|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
صندوق التمني ـــ بقلم: سيلفيا بلاث ـ ت.د.إيمان الغفري نبذة عن الشاعرة والكاتبة سيلفيا بلاث: ولدت الشاعرة والكاتبة سيلفيا بلاث في بوسطن بولاية ماساشوستس في السابع والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1932, لأب من أصل ألماني وأم من أبوين نمساويين. كان والدها يعمل برفسورا في علم الحشرات بجامعة بوسطن حيث التقى زوجته أوريليا التي كانت تحضر لنيل شهادة الماجستير في الجامعة, فتزوجها رغم أنه يكبرها بعشرين عاماً, وقد تركزت معظم اهتمامات زوجته الشابة على تلبية متطلباته الخاصة ومتطلبات عمله, ونظراً لكونها طالبته التي تصغره كثيراً في السن, فقد كانت زوجة متفانية ومطيعة, وقدمت لابنتها سيلفيا نمطاً من أنماط خضوع المرأة في إطار الزواج, رغم أنها كانت تجد بأنه من الصعب عليها أن تلغي شخصيتها كما أراد لها زوجها, لكنها أدركت بأنها إذا أرادت المحافظة على جو هادىء ومسالم في المنزل وتجنباً للمشاكل, عليها أن تصبح أكثر خنوعاً مع أن ذلك كان ضد طبيعتها, أما سيلفيا فكانت طالبة لامعة ومميزة دراسياً, ففي السابعة من عمرها, نشرت أول قصيدة لها في جريدة محلية. واستمرت في تفوقها في المدرسة الثانوية حيث قررت لنفسها أن تكون كاتبة محترفة, وحصلت على منحة دراسية كاملة لكلية سميث وهي أكثر الكليات مكانة في أمريكا. وفي عام 1953 بنهاية سنتها الثالثة في كلية سميث فازت بجائزة تتضمن العمل في الصيف في مجلة النساء في نيويورك وهي "مادموزيل". عندما عادت إلى المنزل, وجدت بأنها لم تحقق الترتيب المتوقع لها في منهاج الكتابة, فعانت من الاكتئاب ثم حاولت الانتحار, ولكن تم إنقاذها في اللحظات الأخيرة. في عام 1954 عادت إلى الكلية وتخرجت فيها بمرتبة الشرف, وحصلت على منحة فولبرايت التي مكنتها من الالتحاق بجامعة كامبريدج لدراسة الأدب الإنجليزي, وهناك التقت بالشاعر تد هيوز, ووقعت بحبه, وتزوجته عام 1956. وقد بدت العلاقة في أولها قوية, علاقة شراكة أدبية مثمرة استفاد فيها كل منهما من الآخر, حيث قامت بلاث بطباعة أعمال هيوز وتوزيعها على دور النشر, أما زوجها فقد عمل على تشجيعها لتأكيد هويتها الشعرية المستقلة في الكتابة. في خريف عام 1957, عادت بلاث إلى أمريكا مع هيوز الذي عمل محاضراً في كلية سميث, بينما حاضرت بلاث في جامعة ماساشوستس, وكانت أستاذة ناجحة ومحبوبة ومخلصة وحية الضمير, لكنها مثل العديد من الكتاب, وجدت أن التدريس سرق منها الطاقة العصبية المطلوبة للكتابة. فتركت التدريس وكرست وقتها لكتابة الشعر. ونظراً لأن زوجها لم يتمكن من الاستقرار في أمريكا, عادت معه عام 1960 إلى إنجلترا, حيث أنجبت ابنتها فريدة ربيكا في نفس العام وكانت أما متحمسة ومحبة ولكنها في تلك السنوات من حياتها عانت من الضغط العصبي والمرض, ومع ولادة ابنها نيكولاس عام 1962, إنهار زواجها, بعد أن فُرض عليها أن تصبح مجرد زوجة وأم تعيش في ظل زوجها وهذا ما رفضته بشدة, وعبّرت عن ذلك بكتاباتها ومذكراتها ويومياتها ورسائلها لأمها التي أكدت فيها صعوبة الجمع بين الأمومة والأعباء المنزلية المفروضة على المرأة من جهة وكتابة الشعر والإبداع الأدبي من جهة أخرى. في عام 1962 بدأ زوجها بإقامة علاقة عاطفية مع زوجة أحد الشعراء, وأخفى الأمر عن زوجته التي اكتشفت خداعه وخيانته لها, فقررت بعد شهرين الذهاب للعيش في لندن, حيث استأجرت شقة في الضواحي وكانت سعيدة بحياتها الجديدة هناك, لكنها بدأت تعاني من تربية أطفالها ومعاناتهم الصحية من مناخ بريطانية البارد. فقد افتقر بيتها في بريطانيا للتدفئة المركزية وللرفاهية الموجودة في أمريكا, وهذا ما سبب لها مزيداً من الحزن والألم لتركها وطنها. لكنها وسط ذلك كله, كتبت أجمل قصائدها وأفضلها, فكانت تستيقظ في الساعة الرابعة صباحاً لتكتب قبل موعد استيقاظ أطفالها. بدأت تكتب بسرعة وحرية متجاهلة الرأي العام مطلقة العنان لمشاعرها الذاتية, فأصبح خطابها الشخصي عاماً, وتميزت قصائدها الأخيرة بالنبرة الاعترافية وبحضور حي للأنا بعد أن كانت تكتب وهي تضع رأي القراء نصب عينيها. وفي عام 1963 انتحرت سيلفيا بلاث بالغاز, وكانت ما تزال في الثلاثين من عمرها, تاركة وراءها مجموعات عديدة من الشعر والقصص القصيرة وروايتين, واحدة لم تكتمل, بالإضافة إلى مذكراتها ورسائلها التي يمكن من خلالها معرفة تاريخ بلاث الشخصي والنفسي ومعاناتها الحقيقية. وعد بعض النقاد زوجها مسؤولاً عن انتحارها المبكر, خصوصاً بعد انتحار عشيقته التي أصبحت زوجته الثانية بعد بلاث بالغاز أيضاً. ومن المثير للجدل أن زوجها قد عمل بعد موت بلاث على التخلص من بعض أعمالها التي وجد أنها قد تمس بسمعته الشخصية وبأولادها في المستقبل, ما تزال بعض أعمالها محفوظة في مكتبة كلية سميث لتنشر عام 2013. ومن الواضح أن انتحار بلاث في سن مبكرة قد أثار جدلاً كثيراً, ووجه الانتباه إلى معاناة النساء في عالم يصوغ الرجال قوانينه, وأظهر التأثير المدمر للأدوار النوعية المفروضة على النساء مثل العناية بالبيت ورعاية الأطفال, تلك الواجبات التي تحّد من القدرة على الإبداع وتحقيق الذات عند النساء. واعتبر انتحار بلاث رفضاً وتحدياً للأعباء الاجتماعية المفروضة على المرأة, ورأت إحدى الناقدات أن بلاث من أوائل الشاعرات اللواتي تنبأن بمولد النسوية. فمع مولد الحركة النسائية في أوائل السبعينات, بدأت الناقدات بالتركيز على وعي الشاعرة والكاتبة النسوي بخصوص البنية الأبوية للمجتمع وللأسرة. وتشير بلاث في قصتها القصيرة هذه بعنوان "صندوق التمني", إلى أزمة تأكيد الهوية الشخصية والصعوبات التي تواجهها المرأة المبدعة التي لا تستطيع أن تحلم أحلاماً كبيرة متنوعة, وهي سجينة عالم ذكوري يفرض قيوداً متينة لا على حركتها فحسب, بل على أحلامها وآمالها التي ينبغي ألا تتجاوز إطار الزواج والمنزل الذي يقضي على خيالها الخصب الذي طالما كانت تتمتع به في طفولتها, فهي لا ترى أمامها سوى الكراسي والطاولات, ولذلك فأحلامها اليومية لا تتجاوز حدود المنزل, بعكس زوجها الذي ينتقل يومياً مما يساعده على أن يحلم أحلاماً كبيرة خصبة حيوية وملونة, يرى في البيت أمامه ملهمة رائعة تستمتع له, لكن زوجته بالمقابل لا تجد لنفسها أي مصدر للإلهام, فأحلامها الخاصة لا تعني زوجها بأي حال, وما عليها سوى أن تقضي حياتها لتسمع ما يقال لها. وفي هذه القصة تنقل الشاعرة بشكل رمزي صوراً من حياتها الخاصة, عندما قضى الزواج على أحلامها الكبيرة وطموحاتها, فقد كرست حياتها لخدمة أهداف زوجها متناسية هويتها وكيانها وأحلامها إرضاء لزوجها وللمجتمع الذي يضع نجاح الرجل في المقام الأول ولو على حساب جهود النساء. اختفى صندوق التمني الذي كانت تراه في طفولتها ليحقق لها أمنياتها أو ربما سرق, ولم تعد تذكر كيف ولماذا. كانت أحلامها ملونة رائعة تحلق فيها بحواسها كافة, لكنها الآن أصبحت مجرد كوابيس قاتمة. وترمز بلاث في هذه القصة إلى معاناة المرأة المبدعة والحالمة في عالم يحرر الرجال ويسمح لهم بتحقيق أمنياتهم, بينما يكبل النساء ويفرض على أحلامهن قيوداً صارمة, فينتهي بهن المطاف بأن يفقدن أحلامهن وخيالهن الخصب إلى الأبد ولا يجدن لهن مكاناً في عالم الفن والأدب والإبداع. صندوق التمني وأخيراً أدركت آغنيس هيغنر إدراكاً قاطعاً وواضحاً لدرجة كبيرة سبب ذلك التعبير المبتهج والغائب الذهن المرتسم على محيا زوجها هارولد عند تناوله عصير البرتقال والبيض المخفوق في الصباح. "حسناً", تنشقت آغنيس وهي تفرش مربى الخوخ الأرجواني الداكن على قطعة التوست بضربات حقودة من سكين الزبدة. "بماذا حلمت الليلة الماضية؟". "كنت أتذكر لتوي", قال هارولد, وهو ما يزال يحدق بنظرة ضبابية شديدة السعادة عبر شكل زوجته الحقيقي والجذاب جداً (متوردة الخدين وشقراء كالزغب كما هي دائماً في ذلك الصباح المبكر من شهر أيلول سبتمبر, وهي مرتدية البنوار الفضفاض المزين برسومات غصينات ورد), "تلك المخطوطات كنت أناقشها مع وليام بليك". "لكن", اعترضت آغنيس, محاولة بصعوبة إخفاء غيظها, "كيف عرفت بأنه كان وليام بليك؟" بدا هارولد مندهشاً. "لماذا, من الصور, طبعاً". وماذا يمكن لآغنيس أن تقول حول ذلك؟ استكانت محترقة بصمت مع قهوتها, وهي تصارع الغيرة الغريبة التي بدأت تعشعش فيها مثل سرطان مظلم خبيث منذ ليلة زفافهما أي قبل ثلاثة أشهر فقط, عندما اكتشفت أحلام هارولد في تلك الليلة الأولى من شهر عسلهما, في الساعات القليلة الأولى من الصباح, أجفل هارولد آغنيس من نوم عميق لا حلم فيه بحركة عنيفة متشجنة بأكمل ذراعه اليمنى لبرهة فزعت آغنيس فهزت هارولد وأيقظته لتسأله بنبرات أمومية حانية عن الأمر, إذ اعتقدت بأنه كان يصارع صراعاً عنيفاً في كابوس. ليس هارولد. "كنت أهم بعزف "كونشيرتو الإمبراطور", أوضح لها بنعاس. "لابد أنني كنت أرفع ذراعي للوتر الأول عندما أيقظتني". الآن في مستهل زواجهما, كانت أحلام هارولد الحيوية مسلية لآغنيس. ففي كل صباح كانت تسأل هارولد عما حلم خلال الليل, وكان يخبرها عن تفاصيل غنية ودقيقة وكأنه يصف حدثاً ما حقيقياً ومهماً. "لقد جرى تعريفي على تجمع من الشعراء الأمريكيين في مكتبة الكونغرس", كان ينقل الخبر بتلذذ مضيفاً إليه نكهة لذيذة". كان وليام كارولس وليامز هناك مرتدياً معطفاً كبيراً خشناً, وذلك الشخص الذي يكتب عن نانتكت, وظهر روبنسون جيفرز وكأنه أمريكي هندي, بنفس الطريقة التي يظهر فيها في كتاب المقتطفات الأدبية المختارة, ومن ثم جاء روبرت فروست وهو يقود سيارة صالون وقال شيئاً ظريفاً وذكياً أضحكني "أو أني" رأيت صحراء جميلة كلها بالأحمر والقرمزي, وكل ذرة رمل فيها كأنها ياقوتة حمراء أو زرقاء تبعث ضوءاً. كان نمر أبيض مرقط ببقع ذهبية واقفاً فوق هذا الجدول الأزرق اللامع, ذراعاه الخلفيتان على ضفة, وذراعاه الأماميتان على الضفة الأخرى, وقافلة من النمل الأحمر كانت تعبر الجدول فوق النمر, صعوداً على ذيله, وعلى طول ظهره, بين عينيه, ونزولاً إلى الجهة الأخرى". لم تكن أحلام هارولد إلا أعمالاً فنية متفحصة في أدق التفاصيل, لا يمكن الإنكار بأنه بالنسبة لمحاسب قانون ذي تعليم أدبي واضح (فهو يقرأ أي تي أيه هوفمان وكافكا والأبراج الشهرية بدلاً من الجريدة اليومية في المجلة الخاصة بالمتنقلين اليوميين), فإن هارولد يمتلك خيالاً خصباً ملوناً وسريعاً بشكل مدهش. لكن تدريجياً, بدأت عادة هارولد الغريبة بقبول أحلامه وكأنها, حقاً, جزء لا يتجزأ من تجربته في اليقظة التي بدأت تغيظ آغنيس, شعرت بأنها مهملة, بدا وكأن هارولد يقضي ثلث حياته بين المشاهير, والمخلوقات الأسطورية الخرافية في عالم مبهج وجدت آغنيس نفسها منفية عنها دوماً وأبداً, ما عدا سماع ما يقال. عندما مرت الأسابيع, بدأت آغنيس تفكر ملياً, رغم أنها رفضت أن تشير بذلك لهارولد, فإن أحلامها عندما تحلم (وذلك وللأسف كان نادر الحدوث وغير كاف) أرعبتها: مناظر طبيعية قاتمة ومتوهجة مسكونة بأشخاص لهم هيئات مشؤومة وغير محددة الملامح, لم تستطع مطلقاً تذكر تلك الكوابيس بالتفصيل, بل إنها نسيت أشكالها حتى عندما كانت تناضل لتنهض محتفظة فقط بالإحساس الحاد بجوها الخانق والمشحون بالعواصف, ذلك الإحساس الثقيل القابض للصدر الذي سيسكنها خلال اليوم التالي. شعرت آغنس بالخجل من أن تذكر لهارولد أحاسيس الرعب المتفرقة هذه خوفاً من أن تنعكس عليها بشكل سلبي يحط من شأن قدراتها الخاصة على التخيل إن أحلامها على ندرتها وتباعد فترات حدوثها ـ بدت مبتذلة جداً ومملة جداً بالمقارنة مع الفخامة الملكية والبهاء الباروكي الزخرفي لأحلام هارولد. كيف ستقول لـه بكل بساطة, وعلى سبيل المثال: "كنت أسقط", أو "أمي ماتت وأنا كنت حزينة جداً": أو: "إن شيئاً ما كان يلاحقني ولم أستطع الجري"؟ الحقيقة الواضحة التي أدركتها آغنيس بغصة حسد بأن حياتها في الأحلام ستجعل أكثر المحللين النفسيين مجاملة يكبت تثاؤباً. أين؟ استغرقت آغنيس في التفكير بتوق حزين, أين ولت تلك الأيام ـ أيام الطفولة الخصبة عندما كانت تؤمن بالجنيات؟ وقتها, على الأقل, لم يكن أبداً نومها بدون حلم, ولم تكن أحلامها مملة وبشعة, ففي عامها السابع, تذكرت بتوق حزين بأنها حلمت بأرض صندوق التمني فوق السحاب حيث تنمو صناديق التمني على أشجار, تشبه كثيراً طاحن القهوة, تختارين صندوقاً تديرين القبضة تسع مرات بينما تهمسين أمنيتك في ذلك الثقب الصغير بالجانب, وتتحقق الأمنية. في مرة ثانية, حلمت بأنها وجدت ثلاث شفرات عشب سحرية تنمو قرب صندوق البريد عند نهاية الشارع: كانت الشفرات تلمع مثل أشرطة زينة عيد الميلاد المبهرجة, واحدة حمراء, وثانية زرقاء, وثالثة فضية بل وحتى في حلم آخر, وقفت هي وأخوها الصغير أمام منزل دودي نيلسون المسقوف بألواح بيضاء وهما ببذلات الثلج, بينما شقت الجذور الكثيرة المعقودة لشجرة "القيقب" طريقها متلوية كالأفعى في الأرض البنية الصلبة, كانت ترتدي قفازاً صوفياً لا أصابع لـه ومقلماً بالأحمر والأبيض, وفجأة عندما فتحت كف يدها المضمومة, بدأت السماء تثلج علكة زرقاء تركوازية من السلفا المضادة للبكتريا. ولكن ذلك كان تقريباً القدر الذي تذكرته آغنيس من الأحلام اللامتناهية والأكثر إبداعاً لأيام طفولتها. في أي عمر لها طردتها تلك العوالم ـ عوالم الأحلام المحسنة المرسومة بالألوان؟ ولأي سبب؟ وفي تلك الأثناء, تابع هارولد وبلا كلل أو ملل سرد أحلامه عند الفطور, في وقت عصيب وسيء الطالع من حياة هارولد مرة وقبل لقائه بآغنيس, حلم هارولد بأن ثعلباً أحمر ركض عبر مطبخه, وهو محروق بشكل مؤلم, فراؤه متفحم بالسواد, وهو ينزف من جروح عديدة, فيما بعد, اسر لها هارولد في وقت أحسن طالعاً, وذلك بعد زواجه من آغنيس بفترة وجيزة, بأن الثعلب الأحمر قد ظهر مرة ثانية, وقد شفي بأعجوبة, وظهر بفراء مزهر, ليقدم لهارولد زجاجة من مشروب "كونياك" الأسود الدائم, كان هارولد مولعاً بشكل خاص بأحلامه عن الثعلب, فقد تكررت مراراً, كما تكرر وبشكل ملحوظ حلمه عن السمكة العملاقة. "كانت ـ هنالك هذه البركة", أخبر هارولد آغنيس في صباح يوم خانق من شهر آب, "حيث اعتدت أنا وابن خالتي آلبرت الصيد, وقد صدت أكبر سمكة نهرية يمكن أن تتخيليها, من المؤكد أنها كانت جد الجد الأكبر لجميع بقية السمكات, سحبت وسحبت وسحبت, واستمرت السمكة بالخروج من تلك البركة". "مرة", ردت آغنيس مقطبة لجبينها وهي تقلب السكر في قهوتها السوداء, "عندما كنت صغيرة حلمت بسوبرمان وكان كله بالألوان الطبيعية, فقد كان مرتدياً اللون الأزرق, مع عباءة حمراء وشعر أسود, كان وسيماً كأمير وقد ذهبت لأطير معه في الهواء ـ كان بإمكاني أن أشعر بالريح تصفر, والدموع تنهمر متطايرة من عيني, طرنا فوق آلاباما, عرفت بأنها آلاباما لأن الأرض كانت تبدو مثل خريطة, مكتوب عليها "آلاباما" بأحرف مطبعية كبيرة مخططة على الجبال الخضراء الكبيرة". كان هارولد متأثراً بوضوح, ثم سألها "بماذا حلمت الليلة الماضية؟" كانت نبرة هارولد شبه نادمة: ففي الحقيقة, شغلته حياته في الأحلام كثيراً لدرجة أنه وبكل صراحة لم يفكر يوماً بأن يقوم بدور المستمع الذي يتحرى عن أحلام زوجته. نظر إلى محياها الجميل المضطرب باهتمام جديد من نوعه: كانت آغنيس, توقف هارولد ليلاحظ وربما للمرة الأولى منذ الأيام الأولى لزواجها, كانت وعلى نحو عجيب منظراً خلاباً جداً أمام طاولة الفطور. وللوهلة الأولى, ارتبكت آغنيس من سؤال هارولد المقصود, فقد مرت منذ زمن بعيد بمرحلة فكرت فيها جدياً بإخفاء نسخة من كتابات فرويد عن الأحلام في خزانتها وبتحصين نفسها بحكاية أحلام تنقلها بشكل غير مباشر لتستحوذ على اهتمام هارولد كل صباح, الآن, تطرح التكتم جانباً رامية إياه أدراج الرياح, لتقرر يائسة أن تعترف بمشكلتها. "لا أحلم بشيء", اعترفت آغنيس بنبرات ضعيفة ومأساوية. "لم أعد أحلم بشيء". بدا هارولد مهتماً بوضوح. "ربما" قال مواسيا إياها. "ربما لا تستخدمين قدراتك على التخيل بشكل كاف, يجب أن تتمرني, حاولي إغلاق عينيك". أغلقت آغنيس عينيها. "الآن" سألها هارولد بتفاؤل, "ماذا ترين؟" ارتعبت آغنيس فهي لم تر شيئاً. "لا شيء", قالتها بصوت متهدج "لا شيء سوى نوع من الغشاوة". "حسناً", قال هارولد بنشاط وسرعة مقتبساً أسلوب طبيب يتعامل مع مرض رغم أنه خطير, إلا أنه غير مميت بالضرورة, "تخيلي قدحاً". "ما نوع القدح؟" توسلت مناشدة. "هذا يعود ذلك", قال هارولد. "صفيه أنت لي". العينان لا تزالان مغلقتين, عندما بحثت آغنيس بشدة في أعماق رأسها, تمكنت بجهد جهيد من أن تستحضر قدحاً فضياً مبهماً يترقرق ويتأرجح في مكان ما في المناطق السديمية خلف عقلها, وهو يومض مرتعشاً وكأنه في أية لحظة يمكن أن ينطفىء مثل شمعة. "إنه فضي, من شبه المؤكد وله قبضتان اثنتان". "جيد الآن تخيلي مشهدا ً منحوتاً عليه". فرضت آغنيس صورة أيل الرّنة على القدح, وزخرفت حوله على الفضة أوراق عنب محفورة بخطوط عريضة نافرة من الداخل, إنه أيل الرّنة في أكليل من أوراق العنب". "ما لون المشهد؟" كان هارولد كما تصورت آغنيس بلا رحمة. "أخضر", كذبت آغنيس, بينما هي تطلي أوراق العنب بسرعة, "أوراق العنب خضراء, والسماء سوداء" ـ كانت نوعاً ما فخورة بهذه الضربة الأصلية الألمعية. "ولون الأيل زعفراني أحمر منقط بالأبيض". "حسناً جداً, الآن اصقلي القدح بأكمله ليصبح لماعاً جداً". صقلت آغنيس القدح المتخيل, وهي تشعر بأنها غشاشة. "لكنه في رأسي", قالت بارتياب فاتحة عينيها. "أرى كل شيء خلف رأسي. أهناك ترى أحلامك؟" "لماذا؟ لا". قال هارولد محتاراً. "أرى أحلامي أمام أجفاني, كما في شاشة سينما, إنها تأتي فحسب, أنا لا يد لي بها. كما الآن, أغلق عينيه, "أرى هذه التيجان البراقة تأتي وتذهب معلقة على شجرة صفصاف كبيرة". صمتت آغنيس متجهمة. "ستكونين على ما يرام", حاول هارولد تشجيعها مداعباً. "كل يوم حاولي التمرن على تخيل أشياء مختلفة مثلما علمتك". جعلت آغنيس الموضوع يسقط من اعتبارها, بينما كان هارولد بعيداً في العمل, بدأت فجأة تقرأ كثيراً, فالقراءة جعلت عقلها مليئاً بالصور, وأخذت وكأنها مصابة بنوع من الهستريا النهمة ـ تلتهم الروايات ومجلات النساء والجرائد وحتى أيضاً النوادر في كتابها "متعة الطبخ", قرأت نشرات السفر والمنشورات الدورية للأجهزة المنزلية مثل كاتالوج المجفف (روباك), والتعليمات على علب الصابون المبشور, وهوامش الكتب المسجلة على الغلاف الورقي ـ أي شيء يبعدها عن مواجهة الفراغ الفاغر فاه في رأسها, ذلك الفراغ الذي جعلها هارولد واعية به وبألم, لكنها حالما رفعت عينيها عن المادة المطبوعة بين يديها, بدا وكأن عالماً يحميها قد انطفأ. إن واقع الأشياء المحيطة بها والمكتفية بذاتها واللامتغيرة بدأ يكدر صفو آغنيس, وبفزع غيور, شملت آغنيس بحملقتها المصعوقة وشبه المشلولة السجادة الشرقية وورق الحائط الأزرق وحيوانات التنين المطلية بالذهب على المزهرية الصينية الموضوعة فوق رف المدفأة, وتصميم النقوش المستديرة الزرقاء والذهبية للأريكة المنجدة التي كانت تجلس عليها. شعرت بالاختناق, وبأن هذه الأغراض بوجودها الضخم العملي الذي يهدد على نحو ما أعمق وأكثر الجذور خصوصية في كيانها الفاني قد كتمت على أنفاسها. فهارولد كما تعلم تماماً لا يحتمل مثل هذا الهراء المتبجح عن الطاولات والكراسي, فإذا لم يعجبه المشهد الذي بين يديه, إذا ما سبب لـه الضجر, فإنه سيغيره ليناسب خياله, وإذا ما وجدت آغنيس التي تنوح في هلوسة ناعمة أخطبوطاً ينزلق زاحفاً نحوها عبر الأرضية, وهو مزين بأشكال برتقالية وقرمزية تستحق الإطراء, فإنها ستباركه, ستفعل أي أي شيء لتثبت بأن قواها التي تشكل تخيلاتها لم تَضِع بشكل لا يمكن استردادها, وبأن عينها لم تكن مجرد عدسة كاميرا مفتوحة تسجل الظواهر المحيطة وتتركها هكذا. "الوردة" وجدت نفسها تردد على نحو مكتوم مثل نشيد دفن جنائزي, "هي وردة هي وردة...". في صباح يوم ما بينما كانت آغنيس تقرأ رواية أدركت فجأة ولفزعها الشديد بأن عينيها قد مسحتا خمس صفحات دون أن تستوعب معنى كلمة واحدة, حاولت ثانية, لكن الحروف تفرقت, متلوية مثل أفاع سوداء صغيرة مؤذية تنسل عبر الصفحة بنوع من لغة رطنة لها فحيح أفاع ولا يمكن ترجمتها. عندئذ بدأت آغنيس تحضر الأفلام حول الزاوية بانتظام كل مساء, لم يكن ليهمها فيما إذا كان قد سبق لها مشاهدة نفس الفيلم الطويل عدة مرات من قبل, فالمنظار المتدفق للأشكال المتغيرة أمام عينيها قد هدهدتها في غفوة إيقاعية, والأصوات التي تتحدث رموزاً مشفرة مهدئة وغير مفهومة طردت الصمت المطبق في رأسها. في النهاية, بفضل كثير من التملق, أقنعت آغنيس هارولد بشراء جهاز تلفزيون بالتقسيط, كان هذا أفضل بكثير من الأفلام, فقد كان بإمكانها أن تشرب مشروب "الشيري" بينما تشاهد التلفزيون خلال الأمسيات الطويلة في تلك الأيام الأخيرة, عندما كانت آغنيس تستقبل هارولد عند عودته إلى المنزل كل مساء, وجدت بشيء من الرضى الخبيث بأن وجه هارولد قد تغبش أمام نظرتها المحملقة, فأصبح بإمكانها أن تغير من ملامحه بإرادتها في بعض الأحيان, أعطته مظهر البازلاء الخضراء, وأحياناً أخرى مظهر الخزامى, وأحياناً أنفاً إغريقياً, وأحياناً أنف نسر. "لكني أحب نبيذ الشيري" قالت آغنيس لهارولد بعناد عندما أصبحت أمسيات الشرب الخاصة بها واضحة حتى أمام عينيه بشكل كاف لجعلها تنام, وحيث أنها لم تكن ثملة بشكل حاد, إذ يزول بشكل تدريجي التشوش التخيلي الذي يسببه الشيري, لذلك كانت ترقد متيبسة وهي تلوي أصابعها في مفارش السرير مثل جوارح طير عصبية, وذلك بعد فترة طويلة من نوم هارولد الذي يتنفس بسلام وانتظام, وهو في وسط مغامرة ما فريدة ورائعة, رقدت آغنيس وهي صاحية تماماً ليلة تلو ليلة. والأسوأ من ذلك أنها لم تعد تشعر بالتعب وبالنهاية, هاجمها إدراك واضح وكئيب بما يحصل, فستائر النوم والظلام المنعش والمسبب للنسيان التي تفصل كل يوم عن اليوم الذي سبقه وعن اليوم الذي سيأتي بعده, تلك الستائر قد رفعت عن آغنيس للأبد, وبغير رجعة رأت منظراً لا يحتمل من أيام وليال بلا رؤية أو تخيل تمتد بلا انقطاع أمامها, وعقلها محكوم عليه بفراغ كامل, دون أية صورة خاصة لتردأ عنها الهجوم الساحق للطاولات والكراسي المزهرة والمستقلة بذاتها, فكرت آغنيس ملياً وبقرف ضجر, ربما تعيش لعمر المئة فجميع النساء في عائلتها عشن عمراً مديداً. حاول الدكتور ماركوس, طبيب عائلة هيغنر بإسلوبه المرح أن يطمئن آغنيس حول شكاويها من الأرق بأنها "ليست أكثر من مجرد توتر عصبي, هذا كل ما في الأمر, خذي واحدة من هذه الكبسولات عند الليل لفترة وأنظري كيف ستنامين". لم تسأل آغنيس الطبيب فيما إذا كانت الحبوب ستعطيها أحلاماً, فوضعت علبة الدواء التي تحتوي على خمسين حبة في حقيبة يدها, واستقلت الباص عائدة إلى البيت. بعد يومين, في الجمعة الأخيرة من شهر أيلول, عندما عاد هارولد من عمله (كان قد أغلق عينيه طوال رحلة القطار التي تستغرق ساعة إلى البيت مفتعلاً النوم لكنه في الواقع كان مسافراً في رحلة بحرية على مركب شراعي عربي كرزي اللون يبحر فوق نهر وضاء حيث بدت أفيال بيضاء بأحجام كبيرة تتريض عبر السطح الكريستالي للماء تحت ظل الأبراج المغربية المزينة بزجاج ملون بكل الألوان), وجد آغنيس مستلقية على الأريكة في غرفة الجلوس مرتدية ثوبها الحريري المصنوع من الاستبرق الزمردي الراقي كطراز الأميرة المفضل لديها للمساء, وهي شاحبة وفاتنة مثل زنبقة مرمية, العينان مغلقتان, علبة دواء فارغة وكوب ماء مقلوب على السجادة بجانبها, كانت ملامحها الساكنة قد انعقدت متجمدة في ابتسامة نصر صغيرة خفية, كما لو أنها في بلد بعيد لا يصل إليه الرجال القابلون للفناء, ترقص أخيراً رقصة الفالس مع أمير أحلامها الأولى ذي العباءة الحمراء الداكنة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |