|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
القـذر ـــ بقلم: ستيفان غرابينسكي ـ ت.فهد حسين العبود بعد أن أنهى مفتش القطار, بواجبك بورون, جولته في العربات الواقعة تحت إشرافه, عاد إلى زاوية صغيرة, موضوعة تحت تصرفه, تسمى بما يعرف (المكان المخصص للمفتشين). كان الملل مسيطراً عليه من التجوال اليومي في العربات, وصوته مبحوحاً من المناداة في المحطات, لاسيما في هذه الفترة من السنة التي يسودها الضباب الخريفي. قرر أن يستريح قليلاً على الكرسي الضيق, المغطى بالمشمع ويخلد إلى القيلولة التي يستحقها. لقد انتهت, عملياً, رحلة اليوم, إذ إن القطار قطع المنطقة التي تتوضع فيها المواقف, بكثافة, على مسافات متقاربة, وهاهو يسرع نحو المحطة الأخيرة, لن يقتلعه الآن أحد من مقعده حتى نهاية الرحلة, ولن يضطر للنزول على الدرجات, ليخبر العالم بأسره, بصوت ممزق, ولعدة دقائق, بأنها محطة (كيت وكيت) وأن القطار سيتوقف خمس دقائق, عشر دقائق, ربع ساعة, أو ليعلن أن الوقت قد حان للصعود. أطفأ مصباح البطارية المعلق على صدره ووضعه على الرف فوق رأسه, ثم خلع بزته وعلقها على المشجب. لقد ملأت الأربع وعشرون ساعة من الخدمة المتواصلة وقته تماماً لدرجة أنه لم يأكل شيئاً تقريباً, وصار جسده يطالب بحقه. أخرج بورون زوادته من الحقيبة وراح يقتات بها. تسمرت عيناه الشاحبتان الشائختان في زجاج المقطورة, وراحتا ترمقان العالم خارج النوافذ. كان الزجاج يهتز تحت وقع تقافزات القطار, صقيلاً مسوداً لم يستطع من خلاله رؤية أي شيء, اقتلع أنظاره عن مشهد الإطارات الرتيب, ووَجهها إلى عمق الممر, انزلق بصره على حافة الباب المفضي إلى المقطورات الأخرى, ثم قفز إلى الحائط المقابل, وأخيراً انطفأ على أرضية الممر المملة. أنهى عشاءه, ثم أشعل غليونه. صحيح أنه لا يزال في وقت الخدمة, ولكن لا يوجد خوف من صعود الرقابة في هذا الخلاء, لا سيما وأن القطار على مشارف نهاية الرحلة. تبغ جيد, مهرب من الخارج, ملأ المكان دوائر زكية الرائحة, راحت خيوط الدخان المرنة تنساب من بين شفتي المفتش, تتكور ثم تتدحرج مثل كرات البلياردو عبر ممر المقطورة, ثم تعود من جديد أنبوبات دخانية كثيفة, تجر بكسل ذيولها اللازوردية, وتتبعثر أخيراً عند السقف. إن بورون بالفعل معلم في تدخين الغليون. تناهت من داخل المقطورات موجة من الضحك, فقد كان المسافرون في مزاج طيب. ضغط المفتش أسنانه غضباً, وانطلقت من فمه كلمات الازدراء: شلة باعة جوالين, تجار /شنطة/! "لا يطيق بورون المسافرين من كل أعماقه, تثير طبيعتهم العملية أعصابه. الخطوط الحديدية, بالنسبة له, موجودة لأجل الخطوط الحديدية, لا من أجل المسافرين, ومهمتها ليست نقل الركاب من مكان إلى آخر بهدف التواصل, إنما مهمتها قهر المسافات, فما الذي يعنيها من المصالح الشخصية لسكان الأرض الأقزام, ومساعي المحتالين التجارية, ومفاصلات التجار القذرة؟ أما المحطات فهي ليست موجودة ليهبط فيها الركاب, بل لتقاس بها المسافات المقطوعة, والمواقف هي فواصل للسفر, وتغيرها دليل على التقدم في الحركة, تماماً كما يحدث في المشكال(1). بالتقزز نفسه أيضاً كان المفتش ينظر إلى الحشود التي تتزاحم على أبواب المقطورات, وهي تهبط أو تصعد من أرصفة المحطات, ويراقب, بتكشيرة استهزاء, حضراتهن اللاهثات وحضراتهم المتعرقين على رؤوسهم ورقابهم من الهرولة, المسرعين وسط الصرخات واللعنات, متدافعين إلى العربات ليحتلوا مكاناً, ويسبقوا زملاءهم في قطيع الغنم ذاك. "قطيع!" بصق من بين أسنانه كأن الله ربط مصير العالم بوصول السيد (ب) أو السيدة (و) في الوقت المحدد من (ف) إلى (ز)!!. كان الواقع, في الحقيقة يتعارض بشكل مستمر وصارخ مع آراء بورون, فالناس يصعدون ويهبطون باستمرار في المحطات ويتدافعون بنفس العنف, ولنفس الأغراض العملية دائماً, ولكن المفتش كان ينتقم من هذا الواقع عند أية مناسبة. في منطقته التي تضم ثلاث إلى أربع عربات, لم يحدث أبداً أي ازدحام لهؤلاء الغوغائيين الكريهين الذين كانوا أحياناً يسلبون زملاءه المفتشين حتى الرغبة في الحياة, ويشكلون لطخة سوداء في أفق مفتشي القطارات الشاحب أصلاً. لم يستطع أحد معرفة الوسائل والطرق التي كان يتبعها للوصول إلى هذه الحالة المثالية التي لم يستطع زملاءه في المهنة تحقيقها, فحتى في أوقات الأعياد, حيث التجمهر يكون في ذروته, كانت الأمور تبدو طبيعية داخل عربات بورون, فالممرات خالية والناس في الردهات يتنفسون هواءً معقولاً, لم يعايش المفتش أبداً مشكلة الأمكنة الممتلئة, والسفر وقوفاً على الأقدام. كان في وقت الخدمة صارماً حتى مع نفسه, أتقن إغلاق آذانه أمام توسلات المسافرين, طبق اللوائح بحذافيرها, وبفظاظة وحشية أحياناً, ولم تساعد الحيل في شيء, ولا الغش والتحذلق ودس الرشوة في يده, لم يكن من المستطاع شراء بورون, حتى أنه قدم شكوى ببضعة أشخاص لهذا السبب, وفي إحدى المرات صفع أحدهم بسبب إهانته بهذه الطريقة, وانتهى الأمر بعد ذلك على خير أمام السلطات, وحدث أكثر من مرة أيضاً أنه في منتصف السفر, في مكان ما, في أحد المواقف البائسة, أو في إحدى المحطات التعيسة, أو في حقل فراغ, كان ينزل أحد الضيوف المخادعين, بأدب ولكن بإصرار. لم يلتق بورون, خلال مدة خدمته الطويلة, إلا باثنين من المسافرين المحترمين, وقد استطاعا أن يتناسبا مع فكرته عن المسافرين المثاليين. أحد هذين النادرين كان متجولاً بلا اسم, صعد إلى عربة الدرجة الأولى بدون قرش واحد, وعندما طلب منه تذكرة السفر, أوضح لـه ذلك المتصعلك أنه لا يحتاج إلى تذكرة لأنه لا يسافر إلى مكان معين, هكذا, في بلاد الله, للمتعة, للحاجة الفطرية إلى الحركة. لم يكتف المفتش حينها بالإقرار بأن المسافر على حق ولكنه حرص بدأب طيلة فترة الرحلة على راحته ومنع أي كان من دخول /الكبين/ الذي يجلس فيه, وحتى أنه اقتسم معه قوته, ودخن معه الغليون وسط حديث حميمي حول موضوع السفر /على القرعة/. أما المسافر الآخر, فقد صادفه في الطريق بين (فيينا) و(تريسيت), كان اسمه شيغون, قال إنه ملاّك أراض من زمن المملكة البولنية, كان شخصاً لطيفاً, ولابد أنه كان مقتدراً, صعد أيضاً إلى عربة الدرجة الأولى بدون تذكرة, وعندما سئل عن وجهته أجاب بأنه في الحقيقة لا يعرف من أين صعد وأين يمضي ولأي هدف. "في هذه الحال" قال بورون "ربما أنه من الأفضل أن تنزل في أقرب محطة يا سيدي". "لا لا لا" قال المسافر الاستثنائي "لا أستطيع, والله لا أستطيع, لابد أن أمضي إلى الأمام, شيء ما يدفعني, اقطع أيها السيد تذكرة إلى أي مكان يعجبك". بهرته تلك الإجابة لدرجة أنه سمح لـه بالسفر مجاناً إلى آخر محطة, ولم يتأفف ولو لمرة واحدة. قيل إن ذلك ال شيغون كان مجنوناً ولكنه, برأي بورون, حتى ولو كان ممسوساً فهو ممسوس على مستوى رفيع. "أجل أجل, هنالك الكثير من المسافرين الرائعين في هذا العالم الواسع, ولكن ما الذي تشكله بضعة لآلىء في بحر هائج؟". كثيراً ما كان المفتش يسترجع بحنين هاتين الحادثتين الجميلتين وهو يداعب روحه بتذكر اللحظات الاستثنائية في حياته. أمال رأسه إلى الأمام وتتبع أثر خيوط الدخان الرصاصية, المائلة إلى زرقة خفيفة, وهي تتعلق طبقاتٍ في الممر. راح صوت البخار الحار, المنطلق عبر الأنابيب, يتعالى شيئاً فشيئاً فوق صوت قرقعة السكة الحديدية, غير العادي, سمع صوت تدفق الماء في الخزانات, وشعر بدفئه وضغطه من خلال حواف الأوعية. لقد بدأوا بتدفئة الأقسام لأن المساء كان بارداً. هزت المصابيح, فجأة, رموشها ثم انطفأت, ولكن ليس لفترة طويلة, إذ إن المنظم حقن, بسرعة, جرعة من الغاز الطازج الذي أخذ يغذي الحَراقات التي ضعف عملها, شعر المفتش برائحته المميزة, الثقيلة, التي تذكرك برائحة نبتة الشُمرة(2). بدا له, فجأة, بأنه يسمع وقع أقدام حافية على أرض الممر. دو دود دو دو... عرف المفتش ما الذي يعنيه هذا, فهي ليست المرة الأولى التي يسمع فيها هذه الخطوات في القطار, مدّ رأسه ونظر إلى هيكل القطار المظلم, وهناك, في النهاية, حيث ينكسر الجدار باتجاه قسم الدرجة الأولى, رأى للحظة ظهره العاري كالعادة, لبرهة فقط لمع منكباه المشدودان الغارقان بعرق غزير. ارتعدت فرائص بورون. لقد ظهر (القذر) من جديد في القطار. كان قد لاحظ وجوده أول مرة قبل عشرين سنة, كان ذلك قبل ساعة من حدوث كارثة بشعة بين محطتي (زنيتش) و(كشنجه غايه) قتل فيها ما يقارب الأربعين شخصاً عدا العدد الكبير من الجرحى, كان عمر المفتش حينها ثلاثين عاماً, وأعصابه كانت لا تزال قوية. إنه يتذكر التفاصيل بدقة, حتى رقم ذلك القطار المنكوب, كان في ذلك الوقت مسؤولاً عن العربات الأخيرة وربما لذلك نجا, كان فخوراً بترفعه الوظيفي الذي كان ما يزال حينها قريب العهد. من بين ضحايا الحادث المشؤوم كانت خطيبته كاشينكا المسكينة التي كان يقلها في إحدى عربات القطار. ما زال يذكر كيف أنه أحس فجأة بقلق غريب خلال حديثه معها, وجذبه شيء ما رغماً عنه إلى الممر, فخرج دون أن يستطيع المقاومة, ليرى, عند شرفة العربة, قوام العملاق, وهو يختفي, رأى جسده الملطخ بالسخام, الغارق بعرق ملوث بالفحم, والذي كان يفرز رائحة كريهة, خانقة, تخالطها رائحة نبتة الشمرة ورائحة شواظ وشحم, اندفع بورون خلفه محاولاً الإمساك به, لكن الشبح تبدد, ولم يبق منه إلا صوت أقدام حافية ظل بورون يسمعها لفترة وهي تدب على الأرض دو دو دو دو.... وبعدها بحوالي الساعة اصطدم القطار بقطار سريع قادم من (كشنجه غايه). ظهر لـه (القذِر), بعد ذلك الحادث مرتين, وكل مرة منهما كانت نذير شؤم ما, ففي الأولى لمحه بضع لحظات قبل أن يخرج القطار عن السكة على مشارف (رافا) كان (القذِر) حينها يركض على ألواح سقوف المقطورات ويشير لـه بقبعة عامل مرجل, انتزعها عن رأسه المنهك, وقد ظهر بمظهر أقل خطورة من المرة السابقة. كان الضحايا قليلين نسبياً في تلك المرة, فباستثناء بضعة مصابين إصابة خفيفة, لم يقتل أحد. المرة الأخرى كانت قبل خمس سنوات عندما كان بورون يسافر بقطار شعبي إلى (باسيك), فأبصره جالساً على عارضة القطر بين عربتي قطار للبضائع قادم من الجهة المقابلة ومتجه إلى (فييشينيتس), كان حينها يلعب بالسلسلة الحديدية, وعندما لفت انتباه زملائه إلى ذلك ضحكوا منه ودعوه بالمهووس, ولكن المستقبل القريب أقر لـه بصحة كلامه, إذ إن القطار سقط في تلك الليلة في هاوية وهو يعبر جسراً ردمياً. لم تكن تنبؤات (القذِر) لتخطىء أبداً, وحيثما ظهر كانت تتهدد المكان كارثة مؤكدة, لقد قوت تلك التجارب الثلاث قناعة بورون بذلك وعمقت إيمانه بارتباط النحس بظهوره. كوّن المفتش فكرة فريدة عن كينونته, فصار يكن لـه إجلال ورهبة عابد الأوثان لمعبوده, ويحيطه بهالة خاصة من القدسية. كان القذِر يقبع في جسد القطار, ويتغلغل في مفاصله المتعددة, ينهرس دون أن يُرى تحت المكابس, ويتسكع في العربات, كان بورون يشعر بوجوده حوله, بحضوره الدائم, إنما العصي على الرؤية, كان ينام في روح القطار, كان (القذر) قوة القطار الكامنة السرية التي تظهر وتتكاثف وتلبس جسداً في لحظات الإحساس بالخطر. كان المفتش يرى أن الوقوف في وجه (القذِر) أمر لا طائل منه, بل هو أمر مضحك, وأن الجهود المنصبة في اتجاه منع الكوارث التي يتنبأ بها, ستذهب أدراج الرياح, لأنها مثل القدر المحتوم. لقد أثار ظهوره التالي في القطار, قبل المحطة الأخيرة بقليل, انفعالاً شديداً لدى بورون, فبين لحظة وأخرى يمكن حدوث كارثة ما. انتصب وراح يتجول بعصبية في الممر, تناهت إلى سمعه همهمة أحاديث وضحكات نساء من داخل أحد الأقسام, اقترب وحدق بضع لحظات في العمق فانقطعت الأصوات المرحة, وارب أحدهم باب /الكبين/ المجاور وأطل برأسه. "سيدي المفتش, هل بقي الكثير إلى المحطة؟". "بعد نصف ساعة سنبلغ الهدف, سنصل إلى النهاية". كان هنالك شيء ما غريب في نغمة تلك الإجابة, مما فاجأ السائل, الذي تسمرت عيناه برهة طويلة على المفتش. ابتسم بورون ابتسامة غامضة, ثم ابتعد, وغاب رأس المسافر من جديد في الداخل. خرج أحدهم من قسم الدرجة الثانية, فتح النافذة في الممر, ونظر إلى الخلاء. كانت حركاته العصبية تشي بقلق ما, رفع النافذة وابتعد إلى الجهة المقابلة, إلى نهاية الردهة, سحب بضع مرات من سيجارته ثم رمى عقبها المصفر وخرج إلى شرفة العربة. رأى بورون من خلال الزجاج قامته وهي تنحني من فوق قضيب الحماية باتجاه سير القطار. "يتفحص الخلاء" همهم بورون بخبث "لا شيء يمكن أن يساعد, إن روح النحس لا تنام". عاد المسافر المضطرب في تلك الأثناء إلى العربة. "هل تقاطع قطارنا مع القطار السريع القادم من (غرون)"؟ سأل بهدوء مصطنع عندما رأى المفتش. "حتى الآن لا, نتوقعه بين لحظة وأخرى, وربما نتجاوزه في المحطة الأخيرة, فاحتمال التأخر وارد, ثم إن القطار السريع الذي تعنيه يا سيد يأتي على الخط الجانبي". تعالى, في تلك اللحظة من الجهة اليمنى, هدير فجائي عنيف, ومرت خلف النافذة كتلة هائلة, تنفث وابلاً من الشرر, ثم تبعتها, بسرعة وميض الأفكار, سلسلة من العلب السوداء, تتوسطها مربعات منارة, رفع بورون يده وأشار إلى القطار الذي راح يختفي". "هاهو". تنفس السيد القلق الصعداء ثم أخرج علبة الدخان وناولها للمفتش. "دعنا ندخن معاً يا سيدي المفتش, إنه (موريس) أصلي". وضع بورون يده على مقدمة قبعته. "شكراً جزيلاً, أدخن الغليون فقط". "خسارة, إنه تبغ جيد". أنهى المسافر سيجارته ثم عاد إلى /الكبين/. ابتسم المفتش بسخرية خلفه. "ها ها ها, لابد أنه شعر بشيء ما, ولكنه هدأ سريعاً, لا تثرثر كثيراً يا أخي لتتمكن من القفز بعد قليل". أقلقته قليلاً تلك النهاية السعيدة لتقاطع القطارين, ففرص وقوع حادث نقصت واحدة. بقي إلى العاشرة ثلاث أرباع الساعة, وبعد خمس عشرة دقيقة من المفروض أن يكونوا في (غرون) حيث نهاية الرحلة, لم يعد هنالك أي جسر في الطريق, يحتمل انهياره, والقطار الوحيد, القادم من الجهة المقابلة, والذي كان من الممكن أن يحصل التصادم معه, اجتاز القطار بسلام. ربما من المفروض توقع خروج القطار عن سكته, أو أية كارثة تحدث في المحطة نفسها. على كل الأحوال, حتماً ستتحقق نبوءة (القذِر), إنه متأكد من هذا, فهو المفتش بورون العجوز الذي عجن الدهر وخبزه, إن المسألة هنا لا تتعلق بالناس, أو بالقطار, أو بشخصه هو, بل بالشبح العاري الذي لا يخطىء. من المهم جداً لبورون أن يصون هيبة (القذِر) أمام المفتشين المتشككين, وأن يحفظ وقاره في أعين المكذبين. لقد أخبر زملاءه, عدة مرات عن تلك الزيارات السرية, ولكنهم كانوا يأخذون الأمر باستهزاء, مفسرين القصة بكاملها بالتهيؤات أو بشيء أسوأ: "مزود العيار". كان ذلك التعبير الأخير الأكثر إيلاماً بالنسبة له, خصوصاً وأنه لم يشرب في حياته قط. اعتبره الكثيرون مهووساً ومتطيراً, وهنا أيضاً كان الأمر يتعلق بكرامته, وقدراته العقلية, لذلك أصبح يفضل كسر ظهره بيديه على أن يشهد فشل (القذِر). تبقى عشر دقائق إلى الساعة العاشرة, أنهى تدخين غليونه, وصعد درجات أفضت به إلى أعلى مكان في العربة, إلى /كبين/ زجاجي من جميع جوانبه, ومن هناك, من علو عش لقلق, بدا العالم غارقاً في ظلمات دامسة, بعد أن كان في النهار واضحاً كراحة اليد, وكانت بقع الضوء تتساقط من نوافذ العربات متفحصة سفوح الروابي بعيون صفراء, أمام المفتش وعلى مسافة خمس عربات كان القطار ينثر شلالات دامية من الشرر, وتلتمع جوانبه مثل جلد أفعى سوداء بعشرين مفصلاً يتنفس دخاناً أبيض متورداً ويتجشأ ناراً, ويضيء الطريق أمامه بعينين هائلتين, وبعد لحظات, بدأت تلوح من بعيد أنوار المحطة. اندفع القطار بكل قواه مضاعفاً سرعته وكأنه شعر بقرب المحطة التي كان يتعطش لوصولها. أخذت إشارة المرور تومض مثل شبح, معلنة خلو الطريق, ورفع حاجز العبور ذراعه مرحباً بحفاوة. راحت السكك الحديدية تتضاعف متشابكة خطوطاً وزوايا وعُقداً حديدية, ومن اليمين واليسار انبعثت من ظلمة الليل أضواء منارات مفاتيح التحويل وكأنها سعت إلى لقاء, وارتفعت أعناق البكرات وأعمدة الآبار والحمالات. فجأة, على بعد بضع خطوات أمام القطار, اشتعلت إشارة المرور الحمراء, فانطلقت من حنجرته صفرة عنيفة, وصرّت مكابحه, وبالكاد استطاع التوقف أمام مفتاح التحويل الثاني, مستخدماً لذلك, بشكل جنوني, آلية السرعة العكسية. أسرع بورون إلى الأسفل, وانضم إلى حشد عمال السكة الذين نزلوا أيضاً لاستيضاح سبب التوقف. أوضح عامل مفاتيح التحويل, الذي أعطى إشارة التحذير, أن المسار الأول الذي كان من المفروض أن يمر عليه القطار, شُغل, بشكل مؤقت, من قبل قطار للبضائع, لذلك كان لابد من تحريك المفتاح وتحويل القطار إلى المسار الثاني, يتم هذا الإجراء عادة في غرفة التحويل, بمساعدة واحدة من البكرات, إلا أن الواصلة, الموجودة تحت الأرض, والتي تربطها بالسكك, تعرضت لضرر ما فاضطر العامل المختص لإجراء التحويل على السطح, فحرر, في غرفة التحويل الواصلة الحلقية فقط, ثم بواسطة مفتاح, فتح غطاء الصمام, وصار الآن بالإمكان الوصول مباشرة إلى مفتاح التحويل وإزاحة السكة إلى المسار المناسب. عاد الموظفون, بعد أن هدأت خواطرهم, إلى العربات لكي ينتظروا إشارة خلو الطريق, لكن شيئاً ما سّمر بورون في مكانه, حدق بعينيه الواهنتين في الإشارة الدامية, أحس بالاختناق وهو ينصت إلى صوت انزياح السكك: "تنبهوا في اللحظة الأخيرة, تماماً في اللحظة الأخيرة, قبل حوالي خمسمائة متر من المحطة, هل كذب علي (القذِر) إذن؟". بدا فجأة, أن بورون فهم دوره في هذا. اقترب بسرعة من عامل التحويل الذي طوى العتلة, وأعاد غطاء الصمام, ثم غير لون إشارة المرور إلى الأخضر, يجب عليه, وبأي ثمن, أن يقتلع ذلك الرجل من عند مفتاح التحويل, ويجبره على ترك موقعه. أعطى زملاؤه, في تلك الأثناء الإشارة للانطلاق, وابتداءً من نهاية القطار راحت كلمة "انطلاق" تنتقل من فم إلى آخر. "لحظة, انتظروا!" صاح بورون. "سيدي عامل التحويل" أخفضَ بورون صوته وتوجه بحديثه إلى الموظف الذي كان يقف بوضعية الاستعداد "هناك عند غرفة التحويل, أرى أحدهم يتسكع". اضطرب عامل التحويل, وركز بصره في اتجاه البيت القرميدي الصغير. "بسرعة" قال بورون بمكر" "تحرك أيها السيد "من مكانك قبل أن يبعثر البكرات, ويعطل الأجهزة!" "انطلاق, انطلاق" تعالت أصوات المفتشين المتحرقة. "انتظروا, لأجل مائة شيطان!". سيطر صوت بورون تماماً على العامل, فنفذ الأمر مندفعاً نحو غرفة التحويل. استغل بورون تلك اللحظة, فالتقط عتلة الصمام, وربط السكة, من جديد بالمسار الأول. تم الأمر بسرعة وصمت, دون أن ينتبه أحد. "انطلاق" صاح مختفياً في الظلمة. تحرك القطار بسرعة ليعوض التأخير, وبعد لحظة, دخلت آخر عربة فيه في عمق العتمة مخلفة وراءها امتداد ضوء المنارة الأحمر الطويل. عاد العامل المنهك, بعد قليل, مسرعاً من غرفة التحويل, نظر بإمعان إلى وضعية الصمام, فبدا أن شيئاً ما لم يعجبه, رفع الصفارة إلى شفتيه وأطلق صفرة ثلاثية يائسة. تأخر الوقت! تعالى في الهواء, من ناحية المحطة, صوت انفجار مرعب, بعيد, مكتوم, ثم تلته جلبة واهتياج وغمغمة وندب وبكاء جهنمي تشابك مع ضجيج صليل السلاسل وقرقعة الإطارات المحطمة وطقطقة العربات التي انسحقت بلا رحمة. "تصادم" همست شفتان مبيضتان "تصادم". الهوامش (1) المشكال: أداة تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون, ما إن تتغير أوضاعها حتى تعكس مجموعة لا نهاية لها من الأشكال الهندسية المختلفة الألوان/ قاموس المورد, دار العلم للملايين/ بيروت 1999. (2) الشّمرة أو الشمار أو الشمر: اسمه العلمي (فونيكيو فولجار), تستعمل أوراقه وبذوره العطرية في إكساب الخبز والمشروبات نكهة طيبة, لها رائحة العرقسوس, وثمة نوع قاعدة ساقه بصلية تؤكل كالخرشوف. الموسوعة العربية الميسرة والموسعة, الجزء الخامس, مؤسسة التاريخ العربي, بيروت 2001. ستيفان غرابينسكي: قاص وروائي بولوني ولد في 25/5/1887 في كامينونكا ستر وميووفا) على نهر (بوغ) لأب قاض وأم معلمة للعزف على البيانو. درس الأدب البولوني واللغات القديمة. تنقل بين بولونيا والنمسا وإيطاليا ورومانيا. توفي في 12/11/1936. من مجموعاته القصصية: ـــ على قمم الورود /1918/. ـــ روح الحركة /1919/. ـــ الجمعة المجنونة /1920/ ـــ كتاب النار /1922/ من رواياته: ـــ السالاماندر /1924/ ـــ الدير والبحر /1028/ ـــ جزيرة ايتونغو /1936/ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |