|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الترجمة وتأثير الكولونيالية: نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية ـــ دوغلاس روبنسن ـ ت.ثائر ديب سوف
نلقي في هذه الدراسة نظرة عن كثب إلى ثلاثة كتب حول الترجمة والإمبراطورية
البريطانية ونركز على تحليلها للطرائق التي عملت بها الترجمة كقناةٍ للإمبراطورية
في الأميركيتين، والهند والفليبين. علماً أنّ أصحاب هذه الكتب يستكشفون أيضاً تلك
الطرائق التي أمكن بها استخدام الترجمة، ويمكن استخدامها في المستقبل، كقناة
لمقاومة الامبراطورية, وربما لإعادة البناء ما بعد الكولونيالية أيضاً. إريك
تشيفيتز واستعمار العالم الجديد كتاب
إريك تشيفيتز "شعرية الإمبريالية" هو من نواحٍ عديدة المحاولة الأشدّ
طموحاً وشمولاً بين جميع المحاولات التي بذلت مؤخّراً في وضع الخطوط العامة لنظرية
ما بعد كولونياليةٍ في الترجمة. والكاتب مختصٌّ بالأميركات، يدرّس الأدب الأمريكي
والثقافة الأمريكية في جامعة بنسلفانيا؛ وتركيزه التاريخي في هذا الكتاب هو على
استعمار الأوروبيين، خاصةً الإنكليز، للعالم الجديد. وخلفيته الأدبية واضحة في
اختياره النصوص الأساسية، خاصة مسرحية شكسبير "العاصفة"، التي يعود
إليها مرّة بعد مرّة؛ وكذلك سيرة حياة فريد ريك دوغلاس، وعمل إدغار رايس بوروز
طرزان القرود. غير أن تشيفيتز لا يحصر عنايته بالخاصية "الأدبية" أو
الجمالية لهذه النصوص؛ فهو مثل معظم منظّري الثقافة مؤخراً يُعنى بها بوصفها وثائق
للتطورات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وبيانات نظرية بحدّ ذاتها، ومحاولات من
طرف كتّابها لوضع تفسير متماسك للعالم الذي عاشوا فيه. ولكي يدعم تشيفيتز
اهتماماته الأخيرة هذه يعود إلى عددٍ كبير من الوثائق التاريخية، خاصةًَ السرديات
التي تدور حول العالم الجديد منذ أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر (وعلى
الأخصّ تلك التي يمكن أن يكون شكسبير قد قرأها لكي يكتب العاصفة)، والوثائق
النظرية، خاصة تلك الأعمال في النظرية البلاغية التي كتبها أرسطو وشيشرون وألكوين
وهنري بيشام (بستان الفصاحة، 1577، 1593)، وجورج بَتِنْهام (فنّ الشعر الإنجليزيّ،
1589) فضلاً عن دراسات فلسفية وقانونية عن الملكية، خاصةً دراسات جون لوك ووليم
بلاكستون. ونظراً
للثروة الهائلة من التفاصيل التاريخية والقانونية والفلسفية والنفسية التي يكتشفها
تشيفيتز، والمصطلحات ما بعد البنيوية الكثيفة التي يستكشفها بها، فإنَّ الكتاب
(على صغر حجمه) ليس سهل القراءة. كما أنّ تشيفيتز يكتب بطريقة إرشادية ذاتية ــ
مطوّراً تعقيدات تأويلاته النظرية كلّما تقدم في الكتابة، ومختبراً تبصّراته خارج
النصوص التي يتفحصّها ــ وليس بطريقة القياس المنطقيّ، أي باتبّاع بنية منطقية أو
جدالية مخطّطةً ومدروسة. غير
أنّ ما ينتج عن تطواف تشيفيتز الاستكشافيّ هذا هو "أسطورة" متماسكة أشدّ
التماسك. أو قصة عن الترجمة الإمبراطورية. وسوف نتتبع في قسمنا الأول هذا تلك
القصة ونعيد بناء أحداثها المتوالية على نحوٍ أقرب ما يكون إلى السرديات التقليدية
أو "ما قبل الحديثة"، مع بداية ووسط وخاتمة. وتقوم هذه القصة على ما
يدعوه تشيفيتز "مشهد الإرشاد الأول"، وهو المشهد الذي يستمدّه من عمل
شيشرون في الابتكار، وفيه يقوم زعيم فصيح بإقناع بشر "همج" بأن
يخضعوا لأوامر القانون والثقافة. ومع أنّ مشكلة الترجمة لا تظهر في حكاية
شيشرون للقصة، بل تكون ضمنية وحسب، إلا أنّ تشيفيتز يتمكّن، بتتبّعه اشتغال تلك
القصة في التاريخ الفعليّ لاستعمار العالم الجديد، من أن يُرينا بإسهاب مقدار
قيامها الواسع على أساسٍ من الترجمة. ولو
اختصرنا القصة التي يرويها تشيفيتز مبسطة، نجد أنها تسير على النحو التالي: أبحر
الأوربيون إلى العالم الجديد ووجدوا هناك عرقاً من البشر يفتقر إلى جميع العلائم
التي تميّز ما يعتبرونه حضارةً (فالهنود "همج")، سواء ما تعلّق منها
باللباس أو الملكية أو التكنولوجيا أو الكلام؛ ذلك أنّ كلامهم غريب تماماً، يختلف
كلّ الاختلاف عن أيّ لغةٍ سبق أن سمعوها في أوربا، كلامهم لا يبدو شبيهاً باللغة
على الإطلاق، محض هَذْرَمةٍ وحسبٍ. وتضطرهم هذه الواقعة الواضحة المتمثّلة
بالاختلاف الثقافيّ واللغويّ الجذريّ لأن يعيدوا النظر في أجزاء جوهرية من
رؤيتهم للعالم. والأهمّ من ذلك، أنّ الحاجة إلى تفاعل مع "الهمج" هي
حاجة ملحّة. فما هم، أو من هم "الهمج"، من أين أتوا هل يمكن تحويلهم إلى
أوروبيين، وهل ينبغي ذلك؟ هل يُكتفي بإبادتهم مثل بهائم البرية، أم يُهْدَون إلى
المسيحية والثقافة الأوروبية؟ هل ينبغي على الأوروبيين أن يتعلّموا اللغات
الأصلية، أم يجبروا "الهمج" على تعلّم اللغات الأوروبية المتعددة؟ وفي
إثارة تشيفيتز تعقيدات تلك العملية التي حاول الأوروبيون من خلالها الإجابة عن هذه
الأسئلة، فإنه يقيم للاستعمار ضرباً من السيكولوجيا الاجتماعية الجمعية، سيكولوجيا
يرى أنّها تفعل فعلها في استعمار الأمريكيتين وربما تكون قابلةً للتطبيق على
تواريخ كولونياليةٍ أخرى. فهو
يرى أنّ المستعمرين المثاليين يبدؤون بكتب الصراعات السياسية الموروثة والمتأصلة
في لغتهم ويسقطونها خارجاً على العلاقة بين اللغات، خاصةً بين لغة المستعمِر ولغة
المستعمَر. وهكذا
تُرَتَّب هذه اللغات على نوع من التراتب الهرميّ تكون فيه لغة المستعمِر متفوقة في
جوهرها (أغنى، وأكثر تحضّراً، الخ) وتكون لغة المستعمَر أدنى في جوهرها.
ويرى تشيفيتز أن هذا التمييز أعلى / أدنى يُبْنى بمفاهيم مستمّدة من البلاغة
أو "الفصاحة"، التي يعتبرها "تكنولوجيا" حاسمة في السيطرة
الكولونيالية على المجتمعات. والمفاهيم الأساسية هنا هي"الحرفيّ" literal أو
"الصحيح" proper،
و"الاستعاري metaphorical
أو "الترجميّ" translational (والترجمة translation والاستعارة metaphor مستمدتان من اللاتينية أو اليونانية وكانتا تستخدمان كمترافدتين
تقريباً في التراث البلاغيّ الممتد من العصور القديمة وحتى النهضة). وما هو
"حرفي" أو صحيح" هو الثابت، والمألوف، والداجن؛ أما
"الاستعارة" و"الترجمة" فتشتملان على تطواف أبعدٍ من حدود
الصِحَّة أو الملكية صوب ما هو أجنبيّ وناءٍ وغريب. وهنا تتعقّد القصّة كثيراً،
لأنّ العلاقة بين "الملائم" و"الاستعاريّ" هي ذاتها علاقةٌ
قُلَّب إلى أبعد الحدود، ولا تنى تهزّ الأرض تحت كلٍّ من الضغوط اللغوية
والاجتماعية السياسية: ففي بعض الأحيان يكون "الملائم" مأوى الحضارة
و"الاستعاريّ" أو المجازيّ" مكان التوحش المخيف؛ وفي أحيان أخرى
نجد أنّ الفصاحة، تلك التكنولوجيا الثقافية التي تمكّن من السيطرة على
"الهمج" وتعليمهم، تعتمد على الاستعارة لكي تثب فوق عوائق الملائم
السكونية. وعند
هذه النقطة من العمل على حل التعقيد المتكاثر يتوقف تشيفيتز طويلاً ــ الأحرى أن
هذا هو المكان الذي يعود إليه مراراً وبصورة هوَسيّة ــ محاولاً استكشاف كلّ طيّات
وثنيات الصحيح والملكية، والتشكيل والمسخ، والاستعارة والترجمة. بيد
أنَّ المسألة مهما تعقّدت على الصعيد النظريّ، فإنّ الأشياء تظلّ واضحة نسبياً على
الصعيد السياسي، لأنّ التراتب أعلى/ أدنى بين المستعمِر والمستعمَر ينبغي الحفاظ
عليه مهما كان الثمن. فسواء نُظِرَ إلى الهنود على أنّهم ذوو عقول حرفية، صامتون
أم مهذارون لا يتوقفون عند حدًّ، ضائعون في ضَرْبٍ من العماء المجازيّ، وسواء
نُظِرَ إلى الأرض التي يقطنونها ويحرثونها على أنها "ملكهم" أم
مجرد مكان صادف أنهم يقيمون فيه الآن، فإنهم أدنى من الأوروبيين ورهن مشيئتهم
(ولابدّ من أن يكونوا كذلك). فبصرف
النظر عن أيّ تبرير ــ وسواء نُظِرَ إلى الهنود على أنهم يملكون أرضهم أو يفتقرون
إلى أيّ مفهوم عن الملكية ــ فإنّ للأوروبيين الحقّ بأن يستولوا على
("يحوّلوا" أو "يترجموا") أرضهم. وفي
سلسلة المعاني الاشتقاقية التي تأخذها كلمة "الترجمة" ويتتبّعها تشيفيتز
ــ بوصفها استعارة، ونقلاً، وتحويلاً للملكية ــ فإن المعنى الإمبريالي والأكبر هو
translatio studii et imperii ،
"ترجمة المعرفة والإمبراطورية"([1]). فال translatio الإمبراطورية تغدو بالنسبة لتشيفيتز مفهوم المستعمِر الأساسيّ،
والفكرة أو المثال المتعدّى للتاريخ والذي يضفي تماسكاً كونياً هائلاً على جميع
التفاصيل الثانوية في عملية الاستعمار الجارية. فال translatio الإمبراطورية تتيح للمستعمِر أن يصوغ في قالبٍ ممتعٍ من الناحية
الجمالية تعقيدات الاختلاف اللغوي والثقافي، وضروب الأدنى والأعلى المُدْركة،
والفصاحة ومشكلة "الهمجيّ العاري الأبكم"، وتلك الظاهرة الغربية من وجود
مركزٍ قويّ وهوامش فاقدة للقوة، وذلك في نقلة تاريخية لكنها مسيحية أو خلاصيّةٍ
أيضاً من البدائية إلى ذروة الحضارة. مشهد
الإرشاد (الكولونياليّ) الأول تبدأ
قصة الكولونيالية بالنسبة لتشيفيتز بما يدعوه مشهد الإرشاد الأول، المستمدّ من عمل
شيشرون في الابتكار. ويشتمل هذا المشهد بصورة أساسية على وصول رجل قادر على تحضير
البشر الآخرين: كان
الرجال مبعثرين في الحقول ومختبئين في مآوي الغابات حين جمعهم ولمّهم في
مكانٍ واحد تبعاً لخطّة؛ حيث أدخلهم إلى مهنةٍ بالغة الإفادة والشرف، مع أنّهم
صرخوا ضدّها في البداية بسبب جدّتها، م حين راحوا يصغون بالعقل والفصاحة وبانتباه
شديد، حوّلهم من همج بريّين إلى شعب لطيف ورقيق. (ترجمة ه. م. هَبِلْ، مع تعديل
طفيف بحسب نقد تشيفيتز؛ أورده تشيفيتز 1991: 113) وكما
يلاحظ تشيفيتز، فإنَّ شيشرون لا يناقش هنا مشكلة الترجمة. غير أنَّ الترجمة موجودة
ضمناً في تأملات شيشرون: فربما كان على الخطيب الأسطوريّ الذي يجلب الحضارة إلى
عالم همجيّ أن يخاطب أجانب، أو أناساً من قبائل مختلفة يتكلمون لغات مختلفة، مع
أنَّ العامل الحاسم بالنسبة لشيشرون هو أنَّ الكلام العاديّ الذي يتكلّمه هؤلاء
البشر يشكّل بالنسبة لفصاحة الخطيب ما تشكلّه صرخات البهائم العييّة بالنسبة لكلام
البشر العاديّ. وفي الخيال البلاغي الأوروبي أنّ الخطيب أو الزعيم الفصيح هو
بالتعريف من يتكلّم لغة مختلفة عن لغة الجماهير "العييّة" أو غير
المتعلّمة. وحتى لو كان كلّ من الخطيب والهمج في أسطورة شيشرون من القبيلة ذاتها
وكانوا قد نشأوا على النطق باللغة ذاتها، فإنّ سيرورة تطور العقل والكلام الفصيح
تكون قد غيّرت كلام الخطيب بصورة جذرية وجعلته لغة مختلفة جوهرياً. وبذلك
يكون على المتكلمين الفصحاء حين يخاطبون أبناء جماعتهم اللغوية الآخرين (الأقلّ
فصاحة)، أن يترجموا أفكارهم قبل أن يُفْهَموا؛ كما يكون عليهم، بالمثل، أن يقوموا
بترجمة كلام الآخرين إلى لغتهم. وكما
تخيّلها شيشرون، فإنَّ الغاية من عملية الترجمة التي يقوم بها الخطيب في مخاطبته
"الهمج البريّين" الذين يعيش بين ظهرانيهم هي إحداث حالة عقلانية من
المجتمع المدنيّ، الأمر الذي يحاول الخطيب فعله بتحضيرهم؛ أي بتعليمهم هم أيضاً
حالة الفصاحة التي لديه. وهذا يعني أيضاً، كما أشار هِرْدِر، إلباسهم ملابس
متحضّرة: ينبغي إدخال هوميروس إلى فرنسا أسيراً، متّشحاً بزيّ فرنسيّ..."
وهذا ما يجد تشيفيتز مادةً مشابهةً لـه في مقتبس طويل من ألكوين مستشار شارلمان،
حيث "النقلة من البكم إلى الفصاحة تُتَرْجم كتقدمٍ من العري، عبر الضرورة
الواضحة لارتداء اللباس بوصفه حماية ووقاء، إلى ذروة اللباس بوصفه علامةً فاخرة
على المرتبة الاجتماعية" (1991: 120). الكبت
والتراتبية يشير
تشيفيتز إلى أنَّ خطوات عدّة في سلسلة أفكار الخطيب أو المستعمِر لا يتمّ التعبير
عنها قطّ بل تكون مُفْتَرَضةً وحسب، وهذه الخطوات هي: ــ
أنّ الفروق الواضحة بين مواقف وسلوك الخطيب/ المستعمر من جهة أولى
و"الهمج" من جهة ثانية تدّل في الحقيقة على أنّ الخطيب/ المستعمِر
عقلانيّ وفصيح وأنيق ومتحضّر، وأنّ "الهمج" انفعاليون، واجمون، عراة،
وبريّون. وهذه ليست مجرد طرائق مختلفة في فعل الأشياء؛ بل طرائق متناقضة في فعلها. ــ
إنّ الحالة المقرونة بالخطيب/ المستعمِر في هذه السلسلة من الثنائيات المتناقضة
(عقلانيّ/ انفعاليّ، فصيح/ واجم، مُكْتَسٍ/ عارٍ، متحضّر/ بريّ) هي حالة أفضل
بالفعل، أفضل بالنسبة للجميع وفي كلّ الأوقات، وذلك بصورةٍ موضوعية، وليس بوصفها
مسألة رأى شخصيّ ومحليّ، أو مسألة تحامل. فهي ليست مجرد طرائق متناقضة في فعل
الأشياء بل هي طرائق مختلفة على نحوٍ تراتبيّ. فأحدهما أعلى، موضوعياً وكونياً؛
والآخر أدنى. ــ
إنّ الرجال والنساء الهمج والمتحضّرين يقفون في طرفين متقابلين من التاريخ
التطوريّ، الأولون في مرحلة "مبكرة" تتوافق مع الطفولة، والآخرون في
مرحلة "متأخرّة" تتوافق مع الرشد والبلوغ. وهذان النمطان من الكينونة
ليسا أدنى وأعلى على نحوٍ سكونيّ؛ بل هما في حركة تاريخية، ينتقلان على نحوٍ
ديناميكيّ من التدّني المبكر إلى العلّو اللاحق أو المتأخّر. ــ
إنّ ذلك يجعل من مصلحة الجميع تسريع تلك السيرورة التطورية، بأن يُعلَّم
"الهمج" أو يُحَضِّروا أو يُتَرْجموا من حالة التوحش التي يعيشون
فيها الآن إلى، أو أقرب ما يمكن من، حالة التحضّر التي يعيشها الخطيب/ المستعمِر.
فلا يمكن تركهم يذبلون في حالتهم الراهنة، أو تركهم يسيرون بمثل هذا التباطؤ
والتثاقل الحاليين باتجاه المثال؛ كما لا ينبغي قتلهم (بالضرورة) كما تُقْتَل
بهائم البرّية (مع أنّهم إذا ما قاوموا عملية التحضّر، وخاصة إذا ما قاوموها بقوة،
فإنّ الإبادة قد تغدو مناسبةً تماماً، كما حصل لحوالي 100،000000 من سكان
الأميركيتين الأصليين خلال ما ينوف على أربعة قرون). في
النهاية، وكما يكتب تشيفيتز، "فإنّ ال translatio، في رؤيتها إلى إمبراطورية كونية ذات لغة كونية، إنّما تتطلّع إلى
ترجمة كلّ اللغات إلى لغة واحدة؛ أي أنها تتطلّع إلى نهاية الترجمة في محوها
للاختلاف أو تهميشه التام "(1991: 122). فما إنْ يُعاد تصوّر الناطقين بلغة
"مختلفة" على أنهم نقيض تامٌ "لنا" (لنوعنا، للناطقين بلغتنا،
لأعضاء جماعتنا اللغوية)، وعلى أنّهم أدنى منّا، وبدائيون تاريخياً (عند مرحلة
تطورية أبكر من مرحلتنا)، حتى يمكن أن نتصوّر أنّ شفاء هذه الجروح ــ أو اجتثاث
هذه الفروق ــ لا يمكن أن يتمّ إلاّ بتحويل الآخر تماماً وجعله على صورة الذات:
بجعلهم مثلنا على وجه الدقّة. غير
أنَّ هذه الأشياء لا تقتصر على كونها مُفْتَرضَة؛ فبدائلها والعمليات الإيديولوجية
التي تُتَّخَذ بموجبها هذه الخيارات المحدّدة على المستوى الجمعيّ، تكون مكبوتة،
"منسيّة" بالقوة؛ بحيث يغدو من الجوهريّ لا أن يُفْتَرَض وحسب أنَّ هذه
الاختلافات بين الهنود، مثلاً، والمستعمرين الأوروبيين هي اختلافات متناقضة،
وتراتبية، وتطورية (بدلاً من الاكتفاء بالقول إنهم مختلفون على نحو محايد وغامض)
بل أيضاً ألاّ يتمّ التوصّل إلى ذلك الافتراض بخيارٍ واعٍ. ولهذا، فإنّ رغبةً
ليبرالية ترى أنَّ من الممكن للثقافة الهندية أن تكون حسنة على الأقل مثل الثقافة
الأوروبية ــ وهو الموقف الذي يمثّل لـه ميشيل دي مونتاني في مقالته "عن أكلة
لحوم البشر" التي تعود إلى العام 1584 ــ هي رغبة يُنْظَر إليها على أنّها
فكرة خطرة تجب مراقبتها والحذر منها. فمن الأساسيّ لكي تعمل هذه الإيديولوجيا
الكولونيالية عملها أن يكون الافتراض الذي تقوم عليه "متعيّناً" بعض
الشيء، أي "طبيعياً" بما يكفي، و"كونياً" على نحو يكاد يكون
مؤكدّاً، ليس مجرد نتيجة نهائية لعملية تفكير متوترة ودفاعية. وكما
يشير تشيفيتز، فإنّ واحداً من الآثار التي تركها هذا الكبت على دراسات الترجمة
طوال تاريخها البالغ ألفين من السنين هو تجاهل هذه التعقيدات السياسية على نحوٍ
منهجيّ والتعامل معها على أنها بلا قيمة، في الوقت الذي قُدِّم فيه ليحلّ محلّها
تصوّر مثاليّ ومنزوع السياسة ينظر إلى الترجمة بوصفها عملية تُعنى "بصورة
محضة" بالتكافؤ اللغويّ الصرف. يقول
تشيفيتز: "طالما عملت إمبرياليتنا تاريخياً (ولا تزال تعمل) من خلال إحلالها
محلّ سياسات الترجمة الصعبة سياسات ترجمة أخرى تكبت هذه الصعوبات" (1991: xvi). وعلى
سبيل المثال، فإنَّ الافتراضات الأربعة المذكورة أعلاه لم تكد تخضع لأيّ نقاش طوال
تاريخ التفكير في الترجمة. بل إنها لم تُعْتَبَر "قضايا تتعلّق
بالترجمة". فهي من خارج هذا الميدان بكلِّ بساطة. وقد رأينا في الفصل الثالث
أنَّ نظرية الترجمة قد كان لها هامشها المكبوت الذي يُعنى بهذه القضايا، بصورة
عابرة أو تلميحاً على الأقلّ؛ أمّا نظرية الترجمة الرسمية أو السائدة فتفترض أنّ
هذه الاعتبارات السياسية، مثل تباينات القوة بين الثقافات أو اللغات، أو علاقات
السيطرة والخضوع المتنوعة بين الناطقين بلغات مختلفة، إمّا لأنها موجودة أو أنّ لا
أثر لها على الترجمة. فالترجمة عملية تُعنى بظلال المعنى بين الكلمات، والعبارات،
والجُمل في لغتين، ليس إلا. فإذا ما صدمت هذه الوقائع السياسية منظّري الترجمة
التقليديين بما يكفي من القوة راحوا يزعمون أنّ أمرهم مقتصر على افتراض حالة
مثالية من التكافؤ بين الجماعات اللغوية: فيبدو أنّ هذا التقليد غير مهتم حتى
بإنكار الوقائع السياسية القائمة في هذا العالم الواقعي والمترتبة على المواقف
المتناقضة، والتراتبية، والتطورية المتعلّقة باللغات. فلماذا يزعجون أنفسهم بذلك
أصلاً؟. الإسقاط يبيّن
تشيفيتز أيضاً أنّ مشكلات الترجمة بين اللغات تكون حاضرةً دوماً ضمن كلّ لغة
بمفردها، وأنَّ التصور الكولونيالي الشائع الذي يرى أنّ مشكلات التواصل والترجمة
هي مشكلات "خارجية" دوماً (وأنّها غلطة الآخر إلى حدّ بعيد) هو ضرب من
الإسقاط الدفاعيّ لصراعات داخلية. ويعتمد هذا النقد على نظرية سيغموند فرويد في
الإسقاط، التي نقوم على أساسها بكبت ما نعافه في أنفسنا ثمّ "نعيد
اكتشافه" على نحو سحريّ عند أحدٍ ما آخر، كما في حالة شخص نَزِقٍ يتخيّل نفسه
متسامحاً ومتبسّطاً ويشعر بالغضب حيال نَزَقِ شخصٍ آخر. ولعل
أحد الأمثلة على هذا الإسقاط التواصليّ أن تكون المشكلة التي يواجهها جميع
الناطقين في إيجاد الكلمات المناسبة تماماً لنقل أفكارهم أو تجاربهم: فنحن جميعاً
نبحث عن كلمات، ونجرّب كلمات لا تأتي ملائمة تماماً، فنتعثّر ونتلعثم، وننسى ما
كنا نحاول أن نقوله، وهلمجرا. غير أنه إذا ما غدا أساسياً عند ناطق ما (أو، بدقّة
أكبر، عند جماعة ما) ألا يحدث ذلك لأنه يؤثّر على تقديره لذاته ويسيء إليه ــ ما
يعني اقتناع هذا الناطق بضرورة أن يجد الكلمات المناسبة دوماً، واقتناعه بأنّ
التعليم والثقافة يولدّان الفصاحة، وأنّ تلك الفصاحة تتدفّق بصورة طبيعية وممتعة
ــ فإنه سيكون من المهمّ عندئذٍ أن يكبت إدراكه لمثل هذه الأمور حين لا تتدفّق تلك
الفصاحة البتّة، وحين تعلق الكلمات وتتشابك. وعندها لابدّ أن تغدو المصاعب
التواصلية التي تُصادف عند شعب آخر أمراً مثيراً للحنق، ذلك أنّها تذكر الناطق
الذي يزعم الفصاحة بمصاعبه المكتوبة، التي يمثّل نسيانها أمراً بالغ الأهمية. ولكي
يعزّز هؤلاء الناطقون دفاعاتهم ضدّ هذا الإدراك، ولكي يحموا صورتهم عن أنفسهم
بوصفهم "فصحاء"، فإنّهم يحولون الحنق على ضعفهم الداخليّ إلى فلسفة
كاملة من الاختلاف الخارجيّ: الآخرون هم الذين ينطقون بشكل رديء؛ أنا أنطق جيداً.
فليست المسألة أنني أنطق بشكل رديء في بعض الأحيان وأشمئزّ من نفسي بسبب ذلك؛ بل
المسألة أن بعض البشر جاهلون أو غير متعلمين أو غير مثقفين أو كسولون إلى حدّ
أنّهم لا يزعجون أنفسهم بمراقبة كلامهم أو ضبطه. وهكذا يُمَثَّل الصراع
الداخليّ بين ذات "حسنة" وذات "رديئة"، ذلك الصراع الذي لا
أستطيع أن أطيقه في داخلي، على أنّه صراع خارجيّ عملياً بين "أولئك
البشر" وبيني. ويشير
تشيفيتز إلى أنّ من الأمثلة البارزة على هذا الإسقاط الخارجيّ، فيما يتعلّق
بالموقف الكولونيالي من اللغات "الهمجية"، إلحاح كولومبوس المتناقض على
أنّه (أ) يفهم اللغات الأرواكية و(ب) أنَّ الأرواك ليست لديهم لغة على الإطلاق: ...
بدلاً من أن يسائل مركزية ثقافته، تلك المساءلة التي تهدّد بإثارة قلق عميق جرّاء
وضعها سيطرته على الوضع تحت الشكّ، فإنّه يكبت السؤال بإسقاطه على الهنود؛
والنتيجة هي محاولات كولومبوس الهلوسية أن يدجّن ما هو بعيد المنال في استيهامه
المتكرر أنه يفهم لغة الهنود. وهذا الاستيهام التدجينيّ، الذي يكبت الخوف من أن
يكون كولومبوس نفسه لا يعرف كيف يتكلّم (وهو خوف واقعيّ تماماً في السياق الكاريبي
الذي غزاه،) هو وهم ضروريّ، وذلك على وجه الدقّة لأن كولومبوس قد صدمته إلى أبعد
الحدود واقعة الأجنبيّ. (1991: 110) وبعبارة
أخرى، فإنّ هنالك مشكلة داخلية ــ مشكلة قلق كولومبوس المكبوت حيال قدرته على
الكلام، وعلى إيجاد الكلمات المناسبة، وعلى ترك التواصل يجري بحرية من رأسه إلى
الآخرين وبالعكس، وعلى أن يكون شخصاً "متحضراً" وليس "همجياً"
ــ وهي مشكلة لا يستطيع كولومبوس أن يعالجها دون أن يقوّض كامل تصوره عن نفسه؛
والسبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله تغطية هذا القلق هو الإسقاطات الخارجية
المتناقضة على الهنود، بحيث يغدو هؤلاء هم الهمج المفككون والعييّون الذين يشعر
كولومبوس في بعض الأحيان أنّه على شاكلتهم، وبحيث يبدو التواصل بين الهنود
والأوروبيين كما أنّه يتدفّق بحرية كحاله بين الأوروبيين أنفسهم. أما
التناقضات التي يولدّها هذا العجز عن تحديد هذه الصراعات وحلّها، أو الاسترخاء
وتعلّم التعايش معها، فهي تناقضات تظلّ تتكثّر وتتضاعف. فالترجمة صعبة بما يكفي من
دون العبء الإيديولوجيّ الثقيل التي قّدِّرَ لها أن تحمله أحياناً؛ وهي تغدو
مشحونة على نحو يفوق حدّ التصديق حين يُنْتَظَر منها أن تعبر الفجوات بين لغات
يُعْتَقَد أنها على طرفي نقيض من الطيف التطوريّ. ذلك أنّ "الحل"
الأوروبيّ لمشكلة وجود "الهمج" في العالم الجديد ــ حيث يُنْظَر إليهم
على أنّهم أدنى، وبدائيون، ولا يكادون أن يكونوا بشراً ــ يجعل الترجمة ضرورةً
محتومةً وفوق التصور في آنٍ معاً. فإذا ما كانت القدرة على الإفصاح عن الأفكار
العقلانية بصورة واضحة ومقنعة، في أسطورة الهمج الذين حضّرهم زعيم فصيح والتي رسم
شيشرون خطوطها العامة، قد جعلت الخطيب كائناً من نوعٍ مختلف جذرياً عن أولئك
الهمج، فإنّ الترجمة لابدّ أن تكون أساسيّة في جميع العمليات المهمّة التي تجري
لتحضيرهم، غير أنّها لابدّ أن تكون أيضاً صعبةً على نحوٍ مستعصٍ لا يكاد يمكن
التغلّب عليه، مثل ترجمة بين جنسين. فالنواقص ذاتها التي يُفْتَرَض أنّها تجعل
"الهمج" بحاجة ماسّة إلى الحضارة وتالياً إلى الترجمة ــ لأن كلماتهم القليلة،
مفاهيمهم القليلة، أفكارهم القليلة، تفكيرهم القليل ــ مما يحد أيضاً بصورةٍ
جذريةٍ من الفرص أمام أن تكون الترجمة وتالياً المهمّة الحضارية ممكنة أصلاً. فهم
أدنى، وبحاجة إلى الترقّي إذاً؛ وهم أدنى، وعاجزون إذاً عن الترّقي. والترجمة، كما
يرى تشيفيتز، هي القناة التي يُفْتَرض أن تُنْجَز من خلالها هذه المهمة التي تجمع
المتناقضات. وبمعنى
ما، فإنّ الإحباط إزاء استحالة إنجاز تلك المهمة الكولونيالية وضرورتها بآن هو
المحرّك النفسيّ الاجتماعيّ الذي يدفع عنف الإمبراطورية. ويجد تشيفيتز هذه النقلة
من التشكّك الذاتّي إلى القوة العنيفة في شخصية بروسبير ولدى شكسبير، حيث يكافح
لكي لا يعترف بكاليبان، عبده "الهمجيّ"، وكذلك في صفحات طرزان القرود
لبوروز: لا
يستطيع طرزان أن يكلّم القرود بالمعنى الفعلي للكلمة لأنّ الإنجليزية المكتوبة لا
يمكن ترجمتها إلى لسانهم الفقير، ذلك اللسان الذي يمثّله بوروز في تلك اللغة
المجازية الذاتية التي ينطق بها "الهمج" على نحو نمطي في الخطاب
الأوروبي عنهم. ولأنّ طرزان غير قادر على أن يكلّم القرود بالمعنى الفعلي للكلمة،
فإنّ بمقدوره أن يسيطر عليهم وحسب. وإخفاق الحوار، الذي يُصَوَّر كعجز وراثي لدى
الآخر، لا كمشكلة اختلاف ثقافي، هو الذريعة التي تتخذها الإمبراطورية لكي تبرّر
سيطرتها. (1991: 16) الفصاحة
والحوار يكاد
كتاب تشيفيتز أن يكون مقتصراً على النقد السلبي للعنف الإمبراطوري. غير أنّه يشتمل
أيضاً على لحظة طوباوية بالغة القصر، على أملٍ واهٍ بالمستقبل، لا يظهر على نحوٍ
مقتضبٍ جداً إلا لأجل نقضه. وهذا الأمل بالحوار، وبمحادثةٍ حرّة وصريحة بين أنداد،
هو على وجه الدقّة لب الديمقراطية. ويصّور تشيفيتز هذه الإمكانية بلغة لعبٍ حرّ
بين المعاني الحرفية والمجازية، بلغة انفتاح لعوب ليس فيه علاقة ثابتة، ولا
تراتبية ثابتة بين الحرفيّ والمجازيّ. وحرية هذا الحوار الديمقراطي الإنسانية لا
تختنق وتُطْمَس تحت ثقل الإمبراطورية القمعيّ إلاّ حين يشعر مجتمعٌ ما، أو ثقافةٌ
ما، بأنّه مضطر لأن يفرض بنيةً صارمة على تلك العلاقة، وأن يسمّرها إلى خطوط
إيديولوجية، الأمر الذي يكاد أن يكون دائماً عند تشيفيتز كما يستنتج القارئ. ولعلّ
من المناسب أن نعرض لمثال على هذا التعارض. فلو نظرنا في معجم، أي في مستودع ذلك
النوع من نظام المفردات "الإمبراطوري" الذي يعتبره تشيفيتز معاكساً لما
هو حواريّ وديمقراطيّ، فسوف يخبرنا أنَّ الكلمتين wild (برّي) فما
مدى استقرار المعاني "الحرفية" و"الاستعارية" لهاتين الكلمتين
في كلّ هذا؟ فكما يلاحظ تشيفيتز، لم تكن كلمة الحرفيّ (literal) هي الكلمة الضدّ لكلمة استعاريّ (metaphorial) بل كلمة الصحيح (proper)، والأهمّ من ذلك أن نسأل: ما المعنى الصحيح ل بريّ أو داجن؟ وكلمة
"الصحيح" لها معانٍ ضمنية مثل الصواب، والأعراف الاجتماعية والسلطة
الاجتماعية التي تفرضها، والسلوك "الصحيح" فضلاً عن المعاني
"الصحيحة"؛ أمّا "الاستعاريّ" أو "المجازيّ" كما
يلاحظ تشيفيتز، فلطالما كان سيء الصيت قليلاً، "غير صحيح"؛
ابتعاداُ عمّا هو مألوف صوب ما هو ناءٍ وغريب: "فمنذ بداياتها النظرية، إذاً،
والاستعارة واقعة تحت طائلة الشكّ شأن الأجنبي، الذي هو معاكس ل
"الصحيح"، الذي يُحدّد على نحوٍ لا مفرّ منه، كما لاحظنا، على أنه
الوطني، والمألوف، والموثوق، والمشروع" (1991: 90). لكن ما الذي يجري حين
يتشوّش الخطّ الفاصل بين "الصحيح" والاستعاري"؟ أي ممّا يلي هو
الاستخدام الأصحّ لكلمة wild
(بريّ)، وما هي تشكيلة العلاقات الاستعارية التي تربط بقية الاستخدامات بهذا
الاستخدام الأصحّ وتضعها قبالته؟
هل
يمكن تصنيف هذه الأشياء؟ أجل حيث يمكن أن يُفْرَض عليها ضَرْبٌ من النظام؟ لكن هذا
النظام ليس طبيعيّاً؛ ليس متأصّلاً في الكلمات، أو في الأشياء أو التجارب التي
تشير إليها. فلا يمكن أن يكون إلاّ إذا ابْتُدع بعمليةٍ مُجْهِدَة من فَصْلِ
الأكثر ألفة عن الأقلّ ألفة، فصل الأشياء التي نريد أن نقرنها بنا عن الأشياء التي
نريد أن نبقيها بعيدةً عنّا؛ فهذه عملية نقرّر فيها ما الذي هو، أو ينبغي أن يكون،
"لي" أو "يشبهني" أو "معي" أو "متاحاً بسهولة
لي" (وللبشر من أمثالي) وما هو، أو ينبغي أن يكون، "آخر"، ثم نصنّف
الكلمات والبشر والأشياء والأفكار تبعاً للقاعدة المُبْتَدعة على هذا النحو. لكن
ذلك لا يؤدّي وظيفته على النحو الأمثل، بل يؤدّيها بصورة حسنة بما يكفي لإضفاء
بنيةٍ على الفوضى التي تخيّم على هذا الوضع المضطرب. في
العالم الجديد، نزل الأوروبيون على الشاطئ وحيّاهم السكّان الأصليون الذين كانوا
يعيشون هناك. فهل هؤلاء السكّان الأصليون "بريون"؟ أم
"داجنون"؟ لنتّخذ للحظةٍ موقف الأوروبيين ونتساءل: كيف يمكن لنا أن
نعلم؟ كيف يمكن لنا ألا نكتفي بتوقّع سلوك "المحليين" بل نصنّف المعاني
"الصحيحة" و"الاستعارية" لكلمتي "بريّ"
و"داجن" بالعلاقة مع هذه الكائنات غير المألوفة؟ ليس بمقدورنا أن
نقوم بأيّ من هذين الأمرين، غير أنّه بمقدورنا، تبعاً لدرجةِ ارتياحنا مع
الأوضاع غير المألوفة وغير المتوّقعة، أن نترك تلك المعاني في حالة حوارية
مفتوحة، خاضعة لعلاقات جارية؛ أو أن نحبس أنفسنا في معجم تراتبيّ صارم ونتركه
يقودنا. إنّهم "بريون" كما يكون الدبُّ برّياً: أطلقوا عليهم النار في الحال
قبل أن يفتكوا بنا إنهم " برَّيون" كما يكون الفنّان السكير بريّاً:
انظروا الوميض في أعينهم واستعدوا لقضاء وقت مليء بالمتعة والتسلية. إنّهم
"داجنون" كما يكون الكلب داجناً: استعبدوهم (ولكن دون أن تسمّوا ذلك
استعباداً)، علموهم أن يخدموكم بإخلاص ذليل وأن يرفّهوا عنكم بألاعيبهم. إنّهم
"داجنون" كما يكون أمين مكتبة داجناً: هزّوا رؤوسكم خيبةً لما تتّسم به
"مغامراتكم" من العادية. الملكية
يتحرّك
تشيفيتز في كتابه على المستوى الصرفيّ أيضاً، من النّعت proper (صحيح) إلى الاسم property (ملكيّة)، مع أنَّ property ليس الاسم الذي نستخدمه في الإنجليزية للإشارة إلى حالة كون الشيء
صحيحاً (بل propriety).
والجذر الاشتقاقي للكلمات الثلاث في اللاتينية، propria، يعني "ما يملكه المرء"؛ وهكذا فإنَّ property هي أرض المرء
(التي يملكها)، و proprietor تعني
"مالك". ولقد تغيّر معنى proper وpropriety في
الإنجليزية بعض الشيء، بحيث باتت للكلمتين صلة ضئيلة ب "ما يملكه
المرء"، لكن تشيفيتز،وكما رأينا، يستكشف ألفة ال "proper"، والطرائق التي لا تقتصر فيها
على ما هو مستقرّ وآمن بل تتعدّاه إلى ما هو في المتناول، وداجن، وبذلك تتعدّاه،
إلى المعنى الأقرب إلى كون الشيء ملك المرء. وعلى
أيّ حال، إذا ما كان التوتر بين المعاني "الصحيحة"
و"الاستعارية" أو "الترجمية" يكمن في مكانٍ ما من لباب مشكلة
الترجمة، فإنّ معنى property عند
تشيفيتز يشكّل هو ذاته مشكلة ترجمةٍ معقّدة ومتشابكة بالنسبة للخيال الكولونيالي.
فتشيفيتز يكتب عن "استحالة ترجمة التصوّر الإنجليزي عن "بيع الأرض"
إلى تلك اللغات، التي لا تحتوي مفهوم الأرض بوصفها property (ملكية)، أي بوصفها سلعة قابلة لتحويل ملكيتها أو نقلها"
(1991: 8). ومن هنا، مثلاً، تلك الحكايات عن بيع الهنود قطعة الأرض الواحدة مرات
عديدة لأشخاص مختلفين، لأن "الامتلاك" و"البيع" حين يتعلّقان
بالأرض يعنيان لهم أشياء مختلفة عمّا يعنياهما للأوربيين. ويمكن
وصف مشكلة "الترجمة" الكولونيالية المتعلقة بالملكية، وبشيء من التبسيط،
بأنّها متّصلة بمعضلة أخلاقية، بصدام بين الجشع والشرعية. فالمستعمرون الأوربيون
أرادوا الأرض التي كان الهنود يعيشون عليها؛ فمن وجهة نظرهم أنهم يحتاجون الأرض
التي يعيش عليها الهنود إذا ما كانوا يريدون العيش على تلك القارّة. وبوصفهم
أوروبيين، غارقين في تقاليدهم القانونية والفلسفية الخاصة والمحدّدة، فإنّه ليس
بمقدورهم أن يكتفوا بالعيش على الأرض؛ إنّهم بحاجةً لأن يمتلكوها. فلا يمكن
لهذه الأرض إذاً أن تكون مجرد أرض، أو مكان للعيش عليه؛ بل عليها أن تكون ملكية.
لكن الهنود موجودون هناك من قبل. فما العمل؟ البشر المتحضّرون لا يسرقون أرض
الآخرين؛ والمشروع الكولونيالي يستند بقوة على افتراض أنَّ الأوربيين هم
"المتحضّرون"، وليس الهمج الذين يطوفون على غير هدى لا تحدوهم سوى
الأهواء العمياء، شأنهم شأن قبيلة شيشرون الأسطورية. ولقد
تمثّل أحد الحلول بالإلحاح على أنّ الأرض ليست للهنود، لأنهم يفتقرون إلى أيّ
إحساس بالملكية: "ليس للهمج أيّ ملك في أيّ قطعة أرض من تلك البلاد"/
هذا ما نقرأه في بارك الله فيرجينيا (1609)، "بل يكتفون بالإقامة هناك بصورة
عامة، شأن بهائم البريّة التي تقيم في الغابات" (أورده تشيفيتز 1991: 59).
وبمعنى ما، فإنّ هذا هو الحلّ السريع لمشكلة الاستيلاء على الأرض وتسخيرها للأوربيين؛
لأنه إن لم تكن الأرض عائدةً إلى الهنود، فلا يمكن أن يهتمّوا إذا ما أخذناها
واعتبرنا أنّها لنا. غير
أنّ هذا الحلّ يظل قاصراً، بمعنى آخر، لأنه يُظهر الانتقال من "الهمجية"
(حيث لا ملكية للأرض) إلى "الحضارة" (التي تقوم جزئياً على مفهوم
الملكية) أكثر استقامةً ومباشرةً مما هو عليه أو مما كان عليه. كيف تحولت الأرض
"البريّة" المشاع إلى "ملكية"؟ ما العملية التي تحوّل بها
"الهمج الذين يطوفون في الأرض على غير هدى" إلى "رجال ونساء
متحضّرين يعيشون على أملاكهم الخاصة"؟ كيف يمكن لي أن "أمتلك"
أرضاً لم "يمتلكها" أحدٌ قطّ قبلي؟ ممّن سأشتريها؟ من الذي سيمنحني حق
ملكيتها الشرعي؟ من الذي سيرسم حدودها القانونية؟ من الذي سيفصل في حقّ ملكيتي لها
ويعاقب المسيئين إذا ما ادّعيت أن الآخرين ــ كالهنود، مثلاً، بل ربما الهنود
الذين كانوا يعيشون عليها قبل أن تصبح ملكاً لي ــ "يتعدّون" عليها؟. يشير
تشيفيتز إلى أنّ تحوّل الأرض المشاع إلى ملكية كان عملية ترجمة، تمّت فيها
"ترجمة" الأرض المشاع على أنّها ملكية الهنود بحيث أمكنت
"ترجمة" هذه الأرض أو "نقل ملكيتها" منهم. (ويشير تشيفيتز إلى
أنّ القانون العام الإنجليزي يستخدم مصطلح translat في الإشارة إلى نقل الملكية الفعليّ، أي بالمعنى ذاته الذي
تُسْتخدَم فيه كلمة alienation).
فالأرض ينبغي أن تكون ملكاً للهنود كيما يمكن أن تغدو تالياً ملكاً للأوربيين؛
وإذا لم يكن لديهم مفهوم الملكية، وإذا كانوا لا يفهمون ما يعنيه الأوربيون بهذه
الكلمة، فإنّ أي مفهوم يستخدمونه ينبغي أن يُترْجَم بمعنى الملكية. عملية
"الترجمة" المزدوجة هذه، أي ترجمة الأرض المشاع إلى ملكية أولاً، ثم
ترجمة ملكية "هم" إلى ملكية "نحن"، هي عملية محدّدة بأشدّ ما
يكون الوضوح في قضية نوقشت في المحكمة العليا عام 1823 حيث تمّ الإقرار للهنود بأنّهم
"الشاغلون الشرعيون للأرض، ولهم الحقّ المشروع والعادل بالحفاظ على ملكيتهم
لها"، إلا أنّ "قدرتهم على بيع الأرض بإرادتهم، ولمن يشاءون، ينكرها
المبدأ الأساسي الذي يقول إنّ الاكتشاف يعطي لمن يقوم به حقاً حصريّاً
بامتلاكه" (دعوى الإيجار المقامة من قبل جونسون وغراهام على ملينتوش، أوردها
تشيفيتز، ص 10). ويلاحظ تشيفيتز هنا أنّ "حرفيّة القانون تشوّش الحدود بين
السياسة الأجنبية والمحلية، حيث تُفْصِح عن التمييز الغربيّ الحاسم بين الحيازة
وحق الملكية"، ذلك أنّ "الحيازة" هي ما يمكن للهنود أن يتمتعوا به
بوصفهم "أمّة محلية"، أمّا "حق الملكية" فهو ما يفقدونه
بوصفهم "أمّة أجنبية". ويستنتج تشيفيتز: "في الوثائق القانونية
التي تَرْجَمَتْهُمْ إلى الإنجليزية بصورة لا مفرّ منها، أُجْبِرَ الهنود على أن
ينطقوا بهذه الإنجليزية، إنّما من دون أن تكون لهم حقوق الملكية القانونية الحاسمة
التي تمنحها هذه الإنجليزية إلى الناطقين بها من الأوربيين" (1991: 11). من
الواضح أنّ مشكلة "الترجمة" هذه هي مشكلة قانونية وفلسفية أيضاً: ما هي
الملكية، ومن لديه سلطة تعريفها (المحكمة العليا؟ هل هي المرجع الأخير في هذا الأمر؟)،
ومن هو القادر على إنفاذ سلطتها في تحديد الهويّة؟ فالملكية الخاصة في المجتمع
الغربيّ الحديث ليست مؤشّراً طبقياً وحسب، تجعل الشخص عضواً في "الطبقات
المالكة"، إنها مؤشر أخلاقيّ وكيانيّ أيضاً، ضمانه ل "الجوهر"
الشخصي. وفيلسوف
الملكية الإنجليزي العظيم هو جون لوك، الذي رأى في مقالة ثانية في الحكم (1690)،
وبكلمات تشيفيتز، أنّ "العلامة الحقيقية على الملكية هي التسييج: التحديد، أو
وضع التخوم لمكانٍ ما، بما يشير إلى الاستقرار الواضح فيه أو زراعته" (1991:
55). ويقول لوك نفسه عن قاطني العالم الجديد إنَّ "الهنديّ البريّ... لا يعرف
أيّ تسييج ولا يزال مقيماً في مشاعة" (أورده تشيفيتز 1991: 55)، كما يرى جون
وينثروب، حاكم مستعمرة خليج ماساشوستس، أنّ "السكان المحليين في نيو إنجلند
لا يسيّجون أيّ أرض، ولا يقيمون فيها أيّ مسكن دائم، أو أيّ قطيع داجن يحسّنون به
الأرض، ولذلك فليس لهم في تلك البلاد ما يتعدّى الحقّ الطبيعيّ" (أورده
تشيفيتز 1991: 55). وتتّضح
هذه التعقيدات المفاهيمية المتولّدة عن محاولة "ترجمة" الهنود إلى
"الملكية" ومنها، أشدّ الوضوح في توصيف للهنود قرب فورت جيمس يعود إلى
أوائل القرن السابع عشر؛ يقول تشيفيتز (1991: 55 ــ 56): كما
نعلم؛ فإنَّ هنود جنوب نيو إنجلند كانوا مزارعين. وكما يثبت كرونون، فإنّ
المستعمرين كانوا يعلمون ذلك. غير أنّهم وهم ينظرون إلى هذه الزراعة
"الهمجية"، وإزاء ما وجدوا فيه تناقضاً في الحدود، أمكنهم أن يواصلوا
إنكار ما تأكّد لهم. ففي أيار 1607، مثلاً، وأثناء رحلتهم الأولى إلى نهر جيمس
انطلاقاً من فورت جيمس المأهولة حديثاً، وصلت جماعة من المستعمرين إلى قرية
بوهاتان. وفي وصف هذه الرحلة المنسوب إلى غابرييل آرشر، يعلّق السارد على القرية
قائلاً: "إنّها تقع على تلّ مرتفع يطلّ على الماء، ويفصله عن هذا النهر
سهل... ولذلك فهم يزرعون القمح، والفول، والبازلاء، والتبغ، واليقطين، والقنّب،
والكتّان، ولا يُعملون أيَّ فَنٍّ في الحالة الطبيعية لهذا المكان، الذي يمكن أن
يكون أفضل..." (باربور، 1،85). وهكذا، فإنّ الزراعة التي هي علامة المدنيّ
بوصفه معاكساً للطبيعيّ، تُدْرَكُ وتُنْكَر في آنٍ معاً؛ فالبوهاتان
"يزرع" لكنّ "المكان" لا يُعْمَل فيه "أيّ فنّ"
يفضي إلى تحسينه. و"التحسين"
الذي تطلّع إليه المستعمرون ولم يجدوه هو التسييج، خاصةً ذلك السياج الذي يفصل
ملكية الشخص عن سواه. وحين توّلى الأوربيون ملكية الهنود أو "ترجموها"،
كانت الأسيجة أول الأشياء التي أقاموها: علامات لا على الملكية وحسب بل أيضاً على
الهويّة المحدّدة أو المسيّجة والمستقرّة إذاً. وكما
يلحّ تشيفيتز، فإنّ عملية "ترجمة" الملكية هذه ليست مجرد إيديولوجية
للفتح أو الغزو فقط، بل كذلك وأكثر. إنها أيضاً صدام ثقافات، صدام إيديولوجيات،
ينمّ على الصعوبة الرهيبة التي تتّسم بها الترجمة حتى بالنسبة للمنتصرين، أولئك
الفاتحين الذين لا يريدون احتلال أراضي الآخرين وحسب بل أيضاً تبرير ذلك الاحتلال
لإرضاء أنفسهم. فالمستعمرون ليسوا هنا مجرّد انتهازيين؛ على الرغم من أنهم ينتفعون
انتفاعاً هائلاً من المواجهة مع الهنود، ذلك أنّ هذه المواجهة تبذر فيهم الاضطراب
وترعبهم كما تفعل بالهنود. المركز
والهامش الترجمة
بوصفها نقلاً أو ترحيلاً للمعنى الصحيح إلى مناطق أجنبية أو نزوح بالأحرى (تدعى
الهوامش)؛ الترجمة بوصفها نقلاً للملكية؛ والترجمة بوصفها حركةً تاريخية من
المعرفة والإمبراطورية من الشرق إلى الغرب، مع الشمس. وفي حَلْحَلَةِ شبكة
المفردات المعقّدة هذه، فإنّ تشيفيتز يصرف جُلَّ وقته وطاقته على ترجمة ال proper وال property غير أنَّ ال translatio studii et
impirii أكثر أهمية بكثير ومن نواحٍ عديدة قياساً بمشكلتيّ الترجمة
"البسيطتين" هاتين، ذلك أنّها توفرّ للإمبراطورية التبرير أو التسويغ
الرئيس. فعلى الرغم من أنّ ترجمة الـ proper والـ property تفسّر
كثيراً من المناوشات على الخطوط الأمامية للمواجهة الإمبراطورية؛ إلا أنّ translatio studii et impirii فهي
المعركة ذاتها، أو الساحة التي تُخاض عليها هذه المعركة. وهي تعمل، كما يشير
تشيفيتز عبر حركة مزدوجة من الإدماج والنبذ: كلُّ امرئٍ ينبغي أن يغدو مثلنا على
وجه الدقّة؛ ولأنكم لستم في الأصل مثلنا على وجه الدقّة، فإن عليكم أن تتحوّلوا أو
"تُتَرْجَموا" على صورتنا؛ ونظراً لضرورة هذه الترجمة، واحتمال إخفاقها،
فسوف تبقون إلى الأبد مواطنين من الدرجة الثانية في الإمبراطورية. وكما
بيّن عدد كبير من الباحثين ما بعد الكولونياليين، فإنّ هذه العملية الإمبراطورية
من الإدماج والنبذ عادةً ما تكون مبنيّة على غرار المركز والهامش: فالمركز هو موقع
القوة، المدينة العاصمة للقوة المستعمِرة (لندن، باريس، مدريد)؛ والهامش كلّ ما هو
خارج ذلك المركز. وفي الواقع التاريخيّ الفعليّ لم يكن هنالك مركز واحد ــ وبهذا
المعنى، فإنَّ من المضلّل أن نتكلّم على "المركز" ــ ولذلك فإنَّ الموقع
الجغرافي الفعليّ ل "المحيط" لازال ينزاح ويتبدّل أيضاً. بل إنَّ مصطلح
"ترجمة الإمبراطورية" ذاته يعني، في واقع الأمر، أنَّ المركز ينتقل عبر
القرون من أثينا إلى روما إلى باريس إلى لندن إلى نيويورك، وأنَّ المحيط في أيّ
لحظةٍ تاريخية هو أيّ مناطق قَصِيَّةٍ تتشعّب من هذا المركز. غير أنَّ الـ translatio imperii هي قبل كلّ
شيء محاولة للتعالي بهذه الحركة التاريخية عن طريق النظر إلى كلّ المراكز الناجحة
بوصفها "المركز"؛ أي عن طريق التعامل مع الإمبراطورية على أنّها ظاهرة
مستقرة وكونية على الرغم من كل و"الترجمة"
بهذا المعنى الجيوبوليتيكي الواسع لا تختلف في الواقع ذلك الاختلاف الشاسع عن
"الترجمة" التي نظّر لها التقليد السائد. فمثل التقليد المسيطر في
دراسات الترجمة والذي لا يرى سوى السعي خلف التكافؤ اللغوي ويمكن
القول، في واقع الأمر، إنَّ التقليد الألسني السائد في دراسات الترجمة ليس تقليداً
قمعياً بقدر ما هو براغماتي: فعلى مستوى ال translatio
studii et imperii تغدو
"الترجمة" عمليةً هائلةً، شديدة الضخامة والتعقيد وشديدة الانغماس في
التواريخ الاجتماعية والاقتصادية للثقافات والحضارات التي تستغرق بقاعاً شاسعة في
الزمان والمكان، بحيث يصعب على المرء ألا يرى أنّه إزاء عملية تعميم هائلة. ودراسة
الترجمة من حيث التكافؤ الألسني قد لا تتّسم بالطابع السياسي الذي تتّسم به
المقاربات ما بعد الكولونيالية، لكنها تتّسم بكونها طيّعة سهلة القياد على الأقلّ. غير
أنّ نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية ترى أنّ سهولة القياد هذه لا تكون إلا
مقابل ثمنٍ باهظٍ لا يُطاق: فهي لا تغدو ممكنةً إلا حين نتّفق على تجاهل سياقات
الكلام الفعلية التي تُمارس فيها الترجمة، بما في ذلك ليس المواجهات الكولونيالية
التي يركّز عليها المنظّرون ما بعد الكولونياليين وحسب بل أيضاً سياقات الترجمة
الاجتماعية والمؤسساتية في العالم ما بعد الصناعي الحديث، الوكالات والمترجمون
المستقلون، العمولات والتعليمات، البحث والتحرير؛ أي جميع أوجه الترجمة التي
استكشفها باحثو مدرسة handlung ومدرسة
skopos، مثل جوستا هولز
مانتاري وهانز فيرمير. فالترجمة في سياقاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية
والسياسية المتعددة هي حقلُ دراسةٍ أعقد بما لا يُقاس من التكافؤ اللغوي المجرد
(الذي هو أصلاً من التعقيد بمكان)؛ إلا أنَّ الفرصة التي قد تتاح لنا لفهم كيفية
عمل الترجمة في تلك السياقات، والكيفية التي تشكّل بها الترجمةُ الثقافات عند
حدودها وضمنها، قد توفّر لنا دافعاً قوياً لأن نتقدّم في هذا السبيل على الرغم من
المصاعب التي تكتنفه. نيرانجانا
والاستدعاء البريطاني للهند لعلّه
من غير المدهش، بالنظر إلى الحضور القويّ الذي يتمتّع به الباحثون الهنود في جماعة
الدراسات ما بعد الكولونيالية، أن تكون إحدى أكبر منظّري الترجمة ما بعد
الكولونيالية هندية أيضاً وهذه المنظِّرة هي تيجاسويني نيرانجا، التي استكشفنا في
الفصل الثاني تأملاتها في الإثنو غرافيا والترجمة. هي من بانغالور التابعة لولاية
كارناتاكا، جنوب الهند وتعرف اللغة الكانادية والإنجليزية،و تدرس حالياً
بالإنجليزية في جامعة حيدر آباد في أندرا براديش: أمّا كتابها موقع الترجمة (1992)
فهو أطروحتها التي قدّمتها بالإنجليزية عام 1988 في جامعة كاليفورينا في لوس
أنجلوس، حيث تُظهر فيها مقدار المسافة التي باتت تفصل الدراسات الإنجليزية عن ذلك
الإضفاء التقليدي للطابع المثالي على الأدب الإنجليزي الذي كان قد طُوِّر جزئياً
كقناةٍ لللإمبراطورية: كتب
تشارلز تريفليان عن الكيفية التي يضمن بها مدى نفوذ النخبة المحليّة
"دوام" التغيير الذي أملاه التعليم الغربيّ: إنَّ رعايانا قد انطلقوا في
مسيرة جديدة من الترقي: فهم على وشك أن يتّسموا بطابع جديد يطبعهم. وعامل هذا
التغيّر هو "الأدب الإنجليزيّ"، الذي خلق لدى الناطقين الهنود بلغة الإنجليز
العظماء الحماس ذاته الذي لدى حكامهم: "فقد تعلّموا بالطريقة ذاتها، واهتموا
بالموضوعات ذاتها، وانكّبوا بأنفسهم على المساعي ذاتها، حتى غدوا إنجليزاً أكثر
منهم هنوداً" وراحوا ينظرون إلى البريطانيين على أنّهم "حُماتهم
ومحسنوهم الطبيعيون الذين يغارون منهم " ذلك أن ذروة طموحهم ( أي الهنود) أن
يتشبهوا بنا". (نيرانجانا 1992: 30). هذه
العملية التي تقوم الإنجليزية من خلالها بطبع الهنود "بطابع جديد" هي
الموضوعة التي تتناولها نيرانجانا، خاصةً كما تتجّلى عبر الترجمة؛ أي عبر سلسلةٍ
من الترجمات الإنجليزية للقوانين الهندية والأدب الهنديّ. وهي تعرّف هذه العملية
بأنّها "استدعاء"، المصطلح الذي طوّره لوى ألتوسير بوصفه جزءاً أساسياً
من الاستعمار: فالإنجليزيّ "ينادي" أو "يستدعي" الهنود
بطريقةٍ مزدوجة: بوصفهم أدنى بقدر ما يبقون على ما هم عليه (متمسكين بطرائقهم "المحلية")
وبوصفهم يرتقون بأنفسهم بقدر ما تكون "ذروة طموحهم أن يتشبّهوا بنا".
وهذا ما يعبّر عنه تشارلز تريفليان تعبيراً محكماً إذْ يقول: "إنَّ رعايانا
قد انطلقوا في مسيرة جديدة من الترّقي: فهم على وشك أن يتّسموا بطابع جديد
يطبعهم". إنها عملية تفعيل ذاتي، بما تُحدّثه من تغيير عميق في الشخصيات على
صورة الهيمنة التي تضمن دوام الإمبراطورية في روح الشعب المستعمر. وعلى
سبيل المثال، فإنَّ نيرانجانا تقتفي آثار وليم جونز، المستشرق البريطانيّ الذي
اشتهر بترجماته وقواعده الفارسية قبل فترة طويلة من ذهابه إلى الهند وعمله في
المحكمة العليا في كالكوتا، وواصل ترجمة النصوص الهندية أثناء مكوثه في الهند،
خاصة القوانين السنسكريتية القديمة. غير أنَّ جونز كان مضطراً أثناء ترجمة تلك
القوانين لأن يعتمد على هندوس ومسلمين متعلمين رأى أنهم لا يُعْتَمدَ عليهم
وغالباً ما يكونون متحيّزين؛ وهكذا كان فعل الترجمة أيضاً فعل تصحيح، وإصلاح،
وتنقية للنصوص من عظمة الهند السابقة. وترى نيرانجانا نجاح
هذا "الاستدعاء"، ودوام الإمبراطورية التي تعمل جونز على غرسها في
الهنود عبر ترجماته، واضحان في مقدمة العام 1984 لطبعةٍ هندية من عمله أنجزها موني
باغشي، الذي يحث أبناء جلدته الهنود على "المحافظة على التراث القوميّ
وتأويله بدقّة بالسير في ذلك السبيل الذي خطّه السير وليم جونز" (أوردته
نيرانجانا 1992: 13)، وهكذا إذا التراث القوميّ، بعد قرنين، ذلك التراث الذي
(نقاه) ترجمه جونز إلى الإنجليزية؛ وغدت الدّقة مُعَرَّفةً بأنها السير في السبيل
الذي خطّه المستعمر ومواصلة استدعاء الهند للإنكليزية وبوصفها إنجليزية؛ أي بوصفها
مستعمرة بريطانية سابقة لا تزال تنطق بالإنجليزية وينبغي أن تواصل النظر إلى نفسها
على أنها إنجليزية حقّاً وعلى نحوٍ عميق. وبالطبع،
فإنَّ جزءاً من عملية استدعاء الهنود بوصفهم بريطانيين مزعومين يتمثّل في
استدعائهم أولاً بوصفهم أدنى: حيث يقدّمهم جونز على أنهم مخنّثون "بصورة
طبيعيّة"، مخادعون يحنثون بوعودهم. والحال، كما تلاحظ نيرانجانا، أنَّ
"جونز قد أَمِلَ بجعل هذا الحنث بالعهود أمراً "لا يغتفر" بترسيخه
مرّةَ وإلى الأبد ــ في فعلٍ آخر من الترجمة ــ عن طريقة انتزاع
"الأدلة" من الهنود، وجعلهم عرضةً للعقاب بقوانينهم الخاصة
(المُتَرْجَمة)" وتتكئ
نيرانجانا أيضاً على تقديم وليم وارد لكتابة المؤلف من أربعة أجزاء نظرة إلى تاريخ
الهندوس وأدبهم وأساطيرهم، حيث يشير بالمثل إلى أنَّ ترقيّ الهندوس الذهني
والأخلاقيّ لا يقتصر على كونه "القسمة الرفيعة" التي قُسِمَت للأمة
البريطانية بل يتعدّى ذلك إلى كونه مفتاح الإزدهار في المدى القصير. وينحو (وارد)
باللائمة على واقعة أنَّ الهند لا تقتني من إنجلترا سوى القليل، ويتنبأ قائلاً: ولكن
دعوا هندوستان تتلقى تلك الحضارة الرفيعة التي تحتاجها، تلك الزراعة التي هي قادرة
عليها؛ دعوا الأدب الأوربيّ ينتقل إلى جميع لغاتها، وسوف ترون أنَّ المحيط، من
موانئ بريطانيا إلى الهند، سوف يعجّ بالسفن التجارية؛ ومن وسط الهند سوف تمتد
الثقافة الأخلاقية والعلم فوق آسيا كلها إلى إمبراطورية بورما وسيام، إلى الصين،
بكل ملايينها، وفارس، وحتى إلى شبه الجزيرة العربية. (أوردته نيرانجانا 1992: 21). هذه
هي الضرورة الكولونيالية: "تعليم" الهند و "تحضيرها" بترجمة
الأدب الأوروبيّ إلى لغاتها وترجمة الأدب والقانون الهنديين، كما يلحّ وليم جونز،
إلى الإنجليزية، بزعم أنَّ الهنود بحاجة لهذا الترقيّ (الدافع المثاليّ الذي يقف
وراء ذلك كله)، أما في حقيقة الأمر فالغاية هي ازدهار التجارة البريطانية وانفتاح
الآفاق الواسعة أمامها. "ففي عصر توسّع الرأسمالية"، كما تعلّق نيرانحانا
(1992: 21)، "تساعد الترجمة والتأويل على خلق سوق للبضائع الأوربية".
وأكثر من ذلك، أن الترجمة والتأويل يساعدان المستعمرين البريطانيين على إضفاء طابع
مثاليّ على ما يمارسونه في الهند من العنف. وتبيّن نيرانجانا بإسهاب كيف
يلوي جونز سجاله ويثنيه لكي يبيّن كم هو ضروريّ بالنسبة لبريطانيا، وكم هو مصدر
فخار لمؤسساتها الديمقراطية ألا تسمح بالديمقراطية في الهند: فالهنود، شأن
الآسيويين جميعاً، كما يقول، قد اعتادوا على الاستبداد، ولا تنفع معهم
"الحرية" على النمط الإنجليزي. بل أنَّ جونز وسواه من المدراء الكولونياليين
على قناعة راسخة بأن حكم الهند حكماً استبدادياً، والعمل بعكس التقاليد
الديمقراطية في إنجلترا ذاتها، ينبغي أن يكون من خلال قوانينهم الخاصة، حين تتمّ
"تنقية" تلك القوانين عبر ترجمتها إلى الإنجليزية. هذه
العملية تساعد المستعمرين البريطانيين كثيراً في التعمية على طبيعة حكمهم
الكولونياليّ: فليس البريطانيون من يحكمون الهند، بل الهنود أنفسهم، بشكلٍ منزاحٍ
وبيروقراطيّ من أشكال قوانينهم الخاصة. أمّا البريطانيون فليسوا سوى أدوات إدارية
بيد الحكّام الحقيقيين، المتمثّلين بالمبادئ القانونية الهنديّة. غير أنَّ تلك
المبادئ القانونية لا تشكلّ حكماً فاعلاً، بل لا تُدْرَك على أنّها مبادئ قانونية
أصلاً، إلاّ في ترجمتها الإنجليزية، فتتحول على نحوٍ سحري إلى شبيهٍ بالقانون
البريطانيّ بصورة تبعث على الطمأنينة، هكذا تغدو الترجمة القناة التي يُسْتَدعي
عبرها "القانون الهندي" بوصفه قديماً ومحليّاً وتقليدياً، وبذلك يلقى
بثقله على ظهور الهنود، وفي الوقت ذاته يصير حديثاً وإنجليزياً وعقلانياً، وبذلك
يلقي بثقله على ظهور الهنود مرّة أخرى. ففي الترجمة تتحول النصوص القانونية
والأدبية الهندية على صورة الهيمنة الكولونيالية، وتُجْعَل "إنجليزية"،
وذلك في الوقت الذي تُقْدَّم على أنّها لا تزال هندية في جوهرها، بحيث تتمثَّل
الطريقة المثلى المتاحة أمام الهنود كيما يكونوا "هنوداً" حقّاً ب
"المحافظة على التراث القوميّ وتأويله بدقّة بالسير في ذك السبيل الذي خطّه
السِّر وليم جونز"، كما يقول موني باغشي رفاييل
وهداية الإسبان للتاغالوغ فايسنت
ل. رفاييل، أميركيّ فليبينيّ من التاغالوغ، يعيشس حالياً في الولايات المتحدة،
ويعمل أستاذاً مساعداً لمادة الاتصال في جامعة كاليفورينا، سان دييغو، وهو يوجّه
اهتمامه، في كتابه الإصابة بالكولونيالية: الترجمة والهداية المسيحية في مجتمع
التاغالوغ في ظلّ الحكم الإسبانيّ المبكر (1988)، إلى عمليات الهداية والترجمة
والفتح المتشابكة المتداخلة: الكلمات
الإسبانية conquista (فتح)،
conversion
(هداية)، أمّا
conversion فتعني
حرفيّاً عملية تحويل شيء ما إلى شيء آخر؛ وهي تشير، في استخدامها الأكثر شيوعاً،
إلى عملية استمالة أحد ما إلى ديانةٍ أو ممارسة معينة. وبذلك يمكن للهداية، شأن
الفتح، أن تكون عملية عبور المرء وانتقاله إلى ميدانِ سواه ــ مناطقياً، أو
انفعالياً، أو دينياً، أو ثقافياً ــ وادّعاء أنّ هذا الميدان هو ميدانه الخاص. (1993:
xvii) هكذا
تسير الهداية والفتح جنباً إلى جنب، في التحولات التاريخية التي يستكشفها رفاييل،
أي في هداية التاغالوغ إلى المسيحية في سياق فتح إسبانيا واستعمارها الفليبيين،
فيعملان بالطريقة ذاتها على تحويل "المحليين" (أو استدعائهم، كما تقول
نيرانجانا إلى صورة الحكّام الكولونياليين. وتتمثّل المهمة التي يضطلع بها كتاب
رفاييل في تبيان أنَّ هذا التحول لا يعمل قطّ على نحوٍ كامل وتام، ذلك أنَّ
المستعمَرين لا يكفّون عن مقاومة "التحويل" أو "الاستدعاء"
وإعادة بنائه بطرائق لا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها إلى هذا الحدّ أو ذاك.
ولكن دعونا نترك هذا الجزء من سجال رفاييل إلى الفصل التالي لنركّز هنا على
الكيفية التي يُفْتَرض أن يعمل بها هذا السجال. لقد
غدت الترجمة، كما يشير رفاييل، ذلك الحدّ الأوسط الأساسيّ بين الفتح والهداية،
وذلك بدقّة لأنّ (أ) الفاتحين والمفتوحين يتكلمون لغات مختلفة و(ب) ديانة الفاتحين
لا تفسح المجال أمام الاستغلال الاقتصاديّ البسيط لأجساد المحليين، بل تتطلّب
هدايتهم. ولو كانت العبودية البسيطة كافيةً لإشباع الحاجات الكولونيالية
الإسبانية، لعلّنا ما كنّا بحاجةٍ إلى الترجمة على الإطلاق؛ فمن المؤكد أنّها ما
كانت لتلعب آنئذٍ مثل هذا الدور الأساسيّ الذي لعبته في الاستعمار. لكن واقعة
احتياج الكاثوليكية الإسبانية إلى أن يُسْتَعمَر المحليون بالمعنيين، معنى ال conquista (الفتح) وال conversion (الهداية) ــ أي
احتياجها، بعبارة أخرى، إلى فتحهم جسدياً وروحياً، وإلى أن يغدوا رعايا إسبان ومسيحيين
مهتدين في آنٍ معاً ــ هي التي أعطت الترجمة مكان الصدارة في المشروع الكولونيالي،
بطريقتين على الأقلّ. أولاً،
كان من الواجب ترجمة النصوص المسيحية الأساسية إلى اللغات المحلية الدارجة، بما
فيها لغة التاغالوغ. وهذا ما اقتضى من المبشّرين تعلّم التاغالوغ بما يكفي لأن
يُتَرْجم إليها ويُوْعَظَ بها، كما أدّى إلى وَضْعِ المبشّرين الإسبان معاجم
التاغالوغ وقواعدها، أوما يدعي artes، لكي يستخدمها المبشرون اللاحقون في تعلّم هذه اللغة. وفي هذا
السياق كان أن رُدَّت التاغالوغ أيضاً إلى الأبجدية الرومانية، التي أزاحت الكتابة
المقطعية المحلية تدريجياً (تلك الكتابة التي تمّ تصويرها على أنّها غير عقلانية
ولا يمكن استخدامها من قبل الإنسان). يقول رفاييل: إنَّ
فكرة الإسبان عن الترجمة بوصفها اختزالٌ للدواليل المحلية وتحويلها إلى بنية تمكن
الإحاطة بها بمصطلحات إسبانية هي إسبانية هي فكرة كمنت عند جذر المحاولات الرامية
إلى ترميز الثقافة المحلية. لقد كانت الترجمة عملية تحويل للمجهول إلى معلوم،
وعملية تمييز بين الممارسات المحلية "المشروعة" و"غير المشروعة"،
وأخيراً عملية لجم للدواليل المحلية بغية تعزيز انتشار كلمة الربّ وترسيخ مكاسبها.
(1993: 106) ثانياً:
كان من الواجب "ترجمة التاغالوغ" (أو "هدايتهم") وتحويلهم إلى
مُحاكين للإسبان، الأمر الذي انطوى على شيء من التدريب على اللغة الإسبانية (التي
لم تُلْتَقَط قط فعلياً في الفليبين)، وعلى الهداية إلى المسيحية، وتحويل المؤسسات
الاجتماعية المختلفة إلى الطريقة الإسبانية. فالفعل اللاتينيّ convertere كان يعني في الأصل
"يترجم"، إضافة إلى معانيه الأخرى، وبحسب رفاييل فان واحداً من معاني
الكلم الاسبانية Converere في
القرن الحادي عشر كان لا يزال "يترجم"، تماماً كما احتفظت اللغات
الأوروبية الأخرى حتى الفترة الحديثة بالأفعال التي تعني "يحوّل" كما
تشير بها إلى الترجمة (Turn
بالإنجليزية، wenden
بالألمانية، vanda
بالسويدية، Kaantaa
بالفنلندية، لا تزال الكلمات الوحيدة التي تستخدم بمعنى "يترجم" في هذه
اللغات) واليوم نحن نترجم (ubersetze, traducimos,
translate الخ) النصوص ونهدي البشر؛ وقبل قرن أو
قرنين مضيا كان لا يزال من الشائع تماماً convert(نترجم، نحوّل، نهدى) النصوص؛ وقد بدأ الباحثون ما بعد
الكولونياليين بالإلحاح أيضاً على أهمية ترجمة البشر بالنسبة للمستعمرين، أي
"هدايتهم" أو "ترجمتهم" عبر عمليات الترجمة المتعددة. وبمعنى
ما، فإنَّ هاتين العمليتين ليستا سوى العملية الواحدة ذاتها: فترجمة النصوص
والمصطلحات اللاتينية إلى التاغالوغ تحوّل التاغالوغ وكذلك "تترجم"
و"تهدي" الناطقين بها إلى شيء آخر، إلى شيء أشبه بالمستعمِرين الإسبان.
ومن الإغراءات ما بعد الكولونيالية الشديدة أن يُصَوَّر هذا التحويل إلى أنّه شيء
رديء بالضرورة، وعلى أنّه سقوط من حالةِ نقاءٍ مفقودة إلى الهجنة، أي ذلك الخليط
من الثقافات واللغات الذي صار يُطْلَق عليها اسم الكريولية. هكذا يدفع هذا الإغراء
إلى رؤية أنّ التاغالوغ، قبل الفتح الإسباني، كانوا ينطقون الكلمات التاغالوغية
ويعيشون الحياة التاغالوغية؛ ومع الفتح الإسباني كان أن دُمِّرَت تلك الحالة
الأصلية النقية إلى الأبد. ومن هذا المنظور، فإنَّ ما بعد الكولونيالية تعني على
الدوام تعلّم العيش في حالة من التسوية، والسقوط، والهجنة أي فعل الأشياء على النحو
الأقلّ من الأمثل، لأن الأمثل قد مضى وانقضى إلى الأبد. وتتمثّل
إحدى أكبر فضائل كتاب رفاييل ــ شأن مقاربته ما بعد الكولونيالية عموماً (انظر
رفاييل 1995) ــ في أنّه يقارب هذه القضية مقاربة مختلفة إلى حدٍّ بعيد. فالهجنة
بالنسبة لـه ليست حالة سقوط؛ إنّها أعطية، أعطية تولّد تنوّعاً وإبداعاً هائلين.
ولأنّ رفاييل يحتفي بالهجنة ــ خلائط الثقافة التاغالوغية والإسبانية والأميركية
في المجتمع الفليبينيّ الحديث، على سبيل المثال ــ فإنه يحتفي أيضاً بالترجمة. ويمكننا
القول، بشيءٍ من الإفراط في التبسيط في الواقع، إنَّ المنظّرين ما بعد
الكولونياليين الذين يتوقون إلى الحالة ما قبل الكولونيالية، ويتمنون لو أنّ
بمقدورهم إعادة عقارب الساعة إلى الزمن قبل أن يحطّ المستعمِرون الأجانب رحالهم،
إنّما ينزعون إلى سبِّ الإمبراطورية واعتبار الترجمة أمراً سلبياً على وجه الحصر،
بوصفها أداةً للإمبراطورية وهذا ما يصحّ على تشيفيتز بالتأكيد، كما يصحّ بدرجة
معينة على نيرانجانا أيضاً، على الرغم من مقاومتها هذا الإغراء على طول كتابها،
رافضةً إضفاء طابع مثاليّ على الهند ما قبل البريطانية، وساعيةً وراء تصوّرِ دورٍ
تحويليّ إيجابيّ تلعبه الترجمة. أمّا من جهة أخرى، فإنَّ أولئك المنظّرين ما بعد
الكولونياليين الذين تروق لهم حالة المجتمع ما بعد الكولونيالي الهجينة، وتروق لهم
الخلائط واللخبطات الثقافية المتداخلة، ينزعون لأن يكونوا أقلّ إطلاقاً للأحكام
على الإمبراطورية (دون أن يسعوا قطّ إلى إخفاء عيوبها أو تبرئة ساحتها، بالطبع)
ولأن ينظروا إلى الترجمة على أنّها قناةٌ مرنة وإبداعية رفيعة للتحوّل المتبادل
والذاتي. ولاشكّ أنّ رفاييل واحدٌ من هذا المعسكر الأخير. تراتبية
اللغات يتناول
رفاييل أيضاً تلك الطريقة التي تُرْجِمَت بها العقيدة المسيحية إلى اللغات المحلية
الدارجة: فالمصطلحات
المشحونة بشدة مثل Espiritu Santo, ، و
Dios Jesu - cristo، التي لم يجد لها
الإسبان مرادفات وافية في اللغات المحلية، تمّ الإبقاء عليها بأشكالها غير
المُتَرْجَمة التي تخلّلت تدفّق الخطاب المسيحيّ في اللغة المحلية، ولمصلحة
الهداية، فقد أَوْصَت الترجمة بـ/ وحَرَّمَت في آنٍ معاً اللغةَ التي ينبغي أن
يتلقّى بها المحليّون كلمة الربّ ويعودوا إليها. (1993: 20 ــ 21). وبعبارة
أخرى، فإنَّ التاغالوغية، من وجهة نظر المبشّرين الإسبان، لم تكن
"كافيةً" للقيام بمهمة التعبير عن الحقيقة المسيحية؛ فكلماتها التي
تقابل كلمات الله، والروح، وابن الله هي أبعد عن العقيدة المسيحية من أن تلتقط
جوهر الله، والروح القدس، ويسوع المسيح. ونظراً لهذا "الإخفاق" أو
"الضعف" في التاغالوغية، فقد تمّ الاحتفاظ بهذه المفردات الإسبانية دون
ترجمة، ولذلك فقد نُقِلَت أو ازْدُرِعَت كما هي حرفياً. ونظراً لما تميّز به زرع
الكلمات الإسبانية في التاغالوغية من أثر حتميّ تمثّل بتحوّل التاغالوغية، فإنّ
ترجمة العقيدة المسيحية إلى التاغالوغية قد أَوْصَت بتلك اللغة على أنها اللغة
التي ينبغي على المحليين أن "يتلقّوا بها كلمة الربّ ويعودوا إليها" (ما
اقتضى من المبشِّرين تقديم العقيدة المسيحية في نصوص مكتوبة وشفهية بالتاغالوغية)
وحرّمتها في الوقت ذاته (مؤكّدةً أنَّ "التاغالوغية" التي تلقّى بها
المحليون كلمة الربّ وعادوا إليها ليست التاغالوغية التي كانوا ينطقون بها قبل
مجيء الإسبان). ويبدي
رفاييل اهتماماً كبيراً بتراتبية اللغات التي تترك أثرها البالغ على هذه العملية
بالنسبة للمبشّرين الإسبان: ففي القمة، هناك اللاتينية، لغة الترجمة الشهيرة التي
ترجم بها القديس جيروم الكتاب المقدّس ولغة الجمهور الكاثوليكيّ؛ وفي الوسط، هناك
القشتالية، لغة الإمبراطورية الإسبانية؛ مبعوثي الله على الأرض؛ وفي القعر، هناك
التاغالوغية وسواها من "اللغات المحلية الدارجة"، تحتل المرتبة الأدنى
لأنها ما تزال غارقةً في الوثنية. وقد عنت هذه التراتبية للمبشِّرين الإسبان أنَّ: ـ
اتحاد الترجمة هو إلى الأسفل دوماً، من اللاتينية إلى القشتالية، ومن القشتالية
إلى التاغالوغية، وأنّ: ـ
كلّ لغة مستهدفة هي أضعف حتماً،، وأقل ملاءمة للحقيقة المسيحية، من اللغة التي
تشكّل مصدراً بالنسبة لها، فالقشتالية أقلّ ملاءمةً من اللاتينية، والتاغالوغية
أقل ملاءمة من القشتالية. ويرى
رفاييل أنَّ هذا التراتب يشكّل أساس تصوّر معين لعدم قابلية الترجمة: "إنَّ
استخدام الدال Dios بدل
المقابل التاغالوغيّ bathala يفترض
مسبقاً نوعاً من التوافق التام بين الكلمة الإسبانية ومرجعها المسيحيّ على نحوٍ من
غير المحتمل أن يقع لو استخدمت الكلمة التاغالوغية بدلاً منها" (1993:؛ 29).
وبعبارة أخرى، وبحسب المبشّرين، فإنَّ عدم الملاءمة السابق ذكره هذا لا ينبع من
اختلاف بسيط بين اللغات، كما يمكن أن نفترض اليوم ــ انطلاقاً من واقعة أنَّ أيّ
لغة مستهدفة من التبشير ــ سوف تبدو مفتقرةً إلى هذه الكلمة أو العبارة أو تلك مما
يقابل مفاهيم مهمّة في اللغة المصدر ــ بل تنبع من ابتعاد تاريخيّ وجغرافيّ كبير
عن الله. وكلّما بَعُدَت لغة وثقافة ما عن الله، قلّت قدرتهما على المساهمة فيما
يدعوه رفاييل باسم "التجارة الإلهية"، أي تبادل الصلوات والردود،
والهبات والامتنان بين الله والمؤمنين. ومن هنا كان ينبغي أن تكون غاية الترجمة،
عند المبشّرين الإسبان، أولاً وقبل كلّ شيء تقريب لغات مثل التاغالوغية من الله؛
أي تحويلها إلى لغات أشبه باللاتينية والقشتالية. وكما يقول رفاييل: لقد
تم النظر إلى لغات العالم جميعاً على أنّها ترتبط بـ كلمة الرب، المسيح، بنوع من
العلاقة التابعة. فالمسيح، بتأسيسه الكنيسة في العالم، هو الذي أقام لهذا العالم
مجموعة الدواليل التي مرجعها الخير هو الدالول الإلهيّ. كما أنَّ الدالول ــ الابن
المتميّز هو الذي يجلب معه بدوره غَرَض الأب. ولذلك كان يُعتقد أنَّ انتشار
الدواليل في العالم مشتقّ من هذه التجارة الإلهية بين الأب والابن ومُخَصّص لها.
وقابليةُ لغةٍ ما للترجمة هو مؤشّر دقيق على مساهمتها في نقل كلمة الربّ ونشرها.
(1993: 27, 28). وكانت
النتيجة طرازٌ من الترجمة إلى التاغالوغية تقف فيه القشتالية في مكانٍ ما وراء أو
خلف اللغة المحلية الدارجة "الجديدة" أو "المحولة" أو
"المترجَمة" وتقف الإمبراطورية الإسبانية وراء القشتالية، وتقف
اللاتينية وراء الإمبراطورية الإسبانية، وتقف الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وراء
اللاتينية، ويقف الربّ وراء الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. الاعتراف يتفحّص
رفاييل عدداً من المجالات التي وقعت فيها هذه "الهداية" أو
"الترجمة" أو "إعادة بناء السياق" الإسبانية للتاغالوغية،
خاصةً التحوِّل الذي اعترى كلاً من: ـ
ترتيبات عيش التاغالوغ: فنظراً لتصوّر الإسبان أن التشتّت الذي يعيش فيه التاغالوغ
لا يساعد على الهداية الحقّة وعيش حياة منظّمة (تحت أنظار المبشّرين المدقّقة)،
كان لابدَّ من نقلهم إلى المدن وتسجيل أسمائهم وأماكن إقامتهم؛ ـ
التراتبيات الاجتماعية لدى التاغالوغ: فبنى القوة المهلهلة، المتقلّبة في مجتمع
التاغالوغ، والقائمة على الشعبيّة والكاريزما وليس على أيّ إجراءات سلالية أو
انتخابية ثابتة، تمّت إزاحتها بالتدريج واستُبْدِلت بها بنى صارمة مألوفة لدى
الإسبان، كما تمّ استيعابها في تراتبيات العمل والتميّز الكولونياليين؛ ـ
معايير العلاقات الاجتماعية التاغالوغية القائمة على المديونية (vatang na loob وhiya)، تلك المعايير الغريبة عن الفكر
الأوروبيّ، تمّ استيعابها في التصورات المسيحية عن الإثم والعقاب، والهبة
والامتنان. غير
أنَّ المجال الأشدّ إثارةً للاهتمام بين مجالات التحول من وجهة نظر الترجمة بوصفها
قناةً للإمبراطورية، ربما يكون نظام الاعتراف الكنسي، حيث ينبغي على المهتدين أن
يعيدوا صياغة ماضيهم في سَرْدٍ عن الخطيئة والتوبة. ويلاحظ رفاييل أنَّ هذه
العملية "تفترض أنَّ النادم ينطوي على ذاتٍ واحدةٍ بل على اثنتين: إحداهما
تلك التي تحمل علامات ماضٍ غير مستقصىً ولا يمكن فكّ مغاليقها والأخرى تلك التي
تعيد ترتيب هذه العلاقات وتقرؤها"1993: 100). ففي الاعتراف،
"يُتَرْجَم" الناطق بالتاغالوغية أو "يُهْدى" ويُحَوَّل إلى
نادمٍ مسيحيٍّ، ما يعني ترجمته إلى تجسيدٍ للكولونيالية: حيث "النصف
الأفضل"، الذات التي تقرأ وتنطق، الذات المسيحية، تمثّل المستعمِر،
و"النصف الأسوأ"، الذات التي يُقْرَأ ويُنْطَق لها، النصف "المحليّ"
أو "الوثنيّ" أو "الهمجيّ"، يمثّل المستعمَر. ولذلك، فإنَّ
الهداية الناجحة لابدَّ أن تعنى إزاحة المواجهة الكولونيالية من العالم الخارجيّ،
حيث يقسر المستعمِر المستعمَر على الرضوخ عبر القوة الخارجية، إلى مكانٍ داخل
جسد/عقل المستعمرَ، حيث يعمل صوتُ السيادة الكولونيالية التي تمَّ إدخاله على قسر
الذات "المحلية" العنيدة أو المقاومة على الرضوخ لأشكال مختلفة من ضبط
الذات. وحيث
تنجح هذه العملية، تنجح الكولونيالية؛ وهذه بالطبع، عملية الاستدعاء التي ناقشتها
نيرانجانا. وكما كتب تشارلز تريفليان: "إن رعايانا قد انطلقوا في مسيرة جديدة
من الرقيّ: فهم على وشك أن يتّسموا بطابع جديد يطبعهم". وكما يلاحظ رفاييل،
فإنَّ ذلك "الطابع الجديد" هو طابع منشطر نوعياً، يعكس في الداخل ذلك
الصدام بين المستعمِر والمستعمَر، وبذلك يعمل على نشر إمكانية العنف الكولونيالية
بنقله إياها إلى الداخل، "مترجماً" إيّاها مما هو بين الأشخاص إلى ما هو
داخل الشخصية.
([1]) نظرية قديمة ترى أنّ كلاً من المعرفة والسيطرة الكولونيالية على العالم تنزعان إلى اتّخاذ وجهةٍ غربيةٍ، من الصين إلى مصر إلى روما، ولاحقاً من روما إلى أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة,. وبحسب هذه النظرية، فإنه كلما سقطت إمبراطورية، نزع سقوطها وخلافتها لأن يكونا على أيدي أمّة تقع إلى الغرب منها؛ وكلما تمَّ تبني معارف ثقافة ما وأُضيفت التحسينات عليها، نزعت الثقافة التي تضيف هذه التحسينات لأن تقع إلى الغرب من سابقتها. وهذا يعني، بعبارةٍ أخرى، أنّ هنالك نوعاً من القَدر الشمسيّ يسيطر على التاريخ الإنسانيّ: فكل ما هو مهمّ في التجربة البشرية، وفي القوة الثقافية والسياسية، يتحرّك مع الشمس من الشرق إلى الغرب. |