|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من الشعر العصيّ ـــ فيودور تيوتشيف ـ ت.عدنان جاموس تمهيد وتعريف: ربما بدا أن الأمر ينطوي على مفارقةٍ مستهجنة إذا عرفنا أن المقصود في العنوان هو "الاستعصاء على الترجمة". إذ كيف نعترف بأن هذا الشعر "عصيّ على الترجمة" ثم نعمد بكل صفاقة إلى ترجمته؟! ولكن هل ثمة شعر يسلس قياده للترجمة طائعاً مذعناً، وشعر شموس يأبى أن ينتقل من حالته الأصلية إلى حالة أخرى إلاّ بعد مقاومة عنيفة لا تتيح لناقله امتلاك ناصيته إلاّ بعد أن يصبح هذا الشعر الحي جثة هامدة؟ إن قضية ترجمة الشعر: هل هي جائزة أم لا؟ وهل هي ممكنة أصلاً أم لا؟ قضية قديمة كما هو معروف، ولسنا هنا بصدد استعراض الآراء المؤيدة لترجمته والمعارضة لها والإشكالات التي يثيرها كل رأي، وخصوصاً اليوم، في ضوء المناهج النقدية الحديثة والنظريات المعاصرة التي تطمح إلى الكشف عن ماهية الفن والأدب وتنظر إلى القارئ على أنه مشارك في الإبداع وترى إلى النص على أنه عدد من النصوص يعادل عدد قرائه ومتلقيه. ولذا سنكتفي هنا بالإشارة إلى السبب الذي يجعل من ترجمة أعمال شعراء من أمثال بوشكين وليرمونتوف وتيوتشيف ويسيينن مهمة تكاد تكون مستحيلة. والسبب في ذلك يعود، في المقام الأول، إلى أن إبداعات هؤلاء الشعراء وأمثالهم تصدر عن موهبة فطرية حقيقية وتجربة روحية غنية ومعاناة عميقة صادقة تجعل من أعمالهم كائنات حية متكاملة ومولودة في أحسن تقويم، حتى إذا ما فقدت أي عضو من أعضائها أو تعرضت لأي تغيير تشوهت وفقدت شيئاً من أصالتها أو تفردها بقدر يقل أو يزيد. ألم يقل الجاحظ العظيم في حينه: "إن الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطّع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه...."؟ ثم قال أبو سليمان السجستاني من بعده إن "أكثر رونق الشعر ومائه يذهب عند النقل، وجلّ معانيه يتداخله الخلل عند تغيير ديباجته". ولا يخفى أن الحديث هنا لا يدور حول "النظم" الرتيب المقيت، بل حول الشعر الموزون المقفى الذي يدهشك بمقدرة الشاعر على تطويع اللغة للتعبير عن أفكاره وعواطفه ومشاعره بسلاسة وعفوية دون أن يكون الوزن قيداً يحد من مقدرته على التعبير عما يريده بالضبط ودون أن تكون القافية عبئاً يجهد في أن يلصقها بآخر البيت كيفما كان، بل إن الإيقاع الذي ينشأ عن الوزن عندما يتناسب مع المعنى وينسجم مع جرس المفردات يصبح مصدر إعجاب وإدهاش، والقافية عندما تأتي كمولود طبيعي وكأن البيت قد "تمخض" عنها بعد أن حملها في أحشائه فجاءت ابنةً شرعية لـه ولما قبله، وعنصراً بنيوياً مكوِّناً في النسيج المتين الذي يحوكه الشاعر لا بد لها من أن تخلق انطباعاً مبهراً وعميقاً في نفس المتلقي يزيد من قوة شعوره بالجمال الفني. إن ترجمة مثل هذا الشعر هي، فعلاً، مهمة مستحيلة التحقيق حتى وإن تولى تنفيذها شاعر موهوب، أما الأمثلة التي يوردونها عن ترجمات تضاهي الأصول أو تفوقها جمالاً في بعض الأحيان، فهي ليست ترجمات "مكافئة" بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ إن الشاعر المترجم لا بد لـه في هذه الحالة من أن يزيد أو ينقص أو يحور، مستوحياً المغزى الجوهري الكامن في الأصل، كي يستطيع أن ينقل المعنى مع "الرونق" و"الديباجة"، أو كي ينقل معنىً مقارباً بـ"رونق" و"ديباجة" جديدين، أي أن يترجم بتصرف. فالترجمة المكافئة الدقيقة ـ وليس الحرفية طبعاً ـ لا تحتمل وجود "فاقد" أو "فائض"، إلاّ بمقدار ما تفرضه طبيعة اللغة الهدف. ولا يعني هذا دعوة إلى الانصراف عن نقل الشعر بتصرف، إذ إن هذا النقل يمكن أن ينتج أعمالاً إبداعية رائعة ذات كينونة مستقلة قائمة بذاتها وقيمة مكتفية بنفسها بصرف النظر عن قيمة الأصل، وإن كانت مستوحاة منه، كترجمة "رباعيات الخيام" التي أبدعتها ريشة أحمد رامي على سبيل المثال. ولكن في هذه الحالة يجب ألاّ يغيب عن البال أن هذه الترجمة لا تصلح لأن تكون أساساً لدراسة خصائص شعر "الخيام" وأسلوبه البلاغي وطريقته في استخدام الصور البيانية والمحسنات البديعية إلخ... كما أن هذا لا يعني أن من السهل ترجمة الشعر الذي يخلو من الوزن والقافية، فما من شاعر أو ناقد من أنصار هذا الاتجاه الشعري إلاّ ويرى أن الشعر الذي يكتبه أو يناصره يستعيض عن الوزن "الرتيب الممل" والقافية "المقيِّدة" بالإيقاع "الحيّ المتناوب" والموسيقا "الداخلية" والقافية "الخفية"، دعك من الغموض الذي "يلازم" الشعر الحديث أو الحداثوي "ملازمة عضوية" إلخ... ولكن هذا موضوع آخر لا مجال للخوض فيه هنا، وحسبنا هنا أن نشير إلى أن شعر تيوتشيف "الموزون المقفى" يفقد عند الترجمة الكثير من مقوماته الجمالية حتى ليبدو في بعض الأحيان نثراً عادياً يعبر عن بعض أفكار الكاتب وهواجسه ونظرته إلى الكون. إذاً فلِمَ ترجمة مثل هذا الشعر العصي؟ والجواب باختصار هو: اختيار أهون الشرين. وبالفعل إذا ما خُيِّرتُ بين أن أظل، من جهة أولى، جاهلاً بما أبدعه شعراء العالم بدءاً من ملحمة جلجامش ووصولاً، وليس انتهاء، إلى أعمال الشعراء المعاصرين لأني لا أعرف اللغات التي كتبوا بها، وأن أتعرّف، من جهة أخرى، هذا الإبداع ولو محنطاً، بالعربية، لاخترت الأمر الثاني حتماً، على أن يكون من يتولى نقل هذه الكنوز إلى اللغة الهدف أهلاً لذلك حقاً: وجداناً، وشعوراً بالمسؤولية، وموهبة ومهارة فنية والتزاماً بالقواعد المعروفة: من اطلاع كامل على كل ما هو متاح للمعرفة من حياة الشاعر وثقافته وظروف عصره وخواص إبداعه ومكانته في تاريخ أدب بلاده، وبذل أقصى الجهد في تمثل تجربة الشاعر والدخول في إهابه وتقمص شخصيته مما يتيح لـه لا أن يفهم المعاني والمجازات التي يرمي إليها الشاعر فحسب، بل أن يستشف الإيحاءات والظلال والتلوينات الدقيقة الرهيفة التي لا تحتويها المعاجم، بل يولدها النسيج الشعري نفسه، وهذا كله أضعف الإيمان. فالإيمان لن يكتمل إلاّ بإبداع المكافئ لكل هذا في اللغة الهدف، مما يتطلب من المترجم أن يكون محيطاً بتراث أمته الشعري ومواكباً للحركة الشعرية وتطورها وكشوفها وتجديداتها الإبداعية في الشكل والمضمون واللغة، وأن يكون لديه حد أدنى من الموهبة يؤهله لاقتراف جريمة "الترجمة الشعرية" بأقل قدر من الخسائر في الأرواح والعتاد! ولكن هيهات! وأياً كان الأمر فإن تعريف القارئ العربي بهذا الشاعر الذي يتمتع بمكانة مرموقة في أدب بلاده لن يكون نافلاً. فمن هو فيودور تيوتشيف؟ تيوتشيف (1803 ـ 1873) شاعر روسي ولد في أسرة نبيلة عريقة في قرية أوفستوغ بمقاطعة بريانسك. أنهى تعليمه الجامعي في قسم الآداب بجامعة موسكو وعُيّن في وزارة الخارجية، وعمل ضمن البعثة الدبلوماسية الروسية في ميونيخ (بافاريا) بين عامي 1822 ـ 1837 ثم في تورينو (إيطاليا) بين عامي 1837 ـ 1839. وعاد إلى وطنه في عام 1843)، بعد أن قضى في الخارج أكثر من عشرين عاماً. أنيطت به في عام 1848 وظيفة رقيبٍ رئيسٍ في وزارة الخارجية، وانتُخب عام 1857 عضواً مراسلاً في أكاديمية العلوم. تولى في عام 1858 رئاسة هيئة الرقابة الأجنبية وظل في هذا المنصب حتى آخر أيامه. توفي إثر مرض في الخامس عشر من تموز (1873 ودفن في بطرسبورغ. نشر تيوتشيف أولى مقطوعاته الشعرية الأصيلة عام 1821. وبعد سفره إلى الخارج راح يرسل ما يكتبه إلى أصدقائه في الوطن دون أن يَعُدّ نفسه شاعراً محترفاً. وبلغ نشاط تيوتشيف الإبداعي ذروته في أواخر الأربعينيات والنصف الأول من الخمسينيات. وقد أرسل من ميونيخ في ربيع عام 1936 إلى بطرسبورغ بضع عشرات من المقطوعات التي حظيت بإعجاب كل من الشاعرين: جوكوفسكي وفيازمسكي، أما بوشكين فقد بلغ إعجابه بها درجة جعلته يقرر نشر معظمها في مجلة "المعاصر" التي كان يصدرها، وقد اختار منها أربعاً وعشرين مقطوعة ونشرها في العددين الثالث والرابع من المجلة. وقد صدر ديوان تيوتشيف الأول في طبعة مستقلة عام 1854 فاشتهر اسمه في روسيا كلها. وصدر ديوانه الثاني والأخير في حياته عام 1868. وكثرت في السنوات الأخيرة من حياته الإبداعية أشعار المناسبات وازدادت وضوحاً النزعة المحافظة في آرائه السياسية. تعرف تيوتشيف عام 1828 إلى الفيلسوف الألماني "شيلينغ" والشاعر الألماني "هاينيه" وترجم بعض أشعاره إلى الروسية، كما ترجم بعضاً من أشعار "غوته" و"راسين". غلبت على شعر تيوتشيف سمة الغنائية ـ الفلسفية، إلاّ أن فلسفته كانت شعورية ـ تأملية أكثر منها عقلية ـ منطقية. فقد كان يؤمن بأن التفكير العقلاني ـ الصارم عاجز عن النفاذ إلى "أسرار" الكون. وأن هذه "الأسرار" لا تتكشف إلاّ للشعور المباشر والتأمل الروحي. فالعقل ينطلق ويحلق لمعرفة الحقيقة ولكنه "كمياه النافورة" لا يستطيع اختراق الأعالي، إذ ما إن يلامسها حتى يعود وينكفئ عاجزاً كما تعود مياه النافورة إلى الأرض من جديد. والفكرة التي تتلهف إلى الصعود نحو السماء تياراً متماسكاً محكوم عليها بأن تسقط إلى الأرض رذاذاً مبعثراً: ـ النافورة انظر كيف تنبجس النافورة متلألئة كسحابة حية؛ وكيف يتوهج في الشمس ثم يتبعثر دخانُها البليل. يصعد نحو السماء كالشعاع يلامس العلاء المنشود ثم يهبط إلى الأرض من جديد محكوماً بقدره، غباراً بلون النار. آه، يا ينبوع الفكرة الفانية! أيها النبع الذي لا ينضب، أي قانون عصي على الفهم يجعلك تندفع بهذه القوة وتثب بشوق نحو السماء وأية يد قادرة خفية تكسر شعاعك العنيد وتلقي بك رذاذاً من الأعلى! ** * ** وقد كتب في أواسط الثلاثينيات عدداً من أجمل أشعاره تجلى فيها فهمه الطبيعة فهماً رومانتيكياً ـ مثالياً، وإيمانه بوحدة الوجود، وبأن الطبيعة كائن حي، ولكن حياتها معقدة ومتناقضة، ويجري فيها صراع دائم بين المظهر والجوهر، ففي أعماق الطبيعة يكمن كيان أزلي مظلم يسميه تيوتشيف "العماء" أو "الشواش" و"الهاوية" وهو يشكل جوهر الكون. أما المظهر فهو غلالة وضّاءة "موشاة بالذهب" تغشي الحياة من الخارج، إلاّ أنها قصيرة الأجل: ـ النهار والليل على عالم الأرواح السري فوق هذه الهاوية التي لا اسم لها ألقت مشيئة الأرباب السامية غلالة منسوجة من الذهب، النهار ـ هو هذه الغلالة المتألقة النهار الذي يحيي مخلوقات الأرض ويشفي النفوس العليلة إنه صديق الناس والآلهة! ولكن هاهو النهار يكبو والليل يقبل ليهتك عن العالم الشقي الغلالة البهية ويلقي بها بعيداً... وانكشفت لنا الهاوية بأهوالها ودياجيرها وليس بيننا وبينها حواجز أَوَليس هذا ما يخيفنا من الليل! وهنا يكتسب شعره طابعاً مأساوياً، فكل مخلوق فرد عرضي وزائل. ومأساة الإنسان في أنه الكائن الوحيد الذي يحس بتوقه الشديد للحياة وبحتمية اندثاره الشخصي وهو يدرك هذه الحقيقة وليس بوسعه ردها: من مكان إلى مكان، من بلد إلى بلد يقذف القدرُ بالناس كالإعصار وما همُّه إن كنت مسروراً أمْ لا؟ هيا.. هيا.. إلى الأمام! حملت إلينا الريح صوتاً مألوفاً الحب يودعنا الوداع الأخير.. خلفنا دموع غزيرة.. غزيرة! أمامنا ضباب ومجاهل. "أوه، التفِتْ، أوه، توقفْ إلى أين تهرب، ولِمَ الهرب؟ الحب بقي خلفك أين في هذا العالم ستجد ما هو أحسن منه؟ الحب بقي خلفك وأنت تغرق في الدمع واليأس يملأ صدرك أواه! أشفقْ على حنينك ارأفْ بهنائك! استعدْ في ذاكرتك هناءةَ أيام كثيرة كثيرة إنك تلقي في الطريق بكل ما كان يبهج روحك!" ليس هذا أوان استدعاء الأطياف: فبدون هذا أيامنا متجهمة وصورة الأموات تخيفنا أكثر كلما كان حبنا لها في الحياة أكبر من مكان إلى مكان، من بلد إلى بلد إعصار جبار يقذف بالناس من غير أن يسأل هل أنت مسرور أم لا؟ لا يقول إلاّ: هيا إلى الأمام! ** * ** ما زلت أذكر وقتاً ذهبياً ما زلت أذكر بقعة حبيبة عندما رحل النهار، ونحن معاً وتحتنا في الظل يضج الدانوب. وعلى الرابية، هناك، حيث تلوح أطلال قصر تنظر إلى البعيد كنت تقفين حوريةً فتيةً تستندين إلى غرانيت مطحلب. وتلمسين بقدمك الصغيرة كومة أنقاض قديمة والشمس تغرب ببطء مودعةً الرابية والقصر وإياكِ. والنسيم يسري بلطف متلاعباً بحواشي ثوبك وناثراً على كتفيك الغضتين زهر التفاح البري واحدة إثر أخرى. كنت تنظرين إلى البعيد بلا همّ وحافة السماء تخبو في دخان مشع كان النهار يكمل اشتعاله وغناء النهر يتعالى في ضفافه المعتمة. وأنت تودعين، خليّةَ البال نهارَكِ السعيدَ بمرح، وطيفُ الحياة التي تنقضي بسرعة يطيرُ فوقنا بعذوبة. ** * ** انظر كيف يضيء عمود الدخان في الأعالي! وكيف ينزلق الظل العصي على الإمساك في الأسفل! "هذه حياتنا ـ قلتِ لي ـ إنها ليست الدخان المتلألئ في ضوء القمر بل هي الظل الذي يلقيه ذاك الدخان...". ** * ** ويتوق الشاعر في بعض الأحيان إلى تذوق الغناء والامتزاج بالعالم الغافي ولكنه، مع ذلك، يخاف من التّماسّ مع هاوية الحياة المعتمة: عَمَّ تعولين أيتها الريح الليلية؟ مِمّ تتذمرين هكذا بجنون؟ ما معنى صوتك الغريب هذا يجأر بالشكوى مكتوماً تارة وضاجّاً تارة؟ وترددين بلغة يفهمها القلب أحاديث عن ألم غير مفهوم وتحفرين وتفجرين فيه أصواتاً مسعورةً أحياناً! أوه، لا تغني هذه الأغاني المرعبة عن العماء الأزلي، شقيق الروح! يا لهذا الاشتياق الذي يصغي به عالمُ الروح الليلي إلى قصته الأثيرة! إنه يندفع من الصدر الفاني تائقاً إلى التماهي مع اللامحدود! آه، لا توقظي العواصف الغافية فتَحْتَها يتململ العماء الأزلي! ** * ** والطبيعة حتى في مظهرها اللماع أكثر ثباتاً واستقراراً من حياة الإنسان، فالإنسان فانٍ، بينما الطبيعة خالدة: فوق هضاب الكروم تسبح غيوم ذهبية وفي الأسفل يضج النهر المعتم بأمواج خضراء. البصر يصعد من الوادي الهوينا مرتفعاً إلى الأعالي ويرى على حافة الذروة معبداً مدوراً يشع نوراً هناك في هذا الموئل اللادنيوي العالي حيث لا مكان للحياة الفانية ينساب تيار الهواء بسلاسة في خلاء رحب نقي. والأصداء تخمد إذ تصعد إلى هناك ولا تُسمع ثمة سوى حياة الطبيعة وشيء ما بهيج يَنْفَحُ كسكينة أيام الأحد. ** * ** ثلج ساطع يتلألأ في الوادي ـ ذاب الثلج وراح؛ عشب ربيعي يتألق في الوادي ـ سيذبل العشب ويروح. ولكن كم مضى من القرون والقمم الثلجية ناصعة البياض؟ ولا يزال الفجر إلى الآن ينثر فوقها وروداً نضرة!.. ** * ** تذوب الغيوم في السماء؛ والنهر المشع في القيظ يجري في سحابة من الشرر كأنه مرآة فولاذية.... وساعة بعد ساعة يشتد الحر ويلوذ الفيء بالغابات الخرساء ومن الحقول المائجة بالبياض يفوح شذاً عسلي. نهار رائع! ستنقضي قرون وتبقى الطبيعة في نظامها الأبدي النهر يجري وينثر الشرر والحقول تتنفس في القيظ. ** * ** ويتخذ التناقض بين أبدية الكون وعرضية الحياة الإنسانية في شعر تيوتشيف أبعاداً واسعة أحياناً، فيشمل الجنس البشري كله، وتاريخ البشرية بمجمله، مما يضفي على بعض أشعاره المتأخرة نبرة تشاؤم فلسفي عميق: ما الذي سَلِمَ مِنْ تلك الحياة التي كانت تصطخب هنا مِنْ ذاك الدم الذي سال أنهاراً، ما الذي وصل إلينا من كل ذلك؟ قبران أو ثلاثة ما زالت ماثلة حتى الآن... وفوقها نبتت بلوطتان أو ثلاث ونشرت أغصانها الوارفة بجسارة وماست متباهيةً ضاجّة غير مهتمة بمعرفة الذين تخترق جذورُها رفاتَهم وذكراهم. الطبيعة لا تبالي بما كان، وأطياف سنيِّنا الغابرة غريبة عنها، ونحن أمامها نعي ذواتنا ضبابياً بأننا لسنا سوى حلم من أحلامها. أبناؤها الذين ينجزون مسيرتهم اللامجدية تستقبلهم واحداً إثر آخر مرحبةً بهم جميعاً على قدم المساواة وتستضيفهم في هاويتها صانعةِ السلام التي تبتلع كل شيء. ** * ** ويرى تيوتشيف أن الإنسان بتطوره العقلي انقطع انقطاعاً مأساوياً عن الطبيعة وأصبح غريباً عنها في تطورها الداخلي العفوي، وهو ينبهر بالانسجام السائد في الطبيعة: رخامةٌ في صوت أمواج البحر انسجامٌ في الجدل بين قوى الطبيعة هسيس مموسق متناسق يسري بين أعواد القصب الميادة. توافُقٌ رصين في كل شيء، تناغم تام في الطبيعة، ـ وحدنا نحن نشعر بتنافرٍ معها في لجةِ حريتنا الوهمية. من أين وكيف نشأ التنافر؟ ولِمَ، وسط الجوقة العامة الروحُ لا تغني كما يغني البحر وكما يهسهس القَصَبُ المفكِّر؟ ** * ** والحب في شعر تيوتشيف ليس انجذاباً خارجياً، وليس انبهاراً بمفاتن المحبوب، بل هو شعور عفوي عميق يستغرق النفس الإنسانية كلها؛ إنه هوىً قدري يمكنه أن يهب الإنسان نشوة سامية ويمكن أن يصل به إلى مهاوي الردى. إنه أشبه ما يكون بالعواصف والأعاصير في الطبيعة: صَمْتُ الهواء، الخانقُ ينبئ بعاصفة قادمة. أريج الورود أزكى وصرير اليعسوب أشد انظر! خلف الغمامة الدخانية البيضاء قَصَفَ الرعد بهزيم مكتوم وتزنرت السماء ببرق خاطف... فيض من نُسغ الحياة مُراق في هذا الهواء القائظ كشراب رباني يسري في العروق ويضطرم! يا صبيّة، يا صبيّة ما الذي يموّج غلالةَ نهديك الفتيين؟ لِمَ يتعكر، لِمَ يكتئب بريق عينيك البليل؟ لماذا تشحبين، وتكبو شعلة وجنتيك العذراوين؟ ما الذي يثقل صدرك ويلهب شفتيك؟ عبر الأهداب الحريرية نفرت دمعتان... أم أنهما قطرتا مطر تتقدمان العاصفة؟ ** * ** الرب المنتقم انتزعَ مني كل شيء؛ الصحة وقوة الإرادة والهواء والنوم لم يترك لي شيئاً إلاّك لكي أظل قادراً على أن أصلي لـه. ** * ** أواه، كيف نستقتل في الحب كيف نخنق بإصرار أكيد في سورة الأهواء العمياء أحبَّ شيء إلى قلوبنا! أَمِنْ زمن بعيد كنت تقول مفتخراً بانتصارك: إنها لي..؟! لم يمر عام بعد ـ اسأل وتقص ما الذي بقي لك منها؟ أين اختفت ورود الخدين وبسمة الشفتين وبريق العينين؟ كلها لفحتها الدموع السخينة وحرقتها بملحها المر. هل تذكر ذلك اللقاء أول لقاء مصيري نظرتها الساحرة، وحديثها وضحكتها الطفلية الحية؟ وماذا الآن؟ أين كل ما كان؟ وهل دام الحلم طويلاً؟ أواه كان ضيفاً عابراً كصيف الشمال! كان حبك لها حكماً رهيباً أصدره عليها القدر وقد وصم حياتها بعار جائر لا تستحقه. حياة الاعتزال، حياة المعاناة! لم يبق لها في أعماق نفسها سوى الذكريات... وحتى هذه خانَتْها. الوحشة ملأت عالمها، وكل مفاتنه زالت... سيل الجمهور المتدفق داس وسحق في الوحل، ما كان يزهر في نفسها. ما الذي تسنى لها الحفاظ عليه رماداً من عذابها الطويل؟ الألم، ألم الحقد الغاضب، ألمٌ لا مسرة فيه ولا دموع! أواه كيف نستقتل في الحب! كيف نخنق بإصرار أكيد في سورة الأهواء العمياء أحب شيء إلى قلوبنا!... ** * ** أحب عينيك يا صديقتي بعبثهما الملتهب الفاتن عندما ترفعينهما فجأة وبلمحة دائرية خاطفة ترسمين التماعة برق سماوي... ولكن ثمة فتنة أقوى: عيناك مسبلتان، وشفتاك ذائبتان في قبلة حارة وعبر أهدابك المسدلة تومض نار رغبة متجهمة كابية. ** * ** ومن الظواهر البارزة في شعر تيوتشيف وصف الطبيعة والانبهار بها والتعبير عن التوازي بين ما يجري فيها وما يعتمل في نفس الإنسان وغالباً ما يلجأ في أثناء ذلك إلى استخدام الرمز والمجاز ويوغل أحياناً في وصف معايشاته وتأملاته النفسية العميقة إلى درجة تجعل من عالمه الجوّاني قوة قائمة بذاتها لها خواصها المتميزة وقوانينها، وقد شكلت إبداعاته الشعرية ظاهرة بارزة في أدب القرن التاسع عشر في روسيا وكان لها تأثير ملموس في شعر من أتى بعده ولا سيما الشعراء الرمزيين الكبار وفي مقدمتهم بروسوف وبلوك: ما أجملك أيها البحر في الليل هنا.. متألق نيّر، وهناك.. أزرق قاتم... في سنا القمر تبدو حياً، تسير وتتنفس وتتلألأ... في هذا المدى الرحب اللانهائي ألق وحركة، ودوي ورعد... بسناً كامد تكتسي أيها البحر آه ما أجملك في هذا الليل المقفر! أيها المائج العظيم، أيها المائج البحري بأي عيد تحتفل هكذا؟ الأمواج تصطخب، هادرة متلألئة والنجوم اليقظة تطل من الأعالي وسط هذا التموج، وسط هذا الألق أقف ضائعاً كما لو كنت في حلم آه كم أرغب في أن أغرق روحي كلها في هذه الجاذبية الآسرة. ** * ** ـ المياه الربيعية ما زال الثلج يلمع في الحقول ولكن المياه الربيعية أخذت تضج إنها تعدو لتوقظ الشاطئ الغافي تعدو وتبرق وتغني... صوتها يتردد في كل الأرجاء: "الربيع آتٍ، الربيع آتٍ! نحن رسل الربيع الفتي أرسَلَنا قبله لنبشر بقدومه!" الربيع آت، الربيع آت! وجوقة الأيام الأيّارية الدافئة تتزاحم خلفه بمرح هادئ محمرة الخدود، مشرقة الوجوه. ** * ** بغتة نهضت قنطرةٌ هوائية في زرقة السماء الندية قنطرة زاهية بهية عمرها قصير الأمد! غَرَستْ طرفاً في الغابة وأرسلت الآخر إلى ما وراء السحاب واحتضنت نصف السماء واسترخت في الأعالي. يا لبهجة العينين بهذا المشهد القُزَحي إنه لا يدوم لنا سوى لحظات اقتنِصْه ـ اقتنِصْه بسرعة! انظر ـ هاهو يشحب دقيقة، دقيقتان ـ ثم ماذا لقد زال، كما سيزول بلا أثر كل ما تتنفسه وتعيش به. ** * ** ـ الموجة والفكرة فكرة خلف فكرة، موجة خلف موجة وجهان اثنان لظاهرة واحدة إنْ في القلب الضيق أو في بحر بلا شطآن هنا في حبس، وهناك في مدىً رحب المدّ الأبدي نفسه والانحسار نفسه هو نفسه ذاك الطيف القلق ـ الفارغ. ** * ** ـ الحب الأخير أوه، كيف، ونحن في خريف العمر نحب بحنان أعظم وإيمان أعمق بالخرافة تألقْ، تألقْ، في لحظات الوداع يا ضياء الحب الأخير، يا شفق المساء! غطت الظلال نصف السماء لم يبق من نور سوى قرب المغرب تمهلْ، تمهلْ، أيها النهار المسائي امتدّي، امتدّي، أيتها الفتنة. فليشح الدم في العروق، ولكن في القلب لن يشح الحنان أواه، أيها الحب الأخير! أنت النعيم واحتضار الأمل. ** * ** الشتاء لا يغضب عن عبث فأوانه قد فات والربيع يدق النافذة ويطرده من الفناء كل شيء يتململ يطلب رحيل الشتاء والقبرات في السماء ملأت الأجواء ضجيجاً الشتاء، ما زال يسعى ويهر في وجه الربيع وهذا يقهقه مختالاً ويرتفع ضجيجه أكثر. جنّت العجوز الحاقدة وحملت غمراً من الثلج ورمت به الطفل الجميل وهي تولي هاربة... لم يهتم الربيع كثيراً فقد اغتسل بالثلج فازداد خداه تورداً وزاد من غيظ العدو ** * ** ـ إلى ي. ن. آنّينكوفا حتى في حياتنا اليومية نرى أحلاماً قُزَحية نرى أنفسنا فجأة منجذبين إلى بقعة مجهولة إلى عالم سحري غريب عنا، وقريب إلى قلبنا. نرى نوراً سماوياً يشع علينا من القبة الزرقاء نرى طبيعة أخرى، ليس فيها مشرق ولا مغرب وشمساً أخرى تشع هناك كل شيء هناك أجمل وأبهى وأرحب بعيد جداً عن دنيانا... ومختلف جداً عن عالمنا والروح في ذلك الأثير الصافي المتوهج تنعم بالأنس والطمأنينة. انتبهنا ـ انتهت الرؤيا ولا سبيل لإبقائها وعادت الحياة تغشّينا بظلٍ كدِرٍ ساكن وتحكم علينا بالسَّجن من جديد. ولكن ذاك الصوت الخفي ظل طويلاً يتردد في الأعالي وظلت تلوح أمام الروح التي أمضها الحنين تلك النظرة التي لا يحجبها حاجز. وتلك البسمة نفسها، كما في الرؤيا. ** * ** الروح تتوق إلى أن تكون نجمة ولكن ليس عندما تنظر هذه الكواكب كعيون حية من سماء منتصف الليل إلى عالم الأرض الوسنان بل في النهار عندما تكون مختفية خلف ما يشبه دخان أشعة الشمس الحارقة فيما هي تشع بنور أسطع كآلهة في أثير صافٍ غير مرئي. ** * ** ـ متقلبة كالموجة يا موجتي البحرية يا موجتي المزاجية أيتها الملأى بحيوية عجيبة في هدوئك وعبثك! سواء كنت تضحكين للشمس وأنت تعكسين قبة السماء أو كنت تقفزين وتضطربين في لجة قصية موحشة، يحلو لي همسك الخافت المفعم بالتودد والحب وأفهم أيضاً هديرك الصاخب وآهاتك المُنْذِرَة فلتكوني في طبيعتك العاصفة متجهمة تارة ومتهللة تارة ولكن في ليلك المشعّ احتفظي بما أخذتِه لم ألقِ في طياتك خاتماً ـ هديةً أثيرة ولم أدفن في أحشائك حجراً كريماً. لا بل دفنت في أعماقك في لحظة مصيرية روحي، روحي الحية مسحوراً بفتنة سرية. ** * ** لِمَ تنحنين أيتها الصفصافة بذؤابتك إلى الماء؟ وتجهد أوراقك المرتعشة في الإمساك بالتيار الراكض كما لو كانت شفاهاً ظمأى. فحتى لو أمض الحنين كل ورقة وجعلها ترتجف متحسرة سيظل التيار يجري ويصفق ويتنعم بالشمس ويبرق ويضحك ساخراً منك... ** * ** آه يا روحي النبوية! يا قلبي المفعم بالقلق ما أشد خفقانك على عتبة هذا الوجود الثنائي! أجل، أنت مثوى عالَمَيْن نهارك ضنىً وأهواء وليلك ـ نبوءات غامضة كإشراقات الروح... فلتعبث الأهواء المشؤومة بحنايا الصدر المضنى لكن الروح مستعدة لأن تخر كالمجدلية وتلتصق بقدميّ المسيح إلى الأبد. ** * ** هذه الربوع الفقيرة هذه الطبيعة الشحيحة إنها أرض وطني الصبور إنها موطن الشعب الروسي! النظرة الأجنبية المستعلية لن تفهم ولن ترى ما يلوح ويشع بنور سري في عُرْيِكَ المستكين. مجهداً بعبء الصليب جاب مَليك السموات أرضَكَ كلها يا وطني بهيئة عبدٍ، مبارِكاً إياك. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |