيمياء والنبات، علم الفلك والفلسفة.. صرحاً عظيماً للعلم والمعرفة بنى أجدادنا حتى غدت شعلة نوره ترسل إشعاعاتها إلى كل مكان ـ. لكنها سنة الحياة: التقلب والتغير... وانتقال المشعل من يد إلى يد.. لنغرق في عصر الظلمة قروناً من الزمن كان الأعداء فيها يتكالبون علينا ويعملون فينا أنيابهم وأظفارهم ناهشين آكلين حتى جردونا جلداً ولحماً لنغدو مجرد عظم... كثيراً تحملت هذه الأمة غزوات وغارات حروباً ومجازر والكل طامع بها راغب في التهامها ساعٍ لدفنها، ولا غرو، فهي المركز والمركز يجذب إليه الأطراف كما يجذب المصباح الفراش.. لكن الفراش بريء يحترق بنور المصباح أما هم ـ مغولاً، تتراً، صليبيين، غزاً، صفراً حمراً ـ فقد كانوا لا يبغون أخذ المشعل من يدها وحسب بل دفنها تحت التراب لكنها أمة ترفض الموت، إرادة الحياة لديها أقوى من كل غاز ومعتدٍ فبقيت، قاومت وصمدت، ولسان حالها يردد قول المتنبي:
أجل انتفضت أمتنا ومازالت تنتفض.. منذ عصر النهضة وحتى اليوم وهي تنتفض ضد أعدائها وطغاتها، مستعمريها وناهشيها، مؤكدة أنها ستنبعث من جديد وأنها ستعود وتحمل المشعل من جديد فدورها لم ينته في التاريخ ورسالتها ما تزال بانتظارها كي توصلها إلى الإنسانية، رسالة نور وعلم ومعرفة... هذه الرسالة نسهم هنا في الآداب الأجنبية بحملها مشعلاً يضيء ما حوله من ظلمة.. قبلنا حمله زملاؤنا وكلهم بذل وعطاء.. جهداً كبيراً قدموا بكل إخلاص ووفاء عملوا لإخراج مجلة رصينة هادفة غنية تحمل الكثير من الفائدة للقارئ. لقد حملوا المشعل مشكورين برهة من الزمن، لينقلوه إلينا لا تعباً ولا نصباً بل هي سنة الحياة: التغير والتبدل... التناوب والتداول، فيتغير الربيع إلى صيف والخريف إلى شتاء ويعقب الليل النهار والنهار الليل... ولا يسعنا إلا أن نقدم كل عرفان بالجميل وكل امتنان وشكر لحملة المشعل الذين سبقونا، آملين أن نكمل المسيرة بعدهم باذلين كل ما في وسعنا للارتفاع بالمجلة أكثر وأكثر ساعين بها نحو الأفضل والأحسن، راجين من زملائنا المترجمين ومتابعي الآداب الأجنبية أن يمدوا لنا يد العون وأن يسهموا معنا في مواكبة الحركة الأدبية والفكر في العالم بتقديم كل ما هو جديد ومفيد فنعمل معاً يداً واحدة وقلباً واحداً، علنا نبلغ بالمشعل حملة جدداً فلا ينطفئ ناراً ولا نوراً إلى أن يبلغ غايته الأخيرة.. شعلة المعرفة الدائمة تلك التي لا تعرف انطفاء أبداً... |