|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من الأدب المقارن إلى دراسات الترجمة ـــ سوزان باسنيت ـ ت.د.فؤاد عبد المطلب تشير الفصول الافتتاحية لهذا الكتاب إلى أن مصطلح "الأدب المقارن" قد تناقصت أهميته في السنوات الأخيرة على الرغم من أنها ناقشت أيضاً أن الممارسة النقدية لا تزال حيّة وحسنة، وتزدهر تحت تسميات أخرى. بالمقابل، تكتسب الدراسات الترجمية على أية حال أرضية واسعة، ومنذ نهاية السبعينات أصبح يُنظر إليها على أنها حقل معرفي قائم في ذاته، مع "روابط" مهنية وصحف وقوائم الناشرين وعدد متزايد من الأطروحات لنيل شهادة الدكتوراه في موضوعاته. وقد تكون العلاقة بين الأدب المقارن ودراسة الترجمة معقدة وإشكالية. وقد مالت الترجمة ليُنظر إليها على أنها حقل قريب هزيل، ونشاط يتضمن قليلاً من الموهبة والإبداع وشيء يمكن أن يُنفذ عن طريق كُتّاب مدربين مُستأجرين يتسلمون مكافأتهم المادّية عند انتهاء العمل. إن رؤية هيلير بيلوك Hilaire Belloc في محاضرته التايلورية التي ألقاها عام 1931 تختصر الموقف الذي ما يزال يدعو للأسف كلياً ويمكن تمييزه جيداً في بعض البلدان: إن فن الترجمة هو فن ثانوي وفرعي، ولهذا السبب لن يُمنح أبداً احترام العمل الأصلي، وقد عانى كثيراً من إطلاق الحكم العام على الآداب. وأصبح هذا التقليل الطبيعي من قيمته لـه تأثير عملي سيئ أدّى إلى تدني المستوى المطلوب، وفي بعض الفترات التاريخية غالباً ما دُمِّرَ هذا الفن كلّياً. وأضاف سوء الفهم لطبيعة الترجمة إلى الحط من شأنها: إذ لم يكن هناك فهم لأهميتها ولا حتى لصعوبتها(1). كانت محاضرة بيلوك مثيرة للجدل، حيث أراد أن يُذكر مستمعيه بصعوبة عملية الترجمة كنظرة لرفع حالتها المنحطة. ومن أجل ذلك الهدف بالغ في القضايا، لأنه ببساطة ليس صحيحاً أن الترجمة لم تُعط "احترام العمل الأصلي". كان بيلوك يشير إلى أنها قد تطورت تدريجياً، من القرن السابع عشر تباعاً. وبالتأكيد خلال القرن التاسع عشر عُدَّ وضع الترجمة عموماً أدنى من "العمل الأصلي"، ومال أصحاب النظريات في الأدب المقارن إلى التأكيد على القراءة في اللغات الأصلية، وذلك في أثناء اعترافهم بالدور الذي تقوم به الترجمة في عملهم. وجاءت دراسات الأدب المقارن بصورة متزايدة لتحيل الترجمة إلى فصل واحد أو قسم فرعي من فصل غالباً ما يوضع مع مصطلحات مثل "الاقتباس" “adaptation” أو "المحاكاة" “imitatiom” ولتوحي ضمنياً بوجود نصوص ذات طبيعة أكثر اشتقاقية وثانوية. وقفت الدراسات المقارنة الثنائية بثبات ضد فكرة الترجمة. فعلى الأديب المقارن الجيد، بالنسبة للنموذج الثنائي، أن يقرأ النصوص الأصلية في اللغات الأصلية، لأنه شكل متفوق بصورة غير محدودة من القراءة أكثر من أي ترجمة معقدة. إن النموذج الأمريكي الشمالي الذي يُبنى على أفكار من القيم العالمية في النصوص الأدبية، تجاهل ببساطة قضية الترجمة كلياً، فعمليات نقل نص من سياق كلام إلى آخر لم يكن يُعتبر موضوعاً مفيداً للدراسة أو يُنظر إليه على أنه مجال للاستكشاف بوساطة اللغويين إلى حد ما أكثر من الأدباء. وتقدست المكانة المتدنية للترجمة بطرق أخرى: ففي الممارسة التحريرية التي تحيل الترجمات إلى فئة منفصلة وغالباً ما تُهمش ضمن فئات مثل "آثار الصبا الأدبية" “juvenilia” في طبعات لأعمال كاتب ما، وفي التعويضات البسيطة التي تُمنح للمترجمين، وفي النظر إلى رتبة الترجمات التي تقل عن رتبة الأعمال النقدية عندما تُحدد معايير الترقية الأكاديمية. وبدأت مجموعة من الباحثين في السبعينات تبرز من خلال تقديم منظور مختلف لدراسة الترجمة. قاد هذه المجموعة في البداية إيتامار إيفان زوهار عندما اقترحت المجموعة تعريف هدف "دراسات الترجمة". وفي بحث عنوانه "نظرية الترجمة اليوم" بدأ إيفان زوهار باختصار الأفكار السائدة في حقل الترجمة، وقبل متابعة اقتراح طريقة نظامية عليها أن تمر عبر خليط كبير من الأفكار المبهمة حول عملية الترجمة: كم مرة عانينا بسبب الصيغ المبتذلة لغير المطلعين، من القدامى والمحدثين، القائلة إن الترجمة ليست معادلة للأصل وإن اللغات تختلف من واحدة إلى أخرى، وإن الثقافة تتدخل أيضاً في إجراءات الترجمة، وإنه عندما تكون ترجمة ما "مطابقة" فإنها تميل لتكون "حرفية" وهنا تفقد "روح" الأصل، وإن "معنى" نص ما يعني كلا "المضمون" و"الأسلوب" وهلم جرّا. هذا مع عدم ذكر مثل تلك الطرائق التي تبرز فيها نماذج إما ظاهرية أو ضمنية، أي حيث يتم إعلامنا كيف ينبغي أن تبدو الترجمات أو كيف يجب فهمها حسب معيار تقويمي أو آخر(2). إن الكلمات التي يؤكدها إيفان زوهار هي بالطبع جزء من خطاب يُعطي الأولوية للأصل ويعتبر الترجمة نسخة متدنية لـه، كما أن شيئاً ما يفقد مقوّماً حيوياً موجوداً فقط في ذلك النص الأصلي. ويلفت زوهار الانتباه إلى عدم كفاية مصطلحات كهذه ويستهزئ أيضاً بأولئك النقاد الذين يدعوهم "غير مطلعين، من القدامى أو المحدثين" الذين يديمون التفكير عبر تلك الطرق. وما يعرضه هذا البحث، كما يفعل الجزء المتبقي من عمله في الترجمة، هو نشر موقف انفصامي ثنائي غريب من قبل العالم الأدبي حيال الترجمة. في عصر اقترح فيه بورغيس أن مفهوم النص النهائي ينتمي فقط إلى الدين أو الإرهاق، وأظهر فيه نقاد ما بعد البنيوية مغالطة الاعتقاد في قراءة مفردة وحاسمة، تابع خطاب الترجمة في التحدث عن "الأصول" و"الدقة" واستمر في الاستفادة من مصطلحات سلبية. والترجمة، حسب هذا الاقتراح، "تخون" و"تشوه" و"تقلّل" و"تفقد" أجزاء من النص الأصلي، وهي "اشتقاقية" و"ثانوية" و"آلية"، ويضيع الشعر في الترجمة لأن بعض الكتّاب غير قابلين للترجمة. إن فكرة الترجمة كخيانة للنص الأصلي شائعة بصورة خاصة. وتلفت لوري شامبرلين Lori Chamberlain الأنظار إلى تجنيس المصطلحات، وهي واحدة من الأعداد المتزايدة من الباحثات في الترجمة النسوية، وتشير إلى أن ذلك يبدو: ربما الأكثر انتشاراً من خلال العبارة الفرنسية "الخائنات الجميلات" “Les belles infideles” مثل النساء، كما يجري القول المأثور، الترجمات إما أن تكون جميلة أو مخلصة. وتصبح هذه العبارات ممكنة بكل من القافية الموجودة في العبارة الفرنسية و بحقيقة أن "الترجمة" “traduction” هي كلمة مؤنثة، الأمر الذي يجعل "الخائنات الجميلات" قضية مستحيلة. فاستمرار استخدام العبارة لوقت طويل ــ حيث تمت صياغتها في القرن السابع عشر ــ يُعزى لأكثر من تشابه صوتي؛ وما يعطيها مظهر الحقيقة استحواذها على اشتراك ثقافي بين قضايا الإخلاص في الترجمة وفي الزواج. فبالنسبة "للخائنات الجميلات"، يتحدد الإخلاص كعقد ضمني بين الترجمة "كامرأة" والنص الأصلي، (كزوج، أو أب، أو كاتب). فعلى أية حال، المعيار المزدوج المُخزي هنا كما هو عليه في الزيجات التقليدية: الزوجة الخائنة/ الترجمة تُحاكم جهاراً بسبب جرائم الزوج/ النص الأصلي غير القادر عن طريق القانون على ارتكابها. ويجعل هذا العقد، باختصار، الأمر مستحيلاً بالنسبة للنص الأصلي أن يُدان بعدم الإخلاص. يخدع موقف كهذا الهم الحقيقي حول مشكلة الأبوة والترجمة؛ فهو يحاكي نظام القرابة الأبوية حيث تكون الأبوة، وليس الأمومة، هي التي تمنح الشرعية لذريّة ما.(3) تبرز لوري شامبرلين نقطة مهمة هنا، تؤكد الاشتراك الثقافي بين الإخلاص في الترجمة وفي الزواج: ليس صدفة وجود عدد كبير من باحثات الترجمة النسوية مثلي ومثل باربارا جونسون وباربارا غودار وشيري سيمون وآني بريسيت سوزان دي لوتبينيير ــ هارود حيث بدأن جميعهن باستخدام استعارات "الخيانة" “infidelity” أو عقد الزواج البديل في كتاباتهن عن الترجمة في الثمانينات لأن جميعهن يهتم بإعادة التفكير بالنظرة المتعلقة بالترجمة والتي تضع النص الأصلي في منزلة أسمى من التي يخلقها النص المُبدَع من أجل جمهور مستقبل جديد. إن التحدي الذي يواجه النص الأصلي مثل تحدي القانون أو الفكرة القائلة بوجود قراءة صحيحة وحيدة هو بوضوح جزء من استراتيجية ما بعد الحداثة الواسعة المدى. وبدلاً من القراءة "للحقيقة" نقرأ الآن كمحللين للرموز. وقد اقترحت باربارا جونسون أن نشاط القراءة كله وإعادة القراءة يُظهر دوماً فجوات وشكوكاً أكثر: عن طريق إعادة قراءة نصوص الكتّاب والفلاسفة التي أحدثت أثراً كبيراً في التاريخ الغربي، قد يكون محتملاً أن نفهم حجم الكبت، والحذف، والتناقضات، والهفوات اللغوية التي أثّرت بدون أن يلحظ وجودها أحد، والتي تقطع كل يقين بأن تلك النصوص تؤيده فيما يبدو.(4) إن السبيل الذي بدأت فيه دراسات الترجمة تزيد هجومها ضد سيطرة النص الأصلي والحالة الناتجة عن وضع الترجمة في موقع أدنى، كان بصورة أولية من خلال عمل إيفان زوهار وزملائه، والأكثر تميزاً بينهم غديون توري Gideon Toury، فيما يتعلق بنظرية النظم المتعددة. ولأن إيفان زوهار ذهب بعيداً أكثر من مجرد مهاجمة غموض اللغة المحيطة بقضية الترجمة. وقد لاحظ أنه على الرغم من أن الترجمة تقوم بدور رئيس في تطور الثقافات الوطنية، فهذه الحقيقة تمَّ على الأغلب تجاهلها من قبل مؤرخي الثقافة، ولم يكن هناك عملياً بحث البتّة حول وظيفة الأدب المتَرجَم ضمن نظام أدبي. وتمَّ فهم عصر النهضة مثلاً بأنه عصر نشاط ترجمي مكثف، ومع ذلك لم يحدث أن جرى أي تحديد منسق لِما تُرجِم، ولماذا، وممن وكيف. كانت التضمينات الجذرية لنظرة زوهار المتعددة النظم للترجمة واضحة بصورة مباشرة. فقد أمكن الآن طرح جميع أنواع الأسئلة التي كانت تبدو سابقاً غير ذات أهمية: لماذا تقوم بعض الثقافات بالترجمة أكثر وبعضها أقل؟ وما نوع النصوص التي تُترجم؟ وما هي مكانة تلك النصوص في نظام لغة الهدف وكيف تُقارن مكانة النصوص في نظام لغة المصدر؟ وماذا نعرف عن تقاليد الترجمة ومعاييرها في لحظات معيّنة، وكيف نُقوِّم الترجمة كقوة مُبتَكرِة؟ وما هي العلاقات في التاريخ الأدبي بين نشاط الترجمة المُكثّف وإنتاج النصوص التي تُعد جزءاً من الأدب المُعترف به؟ وما هو تصور المترجمين لأعمالهم وكيف يتم التعبير عن تلك الصور مجازاً؟ إن هذه الأسئلة وتساؤلات أخرى لا تُحصى تشهد تقدماً عظيماً في فهم الترجمة الذي تشهد بأنه أكثر من نشاط ثانوي وهامشي، بل استطاعت الترجمة أن تصبح قوة أوّلية مؤثرة ضمن التاريخ الأدبي. وفي مقالة كُتِبت عام 1976، يناقش إيفان زوهار أن ظروفاً معينة تحدد النشاط الترجمي ومكانته الراقية في ثقافة ما. ويُحدَد هذا في ثلاث حالات رئيسة: عندما يكون أدب ما في مرحلة مُبكرة من التطور، وعندما يُدرك أدب ما نفسه بأنه هامشي أو ضعيف أو كلاهما، وعندما يكون هناك نقاط تحول أو أزمات أو فراغات أدبية(5). وقد تبنّت أعمال لاحقة هذه الأفكار وتطوراتها من خلال دراسة حالات معيّنة. لذلك، فمثلاً تُناقِش ماريا تيموكزو Maria Tymoczko أن الترجمة قامت بدور رئيس في التحول للقرن الثاني عشر من الملحمة إلى قصص الرومانسية: يشير القرن الثاني عشر إلى واحدة من التحولات الهامّة والعظيمة في الثقافة الغربية: وهي الانتقال من الملحمة إلى الحكايا الرومانسية، وهذا التحول هو تحول في فن الشعر بالطبع؛ إنه يمثل الانتقال من قصة البطل التقليدي الشفاهية إلى الأدب المكتوب الذي أبدعه كاتب بمفرده. ويتضمن هذا التحول تغيرات في معظم العناصر الأدبية مثل النوع الأدبي ودراسة صورة الشخصيات بالإضافة إلى التغيرات الشكلية مثل تطور الأوزان الشعرية الجديدة والأدوات البلاغية وما شابهها. هذا الانتقال إيديولوجي أيضاً. إذ إنه يتضمن التحول من أخلاقيات المحارب إلى تقاليد اللطف والاحتفالية الخاصة بالحب الرومانتيكي. وتقترح تيموكزو أن الترجمة قامت بدور أساسي في هذا التحول، وتشير إلى أن عناصر القصص الرومانسي يمكن تتبعها في ترجمات سابقة، وأن الرومانسية نفسها نشأت من سياق متعدد الثقافات. وليس فقط بالتركيز على الفن الشعري ولكن أيضاً على أدوات الإنتاج، أي بتتبع الحركة التدريجية نحو أعمال مبدعة مكتوبة من كاتب معين لراعٍ مُسمى. إن حالة الحركة من الملحمة إلى القصة الرومانسية خلال الفترة التي أسست للّغات العاميّة عبر أوروبا بوصفها لغات أدبية تتفق مع فرضيات إيفان زوهار أن نشاط الترجمة يكون عالياً عندما تكون الآداب في مرحلة مُبكرة من التطور. وتقدم الإحصاءات المعاصرة التي نجمعها عن النصوص المترجمة من قوائم الناشرين مثالاً جيداً للفرضية القائلة إن الأنظمة الأدبية "الهامشية" تولي الترجمة اهتماماً كبيراً على عكس الأنظمة الأدبية التي تعتبر نفسها أنظمة "كبرى"، فنسبة الأعمال المترجمة إلى الإنكليزية، مثلاً تتباين بحدة مع نسبة الأعمال المترجمة المنشورة في اللغة السويدية أو البولندية أو الإيطالية، ومن الواضح أنّ لذلك علاقة بأنساق التقاليد التي أصبحت راسية القواعد بسرعة، كما أنّ لـه علاقة بالاكتفاء الذاتي التكنولوجي الذي يتميز به العالم الناطق بالإنكليزية بوصفه كلاّ مع ظهور اللغة الإنكليزية منذ الحرب العالمية الثانية لغة عالمية، وعلى الرغم من هذا فإنّ الأرقام التي يستشهد بها لورانس فينوتي Lawrence Venuti عام 1992 تظهر بعض التباينات المروعة فالأرقام التي يذكرها عن إيطاليا في الثمانينات توضح أنّ 26 بالمائة من الكتب المنشورة سنوياً هي أعمال مترجمة معظمها من الإنكليزية، بزيادة قدرها 50 بالمائة أو 70 بالمائة أو حتى 90 بالمائة بالنسبة لما ينشره ناشر واحد في مجال الترجمة الأدبية، وعلى نحو مناقض حاد من ذلك كانت الترجمات تصل في الفترة بين الأعوام 1984 و 1990 إلى 3.5 بالمائة من الكتب المنشورة سنوياً في الولايات المتحدة، أو يتناقص هذا المعدل إلى 2.5 بالمائة بالنسبة لبريطانية(7). ويمكن ربط التدهور المتواصل في فاعلية الترجمة خلال القرن التاسع عشر في الوقت الذي كانت فيه بريطانية قوة استعمارية بالتغيرات التي حدثت في تقدير الذات وبالاعتقاد الثابت في التفوق الأكيد للنظام الأدبي الإنكليزي. وتقدم لنا النهضة التشيكية في أوائل القرن التاسع عشر مثالاً للأدب القومي المتنامي الذي يسعى إلى توسيع مجال نماذجه الأدبية عن طريق الترجمة. ولقد درس الباحث التشيكي فلاديمير ماكورا Vladimir Macura الدور الذي قامت به الترجمة في حركة الإحياء التشيكية، وأشار إلى أهمية الترجمة بوصفها سياسة ثقافية معلنة: لم يكن ينظر إلى الترجمة بوصفها استسلاماً سلبياً لدوافع ثقافية آتية من الخارج، بل على العكس كانت تعد فعلاً إيجابياً، بل ربما عدوانياً، استيلاءً على قيم ثقافية أجنبية... كما نُظر إلى الترجمة بوصفها غزواً لأراضي أعداء، غزواً يتم بهدف الاستحواذ على غنائم الحروب وثرواتها. وفي المقدمة التي كتبها جان إفانجيليستا بوركين Jan Evangelista Purkeyne ــ وهو الكاتب التشيكي الذي أصبح بعد ذلك عالماً فيزيولوجياً ذا شهرة عالمية ــ حول ترجمات لشيلر حاول تفسير الترجمة بأنها رد فعل مباشر ضد التأثير المدمر للثقافات الأجنبية، وكعمل انتقامي فعلي لكل ما عانى منه العالم السلافي من تدمير في الماضي: "لماذا كان الألمان والإيطاليون والمجريون (لكي يوقعوا الضرر بالسلافيين) قد حاولوا سلب الشعور القومي من أناسنا العاديين وطبقاتنا العليا، فلنستخدم نحن وسيلة أكثر نبلاً في الرد، وذلك عن طريق امتلاك كل ما هو متميز كانوا قد أبدعوه في عالم الفكر". (8) ويستمر ماكورا بإضافة اقتراح أن فعل المصادرة هذا كان على درجة كبيرة من الأهمية في حركة الإحياء التشيكية بحيث أنه حدد النصوص المنتقاة للترجمة. ويعيد تفسير موضوع ترجمة يونغمان (للفردوس المفقود) والتي تحاور حولها النقاد على مدى عقود من الزمن، ويناقش أن هذه الترجمة كانت محاولة واعية لجلب نص يمثل مزيجاً لثقافات مختلفة (مسيحية ويهودية ووثنية) تتحد في ملحمة للثقافة الإنسانية، وإدخاله في نظام أدبي حديث الظهور، ولهذا فلقد كان لعمل ميلتون الأدبي وظيفة رمزية أيضاً بوصفه وسيلة للتأكيد على عالمية الأصول السلافية الشاملة. إن هذا النوع من البحث، الذي ينطوي غالباً على مراجعات جذرية للتاريخ الثقافي والأدبي، أصبح ممكناً بسبب التقدم الذي أحرزته دراسات الترجمة وبخاصة نظرية الأنظمة المتعددة. ولقد حاول الباحثان البلجيكيان جوزيه لامبير Jose Lambert وريك فان غورب Rik Van Gorp في مقال عام 1985 أن يلخصا الإمكانات التي يتيحها هذا المنهج. ثم يقوما بتعداد بعض مجالات البحث التي يمكن تطويرها والتي تشمل تحليلاً تفصيلياً لكل من النصوص ووسائل إنتاج هذه النصوص. ويقترحان أن المجالات المهمة في هذا البحث تتضمن دراسة المفردات، والأسلوب، والتقاليد، الشعرية والبلاغية لكل من نظام المصدر ونظام الهدف، وتحليل الطريقة التي يتم بها التعبير عن الترجمة (أي إذا ما قدمت على شكل ترجمة أو "اقتباس أو "محاكاة" أو حتى أصل) في نظام الهدف، ودورها ومكانتها في هذا النظام، وتتبع تاريخ نظرية الترجمة والنقد في آداب معينة إبان عصور معينة، ودراسة ظهور مجموعات المترجمين أو مدارسهم وأهمية ذلك، واقتفاء آثار دور الترجمات في تطوير نظام أدبي ما، بهدف التوصل إلى حقيقة إذا ما كانت الترجمة تقوم بدور محافظ أو إبداعي وغير ذلك. ويلاحظ لامبير وفان جورب أن "أهم ميزة لهذا النظام أنه يساعدنا على أن نتخطى عدداً من الأفكار التقليدية الثابتة حول "الإخلاص" في الترجمة أو حتى "الجودة" وهي أفكار ترتبط بنص المصدر و تفرض حتمياً معاييرها الخاصة".(9) لقد نُشر مقال لامبير وفان غورب عام 1985 ضمن مجموعة من الأبحاث التي حررها ثيو هيرمانز Theo Hermans تحت عنوان (التعامل مع الأدب). لقد كان ظهور هذه المجموعة علامة لمرحلة جديدة من تطور دراسات الترجمة، ذلك أن اهتمام الكتّاب انصبَّ على فكرة الترجمة ليس بوصفها قوّة مؤثرة في الأدب فحسب ولكن باعتبارها استراتيجية أولية للتعامل مع النص. وكانت نظرية الأنظمة المتعددة في مرحلتها الأولى تركز بالضرورة على نظام الهدف، وكان هذا أساساً مبدئياً لدحض الفكرة القديمة القائلة بأهمية النص الأصلي والمكانة الثانوية لنشاط الترجمة، ولكن في منتصف الثمانينيات تحولت المرحلة الأولى "التبشيرية" مع الأبحاث المستندة إلى نظرية الأنظمة المتعددة، إلى شيء آخر. وفي الواقع، يمكننا الآن أن نتحدث عن ثلاث مراحل، واضحة في تطور دراسات الترجمة، أول لمرحلة منها ـــ وفيها بدا تأثير نظرية الأنظمة المتعددة واضحاً ــ كانت تحتوي على سلسلة من التحديات المباشرة للخطاب المؤسس للترجمة. فمن ناحية كانت تحديات للأبحاث اللغوية التي تتجاهل السياق تجاهلاً تامّاً، ومن ناحية أخرى كانت هناك تحديات للأبحاث التقويمية غير النظامية في الدراسات الأدبية. ومن أهم سمات هذه المرحلة الحوارات التي كانت تُثار بحدّة حول نظرية تكافؤ الأنظمة. إن الفكرة التقليدية للترجمة ــ وهي الفكرة التي يقوم عليها القاموس الثنائي اللغة ــ تعني أن الترجمة بين اللغات ممكنة بسبب وجود مسبق لتعادل فكري بين الأنظمة اللغوية، وعلى الرغم من الفرضية التي قدمها كل من سابير وروف Sapir – Whorf والتي تحاجج: إنه لا توجد لغتان متشابهتان بصورة كافية كي نعتبرهما ممثلتين لنص الواقع الاجتماعي نفسه، إن العوالم التي تعيش فيها المجتمعات المختلفة هي عوالم متميزة، وليست مجرد عالم واحد توضع فوقه لافتات مختلفة(10). إن أجيالاً عديدة من المترجمين كانت تتوق للاعتقاد بوجود هذا التعادل بين اللغات وحاولت تحديد هذا التعادل من خلال المماثلة، مع الدفاع أحياناً أنه بالإمكان تفسير المماثلة بطرق شتى وأنها قابلة للنقاش، ولكنها ممكنة على أية حال. إن المشكلة الواضحة التي تكمن في نظرية التكافؤ بمفهوم اعتبارها تماثلاً أنها تُنكر وجود علاقات هرمية بين نصوص وثقافات نظام المصدر والهدف، وتفترض أن الترجمة تحدث على محور شاقولي بين أنظمة ذات أوضاع متطابقة، وعلى العكس من ذلك فإن نظرية الأنظمة المتعددة تُجادل بأن الأنظمة لا تتوضع على نحو متطابق وأن الأفكار الخاصة بتفوق أو انحدار نص ما أو نظام أدبي ما لها تأثير دائم ومستمر. وقد تحركت المرحلة الثانية لدراسات الترجمة متجاوزة مرحلة التحدي للخطابات السابقة، وكانت مهتمة أساساً برسم خريطة للموضوع، وذلك عن طريق تتبع الأشكال التي اتخذها نشاط الترجمة في أوقات معينة من الزمن. كما كان التوكيد في هذه المرحلة ما يزال في معظمه يرتكز على نظام الهدف (المُتَرجم إليه)، ولكن الكثير من الأبحاث التاريخية المهمة بدأت بالظهور في هذا المجال. ومن التطورات المهمة في المرحلة الثانية والتي تشير إلى تحرك واضح بعيداً عن الأصول البنيوية الظاهرة لنظرية الأنظمة المتعددة والتي تشكل خطوة على طريق دراسات الترجمة ما بعد البنيوية، كانت الأبحاث التي أُجريت على اللغة المجازية التي يستخدمها المترجمون بدلالة ما كتبوه من مقدمات ومراسلات وتصريحات عن أعمالهم بصفة عامّة. ويتضمن كتاب (التعامل مع الأدب) أيضاً مقالاً طليعياً كتبه ثيو هيرمانز عن مترجمي عصر النهضة الذين استخدموا الهولندية والإنكليزية والفرنسية، وفيه يُصنف المجازات التي استخدموها في وصف عملهم كما يُظهر أنساقاً واضحة من الفكر(11). ويوضح هيرمانز كيف أن عناقيد المجازات التي استخدمها المترجمون تعكس وجهات نظرهم حول دور الترجمة ومكانتها في عصرهم. وتشمل المجازات المتوقعة في مجال البلاغة بصفة عامّة على تعبيرات مثل "إتّباع الخطى" أو "تغيير الملابس" أو "اكتشاف كنز أو تحول خيميائي (تحول المعادن الخسيسة إلى ذهب)، وهذه المجازات تُظهر أيضاً درجة من الغموض أمام نص لغة المصدر (المُتَرجم منه)، وذلك لأن مكانة النص في نظام المصدر مهمة في تحديد موقف المترجم وأساليبه بالإضافة إلى حق الثقافة الهدف المُتَرجم إليها في امتلاكه. ويكشف تتبع عناقيد المجازات المستخدمة في لحظة معيّنة من الزمن المواقف السائدة حيال نشاط الترجمة، ففي العصر الذي اتسم بنمو تجارة العبيد وبتحول في نظرة الدول الأوروبية إلى بقية العالم، نجد أن مجازات الترجمة في القرن السابع عشر توحي بأشياء كثيرة. فالتمهيد الذي كتبه بيرو دابلانكور Perrot d Ablancourt لترجمته لكتاب (تاريخ تاسيتوس) على سبيل المثال يحتوي على جملة تفيد بأنه تتبع تاسيتوس "خطوة بخطوة" كعبد أكثر منه كصاحب(12). بينما يُقرر دراين في تقديمه (للإنيادة) "بأننا عبيد نكدُّ في مزرعة رجل آخر، فنحن نزرع الكروم، ولكن النبيذ يخص مالكه"(13). إن التعبير المجازي بأن المترجم ليس إلا عبداً أو خادماً للنص المصدر (النص الأصلي) تعبير قوي بقي حيّاً حتى فترة طويلة من القرن التاسع عشر، ويتضمن هذا المجاز فكرة سيطرة مؤلف نص المصدر على نص الهدف الخاضع لـه. ومن الأصوات الوحيدة التي عبرت عن صورة مختلفة لعملية الترجمة صوت نسوي، هو صوت مدام دي جورني Madame de Gourny والتي اقترحت في عام 1623، إن القيام بعملية الترجمة: يعني توليد عمل من جديد. توليد ــ أقول ــ لأنه يتعين أولاً أن نقوم بتفكيك (الأدباء القدماء) باستخدام تفكير عميق وثاقب، حتى يعاد تركيبهم مرة أخرى بعملية ماثلة، تماماً مثل تحليل اللحم داخل بطوننا من أجل تكوين أجسادنا(14). إن الإخلاص لنص أصلي/ زوج بشكل مجازي يُصور الترجمة والإخلاص الذي يبديه العبد نحو سيده كلاهما يعكس تغيرات عميقة في القراءة والكتابة في عالم ما بعد عصر النهضة. إن رحلات الاكتشاف أخذت في تبديل وجهات النظر، والعالم الجديد الذي ينتظر قيام الأصول الأوروبية الاستعمارية القوية باختراقه وإخصابه كان يتم وصفه باستمرار، كما أوضحنا في فصول سابقة ــ بتعابير جنسية. ويشير فوكو بالمثل إلى التغيرات الهائلة التي حدثت في اللغة: "في القرن السادس عشر كان المرء يسأل نفسه كيف يمكن معرفة أن إشارة ما كانت تشير في الواقع إلى ما تشير إليه، ومنذ القرن السابع عشر أخذ المرء في التساؤل كيف يمكن الربط بين الإشارة والشيء الذي تشير إليه".(15) إن الأبحاث التي تجري الآن عن اللغة المجازية التي يستخدمها المترجمون تمثل جانباً مهماً من جوانب المرحلة الثالثة لدراسات الترجمة. فكثير من الأبحاث في أوائل الثمانينيات على الرغم من ادعاءاتها بأنها لا تفرض معايير خاصة كانت ما تزال مرتبطة بالتصريحات، والرسوم البيانية، والجداول التوضيحية، والتوكيدات عن ممارسة الترجمة، مما دلل على الأصول البنيوية لمجموعة الأنظمة المتعددة. ولكن بظهور "مدرسة المعاملة" في منتصف الثمانينيات تنوعت الأبحاث في مجال دراسات الترجمة ككل تنوعاً هائلاً. وهذه المرحلة الثالثة، التي يمكن أن نطلق عليها اسم ما بعد البنيوية، تفهم الترجمة على أنها واحدة من عمليات عدّة تقوم بالتعامل مع النص، وحيث تحل فكرة التعددية مكان عقائد الإخلاص لنص اللغة المصدر، وحيث أن فكرة النص الأصلي فيها تجابه بالتحدي من عدة وجهات نظر. ويقترح أندريه لوفيفير، على سبيل المثال، إنه يتعين دراسة الترجمة إلى جانب ما يسميه "إعادة الكتابة" وذلك لأن: إعادة الكتابة، سواء كانت على شكل نقد أو ترجمة (ويمكنني أن أضيف كتابة التاريخ، وفن تجميع المقتطفات) تصبح استراتيجية بالغة الأهمية يستخدمها الأوصياء على أدب ما لتطويع ما هو "أجنبي" (من حيث الزمن أو الموقع الجغرافي أو كليهما) ليلائم معايير الثقافة المستقبلة. وبهذا الشكل تصبح إعادة الكتابة دليلاً على الاستقبال ويمكننا تحليلها، من هذا المنطلق. وهذان السببان كافيان على ما يبدو لكي نعطي دراسة إعادة الكتابة مكانة أكثر مركزية في كل من النظرية الأدبية والأدب المقارن(16). إن المحاجّة التي يطرحها لوفيفير مقنعة، حيث أن الترجمة بحاجة إلى اعتبارها استراتيجية أدبية مهمة، ودراسة الترجمات داخل إطار إعادة الكتابة ستكشف أنساقاً من التحول في الاستقبال داخل نظام أدبي معين. ويلفت لوفيفير أنظارنا إلى أهمية دور كتابة التاريخ وفن تجميع المقتطفات وهما مجالان جديدان من مجالات النمو في أبحاث دراسات الترجمة، كما تشهد بذلك أعمال أرمين بول فرانك Armin Paul Frank وزملائه في غوتينجن(17). إن ظهور نظرية الأنظمة المتعددة في أوائل السبعينيات أدخل الفكر الإيديولوجي إلى دراسة الترجمة. وتؤكد المحاولات الأولى التي قام بها لوفيفير عام 1976 لصياغة بيان عمل لدراسة الترجمة بوصفه حقلاً معرفياً ناشئاً هذا التمييز المهم: إن هدف هذا الحقل العرفي هو إنتاج نظرية شاملة يمن أن تُستخدم أيضاً دليلاً في عملية إنتاج الترجمة. ومن الأفضل للنظرية أن يتم تطويرها على أسس تبتعد تماماً عن الوضعية الجديدة أو النظرية التأويلية من حيث الروح... كما يجب أن يتم اختبار هذه النظرية بصورة دائمة بوساطة الحالات التاريخية(18). وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً، أعادت باسنيت ولوفيفير صياغة هذا الهدف في ضوء التطور الهائل الذي حدث في الفترة التي انقضت منذ ذلك الحين: مع تطور دراسات الترجمة باعتبارها حقلاً معرفياً قائماً بذاته وله منهجيته المستمدة من علم المقارنة والتاريخ الثقافي. فإن الترجمة أصبحت قوة مؤثرة من قوى الصيغة في تطور الثقافة العالمية ولا يمكن إجراء دراسة أدبية مقارنة دون الاهتمام بالترجمة(19). إن ما حدث من تقدم في مجال تاريخ الترجمة، بمعنى تاريخ تقنيات الترجمة، والإنتاج، والتوزيع والتمويل للترجمات، والمدارس ومجموعات المترجمين، والدور الذي تقوم به الترجمات في أوقات معيّنة، كل هذا سلط الضوء أخيراً على مشكلة المصطلح. ويبدو أن التوكيد على فكرة "الدقة" وفكرة "الإخلاص" يعود إلى موقف القرن السابع عشر تجاه نشاط الترجمة. "فالدقة" تشير إلى كل ما هو عملي، ودقيق، ويمكن قياسه وتحديد كميته، بينما تحمل فكرة "الإخلاص" مضموناً ثنائياً: فالزوجة الصالحة تُخلص لزوجها، والخادم يُخلص لسيده، وكلاهما في الواقع أدنى بالنسبة للنص الأصلي. ففي القرن السابع عشر نجد أنفسنا فجأة أمام نماذج مختلفة من أنشطة النقل بين اللغات ولكنها توصف جميعها بالطريقة نفسها، والترجمة كما يشير إليها الأدباء الذين انشغلوا بعملية ترجمة النصوص الكلاسيكية هي نشاط يتطلب حساسية أدبية عالية. ودرايدن ــ على سبيل المثال ــ على الرغم من إشارته إلى المترجم بأنه عبد للنص الأصلي في المقتطف الذي أوردناه سابقاً يقرر أيضاً في تمهيده لكتاب (حياة لوسيان) في عام 1711 أن المترجم: ينبغي أن يمتلك بنفسه كل شيء وأن يفهم عبقرية وحس مؤلفه، وطبيعة الموضوع والمصطلحات الفنية للموضوع المطروح، عندها يستطيع أن يُعبرّ عن نفسه بحق، وبحيوية كما لو كان قد كتب النص الأصلي ذاته؛ بينما نجد أن المرء الذي ينقل كلمة بكلمة يفقد الروح كلها في عملية النقل المملة تلك(20). والكلمة الأساسية هنا هي كلمة "امتلاك" فدرايدن يجادل بأن المترجم يتعين عليه أن يمتلك بنفسه كل شيء يقدمه الكاتب، عندما فقط يستطيع أن يخلق شيئاً فيه حياة وحيوية تماثل النص الأصلي. ويعني هذا أن العمل المترجم يمكن بالفعل أن يصبح نصاً أصلياً في حد ذاته، وإن كان هذا لن يحدث لو قام المترجم "بالنقل" كلمة بكلمة. إن ما يبدو لأول وهلة وكأنه تعارض في الآراء التي يُبديها الكاتب نفسه هو في الواقع مجرد إدراك للأشكال المختلفة لنشاط الترجمة. لقد كان من نتائج تطور القواميس الثنائية، وكتب القواعد اللغوية، والكتب المقررة لدارسي اللغة المبنية على النقل الحرفي للكلمات بين اللغات أنه تم تطبيق نوع من الترجمة داخل الأنظمة التعليمية يقوم على فكرة الدقة التي يمكن حسابها. ومن أجل قياس كفاءة الطالب في دراسة لغة أخرى فإن المطلوب هو "دقّة" حرفية في ترجمة نص لغة المصدر. ولكن في الوقت ذاته. وكما أدرك درايدن، فإن ترجمة الشعر التي تستخدم الأسلوب نفسه سينتج عنها كارثة. إن ضرورة "الدقّة" في الترجمة واستخدام الترجمة وسيلة لتعليم اللغات الأجنبية قد أرست دعائمها منذ القدم وما تزال معنا حتى الآن. ولكن المشكلة التي تظل تجابهنا هي أن القيام بعملية ترجمة نص ما من أجل إثبات الكفاءة في لغة المصدر أو الهدف؛ أي أن الاستيعاب الكامل لقواعد اللغة وتراكيبها يختلف عن الترجمة بمفهوم تفكيك النص الأدبي وإعادة تركيبه حتى ولو كانت المصطلحات المستخدمة هي واحدة في الحالتين. وعلاوة على ذلك فإن التغيرات التي حدثت في القرن السابع عشر في الإنتاج الضخم للكتب وظهور سوق جديدة من القراء كان يعني أن إنتاج النصوص الأدبية أصبح بسرعة من الأعمال المهنية المهمة. ولقد حدثت العملية ذاتها في المسرح. ومن الجدير بالملاحظة أن عدداً كبيراً من المسرحيات التي قُدمت على مسارح لندن منذ نهاية القرن السابع عشر كانت أعمالاً مترجمة. ومن أجل تلبية مطالب السوق كانت هذه الترجمات تتم بسرعة وعلى أيدي أناس لا يملكون الكفاءة المطلوبة. ولقد علّق العديدون من النقاد المعاصرين على التباين بين نوع الترجمة التي حظيت بها النصوص الكلاسيكية وبين ترجمات نصوص يمكن بيعها لسوق كبيرة على الرغم من أنه في هذه الحالة أيضاً ظلت المصطلحات المستخدمة لوصف هذه الأنشطة واحدة. إن الفوضى التي نجمت عن استخدام المصطلحات نفسها في وصف الترجمة بأنها أداة تعليمية ونشاط لـه مكانة أدبية رفيعة، وبأنها عمل يقوم به المدّعون لتلبية احتياجات ضخمة ــ هذه الفوضى ما زالت معنا حتى الآن، وتساعدنا في فهم المشاعر المتصارعة حول عملية الترجمة ككل. لقد ورثنا تراثاً من التاريخ المضطرب لدرجة أن كلمة "الترجمة" ذاتها تثير مجموعات متباينة من الاستجابات، ترتبط بمجموعات مختلفة من الافتراضات والتوقعات حول عملية الترجمة. ومن المثير أن نلاحظ أن الدور التعليمي هو الدور الذي اكتسب على ما يبدو أكبر قوة، لأنه هنا تُصبح "الدقّة" بوصفها شيئاً قابلاً للقياس فكرة في غاية الأهمية. ويعلّق إزرا باوند Ezra Pound على المغالطة التي نقع فيها عندما نطبق هذه المعايير على الترجمة الأدبية: لقد دمرت قدرتي على كتابة النثر الإنكليزي لمدة خمسة أعوام، محاولاً أن أكتب الإنكليزية كما كان تاسيتوس يكتب اللاتينية. كانت النتيجة سيئة جداً. ولكنني تعلمت شيئاً مهماً من ذلك. فأنا أعرف الآن أن عبقرية اللغة الإنكليزية هي ليست نفس عبقرية اللغة اللاتينية(21). وفي مجال آخر رداً على هجوم بعض الباحثين عليه بسبب "عدم دقة" ترجمته لكتاب (بيعة سيكستوس بروبيرتيوس) Homage to Sextus Propertius دافع عن عمله كما يلي: لم يكن هنالك أي مشكلة حول الترجمة، بغض النظر عن الترجمة الحرفية. انحصرت مهمتي في إحياء رجل ميت، أي في تقديم شخصية حية. وهيل (وهو أكثر أعداء باوند تحمساً) باعتباره أستاذاً للأدب اللاتيني ومثالاً حياً للأسباب التي تكمن وراء عدم قراءة الشعراء اللاتينيين، ومثالاً يوضح السبب وراء رغبة المرء في نقل الشعراء من المتفقهين في اللغة، يجب أن يكون منزهاً عن الخطأ وبلا هفوات. وليس لديه أي مانع من الانتحار لو صدر عنه خطأ في أي موقع.. إن قناع البراعة هو بالضبط ما لم أقم بادّعائه، وهو بالضبط ما قذفت به إلى كومة النفايات(22). ويدافع باوند عن عمله من خلال مجاز مقصود: تشبيه إعادة إنسان ميت مرة أخرى إلى الحياة. إن مفهومه عن الترجمة يركز على النص الهدف، وهو يرى أن مهمته تنحصر في إيجاد قرّاء يقرؤون شاعراً ميّتاً. وفي هذا، يتوافق رأي باوند حول مهمة المترجم مع وجهة نظر والتر بنجامين Walter Benjamin الذي يستخدم أيضاً تشبيه الترجمة بالحياة بعد الموت وذلك في مقدمته الشهيرة للترجمة الألمانية لكتاب بودلير (صور في حياة الباريسيين) 1923. ولقد اكتشف من جديد منظرو الترجمة في الثمانينيات مثال بنجامين وأصبح واحداً من أهم النصوص عن نظرية ترجمة ما بعد الحداثة. إن فهم دريدا لبنجامين في مقالة "أبراج بابل" 1985، يلعب بأفكار النص الأصلي والترجمة وبمشكلة أين يتوضع المعنى. وباختصار هو في حد ذاته ترجمة. والنتائج المنطقية لتفكير دريدا عن الترجمة هي إلغاء الازدواجية بين النص الأصلي والمُترجم، المصدر والنسخة، ومن هنا الوصول لنهاية الرأي الذي يحدد المكانة الثانوية للترجمة(23) لقد أعلن بنجامين من قبل أهمية دور الترجمة في تعزيز الحياة وبوصفها عملية تحويلية: "فالترجمة تأتي لاحقاً للأصل، وحيث إن الأعمال المهمة في الأدب العالمي لا تجد المترجمين المناسبين في لحظة ولادتها، فترجمتها تشير إلى مرحلة من مراحل حياتها المستمرة"(24). فالترجمة هي إذاً نشاط لـه خصوصية معيّنة، حيث إنها تُمكن النص من الاستمرار في الحياة داخل سياق نص آخر، ويُصبح النص المترجم نصاً أصلياً بسبب استمرار وجوده في سياق جديد. إن اهتمام دريدا والفلاسفة المعاصرين الآخرين هو دليل آخر على الأهمية المتعاظمة للترجمة(25). وعلى تزايد الدراسات البينية في مجال دراسات الترجمة. ومع تزايد أعداد الدراسات حول جوانب الترجمة التي يقوم بها الفلاسفة، ومؤرخو الأدب والثقافة، وعلماء اللغويات الاجتماعية، ومُنظرو الأدب، فإن المصطلحات السلبية التي كانت سائدة في مناقشات الترجمة بدأت أخيراً في الاختفاء. وهناك فروق هائلة بين الشكاوى القديمة الطراز عن عامل الفقدان في الترجمة وبين الفكرة الحديثة عن الترجمة في أنها تُعطي حياة جديدة لنص اللغة المصدر. وفضلاً عن ذلك، فبينما يكتشف مؤرخو الترجمة المزيد حول سلسلة نسب الترجمة فإن نقل النص من لغة إلى أخرى يبدو بطريقة متزايدة عنصراً حيوياً في التطور الثقافي. إن معظم الباحثين الذين اتبعوا إيفان زوهار ومدرسة الأنظمة المتعددة انطلقوا من أوروبا، وإن كان بعضهم أيضاً من الولايات المتحدة، وكان اتجاههم الأساسي هو التاريخ. ومن المثير أن نقارن استمرار ارتفاع شأن تاريخ الترجمة بعملية مشابهة تحدث في مجال دراسات النسوة، والنتيجة في كلتا الحالتين هي مراجعة مستمرة للكثير من افتراضاتنا حول التاريخ الأدبي والثقافي. وفي الفصل السادس اقتراحنا أنه ربما كانت هناك طريقة بديلة في النظر ــ على سبيل المثال ــ إلى القرن الخامس عشر، وهو عصر يُعد بصورة تقليدية فترة قاحلة في الأدب الإنكليزي لأنه لم يُنتج أدباء "عظاماً". ولو أننا غيرنا من منظورنا قليلاً ولاحظنا وفرة الترجمات في هذا العصر لوجدنا أن القرن الخامس عشر مثال تقليدي لعصر يمر بمرحلة النظر إلى خارجه بحثاً عن النماذج الأدبية ومستخدماً في ذلك المترجمين وسيلة لإعادة الحيوية لنظام الهدف. ولا توجد أبحاث كافية عن الترجمة في العصور الوسطى وعصر النهضة، تدرس ليس فقط الاستراتيجيات التي استخدمها المترجمون، ولكن أيضاً الدور الذي أدته الترجمات في تطوير الأنظمة الأدبية(26). لقد أشرنا سابقاً في هذا الكتاب إلى أن الكثير من الأبحاث المثيرة، والمبتكرة المقارنة تجري الآن خارج أوروبا وغالباً تحت مسميات تختلف عن المسميات التقليدية التي يستخدمها الأكاديميون الأوروبيون، والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن الأبحاث في مجال دراسات الترجمة. ومما يحظى بأهمية خاصة في هذا المجال نظريات الترجمة التي يقترحها الآن مترجمون من البرازيل وكندا، وهي نظريات تُقدم مجازات ووجهات نظر جديدة حول أهمية عملية الترجمة. وتُعنى نظرية ما بعد الاستعمار بتحليل النتائج، فهي تهتم بإعادة البناء وإعادة التقويم، الأمر الذي يتضمن بالضرورة عملية ترجمة، ويقرر أشكروفت وزملاؤه ما يلي: إن ثقافة ما بعد الاستعمار هي حتماً ظاهرة مُهجّنة تتضمن علاقة جدلية بين أنظمة ثقافة أوروبية "مطعّمة" وعلم كائنات أصلي لديه الدافع لكي يخلق ويعيد تشكيل هوية محلية مستقلة. ومثل هذا البناء أو إعادة البناء لا يمكن أن يتم إلا بالتفاعل الحي بين الأنظمة الأوروبية المسيطرة والأنظمة "الهامشية" التي تهدم دعائم تلك الأنظمة المسيطرة، وليس من الممكن العودة إلى مرحلة النقاء الثقافي المطلق لعصر ما قبل الاستعمار أو إعادة اكتشافه، كما أنه ليس من الممكن خلق تشكيلات قومية أو إقليمية تكون مستقلة تماماً عن التضمينات التاريخية لمشروع الاستعمار الأوروبي(27). إن ما يقترحونه هنا هو أنه لا يوجد شيء يمكن تسميته الأصل، وأن ثقافة ما بعد الاستعمار تنطوي على علاقة جدلية بين الأنظمة. ومن المهم أن نلاحظ في حالة أمريكا اللاتينية أن الحكايات الأولى عن عملية الاحتلال كانت ترتبط بمترجم يُنظر إليه بوصفه خائناً، وفي الوقت ذاته بوصفه مساعداً، إن شخصية لامالينش La Malinche وهي عشيقة كورتيز ومُترجمة ترمز إلى وجهي العملة في عملية الترجمة، فهي طبقاً لرواية تروي قصة حياتها تُمثل المرأة الهندية النبيلة التي عاشت مع كورتيز وجاهدت من أجل أن توحد بين أهلها وأهل عشيقها، وتعتبر رواية أخرى أنها خانت أهلها وباعتهم للغزاة عن طريق توفير الجسر اللغوي اللازم لهم لتدمير الحضارة المكسيكية. وثمة رواية أخرى ترى فيها ضحية للاغتصاب، أُجبرت على خدمة السيد الاستعماري، واضطرت للعمل على الرغم من إرادتها وسيطاً في العملية الأكبر لانتهاك المجتمع. إن غموض التفسيرات المتعلقة بدور لامالينش في المراحل الأولى للاحتلال ينعكس بوضوح في القائمة الطويلة للمشاعر الغامضة التي كان يشعر بها كُتّاب ونقاد أمريكا اللاتينية تجاه أوروبا باعتبارها منبعاً للنماذج الأدبية أو الأصول. ولقد اقترح حديثاً أنه بالإمكان النظر إلى أمريكا اللاتينية على أنها ترجمة لأوروبا، ولكن الترجمة هنا بمفهومها الذي اقترحه بنجامين، ودريدا، أي بمفهوم أنها حياة بعد الموت، واستمرار في البقاء، وتواصل عن طريق البعث من جديد، وليست نسخة تحاكي الأصل(28). وفي العشرينات من القرن العشرين طرحت حركة دراسة الحداثة البرازيلية إعادة تقويم أكثر الموضوعات الأوروبية المحظورة ألا وهو موضوع أكل لحوم البشر، درس أوزوالد دي أندرادي Oswald de Andrade في كتابه (بيان أكل لحوم البشر) (29) موضوع الأسقف البرتغالي الذي التهمه الهنود البرازيليون في طقوس احتفالية لأكل لحوم البشر في عام 1554، وأشار إلى أن هناك طريقتين مختلفتين تماماً لفهم هذا الحدث. فمن المنظور الأوروبي، كان ذلك الحدث عملاً كريهاً ينتهك كل المقدسات، وخرقاً لكل أعراف السلوك المتحضر. فمهما وصلت درجة بشاعة غرف تعذيب محاكم التفتيش في أوروبا، إلا أن القائمين على عملية التعذيب لم يُقدموا على التهام ضحاياهم. لكننا لو نظرنا من منظور غير أوروبي فإن فكرة التهام إنسان يحترمه المرء من أجل امتصاص قوته أو فضائله عن طريق التضحية به كانت فكرة مقبولة تماماً. وإضافة إلى ذلك فإن الفكرة الأساسية وراء شعائر القدّاس تحتوي على ابتلاع رمزي لجسد المسيح ودمه، ولهذا بالنسبة لثقافة تتقبل فكرة التهام لحم البشر كفعل يدل على التوقير والاحترام، فإن الديانة المسيحية يمكن أن تفسر بطريقة مختلفة تماماً. إن حركة دراسة أكل لحوم البشر وجدت في هذا المنظور مجازاً يُعبر عن العلاقة بين الثقافة الأوروبية والبرازيلية. وكما يُعبر راندال جونسون Randall Johnson عن هذه الفكرة: تمثل هذه الحركة (موضوع أكل لحوم البشر) على نحو مجازي موقفاً جديداً نحو العلاقات الثقافية مع قوى مسيطرة، فالمحاكاة والتأثير بالمعنى التقليدي لم يعودا ممكنين، و"آكلو لحوم البشر" لا يريدون محاكاة الثقافة الأوروبية وإنما التهامها، مستفيدين من النواحي الإيجابية فيها ورافضين النواحي السلبية، خالقين ثقافة وطنية أصلية يمكن أن تصبح مصدراً للتعبير الفني لا وعاء يستقبل أشكال التعبير الفني التي تم تطويرها في مكان آخر(30) ومن السهولة بمكان رؤية كيف قام باحثو الترجمة بتطويع هذا المجاز فيما بعد، لقد اقترح "دارسو موضوع أكل لحوم البشر" أن النماذج الأوروبية ينبغي أن تُلتهم حتى تنقل مزاياها إلى أعمال الأدباء البرازيليين، فمن خلال هذه الصور يحدث تحول في علاقات القوى بين الثقافة الأوروبية والبرازيلية، فالكاتب البرازيلي لا يُقلد بأي حال من الأحوال التقاليد الأدبية الأوروبية ولا يخضع لها، كما أن الاحتجاج لا يعني رفض هذه التقاليد دفعة واحدة. فما يحدث هو أن الأديب البرازيلي يتفاعل مع الثقافة المصدر ويستفيد منها ولكنه في النهاية يخلق شيئاً جديداً تماماً. ويكتسب هذا المجاز واقعاً خاصاً عندما يتعلق بالترجمة، فالمترجم يلتهم نص لغة المصدر ويعيد خلقه من جديد، تماماً كما اقترحت مدام دي جورني منذ حوالي أربعة قرون. لقد كان هارالدو وأوغوستو دو كامبوس Haraldo and Augusto de Campos أهم ممارسي ومنظري فكرة أكل لحوم البشر بالنسبة للترجمة. وتمحو أبحاثهما بتروٍ الحدود الفاصلة بين أنظمة المصدر والهدف، وهكذا فإن ترجمة هارالدو دو كامبوس لمسرحية غوته (فاوست) التي نُشرت عام 1979 كان عنوانها (الإله والشيطان في فاوست غوته). ويؤكد هذا العنوان الصلة الوثيقة بين غوته الكاتب وشخصية فاوست التي كتبها كما يشير مباشرة إلى موضوع العمل، ألا وهو الصراع بين ما هو شيطاني وما هو إلهي. ويؤكد أيضاً على نحو قاطع وجود المترجم/ المؤلف وعلاقته بالمبدع الألماني لقصة فاوست. ولكن بالنسبة للقراءة البرازيليين فإنها تعني شيئاً آخر أيضاً: فهي إشارة مباشرة لفيلم غلوبير روشا Glauber Rocha وعنوانه (الإله والشيطان في بلاد الشمس)(31). وكما تُبين إلسي فيرا Else Veira: إن الاهتمام بالعنوان يوحي أن الثقافة "المستقبلة" سوف تتداخل مع الثقافة الأصلية وتُحدث فيها تحولاً.. فمن العنوان يمكننا القول إن الترجمة ليست سرياناً في اتجاه واحد من الثقافة المصدر إلى ثقافة الهدف، بل عملية تسير في طريقين عبر الثقافتين(32). وعلاوة على ذلك، فإن دو كامبوس لا يصف ما يقوم به بأنه "ترجمة" بل "عملية تبادلية بين الشيطان وفاوست" ويجادل بأن هذا المشروع الشيطاني "يهدف إلى محو فكرة الأصل،و إلغاء النص الأصلي" (33). فالترجمة بالنسبة لـه هي عملية عضوية، إنها عملية التهام نص لغة المصدر، وعملية تحول ومص للدماء، فالترجمة، على حد قوله ــ هي عملية نقل دم(34). والمجازات التي تصور الترجمة بأنها عملية أكل لحوم البشر أو عملية مص للدماء، التي بها يقوم المترجم بمص دم نص لغة المصدر لكي يزيد من قوة نص الهدف، أو عملية نقل للدماء يتم إعطاء المتلقي فيها حياة جديدة، كل هذه الصور يمكن اعتبارها مجازات جذرية تنبع من نظريات ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار الخاصة بالترجمة. ومما لـه دلالته أنها جميعاً ترتبط بتطورات أخرى حدثت لنظرية الترجمة التي ناقشناها سابقاً، فجميعها تشترك في رفضها لتراتبية القوى التي أعطت مكانة متميزة لنص اللغة المصدر وخصّت المترجم بدور ثانوي. وتُلخص إلسي فيرا أهمية نظرية أكل لحوم البشر فيما يتعلق بممارسة الترجمة كما يلي: إن الفلسفة الترجمية القائمة على فكرة أكل لحوم البشر وذلك بالتغذي من مصدرين هما نص المصدر وأدب الهدف، وإلى الحد نفسه، القراءة المعكوسة للترجمة التي قام بها بنجامين ودريدا تكشف عن عدد من المشكلات المعرفية التي يعجز علم النقل التقليدي عن حلها. أو ــ لو استخدمنا مصطلحات بنجامين ــ فإن علم النقل التقليدي يتطلب ترجمة، ومراجعة... , وإذا أصبحت الترجمة، حسب فلسفة أكل لحوم البشر، تدفقاً عبر طريقين، فإن استخدام مصطلحي "المصدر" و"الهدف" يغدو من دون معنى. وبنفس الطريقة، فإن علاقة القوة بين المصدر والهدف، والأعلى والأدنى تتوقف عن الوجود(35). ويتميز البحث الجديد في مجال دراسات الترجمة في البرازيل بعدد من المجازات العضوية، وغالباً العنيفة منها، والتي تقف في تناقض حاد مع المجازات الأكثر لطفاً التي تصف الترجمة بأنها نشاط خضوع. وعلى نحو مشابه، فإن تطورات هذا الحقل في كندا منذ منتصف الثمانينيات قد أكدت على الجانب العضوي، وإن كان أساساً من مفهوم جديد للعلاقات الجنسية، ومن منظور نسوي. لقد اقترحت هيلين سيكو Helene Cixous أن الكتابة "النسوية" تحدث بين قطبين هما الذكر والأنثى: "الكتابة هي بدقة أن يتحرك المرء في منطقة تقع بين اثنين مفتشاً في الوقت نفسه الشيء ذاته والآخر وهي عملية لا يحيا شيء من دونها، معلناً بذلك عمل الموت"(36). ولقد تبنت مناقشاتها المنظرات النسويات للترجمة فوق فكرة سيكو عن "البينية" وطورنها بطرق جديدة. وتُعلق نيكول وارد ــ جوف Nicole Ward Jouve على سبيل المثال وهي كاتبة وناقدة ثنائية اللغة والثقافة، قائلة: إن المترجم هو كيان بيني. فهو أو هي مثل الكلمات المترجمة يتأرجح بصورة لا تنتهي بين المعاني. وهو أو هي يحاول أن يكون الوسيط، وأن يشير بطريقة ماكرة إلى القراءات الممكنة في لغة أجنبية إلى جانب ما توفره الترجمة المنتقاة.. إنك تُقاد إلى التأمل كيف يتم بناء ترجمات خاصّة. وما الذي يضيع منها وما الذي يُكتسب، وما الذي يتغير وكيف، عبر المرور من لغة إلى أخرى(37). لقد نظرت الفكرة الثنائية القديمة عن الترجمة إلى النص الأصلي والنص المُترجم بوصفهما قطبين. أما النظرية النسوية للترجمة فهي تركز على المساحة التفاعلية بين القطبين، وتلاحظ أن هذين القطبين كانا ــ دوماً ــ يُفسران عبر مصطلحي المذكر والمؤنث. إن الأساس الذي يستند إليه مجاز "الجميلات الخائنات" هو أن النص المصدر أو الأصل هو مذكر وذو قدرات فائقة، بينما يكون نص الهدف مؤنثاً وخاضعاً. والنظرية النسوية للترجمة، عبر احتفالها بصفة البينية، تعيد بناء المجال الذي تحدث فيه الترجمة بطريقة مزدوجة النوع، أي بحيث لا تنتمي لنوع دون آخر. إن بعض الأعمال البحثية النسوية المثيرة في كندا قد ركزت على المنظّرات والمترجمات ذوات الميول الجنسية الشاذّة والمنظرين والمترجمين ذوي الميول الجنسية الثنائية. فالمجموعة التي تعمل مع نيكول بروسارد Nicole Brossard وحولها، على سبيل المثال، يرفضون كلا من النقد الذي يواجهه الكاتب والنقد الأكثر حداثة الذي يوجهه القارئ، ويجادلون بأنه لا ينبغي إعطاء أولوية للكاتب أو للقارئ. وتصف كاثي ميزي Kathy Mezei عملية الترجمة بأنها "عمل مركب من القراءة والكتابة" مدركة أن المترجم هو قارئ وكاتب في آن واحد: "عندما أترجم فأنا أقرأ النص... ثم أعيد قراءة النص وأعيد قراءته مرّة أخرى، وبعدها أكتب باللغة الخاصة بي، بكلماتي: فأنا أكتب ما قرأت، وهذه القراءة تعيد كتابة ما أكتب"(38). وهذه فكرة عن الترجمة مختلفة كثيراً عما اقترحه جورج شتاينر George Steiner، الذي يرى أن الترجمة تنطوي على عملية "اختراق امتلاكي" لنص لغة المصدر بحيث يتم "أسر" النص وبعدها بقوم المترجم بالتعويض عن هذه الفعلة العدوانية بإشارة إلى النص الشرعي(39). وقامت باحثة ترجمة كندية أخرى وهي باربارا غودار Barbara Godard بدراسة العلاقة بين أبحاث الترجمة النسوية ونظرية الترجمة لما بعد الحداثة، وناقشت بأنه على الرغم من أن فكرة "الاختلاف" تقليدياً كانت تمثل موضوعاً سلبياً إلا أنها في النظرية النسوية للترجمة أمر إيجابي: إن الاختلاف، كما حاولت النظرية النسوية أن توضح، هو عامل رئيس في العمليات المعرفية وفي التطبيقات النقدية.. فالمترجمة النسوية وهي تؤكد اختلافها النقدي وبهجتها بعملية إعادة القراءة وإعادة الكتابة غير المحددة تعرض متباهية إشارات عن تعاملها مع النص. وسيتضمن التصرف النسوي مع النص استبدالاً لصورة المترجم بوصفه شخصاً متواضعاً، مُنكِراً للذات(40). وتدعي غودار أن المترجمة النسوية غير متواضعة وهي تتباهى بامتلاكها للنص وإعادة امتلاكها لـه. والمترجم بالنسبة لها لا يمحو ذاته، وهي مثل المترجمين البرازيليين "الشيطانيين" تؤكد حقها في تشكيل نص المصدر والتصرف فيه. وتُصرح سوزان دو لوتبينيير ــ هاروود وهي باحثة أخرى تابعة لمدرسة الترجمة الكندية بأن ممارستها للترجمة هي نشاط سياسي، وأن الترجمة هي فعل الابتكار اللغوي الذي كثيراً ما يزيد النص الأصلي غنى بدلاً من أن يخونه"(41). إن ما تشترك فيه كل من مجموعتي منظري الترجمة البرازيليين والكنديين هو هدف الاحتفاء بدور المترجم، وإبراز دوره عن طريق فعل انتهاك يرمي لإعادة بناء التراتبيات الأبوية / الأوروبية القديمة من جديد. فالترجمة من هذا المنظور هي في الحقيقة نشاط سياسي لـه أهمية عظمى. ويستخدم هارالدو وأوغستو دو كامبوس الترجمة وسيلة لتأكيد حقهما باعتبارهما مواطنين برازيليين في إعادة قراءة الأدب الأوروبي المعترف به وإعادة امتلاكه، بينما تنظر النساء الكنديات إلى الترجمة بوصفها عملية أساسية لكونهن ناطقات بلغتين ونسوة يكافحن ضد القيم اللغوية/ الذكورية. وتسعى كل من المجموعتين لإيجاد ممارسة ومصطلحات ترجمية تُعبر عن الانفصال عن سيطرة التراث الأوروبي حتى وهو في حالة الانتقال. وتقترح كل من هاتين المجموعتين بطريقتها المختلفة مفهوماً للترجمة يستند إلى نظرية ما بعد الاستعمار، ويعارض النظرة الاستعمارية القديمة، الأولى عن طريق استخدام لغة الدم والموت المجازية، والأخرى باستخدامها لسلسلة من المجازات المشتقة من فكرة "اللغة الأم". وكما يُذكرنا هنري ميشونيك Henri Meschonnic فإن "النزعة الاستعمارية الثقافية تميل إلى نسيان تاريخها ذاته، إلى حد عدم القدرة على تمييز دور الترجمة في الثقافة"(42). ولهذا فإن إعادة النظر الجذرية في موضوع الترجمة هي عنصر أساسي من عناصر الدراسات الأدبية لما بعد الاستعمار. إن النظر إلى التاريخ الثقافي عن طريق تاريخ الترجمات وكيفية استقبالها في السياق الهدف يمكن أن يُسلط ضوءاً جديداً على العلاقات الداخلية المتبادلة بين الآداب، بالإضافة إلى تحدي التراتبيات المعروفة من الأدباء "العظام" و"الثانويين" أو من الفترات "الكبرى" أو "الصغرى" للنشاط الأدبي. وقد قدمت نظرية الأنظمة المتعددة التي اقترحها إيفان ــ زوهار أحد السبل نحو تحقيق عملية إعادة الدراسة هذه، ولكن على نحو معادل، كانت أعمال المترجمات النسويات الكنديات الناطقات بلغتين وأعمال المدرسة البرازيلية تُظهر أن هناك طرقاً بديلة لتحدي التهميش التقليدي للترجمة. وقدم إيفان ــ زوهار طريقة تفكير جديدة حول التاريخ الأدبي، كما قدم الأخوان دو كامبوس طريقة جديدة للتفكير في العلاقة بين نصوص اللغة المصدر ونصوص اللغة الهدف وذلك بإعطاء أولوية لدور المترجم في تلك العلاقة. بينما ترفض نيكول بروسارد وسوزان دو لوتبينيير هاروود أي تصور عن المعارضات الثنائية وحاولتا اكتشاف المساحة الحيوية التي تقع في المجال البيني. إن المدى غير الاعتيادي للدراسات التي تجري في الوقت الراهن في مجال دراسات الترجمة، والدوريات الجديدة التي تظهر إلى الوجود، وانتشار المؤتمرات الدولية، وأعداد الكتب المؤلفة ورسالات الدكتوراه التي تُنتج كلها تشهد على حيوية هذا الحقل الدراسي الذي كان يُعد هامشياً وبلا هيبة من قبل. وكون دراسات الترجمة تقوم على منهجيات متنوعة فقد أصبحت حقلاً دراسياً بينياً أصيلاً، ولعله من الأفضل استخدام مصطلح مثل "الدراسات بين الثقافية" لوصف هذا الحقل. إنه لمن الصعب الآن أيضاً أن نعتبرها مجرد فرع ثانوي من فروع الأدب المقارن، ويعود ذلك جزئياً إلى أن مصطلح "الأدب المقارن" وكما حاولنا أن نوضح في هذا الكتاب قد أصبح ذا معنى ضئيل اليوم (إذ لم يكن ذا معنى كبير منذ البداية)، وجزئياً أيضاً إلى حقيقة أن دراسات الترجمة ذات مجال حيوي ومهم، بينما يعاني الأدب المقارن بوصفه ممارسة شكلية من تدهور واضح. وهناك بالطبع مدارس فكرية مختلفة حول العلاقة بين دراسات الترجمة والأدب المقارن. وهناك البعض الذي ما زال يعد الترجمة نشاطاً هامشياً، ويرفض أفكار مجموعة الأنظمة المتعددة ويتمسك بمفهومه عن الأدب بوصفه قوة تحضُّر عالمية. هؤلاء الباحثون يميلون بوضوح في توجههم إلى المركزية الأوروبية، ويستمرون بإيمانهم باستمرارية الأدب المعترف به وما يحتوي عليه من أعمال أدبية "عظيمة". ثم هناك أولئك أيضاً يجادلون بأنه يتعين على دراسات الترجمة أن تنْفََضَ عن علاقاتها بالأدب المقارن مرة واحدة، وأن الدراستين ليس بينهما موضوع مشترك كما أن لهما اهتمامات ومنهجيات مختلفة. ويجادلون بأن الأدب المقارن ما زال محصوراً في لوالب الشكلية، وما زال يُصارع وضعه الدائم الأزمة، وأن اقتران مجال دراسات الترجمة الجديدة النامي مع الحالة الحرجة للأدب المقارن لابد وأن يُخربه حيث إن مجاله الحقيقي هو مجال تاريخي ولغوي. ويبدو أن هذين الموقفين لا يستحقان أن نتتبعهما. وقد سعينا هنا أن نوضح أن أزمة الأدب المقارن تأتي من تراث المركزية الأوروبية الوضعي الذي أورثنا إياه القرن التاسع، عشر كما تأتي من رفض التضمينات السياسية في عملية النقل بين الثقافات والتي هي عملية أساسية لأي نشاط مقارن. كنا قد ناقشنا أيضاً بأن ما يُسمى بالأزمة لم يتعرض لـه المقارنون الأفارقة والهنود والصينيون أو الأمريكان اللاتينيون لأنهم انطلقوا في دراساتهم للأدب المقارن من قاعدة إيديولوجية مختلفة، ولم يتخذوا كنقطة بداية فكرة مجردة عن قيم جمالية عالمية تتعدى حدود الثقافات بل الاحتياجات الآنية لثقافتهم ذاتها. ومن أهم هذه الاحتياجات التي عرفوها على نحو متواصل هي الحاجة لإغناء لغتهم (أو لغاتهم) القومية وتطويرها. وتقدم لنا نظرية الأنظمة المتعددة طريقة للنظر إلى عملية التطور لا من خلال التأثيرات والحركات بل من خلال وسيلة ملموسة من سياسة الترجمة والاستراتيجيات الترجمية. إن أسئلة مثل ما الذي يُترجم، ومتى ومن يقوم بالترجمة، وكيف تُستَقبل الترجمة وما هي مكانتها في الثقافة الهدف، كلها أسئلة جوهرية، وقد أخذ في طرح هذه الأسئلة ليس أولئك الذين يلقبون أنفسهم باسم المتخصصين بالأدب المقارن بل هؤلاء الذين يقولون إن مجال تخصصهم هو دراسات الترجمة. فالترجمة لها علاقة بالسلطة والقوة، وكما يُعبر أندريه لوفيفير عن ذلك: ليست الترجمة مجرد "نافذة مفتوحة على عالم آخر" أو أياً من هذه التعبيرات الزائفة المستهلكة، ولكنها قناة تُفتَح، وغالباً ما يُقابَل هذا بإحجام غير قليل، وتنفذ عبرها التأثيرات الأجنبية إلى الثقافة المحلية، فتتحداها بل تساهم أيضاً في تحويل مسارها(43). وتُناقش باسنيت ولوفيفير في مقدمتهما لمجموعة المقالات بعنوان (الترجمة، والتاريخ والثقافة) 1990، بأن الوقت قد حان لإعادة التفكير في عملية تهميش الترجمة داخل الأدب المقارن: مع تطور دراسات الترجمة بوصفها حقلاً معرفياً قائماً بذاته، وله منهجيته المستمدة من علم المقارنة ومن تاريخ الثقافة، فإن الوقت قد حان للتفكير في ذلك ثانية. فقد أصبحت الترجمة من قوى التعبير في تطور الثقافة العالمية، إذ لم يعد ممكناً إجراء دراسة أدبية مقارنة دون الاهتمام بالترجمة(44). وبينما يستمر الأدب المقارن في الجدل إذا كان بالإمكان اعتباره حقلاً معرفياً أم لا فإن دراسات الترجمة تُعلن وبقوة أنها حقل تخصصي، وتؤكد هذا التصريح قوة الأعمال الصادرة في هذا المجال وحيويتها على نطاق عالمي واسع. لقد حان الوقت لإعادة النظر في العلاقة بين الأدب المقارن ودراسات الترجمة ومن أجل تحديد بداية جديدة. في عام 1979 طرح مقال كتبته هايدي هارتمان Heidi Hartmann وعنوانه "الزواج غير السعيد بين الماركسية والحركة النسوية" على نحو ذكي سلسلة من المشكلات مستخدمة مجاز الزواج(45). وتساءلت الباحثة إذا كان بالإمكان إصلاح العلاقة أم أن وقت الطلاق قد حان؟ ويمكننا أن نستعير هذا التشبيه لوصف العلاقة بين الأدب المقارن ودراسات الترجمة، حيث كان يوجد دائماً جانب مسيطر وآخر خاضع باعتبار الأدب متفوقاً على الترجمة. إن إعادة تحديد هذه العلاقة ستغير ميزان القوى، وستجعل دراسات الترجمة شريكاً أساسياً، ولا يعود الأدب المقارن طرفاً مسيطراً. وسيكون لهذا معنى ليس فقط من منطلق الحالة الجديدة التي وصلت إليها الأبحاث الحالية في هذين المجالين، بل من خلال الموضوعات الدراسية المختلفة أيضاً. فقد كافح الأدب المقارن مراراً وتكراراً من أجل تحديد هويته، مُصِرّاً وبدرجات متفاوتة على التمسك ببعض القيم، ورافضاً الدعوة لضرورة تحديد أكثر وضوحاً لمدى هذه الدراسة ومنهجيتها، بينما اهتمت دراسات الترجمة بالنصوص والسياقات، بالتطبيق وبالنظرية، بالعمليات الثنائية والآنية، وأهم من كل ذلك بعملية التعامل التي تحدث في عملية الانتقال الثقافي الداخلي وما تتضمنه من معانٍ إيديولوجية. ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين نرى أن الوقت بالتأكيد قد حان لكي ندرك أن حقبة تاريخية قد انتهت. إن الكتابة لا تحدث في فراغ، بل داخل سياق، كما وأن عملية ترجمة نصوص من نظام ثقافي معين إلى نظام آخر ليس عملاً حيادياً، أو بريئاً، أو شفافاً. إن الترجمة نشاط مشحون بقوة، وعمل انتهاكي، كما أن سياسات الترجمة تستحق اهتماماً أكبر مما حظيت به في الماضي. فقد قامت الترجمة بدور أساسي في التغيير الثقافي، وحين ندرس العمليات الثنائية لممارسة الترجمة يمكننا أن نتعلم الكثير عن وضع الثقافات المستقبلة في علاقتها بثقافات نصوص المصدر. لقد انقضت أيام الأدب المقارن باعتباره حقلاً دراسياً، وقد غيرت أبحاث تقاطع الثقافات التي جرت في مجال دراسات النسوة، ونظرية ما بعد الاستعمار، والدراسات الثقافية، وجه الدراسات الأدبية عموماً. ويجدر بنا من الآن فصاعداً أن ننظر إلى دراسات الترجمة بوصفها حقلاً معرفياً رئيساً وإلى الأدب المقارن بوصفه فرعاً قيِّماً لكنه ثانوي من فروع هذا الحقل. الملاحظات 1. هيلير بيلوك، في الترجمة، أكسفورد، كلارندون، 1931. 2. إيتمار إيفان ــ زوهار، "نظرية الترجمة الآن"، فن الشعر الآن، 2، رقم 4، صيف ــ خريف 1981، ص 1ــ7. 3. لوري تشامبرلين، النوع واللغة المجازية في الترجمة، "في كتاب، إعادة التفكير في الترجمة (تحرير) لورانس فينوتي"، لندن، روتليدج، 1992، ص 57 ــ 74. 4. باربارا جونسون، "مفاجأة الغيرية: ملاحظات حول كتابات بول دي مان عن زمن الحرب"، في كتاب، نظرية الأدب الآن (تحرير بيتر كوليير وهيلجا جير ــ رايان، لندن، بوليتي، 190، ص 13 ــ 23. 5. إيتامار إيفان ــ زوهار، "وضع الأدب المترجم داخل النظام الأدبي المتعدد"، في كتاب، أبحاث حول فن الشعر التاريخي، 1978. 6. ماريا تيموكزو، "الترجمة كقوة في الثورة الأدبية في القرن الثاني عشر: التحول من الملحمة إلى الحكاية الرومانسية"، المقارنة الجديدة، رقم1، صيف 1986، ص 7ــ27. 7. لورانس فينوتي (تحرير)، إعادة التفكير في الترجمة: الخطاب، والذاتية، والأيديولوجيا، لندن، روتليدج، 1992، ص 5 ــ6. 8. فلاديمير ماكورا، "الثقافة كترجمة"، في كتاب، الترجمة، التاريخ والثقافة (تحرير) سوزان باسنيت وأندريه لوفيفير، لندن، بينتر، 1990، ص 64 ــ 70. 9. جوزيه لامبرت وريك فان جورب، "في وصف الترجمات"، في كتاب، التعامل مع الأدب (تحرير) ثيو هيرمانز، لندن، كروم هيلم، 1982، ص 42 ــ 53. 10. إدوارد، سابير، الثقافة واللغة الشخصية، بيركلي، لوس أنجلس، منشورات جامعة كاليفورنيا، 1956، ص 69. 11. ثيو هيرمانز، "صور الترجمة: المجاز والصور الشعرية في خطاب عصر النهضة حول الترجمة"، في كتاب التعامل مع الأدب، ص 103 ــ 135. 12. بيرو دابلانكور، تمهيد، "تاريخ تاسيتوس"، في كتاب، رسائل ومقدمات نقدية (تحرير) روجر زوبير، باريس، 1972. 13. جون درايدن، كلمة الإهداء: الإنيادة،، 1697، في كتاب حول الشعر المسرحي ومقالات نقدية أخرى (تحرير) ج. واتسون، في مجلدين، لندن ــ نيويورك، دنت ــ داتون، 1962. 14. مدام دي جورني، بعض مقتطفات من فيرجيل، باريس، 1619. 15. مايكل فوكو، ترتيب الأشياء، لندن، تافيستوك، 1970، ص 43. 16. أندريه لوفيفر، "ما كتب لابد أن يُكتب ثانيةً، يوليوس قيصر: شكسبير وفولتير وويلاند وباكينغهام" في كتاب، الاستخدام الثاني: أبحاث حول نظرية الترجمة الأدبية ودراستها التاريخية، (تحرير) ثيو هيرمانز، أنتورب، الكرّاس رقم3، ص 88 ــ 106. 17. انظر، أرمين بول فرانك، "مقتطفات الترجمة: دعوة لمحبي الإطلاع وحالة دراسية"، تارغت 1 :3، 1991، ص 65 ــ90، والتداخل الثقافي والدراسة التاريخية للترجمة الأدبية (تحرير) ك. هارالد كيتل وآرمين بول، إريك شميدت، برلين، 1991. 18. أندريه لوفيفر، "دراسات الترجمة: هدف هذا الحقل"، في كتاب، الأدب والترجمة (تحرير) ج. هولمز و ج. لامبرت و أ.لوفيفر، 1978، ص 234 ــ235. 19. الترجمة، التاريخ والثقافة (تحرير) سوزان باسنيت وأندريه لوفيفر، لندن، بينتر، 1990، ص 12. 20. جون درايدن، مقدمة لكتاب حياة لوسيان، 1711، في ج. واتسون (تحرير). 21. إزرا باوند، خطب إلى آيرس باري، 20 يوليو 1916 في كتاب، رسائل إزرا باوند 1907 ــ 1916، لندن، فابر وفابر، 1961. 22. إزرا باوند، خطاب لـ أ.ر. أوريج، أبريل 1916، في بيج (تحرير). 23. جاك دريدا، "أبراج بابل"، في كتاب، الفرق في الترجمة (تحرير) جوزيف ف. غراهام، إيثكا منشورات جامعة كورنل، 1985. 24. والتر بنجامين، "مهمة المترجم"، في كتاب، إضاءات، لندن، فونتانا، 1973، ص 69 ــ 83. 25. انظر، أندرو بنجامين، الترجمة وطبيعة الفلسفة، لندن، روتليدج، 1990. 26. انظر، مترجم العصور الوسطى، (تحرير) روجر إليس، مجلد، 1، 1989، وروجر إليس (تحرير)، الترجمة في العصور الوسطى، المقارنة الجديدة، 12، خريف 1991. 27. بيل أشكروفت وجاريث غريفيث وهيلين تيفين، الإمبراطورية تكتب ثانية، لندن، روتليدج، 1989، ص 195 ــ 196. 28. انظر، إلسي فيرا، من أجل نظرية ما بعد الحداثة للترجمة، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة ميناس جيراس، قُدّم الفصل الأول من هذه الرسالة كبحث في حلقة دراسية في كلية الدراسات العليا للأدب المقارن ودراسات الترجمة في جامعة ووريك، وأنا شديدة الامتنان لإلسي فيرا لتعريفي بأعمال مُنظري الترجمة البرازيليين. 29. أوزوالد دو أندرادي، بيان دراسة أكل لحوم البشر، في كتاب أ. كانديدو وجي. أ. كاستيلور، الأدب البرازيلي، المجلد الثالث، العصر الحديث، ساوباولو، 1986، ص 86 ــ 74. 30. راندال جونسون، "نكون أو لا نكون: أكل لحوم البشر والقومية في الأدب البرازيلي المعاصر"، في كتاب، الرواية الحديثة في أمريكا اللاتينية (تحرير) جون كينغ، لندن، فابر وفابر، 1987، ص 41 ــ 59. 31. أنا ممتنة لإلسي فيرا لتوضيحها هذا لي. 32. فيرا، كما سبق 33. هارالدو دو كامبوس، الإله والشيطان في فاوست غوته، ساوباولو، برسبكتيفا، 1981، انظر أيضاً، العملية التبادلية بين الشيطان وفاوست، في ديسبوزيتو، مجلد7، رقم 19 و 20 و 21 و 1982، ص 42 ــ 60. 34. دو كامبوس، ص 208. 35. فيرا، كما سبق. 36. هيلين سيكو، ضحكة الميدوسا، لارك، 61، 1975، ص 39 ــ 54، وترجمها إلى الإنكليزية كيث وباولا كوهن، كذلك في الإشارات، 1، صيف 1986، ص 875 ــ 899. 37. نيكول وارد ــ جوف: "تطير أو تسرق ولا أكثر؟ ترجمة أعمال الحركة النسوية الفرنسية إلى الإنكليزية"، في كتاب المرأة البيضاء تتكلم بلسان ملتوٍ: النقد كسيرة ذاتية، لندن، روتليدج، 1991، ص 47. 38. كاثي ميزي، "القارئ والتدهور.. "الكتابة كقراءة، سبتمبر، 1985، ص 21 ــ31. 39. جورج شتاينر، بعد بابل، لندن ونيويورك، منشورات جامعة أكسفورد، 1975. 40. باربرا غودارد: "تنظير الخطاب النسوي والترجمة النسوية"، في كتاب باسنيت ولوفيفر، (تحرير)، ص 89 ــ 96. 41. سوزان دي لوتبينيير ــ هاروود: "عن الضمير هي في الآخر" تمهيد لكتاب ليز جوفان: رسائل من آخر، تورنتو، مطبعة المرأة، 1989، ص 9. 42. هنري مشونيك، "اقتراحات من أجل نظرية شعرية للترجمة" في كتاب، من أجل تنظير شعري، مجلد2، باريس، 1973، ص 308. 43. أندريه لوفيفر، الترجمة، التاريخ والثقافة: كتاب مرجعي، لندن، روتليدج، 1992، ص 2. 44. باسنيت ولوفيفر، ص 12. 45. هايدي هارتمان، الزواج غير السعيد بين الماركسية والحركة النسوية: نحو اتحاد أكثر تقدماً"، في كتاب، النساء والثورة (تحرير) ليديا سارجنت، لندن، مطبعة بلوتو، 1981، ص 1 ــ 42. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |