مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 124 خريف 2005
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مسرح الذخائر خلال موسم 2005 ـ 2006 !! ـــ إعداد وترجمة: هدى أنتيبا

* كيف يحافظ "مسرح الذخائر" على شبابه الدائم بخلاف "مسرح الموجة"؟‏

* ما الذي يدفع الجماهير للإقبال على تلك "الذخائر" اليوم؟‏

* ولماذا تمخضت عملية لي الأذرع بين الأجناس الأدبية عن اتساع شعبية الفن الرابع على حساب الفنيّن السابع والتاسع الأحدث عهداً منه؟!‏

قبل 2600 سنة من الآن رأى أبو الفنون النور في بلاد الإغريق.. انطلق كمسرح شعري حماسي عرابه "ديونيسيوس" مع تدشين الشاعر اليوناني "نيسبيس" لفن التراجيديا في القرن السادس ق.م.. وسرعان ما حمل كل من "سوفوكليس" و"ويوريبديس" و"وأريستوفان" و"مينيادر" ... راية الفن الرابع لتصفق مدرجات المسارح الإغريقية طويلاً لإبداعاتهم التي لا تزال حية إلى الآن..‏

وها هو "مسرح الذخائر" اليوم يخطو خطوات المردة من خلال مشاركة مواهب تنتمي لجنسيات مختلفة في"ريبر تواراته" لهذا العام.. فرائعة الشاعر البريطاني "ونستن هيوغ أودن" (1907 ـ 1973)‏

وعنوانها "البصاريات" المقتبسة عن مسرحية "الباخوسيات" لـ "يوريبيديس" ـ كتب ألحانها الموسيقي الألماني: "هانس فيرنرهينزن" (من مواليد 1926 ألّف عشر سيمفونيات) وأخرجها اليوناني "يانيس كوكوس".. وتشكل "فيلهرموني راديوفرانس" أوركسترا هذا العمل الذي يقوده الياباني "كازوشي أونو"... وعرض لأول مرة على خشبة "أوبرا باريس" في نيسان الماضي... كذلك الأمر بالنسبة لمسرحية "هيكوبا" للشاعر اليوناني الدرامي "يوريبيديس"‏

وقد قدمت خلال مهرجان أثينا بالاشتراك مع الكونسير فاتوار الإيطالي والأسباني واليوناني وجامعة روما.. وأدت دور البطلة حاملة عنوان هذا العمل نجمة السينما والمسرح اليوناني "إيرين باباس"...‏

وتترجم خطوات المردة تلك تظاهرات "مسرح الذخائر" لموسم 2005 / 2006... وتحييها فرق "شكسبير الملكية".. والكوميدي فرانسيز" وريبرتوار" "النو" الياباني "رويبرتال" الألماني.. والميتروبولتين. النيويوركي... و"المسرح الوطني" اليوناني....‏

ولئن كانت مدينة "بايرت" البافارية مقصد عشاق مسرح "فاغنر" وجارتها "سالزبورغ" النمساوية قبلة محبي روائع "موتزارت" إلا أن لكل من خشبة "فيرونا" وإكس أون بروفانس" و"فاينز ستاتسوبر" و"التياترو أكلا سكالا" في ميلانو "وبايريخ ميونخ".. روادها على غرار مهرجاناتها المسرحية ذات الشهرة العالمية..‏

كذلك تحتضن كل من: "بوسان" و"فوربيش" و"آفينيون" و"غيبيدافروس" و"سالز بورغ" و.. أنشطة تلك المهرجانات الدولية.. وتغطي هذه المقالة أبرز عروض مسرح الذخائر وفعالياته خلال موسم 05/ 2006‏

أكانت تراجيدية أو كوميدية... تاريخية أو ملحمية أو أوبرالية....‏

ألم تعمل الأوبرا في فلورنسا عصر النهضة عام 1580 على إحياء فنون الدراما الإغريقية بأسلوب معاصر من خلال تلحين نصوصها مع الحفاظ على الحبكة والإخراج المسرحي"؟!‏

ويصف "الكسندر وبروفيو" أستاذ التاريخ في جامعة "تور" مسيرة الأوبرا على الشكل التالي: "إنها ثمرة البحث في سر نجاح المسرح الإغريقي وفي خلود لغته ولم يتمكن المثقفون الغربيون عبر التاريخ تجاهلها أو التنكر لها.. لغة "أسخيليوس" و"سوفوكليس" و"يور يبيديس" و"أريسطو فان" وعشرات آخرين....‏

التراجيديا اليونانية....‏

من مهرجاني "أثينا" وإيبيدا فروس نبدأ... ويمتد الأول من مطلع أيار حتى أواخر أيلول من كل عام... ويستقبل خمسين عرضاً على مسرح "الأوديون" حيث كانت تنظم مباريات الشعر والموسيقى والدراما.. أما المهرجان الثاني فيكرس طقساً مارسه الهيلينيون قبل 2300 سنة من الآن خلال تجمعهم فوق مدرجات مسرح "إيبيدافروس" وصممه المهندس اليوناني "بوليكليت الأصغر" نهاية القرن الرابع ق.م لمشاهدة أحداث عروضه.. ويقتصر ريبرتوار "إيبيدافروس" على عروض الدراما اليونانية الكلاسيكية المدعوة:‏

"الايبيدافريا" وبمشاركة فرقة المسرح الوطني اليوناني الرسمية والناطقة باللغتين اليونانية القديمة والحديثة.... ويقدم مهرجانه لهذا الموسم "الباخوسيات" منذ مطلع تموز 2005 إعداد "ميريس"... و"إلكترا" إخراج "تيميس مومو ليديس" و"أوديبيوس" عرض فرقة "نناغاوا" اليابانية... "وميديا" إعداد وتنفيذ "ستاتيس ليفا ثينوس"... و"إيون" إخراج "ليديا كوينوردو" و"الضفادع" إعداد وتنفيذ سوتيريس شاتزاكيس" من اليونان.. و"أورفيوس وأوريديس" موسيقى "هنريخ شاخت" (1585 ـ 1672) إعداد الألمانية "بيناباوش" وسواها من الأعمال... نتوقف عند "هيكوبا" للمسرحي الإغريقي "يوريبيديس" (484 ـ 406ق.م) وتعرض فوق خشبتين معاً على مدرج "إيبيدا فروس" اليوناني من إخراج "سبيروس إيفنفيلاتيس" وعلى مسرح "ألبيرتي" اللندني من إعداد الشاعر البريطاني المعاصر "توني هاريسون" تمثيل النجمة التقدمية التي زارت سورية مرت عدة "فانيسا ريد غريف" في دور البطولة الأولى. رأت "هيكوبا" النور في أيبيدافروس" عام 424 ق.م وتجري أحداث هذه الدراما على شاطئ "تراس" حيث يقيم "الآخيون" اليونانيون في معسكراتهم بعيد سقوط "طروادة" بانتظار الرياح المواتية لإبحار سفنهم والعودة إلى ممالكهم وبرفقهم الأسيرات ومغانم تلك الحرب.. وكان بين الطرواديات الأسيرات أرملة "بريام" ملك طروادة "هيكوبا"... تُستهل المسرحية بإطلاق الملكة السابقة العنان لحزنها ومخاوفها بعد رؤيتها في المنام مشاهد انتزاع ابنتها من بين يديها لتقديمها أضحية فوق قبر "أخيل" بطل ملحمة "الإلياذة" للشاعر "هوميروس" وظهرت في المنام جثة "بوليدوروس" ابنها الأصغر مرمية أمام قدميها بعد أن قام الملك الخائن "بوليمستور" بتصفيته رغم تعهده أمام "بريام" بالحفاظ على حياة نجل هذا الأخير الفتى ورعايته لـه بعد مقتل شقيقه "هيكتور" و"باريس" في حرب طروادة مقابل ثروة "بريام" الضخمة. تخرج "هيكوبا" التي فقدت ولديها: "هيكتور" و"باريس" من خيمة "آغا ممنون" بعد أن أصبحت أسيرته تتنازعها مشاعر اليأس من حلمها المشؤوم... فتبتهل للآلهة لتجنيبها آلاماً مضاعفة.. يقترب كورس الطرواديات الأسيرات من ملكتهن السابقة لنقل خبر إجماع الآخيين على تقديم "بوليكسين" ابنتها فداءً لبطلهم "آخيل" الذي قتله سهم ابنها "باريس" خاطف هيلين‏

زوجة "مينلاس" شقيق "آغا ممنون" ـ تندب الأم مصير ابنتها عندما تسمع "بوليكسين" من والدتها النبأ الفاجع.. لكن الفتاة الشجاعة لا تأبه للموت المتربص بها إنها قلقة على والدتها التي ستعيش بشقاءٍ وتعاسة عندما ستفقدها وهي تعزيتها الوحيدة.. ولأن المؤلف "يور يبيدس" يميل إلى تلك الشخصيات الدرامية التي تفضل الشهادة على عار الاستسلام طرح بعناية تحليل المشاعر التي تنتاب البطلة ووالدتها من عفوية ونبل أخلاقٍ وشجاعة مطلقة واستعداد للتضحية والموت في سبيل قضية سامية (كذلك الأمر بالنسبة لشخصيتي "ألسيست" و"إيفيجيني")....‏

تسعى "هيكوبا" لإقناع "عوليس" صاحب خدعة الحصان الخشبي وأبرز ملوك الإغريق الذي اقترح التضحية بـ "بوليكسين" إرضاءً للآلهة بالرجوع عن رأيه دون جدوى.. ألم تكتشف الملكة السابقة كيف تعرفت "هيلين" على "عوليس" يوم دخل طروادة للتجسس على حراسها وتحصينات أبوابها التي ظلت عصية على الجيوش اليونانية سنوات طويلة ولم تفش هذا السر رغم خطورته؟!‏

لكن "عوليس" أو "أوذيسيوس" (وتنسب إليه ملحمة الأوديسة) لا يريد الإصغاء لتلك التضرعات. لذلك تطلب "هيكوبا" من ابنتها التوسل لـ عوليس" عله يرق لحالها. لكن الفتاة تأبى هذا الأمر.‏

لقد ولدت حرة ولم تعد لحياتها أية قيمة بعد وقوعها في الأسر.... وهاهو قدرها يحثها على التضحية بنفسها وهو ما تتمناه بكل حواسها على العيش عبدة عند هؤلاء الأعداء... تناشد الأم جلادها الموت عوضاً عن ابنتها لكنه يرفض. تساق "بوليكسين" إلى حتفها‏

حين يرتل الكورس أناشيد حزينة حول المنفى والعبودية التي تنتظر الطرواديات، يدخل موفد من قبل الآخيين ليخبر "هيكوبا". بمقتل ابنتها بعد أن طعنها "تيوتبو ليم" ابن "آخيل" بالسيف في قلبها.‏

يفتتح الجزء الثاني من التراجيديا مع قدوم أسيرة طروادية تجر جثة مغطاة بمعطف.. تهرع "هيكوبا" إلى الجثمان وهي تعتقد أنها ابنتها البريئة لكنها تنهار من الصدمة وتسقط أرضاً لدى رؤيتها أصغر أولادها "بوليدوروس" مقتولاً بعد أن رماه "بوليمستر" في اليم لتنقله الأمواج إلى الشاطئ.‏

تنفجر الملكة الأسيرة غضباً مزوداً بكراهيتها لهذا الخائن الذي طعن بشرف كلمته وغدر بوعده لزوجها "بريام". وما أن يعلن "آغاممنون" قائد الجيوش اليونانية لأسيرته أن باستطاعتها دفن ابنتها حتى تطلب منه الانتقام من ذاك الذي حنث بقسمه أمام آلهة المعبد.‏

لكن آغا ممنون ولأسباب سياسية يرفض التدخل عندها تقنعه "هيكوبا" بما أوتيت من دبلوماسية وحسن تصرف بأن يسمح لها ولرفيقاتها الطرواديات بكشف وجه "بوليمستر" الحقيقي. فيوافق شرط ألا يذكر اسمه في هذه العملية. تعمل "هيكوبا" على استدراج الخائن "بوليمستر" بحجة أنها تريد أن تسر لـه بمكان كنوز خبأتها من ذهب ومجوهرات دون أن يعلم أحد بأمرها. يظهر الملك المخادع وقد رسم الحزن المفتعل فوق أساريره. فتدعوه للدخول إلى خيمتها حيث دفنت الذهب.. لكن سرعان ما يسمع الكورس صراخاً ليخرج على أثره الخائن الدجال بعد أن فقأت طرواديات "هيكوبا" عينيه وقد أعماه الغضب والدم النازف منهما.‏

يصل "آغا ممنون" ليطلب من أحد القضاة البت في هذه القضية. وأمام اتهامات "هيكوبا" يعترف الجاني بفعلته. لكنه ينذر الحشد بأنه سيتم اغتيال "آغا ممنون" وأسيرته "كاسندرا" (ابنة بريام وهيكوبا الثانية) على يد زوجة ملك الإغريق: "كليمسنتر". ينهر "آغا ممنون" الخائن ويطلب من الطرواديات الأسيرات الاستعداد للرحيل إلى بلاد اليونان بعد أن أصبحت الرياح مواتية لإبحار سفنهم.‏

((عاد زمن هيكوبا)) بتلك الكلمات علق "توني هاريسون" في الملحق الثقافي لصحيفة الغارديان البريطانية على الدافع لاختياره هذا العمل قائلاً: "عاد زمن هيكوبا كتب الشاعر الدرامي النمساوي "فرانز ويرفيل" الذي ترجم "نساء طروادة" "وهيكوبا" لـ "يور يبيديس" عن اللغة اليونانية عام 1914 ـ عادت هيكوبا وبناتها وشقيقتها إلى "سيرايغو" وكوسوفو و"غروزني" وغزه "ورام الله" وتفليس و"بغداد" و"الفلوجة"... نساء يرتدين ثياب الحياة اليومية ليواجهن رجالاً يضعون خوذات معدنية كما كانوا زمن حرب طروادة.. فرغم مرور 2500 سنة على كتابة يوريبيديس هذا العمل لا تزال هيكوبا حية.. وستظل صامدة طالما اجتاحت الحروب هذا العالم... حروب زحفت إلى شوارع العراق باسم الحرية والديمقراطية.. ونساء لم يصبهن سوء الطالع بقدر ما تمثلن ذروة آلام البشرية وانعدام الرحمة على عزيزات قوم أذللن نتيجة حروب مجنونة وأطماع مشبوهة. ترفض هيكوبا والأسيرات الطرواديات الاستسلام للمحتل ليطلبن الشهادة والموت لأنهن ولدن حرائر" ثم يتابع "هاريسون" أتساءل ماذا سيجيبني الرئيس بوش فيما لو طلبت منه كتابة مقدمة لنص هيكوبا الذي أعددته للمسرح هل سيكون رده كرد سلفه الرئيس الأمريكي الأسبق "وودروويلسون؟" عندما حاول آنذاك الأديب "غرانفيل بيكر" إقناعه بتدوين كلمة خاصة بعرض هيكوبا في نيويورك آيار 1915؟ جاء رفض "ويلسون" المنمق على الشكل التالي: "يجب أن أبتعد عن كل شيء يمكن أن يعمل على التأثير في الرأي الآخر وحتى لو كان لمصلحة السلام"... وهكذا ستظل "هيكوبا" تلقن العالم دروساً لا تنسى من خلال اسقاطاتها على الأحداث الجارية في كل من فلسطين والعراق والتي تعيد إلى الأذهان وحشية الحروب وما تجره من ويلات على الإنسانية مهما كانت دوافعها.‏

أوديب:‏

وصف "أرسطو" تراجيديا سوفوكليس (496 ـ 406 ق.م) "أوديبيوس تيرانوس" بأنها رائعة المسرح الإغريقي. وتعرض خلال الموسم 05/ 2006 على مدرج "ايبيدافروس" وخشبة "كوميديا مدينة ريمز" الفرنسية معاً و عالج أسطورتها كل من الشعراء: "كينثيون" الإسبارطي في القرن الثامن ق.م و"أسخيليوس" (525 ـ 456 ق.م) "وسوفوكليس" وكتبها عام 430 ق.م ويوريبيديس" و"سينيكا" (العام الرابع ق. م 65م) وتعتبر أقدم تراجيديا متكاملة في الريبرتوار العالمي... ظلت الأطول عمراً والأكثر إقبالاً. لتثير إعجاب القدامى والقروسطيين والنهضويين والمعاصرين مع تجاوز عروضها ما قدمته مسارح كل من "شكسبير" و"موليير" و"الكوميديا ديل آرتي" و"بريخت" مجتمعة.... لكن لماذا؟‏

هل لأن موضوعها يتناول عملين شنيعين: جريمة قتل أوديبيوس" والده وسفاح القربى بزواجه من والدته.. أم..؟ ربما أراد "سوفولكليس" أن يحمل الإنسان "أوديب" طموحات تفوق طاقته تجلب لـه تعاسة لا متناهية وتولد لديه الحاجة إلى رحمة الآلهة وشفقة بني البشر معاً. وما العمل الذي يصاب به بطل هذه الأسطورة الحية إلا استعارة جَمَعَ من خلالها الشاعر الإغريقي بين عالمين متناقضين:‏

الوهم والخيال من جهة والمنطق والعقلانية من جهة أخرى.‏

ولأن "مسرح ريمز" اختار النص الذي كتبه "سينيكا" سنتناول التراجيديا التي ألفها "سوفوكليس" نظراً لمكانتها عند أرسطو، ولانشغال فرقة المسرح الوطني اليوناني بتقديمها بلغتها الأم مع إخراج "ميميس كويو متزيس" لهذه التراجيديا الفلسفية.‏

تبدأ أحداث هذا العمل في مدينة "تيبيس" التي اجتاحها الطاعون عندما يقرر "أوديب" ملكها معرفة السر الكامن وراء هذا الوباء فيسأل العرافين عن السبب لتجيب آلهة المعبد إن موت الملك "ليوس" ـ وخلفه "أوديب" ـ يحمل تدنيساً مرافقاً لوباء لن يزول إلا بمعاقبة المجرم الذي قتل هذا الملك العادل. تنتاب الشكوك "أوديب" لكن "جوكاست" زوجته وهي أرملة "ليوس" تقنعه بان تفسيرات‏

الكهنة خاطئة.‏

فقد تنبأت فيما مضى موت الملك الراحل على يد ابنه مع العلم أن الولد الوحيد الذي رزق به "ليوس" وجوكاست" قضى وهو لا يزال رضيعاً. ألم تطل تلك التأويلات الكهنوتية "أوديب" بعد أن أنذره عرافو "كورنتوث" بأنه سيقدم على التخلص من والده والاقتران بوالدته؟!‏

سرعان ما يكشف خادم عجوز حقيقة الأمر حين يعترف بأن الرضيع الذي حمله خادم "ليوس" بأمر من هذا الأخير إلى جبل "سيترون" لتأكله الذئاب خوفاً من أن تتحقق نبوءة الكهنة لم يلق حتفه.. فقد عثر عليه أحد الرعاة وتبناه حتى اشتد ساعده. وما إن اطلع "أوديب" على هذا السر حتى فقأ عينيه بيديه في حين عمدت "جوكاست" والدته التي أصبحت زوجته إلى شنق نفسها.‏

وليغدو شقيقها "كريون" ملكاً جديداً لـ "تيبيس" ( طيبة). لكن من أين جاء أوديب؟ وكيف تربع على عرش والده ليرتكب جريمتين شنيعتين؟ كانت "تيبيس" تعيش حال ذعر نتيجة سيطرة "أبو الهول" على مقاليد أمورها وفي إحدى الأيام يصل "أوديب" إلى المدينة لينتشلها من مخالب "أبي الهول" بعد أن عجز أشجع الأبطال عن ذلك. لكنه ـ يحمل في دمه بذور الخطيئة الأصلية التي تجعل حكمته وقوته تنقلبان إلى دمار وجنون طاغ. وأنّ لـه معرفة ارتباط عقوبة هذا الوباء بعبثية هذا الكون ومنطقه اللامعقول؟ وما إقدامه على أذية عينيه إلا بدافع رفضه هذا العبث الوجودي.‏

هذا وتجد شريحة من النقاد في مسرحية "أوديب" رؤية فلسفية تعري علاقة الإنسان بالأقدار المتربصة به كلما ارتكب المعاصي في حين ترى مجموعة أخرى أن هذه الدراما تطرح قضية الحرية. وهل الإنسان سيد مصيره أم أنه يخضع‏

لقضاء أعمى؟‏

ولماذا أراده "سوفوكليس" كائناً مجبولاً بتناقضات هي مصدر معاناته وأزماته؟! إنسان متقلب هو يوم تتحول انتصاراته إلى هزائم تنقله من حالٍ إلى حال من شبه ملاك إلى شيطان رجيم.‏

إلكترا:‏

عرض ريبرتوار "تياترو آللاسكالا دوميلانو" على خشبته وخلال شهر أيار 2005 رائعة الموسيقي الألماني "ريتشارد شتراوس" (1864 ـ 1949): "إلكترا" التي اقتبس نصها ولحنّ موسيقاها عن تراجيديا "يوريبيديس" تحمل الاسم المذكور..... وتتناول عودة "أوريست" ابن آغا ممنون إلى وطنه وقتله والدته بالاشتراك مع شقيقته "إلكترا". هاهي "كليتمنستر" والدة "إلكترا" و"أوريست" تزوج ابنتها قسراً من مزارع فقير كي لا تنجب الشابة أولاداً نبلاء يعتلون في المستقبل العرش. فعندها سينتقم هؤلاء من قاتلة جدهم "آغا ممنون" وتدس لـه زوجته السم بالتعاون مع "إيجسته" عشيق تلك الأخيرة فيموت مباشرة. أما "أوريست" فقد استطاع مربي "آغا ممنون" الملك إنقاذه من غضب "إيجسته" و"كليتمنستر" والهروب به خارج مملكته. تفتتح المسرحية بدخلو "إلكترا" وهي تندب حظها العاثر لغياب شقيقها التي اختارته الآلهة للثأر لدم والدها المغدور. وذلك رغم احترام المزارع الطيب القلب لها وتكريمها كأميرة وصونه عفتها ـ وقد دأب "يوريبيديس" (406 ـ 484 ق.م) على رسم شخصياته التي تنتمي لشريحة الفقراء على هذه الصورة ليؤكد على تعاطفه معهم. وفي مقدمة هذا العمل يروي المزارع المتواضع تلك الأحداث وهو جالس أمام منزله حين تقطع عليه "ألكترا" خلوته بعد أن عجزت عن كتم عبراتها وإخفاء ألمها. فيواسيها بكلماته الرقيقة بينما يختبئ "أوريست" وصديقه "بيلاد" وهما يصغيان لحوار "إلكترا" وزوجها ولأن المناسبة عيد الآلهة هيرا تطلب جوقة المرتلات من "إلكترا" اصطحابها إلى معبد مملكة "آرغوس". يطل "أوريست" ليخبر "إلكترا" التي لم تكتشف هويته بعد بأنه يحمل لها رسالة من شقيقها فتسر للغريبين حقدها على والدتها:‏

"كليتمنستر" الزانية التي غدرت بوالدها ورغبتها في قتلها بيديها هاتين.‏

تطلب إلكترا من مربي "آغاممنون" الذي أنقذ شقيقها عندما كان طفلاً المجيء لسماع أخبار "أوريست". يجتمع المربي مع الغريب حامل أخبار "أوريست" فيشاهد ندبة فوق جبين هذا الأخير يعرفها جيداً. فيعُلم "إلكترا بالأمر ليرتمي الشقيقان كل منهما في أحضان الآخر. يقترح المربي الوفي خطة تقتضي باقتراب "أوريست" من زوج والدته خلال تقديمه الأضاحي في المعبد ثم طعنه حتى الموت مع جعل عنصر المفاجأة أداة لنجاح العملية. وتنفذ الخطة بحذافيرها.‏

ويقتل "إيجسته" لتهلل الجماهير المحتشدة خارج المعبد لوريث آغا ممنون ـ في تلك الأثناء تعمل "إلكترا" على استدراج والدتها إلى كوخها الخشبي بذريعة ولادتها لطفل رضيع... وما أن تدخل "كليتسنتر" إلى غرفة ابنتها حتى يقدم "أوريست" المختبئ داخلها على ذبح أمه ثم يخرج الشقيقان وقد تلطخت ثيابهما بدماء والدتهما لينصرفا إلى البكاء والعويل حين يصل خالاهما فيصدرا حكماً بنفي "أوريست" إلى أثينا وتزويج شقيقته "إلكترا" من "بيلاد" النبيل الوفي.‏

أوريستيس:‏

في أواخر شهر حزيران 2005 وعلى مدرج "إيبيدا فروس" قدمت فرقة المسرح الوطني اليوناني آخر عمل تراجيدي للشاعر الإغريقي "يوريبيديس" نظمه في آثينا وعنوانه: "أوريستيس" أو أوريست عرض لأول مرة عام 408 ق.م أعد هذه الرائعة ونفذها المخرج اليوناني "يورغوس خيموناس" وستتناوب هذه المسرحية مع أعمال أخرى تقدمها الفرقة المذكورة في سياق "ريبرتوارها" على خشبات رقعة القارة العجوز. تجري أحداث: أوريستيس" في مدينة "آرغوس" حيث يتقرر مصيره بعد ذبح والدته حسبما تنشد "إلكترا" في استهلال هذا العمل. وقد أصبح الشاب مشوش الذهن لشعوره بالذنب لما اقترفته يداه رغم تلبيته رغبة آبولو بالثأر لوالده المغدور. مر أسبوع على حادثة مقتل والدته ومحاولة شقيقته "إلكترا" التخفيف من ألمه استعد شعب "آرغوس" لإصدار الحكم بالإعدام على أوريست" يعود "مينيلاس" شقيق "آغا ممنون" وعم الشابين من حرب طروادة تسبقه زوجته "هيلين" خالة "إلكترا" وأوريست" و"إيفيجيني" وهي التي كانت وراء اندلاع معاركها بين قومها الإغريق والطرواديين. تصل "هيلين" تحت جنح الظلام كي لا تنتقم منها أرامل "آرغوس" اللواتي فقدن أزواجهن في تلك الحرب الضروس. فتخبر "إلكترا" خالتها بموت "كليتمنستر أمها لتطلب منها "هيلين" وضع قرابين فوق قبر والدتها. لكن "إلكترا" لا تجرؤ على القيام بهذه الخطوة وترسل "هيرميون" ابنة خالتها للقيام بهذه المهمة تُعلم "إلكترا" شقيقها بقدوم عمهما وقد عرف هذا الأخير كيف تم اغتيال شقيقه "آغا ممنون" على يد شقيقة زوجته.. يتعاطف "مينلاوس" مع "أوريست" ابن شقيقه رغم أن الشعب قرر رجم هذا الأخير بالحجارة.‏

عندها يدخل حموه "تيندار" والد "هيلين" و"كليتمنستر" وقد عقد عزمه على الانتقام من حفيده "أوريست" فلماذا لم يكتف هذا الحفيد بطرد أمه من القصر؟ لماذا ذبحها بوحشية؟! يلجأ "أوريست" إلى صديقه "بيلاد الذي يقنعه بمواجهة قومه وتبرير موقفه حين يدخل موفد إلى مجلس "إلكترا" ليخبرها أنه لم يعد أمام "شقيقها و"بيلاد" سوى خيار واحد هو الانتحار مع العلم أن فلاحاً فقيراً يتيماً دافع بمفرده عن أوريست إشارة للشاعر اليوناني إلى غباء الكثرة وفقدانها الإحساس بالمسؤولية.‏

يقترح "بيلاد" عندها على "إلكترا" و"أوريست" ذبح "هيلين" المسببة الرئيسية لمعاناة الإغريق. ألا تتمتع بسمعة سيئة وبكراهية الإغريق لها؟! تُخطف لهذه الغاية "هيرميون" وتُحتجز كرهينة وهي ابنة عمها وخالتها معاً. عندها يقتحم "مينيلاوس" المنزل للثأر لمقتل زوجته "هيلين" لكن "أوريست" و"بيلاس" يهددانه بذبح ابنته "هيرميون" في حال اقترابه منها ويرغمانه على إقناع الآرغوسيين ببراءة أوريست" الوريث الشرعي لآغا ممنون". ويطل أبولو ليخبر الجميع بأن "هيلين" أنقذتها الآلهة وأنه يتوجب على "مينلاوس" الخضوع لإرادة "أوريست" الذي سيقترن بابنة عمه "هيرميون" نزولاً عند رغبة "آبولو" وقد قر نشر السلام في البلاد...‏

ميديا:‏

وعلى غرار "هيكوبا" يقدم مسرح الذخائر في اليونان خلال موسمه‏

الحالي عرضين لتراجيديا "ميديا" التي ألفها "يوريبيديس" وعرضت لأول مرة عام 431 ق.م... أخرج النسخة الجديدة اليوناني "ستاثيس ليغاتينوس" وأعد العرض الثاني "داريوديل كورينز" عن نص للألماني "بيتر شتاين" وقدم أواخر آب على مدرج "إيبيدا فروس"... ترتبط أحداث "ميديا" بملحمة "الأوديسة" حين يرافق الأرغنوت صاحبهم "عوليس" خلال عودته إلى مملكته "إيتاكا" بعد أن وضعت حرب طروادة أوزارها.. يتناول "يوريبيديس" أسطورة "ميديا" وقد هجرها "جازون" ملك "أيوكلوس" بعد أن ساعدته في الحصول على الجزازة الذهبية "وميديا" ابنة ملك "كولخيدة" التي وقع هذا البطل في حبها وتزوجها ورزق منها بطفلين. لكنه سرعان ما يتخلى عنها ليتزوج "كريوسي".‏

تقص مرضعة الساحرة "ميديا" في بداية المسرحية كيف أقدمت ربيبتها ابنة ملك كولخيدة على الانتقام من عم زوجها المدعو "بيلياس" الذي انتزع العرش من "جازون" عنوة. ألم تدفع أولاد هذا المغتصب لنحر والدهم بوحشية قبل تقاسمهم ثروته؟‏

تهرب "ميديا" وزوجها "جازون" إلى "كور نتوث" بعد تلك المجزرة.... وما أن يصل "جازون" عند "كريون" حتى يقرر الزواج من "غلوكي" أو كريوسي" ابنة هذا الملك الذي أرسل "أنتيغون" (ابنة أوديب) إلى الموت... تصاب "ميديا" بخيبة أمل وهي تجتر حقدها على "غلوكي" وجازون معاً....‏

تتوجس مرضعتها شراً من غضب ربيبتها. يدخل موفد أرسله "كريون" وبرفقته أطفال "ميديا" وقد طردهم الملك من قصره ليجد "ميديا" تندب حفظها العاثر وقد انهارت أعصابها. فتعمد مرضعتها على إبعاد الأطفال عن أمهم التي أصبحت دون وطن ولا أهل ولا أصدقاء...‏

لقد ضحت بكل ما تملك من أجل "جازون" الخائن. ينذر "كريون" زوجة "جازون" بمغادرة المدينة. لكنها تتوسل إليه أن يمهلها حتى الغد...‏

يلتقي "جازون" "ميديا" وجهاً لوجه ليخبرها بأن زواجه ضروري للإبقاء على حياتها مع أولادها. فتكتفي بتأنيبه وقد وجدت إصراره لا رجعة فيه. وتخفي ما أضمرته للانتقام من "جازون".‏

يصل ملك "أثينا": ايجه" إلى "كورنتوث قادماً من معبد آبولو في "دلفي" بعد أن طلب من هذا الأخير الذرية الصالحة. فتعده "ميديا" بالتنازل لـه عن أولادها إذا سمح لها بالبقاء في "أثينا" ويوافق "إيجه"... فترسل "ميديا" إلى ضرتها وغريمتها إكليلاً من الذهب المطعم بالسم هدية زواجها من "جازون" ثم ترجو هذا الأخير التوسط لدى الملك "كريون" للحفاظ على أطفاله إلى جانبه في "كورنتوث" يظهر طفلا جازون ومعهم المربي الذي يطلع "ميديا" أن "غلوكي" قبلت هديتها. وسرعان ما تقدم الأولى على فعلها الشنيع بذبح فلذتي كبدها انتقاماً من "جازون" الذي يراهما أغلى ما يملك.. عندها يدخل رسول ليخبر "ميديا" أن "غلوكي" ماتت مسمومة بعد أن وضعت إكليل الذهب فوق عنقها وأن "كريون" لحق بها عندما قبّل ابنته..‏

يصل "جازون" متأخراً ليفشل في إنقاذ ولديه. وتنطلق "ميديا" باتجاه جدها "الشمس" كما أرادت حين يتضرع "جازون" للآلهة لتثأر لـه من زوجته المجرمة. وتعتبر تراجيديا "ميديا" من أهم أعمال "يوريبيديس" على صعيد المعالجة النفسية لأنها تصور بحث الإنسان الدائم عن سعادة تتسرب من بين يديه خاصة عندما يستسلم لشياطينه ـ جشع جازون وحب الانتقام عند ميديا ـ وذلك إثر شعوره بالإحباط والفشل. وقد عالج هذا الموضوع كل من الفيلسوف "سينيكا" والأدباء "مرنشيسكو روخاس زوريللا" من أسبانيا "وموليير" من فرنسا و"فرانز غير لبارزير" من ألمانيا. و"كورنيل" صديق "مولير" ومواطنه. "ولومبي شيروبيني" من إيطاليا إلى جانب عشرات الفنانين التشكيليين الذين استوحوا مواضيع لوحاتهم من تلك الرائعة الأدبية.‏

الكوميديا بين القديم والحديث‏

على غرار التراجيديا حظيت الكوميديا اليونانية بجماهيرية واسعة من قبل رواد المسرح الكلاسيكي والمعاصر ويكاد مسرح الذخائر العالمي يصخب في كل موسم لـه بعروض ذات صولة وجولة في هذا المضمار.‏

وهاهو أريستوفانيس" الإغريقي (450 ق.م ـ 385 ق.م) يمثل سنوياً ركناً فوق خشبات المسارح العالمية نظراً للخلفية الاجتماعية السياسية لأعماله ولإسقاطاتها على المستجدات التاريخية عبر العصور.‏

من هنا جاء تسليط الأضواء على عملين بارزين في ريبرتوار المسرح الوطني اليوناني وهما "السلام" ـ إيريني باللغة اليونانية "والضفادع"... فعلى خشبة مسرح "ايبيدافروس" الأثري قدمت فرقة المسرح الوطني في اليونان أواخر تموز 2005: كوميديا: "السلام" أعدها ونفذها "ميريس" أهم مخرج معاصر لمسرح الذخائر في تلك البلاد...‏

عرض هذا العمل لأول مرة في أثينا عام 421 ق.م في مرحلة كانت تشهد نهاية حرب "البيليبونيز" مع اقتراب التوقيع على "سلام نيسياس"... وترددت يومئذ نادرة رواها الشارع الأثيني بسخرية تقول أن خنفساء استطاعت الطيران والوصول إلى معبد أولمب لتضع بيوضها في أحضان آلهة المعبد تناشدها تحقيق السلام على الأرض.. فهل تصم آذانها أم؟!‏

تجيب كوميديا "السلام" على هذا السؤال وما تمخضت عنه رحلة الخنفساء فيجعل "آريستوفان" الفلاح "تريجه" يعتلي ظهر خنفساء ضخمة لزيارة الآلهة والتفاوض معها لاسترجاع السلام الذي حُرم منه بنو البشر مدة طويلة. ينطلق "تريجه" من سطح منزله ليحط في الجانب الآخر من المسرح أمام قصر "جوبيتر" لكنه للأسف لا يجد آلهة المعبد التي هجرت المكان لشعورها بالاشمئزاز من مشاحنات الممالك الإغريقية المستمرة.‏

فرحلت إلى أبعد مكان في السماء. ولم يبق في المعبد سوى "هيرميس" ابن "زيوس" و"مايا" وهو إله البلاغة والتجارة ورسول الآلهة الذي يسهر على حراسة المعبد. لكن "يوليموس" وتعني هذه الصفة باللغة اليونانية: "الحرب" ـ بات يسيطر على شؤون العباد بعد زجه "السلام" في مغارة مجاورة متباهياً بصلفه ونفوذه. وهاهو يستعد أي "بوليموس" لسحق وتدمير الحواضر اليونانية داخل "هاون" (جرن) لتلقين سكانها درساً لن ينسوه. وعندما لا يجد مدقاً أو مطرقة لتنفيذ خطته وتحقيق مأربه يقتل كلاً من "كليون" في أثينا و"براسيداس" في اسبارطة وهما من أجج لهيب الحرب المستعرة آنذاك في المنطقة. ولذلك يستجمع "تريجه" شجاعته ويستعد لإطلاق سراح "إيريني" السلام من مغارتها.‏

بتقديمه الأضاحي الصلوات للإله "هيرميس" بدأت مواقفه تلين وتتغير. وسرعان ما يعمد رعاة الأبقار الإيتكيين إلى مساندة "تريجه" وتقديم الدعم لـه من خلال نزعهم الحجارة التي تسد مدخل المغارة حيث تم احتجاز "إيرني" ليُخرجوا منها ثلاث ساحرات هن: "السلام" و"أوبورا" (وتعني وفرة فاكهة الخريف) و"تيوريا" (فرح الاحتفال بالسلام). وليظهر من خلال المسرحية المدججة بالاستعارات والاسقاطات حب "آريستوفانيس" للأرياف والطبيعة. ألا ينتظر "تريجه" وأنصاره نهاية الحرب للعودة إلى الحقول حيث السكنية وراحة البال؟!‏

يرجع عندها "تريجه" إلى ريفه بعد أن كرمه الشعب ومنحه أرفع الأوسمة. وقد استحق الحفاوة والتكريم لكونه صاحب الفضل في توطيد أسس السلام. فيتزوج. من "أوبورا" في احتفالات صاخبة بالموسيقى والموائد العامرة بالطعام. يشارك فيها "هيمينة": آله الزواج عند الإغريق.‏

الضفادع:‏

كوميديا كتبها "أريستوفانيس" وعرضت لأول مرة في أثينا عام 405 ق.م تقدمها فرقة المسرح الوطني اليوناني خلال موسمها الحالي على خشبتي الأوديون و ايبيدافروس. كان "يوربيديس" الشاعر التراجيدي ويكن لـه أريستوفانيس" كراهية شديدة عبر عنها في انتقاداته اللاذعة قد توفي قبل عدة أشهر من هذا العرض.‏

فانصرفت كوميديا "الضفادع" إلى تصوير حزن "ديونيسوس" إله المسرح على وفاة "يوريبيديس" ونزوله إلى الجحيم لإعادة هذا الأخير إلى الحياة الدنيا. في الجزء الأول يرسم آريستوفانيس بشكل ساخر رحلة "ديونيسوس" إلى عالم الظلمات رغم تخوفه من وحوش الآكيرون (نهر الجحيم الذي لم يتمكن أحد من اجتيازه مرتين...) يعبر النهر برفقة خادمه أكتيتاس" على صوت نعيق ضفادع تشكل كورساً يعمل على إضحاك المشاهدين وإطلاق النوادر قبل الوصول إلى منزل افلاطون. الذي يخبرهما أن "يوريبيديس" بعد أن وطأت قدماه تلك البقاع (الجحيم) أزاح "أسخيليوس" عن عرشه حيث أجلسه "سوفوكليديس" ليتربع مكانه. ويأمر افلاطون" بأن تنظم مساجلة شعرية بين الشاعرين اليونانيين. تشغل هذه المساجلة الجزء الثاني من كوميديا "الضفادع" لتعطي المستمع إليها فرصة التعرف على العصر الذهبي للثقافة الأثينية. وتعج تلك المساجلة بالمحاكاة الساخرة من الطبيعية وبالأمثولة النقدية والابتكارات على صعيد الشعر والعبرة والحكم. يطرح المؤلف من خلالها قناعته بأن الشعر يجب أن تكون وظيفته تربوية وتشرف عليها الدولة. وكان "أريستوفاينس" من المعجبين جداً بأعمال "آسخيليوس" مؤسس ما يسمى "الفضيلة في التراجيديا" باعتباره كاهن فنٍ أخلاقي يصبو إلى الكمال في طروحه هذا بينما اعتمد "يوريبيديس" خلاف ذلك لتأثره بالفلسفة السفسطائية التي تخضع التربية والأخلاق للنقد. ألم يحمل هذا الأخير معاناة الإنسان اليومية وحياته المتقلبة بمطباتها وعثراتها إلى خشبة المسرح؟ ألم يعرض أبطاله بما في ذلك آلهة المعبد للشقاء والعذاب والقلق على غرار ما يعانيه البشر؟!‏

ورغم انتقادات أريستوفانيس" لغريمه "يوريبيديس الذي ترك بصمات عميقة في الأجيال التي عاصرته وجاءت بعده إلا أن صاحب "الضفادع" لم يبتعد هو أيضاً عن تلك التأثيرات الفلسفية رغماً عنه. واتهامه "يوريبيديس" بالتجديد على صعيدي الموسيقي والشكل إلى جانب الأسلوب لم يثنه عن تقليد هذا المعلم المحترف ـ لفن مسرحي سهل ممتنع. ألم يستخدم التهكم كوسيلة لنقد مثالب المثقفين في عصره؟! وتنتهي كوميديا "الضفادع" بفشل كل من "يوريبيديس" و"ديونيسوس" في مهمتهما مع صعود "اسخيليوس" إلى الأرض من جديد لإعادة هذين الضالين إلى رشدهما.‏

التحكيم:‏

كوميديا يونانية للشاعر الساخر "مينياندر" (342 ـ 222 ق.م) من مواليد أثينا وأبرز وجوه "الكوميديا الجديدة" كما كانت تدعى تلك المدرسة المدججة بالنوادر والنقد والقدح والذم...‏

سار على نهج "مينياندر" كل من "بلوت" الشاعر اللاتيني الفكه (254 ق.م 184 ق.م) و"تيرنس" (من مواليد قرطاجة بين (190 ـ 159 ق.م). تقدمها على امتداد الموسم 2005 ـ 2006 فوق خشبة "إيبيدافروس" فرقة المسرح الوطني اليوناني ويخرجها "إيفي غافر يليليدي" يدور موضوع هذه الكوميديا حول مساجلة بين شابين من رقيق أثينا وهما "داوس" و"سيريسكوس". عندما يعثر الأول على طفل رضيع قرب ضفة مهجورة من النهر، فيحمله ويوصي به لصديقه "سيريسكوس" ليقوم برعايته محتفظاً لنفسه بالمجوهرات والحلي المرافقة لقماطة اللقيط الصغير وقد أدرك "داوس" علو شأن أهل الطفل. وما أن يعلم "سيريسكوس" هذا الأمر حتى يلح للحصول على حصته من الكنز. وعندما يعجز المتخاصمان في الوصول إلى حل يقع اختيارهما على "سميكرنيس" الرجل المعروف بنزاهته ليجري التحكيم بينهما حسب العادة المتبعة آنذاك. تتابع فصول تلك الكوميديا المحاكمة التهكمية بين الطرفين المتنازعين على كنوز الرضيع. والتي تسخر من تقاليد مجتمع لا يعرف الرحمة. تطل ابنة "سميكرنيس" وتدعى "بامفيل" وقد طلقها زوجها الثري شاريسيوس بعد أن ساورته شكوك حول أبوته لمولودها البكر. يرافقها "أونيسيموس" وهو خادم زوج "بامفيل" ليسلمها إلى والدها.‏

هناك يعثر أونيسموس على خاتم سيده بين المجوهرات المطروحة أمام طاولة التحكيم. لقد فقد الخاتم المذكور عندما كان "شاريسيوس" يغازل خلال حفلة تنكرية فتاة حسناء لم يعرف هويتها تدخل عازفة المزمار "هابروتنون" لتخبر "بامفيل" بأن الطفل الذي عثر عليه "داوس" هو المولود الذي وضعته تلك الأخيرة وأن مطلقها يشعر بالندم لاتهامها بالخيانة ورميه طفلهما قرب النهر. يقتحم "شاريسوس" منزل سميكرنيس" لإعادة زوجته إلى قصره وبرفقتها ولدهما الوحيد.‏

فيطلب مغفرة "بامفيل" قبل أن يمنح صاحبة الأيدي البيضاء هابروتنون حريتها. وتتميز هذه الكوميديا ببلاغة أسلوب الحوار وبتحليل دقيق للشخصيات ـ ألم يصف فلاسفة العصر الذهبي اليوناني فن "مينياندر" بأنه مرآة الحياة خلال القرن الرابع ق.م، حين وصلت البرجوازية الآثينية إلى أوج مجدها؟!‏

طارطوف:‏

بما أن الكوميدي فرانسيز أبرز فرق مسرح الذخائر في فرنسا قد انطلقت على يدي المسرحي الفرنسي المعروف "موليير" (1622 ـ 1673) فإنها تتابع في موسمها الجديد 2005/ 06 عرض مسرحيته الأشهر "طارطوف" المنافق وقدمت بين 21 أيار 18 تموز 2005 في باريس على خشبة تحمل اسمها. أخرج هذا العمل "مارسيل بوزونيه" يعري مؤلفها "موليير" على امتداد فصول تلك الكوميديا الخمسة مثالب عصره. عرضت لأول مرة في فيرساي 1664 حين كان الشاعر يحظى بإعجاب الملك لويس الرابع عشر الذي قرّبه من بلاطه رغم غضب الملكة الأم "أنا" النمساوية التي شعرت بإهانة "موليير" لطبقتها من خلال تهكمه على المقربين للبلاط وبخاصة رجال الدين المسيحي.‏

ساند الملك الشمس "موليير" بعد أن كاد هذا الأخير يساق إلى المحرقة (محاكم التفتيش) لكن "موسيو" شقيق الملك ينجح في استدراج "موليير" لقصره مع فرقته حيث عرضت مسرحيته "طارطوف" عام 1664 لأول مرة. تلتها رائعته "دون جوان" عام 1695 والتي عّرضت مؤلفها لاضطهاد طبقة النبلاء لـه رغم حماية الملك شخصياً. ليحصل موليير من لويس الرابع عشر على تسمية فرقته فناني الملك مع تلقي رواتب خاصة بهم وهو حدث في ذلك العصر. تبدأ الأحداث حين تقرر مدام "بيرنيل" والدة البرجوازي "أورغون" مغادرة منزل نجلها بعد أن صدمتها مظاهر البذخ والترف السائدة في أجواء البيت. وقد ثارت ثائرة أولاد "أورغون" الذين راحوا يتهمون "طارطوف" صديق والدهم بالوقوف وراء احتقار البرجوازي لأسرته وسعيه وراء استعراض ثروته. لم يتأخر حتى "كليونت" صهر "أورغون" في اتهام "طارطوف" بالدخيل الدساس. وكانت الخادمة "دورين" وبتأييد من "كليونت" تعمل على تشويه صورة "طارطوف" أمام مدام "بيرنيل" التي أعجبت بهذا الأخير لتمسحه برجال الدين المسيحي وتقربه منهم في كل مناسبة. ثم راحت تدين صداقة ابنها مع "طارطوف" الذي أصبح صاحب الكلمة الفصل في منزلهم. يعود "أورغون" من رحلة قام بها ليسأل قبل كل شيء عن أخبار "طارطوف" دون التطرق لمعرفة العارض الصحي الذي ألم بزوجته أو غضب والدته. وحين تقاطعه "دورين" لتقص عليه أخبار أسرته ينهرها رب البيت مستعلماً عن طارطوف فقط المقيم كضيف في منزله. كذلك الأمر حين يتهم أولاد "أورغون" الدخيل بالنهم والكسل واللامبالاة والنفاق وقلة الورع يرفض "أورغون" تلك الانتقادات لأنه يكنّ لهذا المظلوم المحبة والاحترام ألا يستقطب هذا الرجل الورع التقي طارطوف اهتمام الجميع في المجالس دون استثناء؟ ألا يقبّل هذا الدخيل الأرض كلما أطلق مثلاً أو عبرة مما يؤكد حجم التقوى المعتمرة في قلبه؟ وعندما يعلن "كليونت" أنه وافق على تزويج "ماريان" وفالير" لا ينبس "أورغون" ببنت شفة لكن البرجوازي كان يعد لأمر خطير يتعارض والوعد الذي قطعه سابقاً على "فالير" ـ يفتتح موليير الفصل الثاني ليكتشف المشاهد خفايا هذا الأمر الخطير ـ فقد قرر "أورغون" تزويج ابنته "ماريان" من الرجل الورع والتقي "طارطوف" ليخبرها بذلك وتوافق "ماريان" الخجولة على مضضٍ مخافة عصيان أوامر والدها. تتدخل الخادمة "دورين" لتفضح زيف هذا المنافق الذي يدّعي الورع عندما يدخل "فالير" وقد بدأت تنتابه مشاعر الغيرة والأسى فيتهم خطيبته بالخيانة. تسعى "دورين" لإصلاح ذات البين بين العاشقين عندما يطل نجل "أورغون" "داميس" فيطلق الوعيد والتهديد للتخلص من الدجال الدخيل. يخرج الحبيبان "ماريان" و"فالير" لتدخل زوجة والد "ماريان" وداميس" وتدعى "إيلميير" برفقة "طارطوف". يتنصت "داميس" لحديث الثنائي فيصاب بالهلع عندما يسمع غزل صديق والده لزوج أبيه.. تقتحم هذه الخلوة "دورين" لتهاجم "طارطوف" فتكشف نفاقه وتدليسه لكنه ينهرها ويطردها لتمتد يده إلى ركبة "إيلمير" التي تظهر لـه وداً مفتعلاً بعد أن تطلب منه التسريع بزواج "ماريان" من "فاليير" خطيبها. ويخرج "داميس" من مخبئه عندما يعثر أورغون على صديقه طارطوف فيفضح داميس حقيقة الدخيل أمام والده. لكن "طارطوف" سرعان ما يعترف بأنه لم يستطع مقاومة إغراءات وجمال "إيلمير" وأنه يشعر بالذنب ويستحق الطرد كالمجرمين من منزل حبيبه وصديقه. ولأن "أورغون" يثق بـ "طارطوف" يهاجم نجله وزوجته وقد ترسخ في اعتقاده أنهما يدبران مقلباً لـه ولصديقه المظلوم. ثم يطرد أورغون ابنه من المنزل ويقرر منح ثروته وأملاكه لهذا الطرطوف الذي يجيب صديقه "لتتحقق مشيئة الله إن كانت تلك رغبتك. عندما يفتتح الفصل الرابع يحاول "كليونت" إقناع البرجوازي "أورغون" بتغيير رأيه دون جدوى. ويطلب من طارطوف مصالحة الأب وابنه، تدخل "ماريان" لتناشد والدها الابتعاد عن صديقه، لكن لا أحد يصغي إليها إلى أن تقدم زوجة أبيها على ضربة قاضية فتقنع زوجها بالتخفي تحت طاولة كبيرة والاستماع لاعترافات صديقه الدنيئة خلال مراودته لها عن نفسها وسخريته من "أورغون" لكن "طارطوف" الخبيث كان شديد الحذر لا يستسلم بسهولة لذا تحاول "إيلمير" إقناعه بأنها كانت تظهر دلالاً عندما غازلها للمرة الأولى وهي مستعدة لأن للرضوخ لإرادته. يلح عليها المنافق التنفيذ واتباع القول بالفعل وعندما تخبره بأنها تخشى حضور زوجها يجيبها بأنه يستطيع قيادة "أورغون" من أنفه وأن هذا الأخير أعمى البصيرة وساذج لدرجة الثقة بالآخرين دون مبرر. يخرج الزوج المخدوع ليواجه صديقة المخادع وحين يسعى لطرده يطلب منه "طارطوف" حزم حقائبه والانصراف عن هذا المنزل الذي أصبح ملكه إثر تبرع "أورغون" بأمواله وممتلكاته لـه. في الفصل الخامس يخيم الذعر داخل منزل البرجوازي الأبله عندما يتذكر "أورغون" أن "طارطوف" وضع عنده أمانة هي عبارة عن أوراق تدين المنافق وصحبه وأن بإمكانه تسليمها للملك لكونها تحتوي على مؤامرة ضد الملكية. وعندما يحضر حاجب من المحكمة لإبلاغ "أورغون" بأنه يجب عليه إخلاء المنزل خلال أربع وعشرين ساعة لأن مالكه "طارطوف" يطالب به، يتدخل "فالير" ليعلن للجميع أن أمانة "طارطوف" أصبحت على طاولة الملك. عندها يحضر الدخيل برفقة رجل شرطه لإلقاء القبض على صديقه القديم. لكن الملك يأمر بكشف خلفية المؤامرة المحاكة ضده فيرسل جنوده لرمي صاحب السوابق "طارطوف" في السجن ومحاكمته وتبرئة "أورغون" الذي يوافق أخيراً على زواج ابنته "ماريان" من خطيبها "فالير". وتعتبر هذه المسرحية أهم أعمال الريبيرتوار الفرنسي الكلاسيكي لأنها تتطرق لآفة معروفة في كل الأزمنة والأمكنة وهي النفاق والرياء والتخفي وراء الورع والتقوى لتحقيق مآرب دنيئة وقد رسم "موليير" البطل الأول لمسرحية "طارطوف" بعناية فائقة أثارت ضده الكنيسة الكاثوليكية وكادت تحرمه من الدفن بشكل لائق..‏

مفاجأة الحب:‏

أدرج ريبيرتوار المسرح الوطني لشاييو في باريس كوميديا "مفاجأة الحب" للفرنسي "بيير ماريغو (1688 ـ 1763) وذلك على قائمته للموسم 2005/ 06 وهي من إخراج "جان باتيست ساستر". وتتألف تلك الكوميديا من ثلاثة فصول نثرية عرضت لأول مرة في العاصمة الفرنسية عام 1722 وحققت نجاحاً منقطع النظير. وتتناول فاجعة اكتشاف "ليليو" خيانة خطيبته لـه وطعنها بحبه فيعتزل المجتمع ويرحل "ليليو" إلى الريف وقد أقسم يميناً ألا يقترب من النساء بعدئذ. وكان خادمه وكاتم أسراره "آرلوكان" قد تعرض هو أيضاً للمصيبة التي ألمت بمعلمه. تقع "جاكلين" خادمة "ليليو" التي تشرف على مطبخه في غرام "بيير" البستاني الذي يعمل عند كونتيسة تملك القصر المجاور لقصر "ليليو" الريفي. يقرر الشابان الزواج سراً لكن "جاكلين" تخشى غضب سيدها إن أقدمت على هذا العمل لذلك تمهد للقاء الكونتيسة مع النبيل "ليليو"‏

يستقبل هذا الأخير جارته وبرفقتها وصيفتها "كولوميين" ببرود شديد ثم يشرح لضيفته السبب الكامن وراء هذا التصرف. ليكتشف أن الكونتيسة كذلك فقدت الثقة بالرجال وباتت تخشى غدرهم بعد أن هجرها حبيبها. هذا في الوقت الذي انصرفت فيه الوصيفة "كولوميني" لاستمالة "آرلوكان" إليها. في الفصل الثاني تعلن الكونتيسة لجارها "ليليو" أنها لم تعد ترغب برؤيته وأنها ستكتفي بمراسلته لإتمام مراسم زواج "كولومبين" من "آرلوكان". وأخيراً تنجح وصيفة الكونتيسة في جمع شمل قلبين متلهفين للحب يخفي كل منهما عاطفته وراء ستار من الكبرياء واللا مبالاة. في الفصل الثالث يستسلم "آرلوكان" لرغبات "كولومبين" ليجتهد الثنائي في عقد قران الكونتيسة و"ليليو" الذي يعترف للكونتيسة أميرة أحلامه بشغفه بها منذ أول زيارة تقوم بها لقصره وقد اكتشف عاطفتها النبيلة والصادقة تجاهه كما أخبرته "كولومبين".‏

أوبوملكاً:‏

شاركت هذه المسرحية في مهرجان "آفينيون" الأخير في دورته التاسعة والخمسين ونظمت مطلع تموز 2005 وهي كوميديا كاريكاتورية ألفها "الفريد جاري" (1873 ـ 1307) وحملت عنوان "أوبو ملكاً". يسخر موضوعها من البرجوازية الفرنسية في فصولها الخمسة. كتبها هذا الأديب بادئ الأمر لمسرح العرائس لتعرض عام 1888 قبل أن تطبع في كتاب صدر عام 1896 تدور أحداثها في بولونيا حيث يتمتع "أوبو" ملك آراغون السابق وكابتن التنين بثقة ملك "فيسيزلاس" الذي منحه وسام الصقر الأحمر. لكن زوجة "أوبو" لا تعجبها تلك التسميات إنها ترغب في الاستحواذ على السلطة، فتحاول إقناع زوجها بالتربع على عرش المملكة. يصل موفد الملك ليطلب من "أوبو" المثول بين يديه وما أن يدخل "أوبو" إلى حاضرة الملك حتى يسخر منه ولي عهد بولونيا الشاب "بورغلاس". ينتهي الفصل الأول.. ليشن "أوبو" في الفصل الثاني حملة انقلاب ضد ملك "فيسيزلاس" تنجح مع تصفيته للأسرة المالكة وهرب "بورغلاس" إلى المغاور المجاورة بانتظار الفرصة المواتية لاسترجاع عرشه. ينصب "أوبو" ملكاً على البلاد، فتنصحه زوجته بتوزيع حفنات من الأموال على الشعب ليتمكن من تسديد ضرائبه المتراكمة. يستجيب "أوبو" لإرادتها. يفتتح الفصل الثالث مع وضع يد الملك على ثروات نبلاء وأشراف وأغنياء المملكة وإقراره ضرائب جديدة تفرض على الزواج والوفاة تندلع الاضطرابات في البلاد. فيدعو "أوبو" مجلسه الحربي لاجتماع طارئ ثم يستعد مع قواته لمواجهة القيصر الذي يزمع على إعادة الشريعة إلى المملكة في الفصل الرابع يتوجه "أوبو" وجيشه لملاقاة قوات القيصر حين تسرق زوجته كنوز ملوك بولونيا. يستولي في تلك الأثناء "بورغلاس" على الحكم ليسيطر على زمام السلطة بمساعدة أنصاره ومساندة طبقة النبلاء....‏

تهرب الملكة دون أن تتمكن من حمل الثروة التي جمعتها في غياب زوجها "أوبو" الذي يشهد تآمر جيشه عليه مع تسجيل قوات القيصر انتصارات متوقعة. يهرب "أوبو" ليختبئ في إحدى المغاور فتلحق به زوجته عندما يهاجم "بورغلاس" المكان مع جماعة من مؤيديه فيركب "أوبو" وزوجته مركباً متجهاً إلى فرنسا حيث موطنهما الأصلي تهاجم مسرحية "أوبو" ملكاً الطبقة البرجوازية في فرنسا وقد أصيبت بتضخم الأنا وجنون العظمة بعد أن أصبحت تملك مالاً تمجده ويضاعف من نفوذها في المجتمع الجديد...‏

الغابة‏

لم تكتف فرقة "الكوميدي فرانسيز" بتقديم مسرحياتها في "باريس" بل حطت أواخر آب 2005 في موسكو لتعرض "كوميديا الغابة" تأليف "الكسندر أوسترفسكي" (1823 ـ 1886) وإخراج "بيوتر فومنكو".. و"الغابة" كوميديا عرضت لأول مرة في موسكو 1871 تدور أحداثها في أوساط الفنانين لتمجيد نبل أخلاق ممثل تراجيدي يواجه عدداً من الشخصيات الحقيرة تبدو في الظاهر حسنة السيرة أبرزها:‏

المالكة المتصابية الأرملة "غور مييسكايا" وتخفي خلف قناع الطبية نوايا سيئة. تعيش الأرملة في قصرها داخل الغابة مع ابنة شقيقها "آكسيوشا" التي لا يتجاوز عمرها العشرين وشاب يدعى "بولانوف" تدعي بأنه خطيب الصبية رغم أنها تخفي مشاعرها نحوه...‏

ولأن القصر يجب أن يعود للشابة "آكسيوشا" وشقيقها الذي رحل عن المنطقة بحثاً عن السعادة برفقة فريق من الممثلين الجوالين. تستغل الأرملة "غورميسكايا" الفتاة أبشع استغلال.. تعشق "آكسيوشا" ابن تاجر للأخشاب يدعى "بير فوسيبراتوف" الذي يبادلها مشاعرها. وقد نجح والده في شراء جزء من الغابة تملكه "غورميسكايا" ولا مانع عنده من زواج نجله من الفتاة لو تمكنت من الحصول على "دوتا" أي مهر لزيادة ثورة "فوسيبراتوف". أطل شقيق "آكسيوشا" بعد أن أعلن إفلاسه وجاء للاستراحة بالقرب من شقيقته وعمته. يعرف أسرته على صديقه الفنان السيئ الحظ على غراره أزعجت عودة الشاب العمة الأرملة التي تحاول إقناع "بولانوف" الاقتران بها ولا يمانع الشقيق هذا المشروع خاصة وأنه يرغب في حمل شقيقته على مرافقته في جولة فنية بعد أن استطاع انتزاع قرابة 1000 روبل من الأرملة "غور ميسكايا" لإخراج مسرحيته. لكن "آكسيوشا" لا ترغب في هجر "بيير" فتخبر شقيقها بأنه ستتزوج خطيبها. لكن والده يطلب مهراً سخياً فيقدم لها شقيقها المبلغ الذي استدانه من العمة لتحقق حلمها في الاقتران من حبيبيها. وليتابع طريقه إلى مغامرة أخرى مع فرقته التي تنتظره. وتهدف المسرحية إلى تعرية مشاكل الإقطاعية النبيلة التي راحت تبيع ممتلكاتها على هامش جني البرجوازية ثروات ضخمة بطرقها الخاصة.‏

حب زليندة وليندورو‏

يستعد مهرجان إكس أون بروفانس الفرنسي خلال موسمه القادم عام 2006 لتقديم عدة أعمال من ريبرتواره العريق أبرزها كوميديا الشاعر الإيطالي الساخر "كارلو غولدوني" (1707 ـ 1793) وعنوانها: "حب زليندة وليندورو". تتألف هذه الكوميديا من ثلاثة فصول ولا يتجاوز عدد شخصياتها الثمانية: "دون روبيرتو" وزوجته دونا "إيليونورة" ودون "فلامينيو" ابن روبيرتو من زواج سابق "وزليندة" و"ليندورو" وبربارة "وفابرتيزيو" و"فريدريكو". تتمتع الحسناء الشابة "زليندة" بحماية "روبيرتو" والدها الروحي رغم تنافس كل من سكرتيره "ليندورو" و"فلامينيو" و"فابريتزيو" وكيل أعمال الأب للاستئثار بقلبها. يكتشف "فابرتيزيو" علاقة "زليندة" و "ليندورو" فيخبر "دون روبيرتو" ليطرد هذا الأخير سكرتيره. كذلك يقنع "ابن روبيرتو" زوجة أبيه "إيليونورة" التي تغار من الفتاة الجملية بأن والده وقع في غرام ابنته بالتبني "زليندة" فترمي بها خارج القصر. يلتقي العاشقان عند المطربة "بربارة" ليعرض كل منهما خدماته عليها. لكن "زليندة" سرعان ما تشاهد "فابرتيزيو" و"فريدريكو" عند "بربارة" وقد جاء كل منهما لاصطحابها إلى المنزل. في تلك الأثناء تهجر "إيلونورة" منزل زوجها بعد أن اتهمها بالأنانية وبقسوة الطباع. أليست المحرض الأول لطرد ربيبته "زليندة" من القصر؟‍ يلتقي "ليندورو" وجهاً لوجه مع "فلامينيو" فيدعوه للمبارزة. عندها تطلب "زليندة" مساعدة دون "روبيرتو" وتدعوه للتدخل لتجنب حدوث أي اشتباك بين الشابين يتمخض عن أذية حبيبها. ينجح "فريدريكو" أخيراً من إقناع "إيليونورة" العودة إلى المنزل لتنتهي المسرحية بتصالح الأطراف المتخاصمة.‏

سانييت "تشيخوف"‏

اختار مسرح أوروبا أوديون باريس لموسمه القادم 2006 ساينيت "أنطون تشيخوف" (1860 ـ 1904) وهي كوميديا قصيرة كتبها الأديب الروسي في بداية مسيرته الإبداعية. ولا يتوقف تشيخوف في تلك الأعمال عند رسم نماذج من شخصيات مضحكة أو مواقف تدعو للسخرية وإنما يخفي وراء تلك المفارقات الكوميدية مآسي الوجود. تصور لوحاته أناساً مسحوقين تحت أعباء الحياة اليومية، ومواقف تراجيدية على غرار بطل: "أغنية البجع" وقدمت لأول مرة عام 1886 وستعرض على خشبة المسرح الوطني "دولاكولين" إخراج "آلن فرانسون". يتناول موضوعها رواية ممثل عجوز لمقتطفات من حياته البائسة لصديقه الملقن الذي يعلم في إحدى الصالات المسرحية. وكان الممثل فيما مضى فناناً معروفاً تصفق لـه الجماهير بحماسة هاهو يدمن على الخمر اليوم لتغلق أبواب الصالة دونه بعد أن انتهى العرض ونسي من شدة سكره التوجه إلى منزله. يجلس النديمان ليتابع الملقن محطات من حياة الممثل العجوز الذي لم يعرف الحب في شبابه من شدة ضيق ذات اليد أما ساينيت: "على الطريق الواسعة" فقد كتبها "تشيخوف" عام 1887...‏

وعرضت على خشبات موسكو فيما بعد وهي كوميديا قصيرة تكاد تقتصر شخصياتها على ثلاثة أفراد. اشتهر هذا النوع من الأعمال المسرحية في إسبانيا قبل أن يحط في روسيا. وتتناول "على الطريق الواسعة" سخرية الأقدار من عزيز قوم ذل. فها هي زوجة نبيل روسي تعمل على إفلاسه ليغدو متسولاً مشرداً. يلتقي صدفة بالحوذي الذي كان في خدمته سابقاً قبل أن تصيبه تلك الأزمة المالية التي تسببت في بيع قصره.. فيدفع لـه هذا الحوذي ثمن شرابه في المقهى المجاور ثم يذهب هذا الخادم الوفي إلى رفاقه الفلاحين ويقص عليهم مأساة سيده السابق الذي أشهر إفلاسه. تدخل الزوجة الخائنة إلى المقهى جاءت تبحث عن الدفء من البرد القارس بينما ينصرف الحوذي لإصلاح مركبة التزلج فوق الثلج. يسأل النبيل زوجته عن سبب مجيئها إلى المقهى فتنهره وتبدأ بتحقيره أمام الزبائن فيهجم عليه عدد من الزبائن لقتلها لكنها تنجح في الهرب. وتشير تلك المسرحيات إلى الواقعية التي سار على نهجها "تشيخوف" من مطلع حياته الأدبية. وهنا يبتعد الأديب عن بناء حبكة أو عقدة درامية ليلتقط مشاهد من الحياة ليس إلا وهو ما نقلته "الساينيت" إلى جمهور خشبة المسرح بشكل ناجح.‏

من المسرحين: التاريخي والغنائي...‏

ميترايدات‏

خلال مهرجان "سالزبورغ" النمساوي الذي ينظم على امتداد شهر آب من كل عام قدم "ريبورتواره" لموسم 2005 ـ 2006 رائعة الكاتب الدرامي الفرنسي الشاعر "جان راسين" (1639 ـ 1699): "ميتريدات"...‏

رأت المسرحية النور على خشبات باريس عام 1673، ثم تحولت إلى أوبرا لحن موسيقاها "موتزارت" ومسقط رأسه "سالزبورغ" والذي احتفظ بتسلسل أحداثها التاريخية لينقذها هذا الموسم "غنتركرامر" المخرج النمساوي المعروف. ترمز المسرحية الأوبرالية "ميتريدات" إلى مقاومة المشرق (بلاد القدم) ويمثلها الملك "ميتريدات" غزو الجيوش الرومانية البربرية لبلاده.‏

وتدور أحداث المسرحية في "نيمفي" مملكة القدم مع انتشار شائعات تروّج لموت حاكم البلاد "ميتريدات" واندلاع المشاحنات بين وريثيه:‏

"خيفاريس" و "فارناسي" من جهة ووالدتيهما من جهة أخرى. وإلى جانب الخلاف على العرش يعشق الشابان فتاة تدعى "مونيمة" كان والدهما قد قرر الاقتران بها لجمالها وحسن أخلاقها. لكن "مونيمة" تحب سراً "خيفاريس" وعندما يعرض عليها "فارناسي" قلبه وتاج المملكة ترده خائباً، فهي لا ترغب في الزواج من "فارناسي" حليف الرومان. لكن هذا الأخير لا يقتنع بحجتها وسرعان ما تحمل الأخبار عودة الملك "ميتريدات" سالماً إلى "نيمفي" رغم هزيمة جيشه وهروبه متخفياً عن أعين الرمان ليوصي ولده "خيفاريس" بحماية حبيبته "مونيمة" بعد اكتشافه تعلق "فارناسي" بالحسناء. تكشف "مونيمة" للمحبوب "خيفاريس" هواها الجامح تجاهه إلى جانب تعهدها بالبقاء خطيبة "ميتريدات" ـ يقرر الملك الهجوم على روما انطلاقاً من شمال إيطاليا ويترك ابنه "فارناسي" في القصر للدفاع عن بلاده خلال غيابه بعد أن يقترح عليه الزواج من ابنة ملك البارثيين. لكن "فارناسي" يرفض الانصياع لأوامر والده ويعرض عليه التحالف مع الرومان وتجنب الحرب ثم يخبره أن الفتاة تعشق شقيقه الذي عمل على إخفاء هذا الأمر عنهما. يتظاهر عندها "ميتريدات" بمباركة زواج "خيفاريس" من "مونيمة" على اعتبار أنهما ينتميان لجيل شاب متقارب في السن ـ لتقع "مونيمة" في الفخ الذي نصبه لها الملك فتعترف لـه كيف تكتمت على غرامها. وما أن تكتشف الخديعة حتى تناشد "ميتريدات" أن يقتلها بعد افتضاح أمرها خاصة وأن مصير "خيفاريس" لن يكون أفضل من مصيرها أي الموت.. وبينما تنهش مشاعر الغيرة والحسد والرغبة في الانتقام قلب "ميتريدات" يدخل رسول ليخبر البلاط بأن الجيوش الرومانية تقترب من مشارف المدينة وأن "فارناسي" يتعاون مع العدو. وقبل أن يخوض "ميتريدات" معركته الأخيرة في محاولة لإنقاذ مدينته من الأعداء يرسل لخطيبته السابقة "مونيمة" سماً لتتجرعه بصمت. لكنه يندم على فعلته فيدفع برسول آخر لانتزاع الشراب الزعاف من أيدي "مونيمة" بعد مقاومته الرومان بشجاعة. ثم يقدم الملك "ميتريدات" على إغماد سيفه في أحشائه خوفاً من الوقوع في الأسر.‏

يُنقل وهو يحتضر إلى شرفة القصر ليشاهد ابنه "خيفاريس" وهو يدفع الرومان لركوب سفنهم والانسحاب من شواطئ بحر القرم. فيكافئ الوالد نجله بمباركة زواجه من "مونيمه". رغم التطابق الكبير بين شخصية "ميتريدات" التاريخية والصورة التي رسمها "جان راسين" عن هذا الملك إلا أن المسرحية تمثل تراجيديا الصراع بين العاطفة والواجب: واجب الأبوة والدفاع عن الوطن وعاطفة الغيرة (غيرة الأب من ولديه وغيرة الشقيقين أحدهما من الآخر) والكراهية ("مونيمه" في احتقارها لعدو الوطن "فارناسي")، وعاطفة عشق "مونيمة" الحسناء اليونانية للبطل "خيفاريس" ـ واندفاع هذا الملك الشرقي لحماية مملكته‏

بشتى الوسائل.‏

تسامح تيتوس:‏

على خشبة "أوبرا باريس" قدم مسرح ذخائرها خلال شهري أيار وحزيران 2005 الدراما التاريخية "تسامح تيتوس" التي وضع موسيقاها عشرون ملحنً من بينهم "موتزارت" و"كالديرارة" (1670 ـ 1736) وعرضت في فيينا عام 1734 لأول مرة أما مؤلفها فهو الشاعر الإيطالي "بيتروتراباسي" الملقب "ميتاستاس" (1698 ـ 1782) وتشمل ثلاثة فصول. يتناول موضوعها رحمة "تيتوس" وتسامحه وهو الإمبراطور الذي حكم روما بين الأعوام 79 ـ 81 م أيام ثورة بركان فيزوف الإيطالي (عام 79م). وكان هذا الإمبراطور قاسي القلب صعب الطباع قبل وصوله إلى سدة الحكم. لكن ما إن اعتلى كرسي العرش حتى تغير سلوكه ليغدو متساهلاً متسامحاً حتى مع الذين تآمروا لخلعه. تدور أحداث "تسامح تيتوس" حول خيانة أصدقاء هذا الإمبراطور لـه وسعيهم للغدر به من خلال علاقات حب متشابكة. فبينما يعشق "سيستوس" ابنة الإمبراطور السابق الذي خلفه "تيتوس" ـ وتدعى "فيتيليا" تقع شقيقة هذا النبيل "سيرفيليا" في حب صديق "سيستوس" المدعو "إينوس".‏

وتتمحور هذه الدراما التاريخية حول الحسناء "بيرينيس" التي تحيك تآمر "سيستوس" ضد صديقه "تيتوس" ومن ناحية ثانية تعمل النبيلة "فيتيليا" حبيبة "سيستوس" وهي العدوة اللدودة لـ "بيرينيس" على تشجيع هذا الأخير للتخلص من الإمبراطور الجديد. يبعد "تيتوس" المرأة التي يحبها أي "بيرنيس" عنه وقد اكتشف علاقتها بحاخامات روما وكي يقطع الطريق أمام تنفيذ "ميتليا" مآربها في القضاء عليه والثأر لأبيها في حين كان "سيستوس" يخشى افتضاح أمر اشتراكه في المؤامرة وخيانته لصديقه "تيتوس" يقرر الإمبراطور الزواج من "سيرفيليا" كي لا يغضب شعبه في حال اقترن بـ "بيرينيس" التي تدين باليهودية.‏

أثار هذا الأمر غضب "إينوس".. تسعى "فيتيليا" لإبعاد غريمتها "سيرفيليا" عن "تيتوس" وتحقيق حلمها في أن تصبح إمبراطورة لكن "تيتوس" ينظر إلى "فيتليا" نظرة مغايرة وقد عقد العزم على الاقتران بشابة ذات حسب ونسب مما دفعها لكشف المؤامرة التي تحاك ضده أمام حاشية الإمبراطور. تنتشر الشائعات حول نجاح عملية تصفية "تيتوس" على يد أقرب رجال حاشيته، فيحكم مجلس الشيوخ على المتآمرين بالموت بما في ذلك "إينوس" ولكن "تيتوس" سرعان ما يظهر وهو حي يرزق، فيسامح الجميع ويعفو عن حاشيته التي تآمرت لقتله، ويتنازل عن المرأتين، لتحتفل روما بزفاف "سيرفيليا" و"إينوس" من جهة ثم "سيستوس" و"فيتيليا" من جهة أخرى على هامش عفو "تيتوس" عنهم.‏

الملك يلهو:‏

تجري فرقة الأوبرا الوطنية في باريس تدريباتها الأخيرة قبل افتتاح موسمها الجديد يوم 11 ـ 2 ـ 2006 بتقديم مسرحية: "الملك يلهو" للأديب الفرنسي "فيكتور هوغو". أعدها أوبرالياً "فيردي" تحت عنوان "ريغو ليتو"، وعرضت لأول مرة في باريس عام 1832. ولأنها دراما تاريخية تتألف من خمسة فصول شعرية نظمها "هوغو" (1802 ـ 1885) تدور أحداثها في بلاط فرانسوا الأول حين تحوم الشبهات حول مهرج الملك ويدعى "تريبولـه" الذي طالته الألسن والشكوك لأنه يخفي حياته العائلية عن حاشية "فرانسوا الأول". وهو متزوج وأب لأسرة لم تظهر في البلاط يوماً. وهذا ذنب لا يغتفر بالنسبة لتلك الحاشية المتعطشة للنميمة والدسائس. فكيف استطاع هذا المهرج الوضيع الاحتفاظ بهذا السر بعيداً عن رجالات البلاط أولياء نعمته؟‍ ولأن غباء حاشية الملك لا نهاية لـه سرعان ما ينصب لـه رجالاتها فخاً حين يدفعون بابنة "تريبوله" إلى أحضان الملك الذي يبحث عن مغامرات جديدة. ينجح "فرانسوا الأول" في اقناع "بلانش" ابنة مهرجه الوحيدة والبريئة أنه طالب جاء للدراسة وأنه أحبها من النظرة الأولى. تقع "بلانش الساذجة في شباك هذا الرجل بسهولة. يكتشف "تريبوله" ما حدث لوحيدته التي يعبدها، فيتابع حياته في البلاط كأن شيئاً لم يحدث رغم اتخاذه قرار الانتقام من أفراد تلك الحاشية التافهة والسيئة الذكر... فيستأجر مجرماً معروفاً لتنفيذ مهمة قتل الملك غريمه وعندما يتوجه "فرانسوا الأول متنكراً كعادته إلى موعده الغرامي مع "بلانش" التي استمعت لحديث والدها مع المجرم المأجور تقف الفتاة المغرر بها والبسيطة التفكير مكان هذا الملك المنافق ليقتلها المجرم بعد أن تضحي بنفسها. يصاب والدها "تريبوليه" بالإحباط فهي الشعاع الوحيد في حياته المليئة بالخداع والدجل والفصام. ألا يمارس أحقر مهنة في العالم؟‏

إذ كيف يقوم بتسلية ملك لا يشغله سوى التنكر والضحك من حاشيته واستغلال الفتيات الجميلات؟ نقل الملحن والموسيقي الإيطالي "غيسيبي فيردي" هذه الدراما التاريخية ليجعل منها أهم أوبرا غنائية عرضت في البندقية 1851 ولتحمل ميلودراما القرن. وتتألف من 13 قطعة موسيقية. عمل "فيردي" على تغيير أسماء شخصيات "فيكتور هوغو"، ليغدو اسم "تريبوله" الجديد "ريغو ليتو" في حين أصبح الملك "فرانسوا الأول" يدعى "دون مانتو" وغدت "بلانش" عند "فيردي" البطلة "جيلدا"‏

جيزيل:‏

على خشبة دار أوبرا شيكاغو وخلال النصف الثاني من شهر نيسان 2005 قدم "ريبرتوار السيفيل أوبرا المسرحية الغنائية "جيزيل" ذات الفصلين. ألف موسيقاها "أدولف آدام" (1803 ـ 1856) وعرضت لأول مرة في أوبرا باريس حزيران 1841. تعتبر من روائع المسرحيات الرومانسية اقتبس موضوعها "تيوفيل غوتيه" عن أسطورة ذكرها "هنري هاين" في كتابه "الأساطير الألمانية" وتنتمي جذورها للثقافة السلافية ولشعوب تتداول قصص حوريات دجويات (تظهر عند الدجى) ليرقصن قرب البحيرات، وتدعى "الويليز" وهن في واقع الأمر حسب المعتقدات السائدة في البلاد السلافية خطيبات وافتهن المنية قبل زواجهن ولأنهن عاجزات عن النوم كسائر المخلوقات والرقاد بهدوء في نعوشهن. يجتمعن عند منتصف الليل ويبدأن بالرقص للتسلية. ويالتعاسة الشاب الذي يلتقي بهن !.‏

إذ تحيط به الحورية منهن وتعانقه ثم تدفعه للرقص معها حتى توافيه المنية من شدة الإرهاق والتعب. في الفصل الأول يظهر الأمير "ألبير" وقد تنكر بزي راعٍ وراح يغازل أجمل الحسناوات الفلاحات وتدعى "جيزيل" يوم عيد قطاف العنب (ويرأسه باخوس) وسرعان ما يكشف "هيلاريون" حارس الغابة هوية الأمير، فتغضب "جيزيل" وتتهم "ألبير" بالخداع ألم يعد "باتيلد" وهي شابة من النبلاء بالزواج منها؟ تصاب "جيزيل" بالغم وتوافيها المنية فتنقل إلى مثواها في الغابة. في الفصل الثاني تظهر عند منتصف الليل حوريات "الويليز" وبرفقتهن "جيزيل" عندما يمر "هيلاريون" فينجرف بالرقص مع "جيزيل" الذي أحبها..‏

لكنها تجره إلى البحيرة حيث يلقى حتفه وكان برفقته "ألبير" الذي يكاد يقع في فخ "الويليز"، لتسارع "باتيلد" خلال بحثها عن خطيبها "ألبير" لإنقاذه فيرمي الأمير بنفسه تحت قدميها طالباً السماح. وتنتمي هذه المسرحية لعالم الخيال الشاعري.‏

حياة غاليليو:‏

إنها أهم أعمال "بيرتولت بريخث (1898 ـ 1956) يقدمها ريبرتوار مسرح "تياتردي آمنديه في نانتير" من إخراج الفرنسي "سيغاديه" على امتداد شهر تشرين الأول 2005 وهي مسرحية تاريخية تتألف من 15 لوحة كتبها "بريخت" الألماني عام 1938 ـ وعرضت في "زيوريخ" عام 1943 ـ تلتصق أحداثها بحياة العالم الإيطالي الكبير كما نقلها لنا التاريخ حين رفض "غاليليو" المفكر المعروف التنكر لاكتشافاته العلمية والانصياع لأوامر الكنيسة المناهضة للتطور. تبدأ المسرحية من مرحلة نضوج "غاليليو" عندما يتعرض للخداع وتنتهي بالطعن بمصداقيته واتهامه بالخيانة. يقدم "غاليليو" لحاكم البندقية نظارة حسب نموذج تم اختراعه في بلاد "الفلاندر" يسرقها الإيطالي بعد رفضه الاعتراف بنظرية كوبرنيك تحت تهديدات محاكم التفتيش. ولأن لصوصية "غاليليو" واضحة لا ينكرها العالم، كذلك الأمر بالنسبة لخيانته "لكوبرنيك". ألا تمنحه الأولى أي سرقة اختراع النظارة الراحة التي يحتاجها لمتابعة أبحاثه بهدوء؟ في حين تفسح الثانية أمامه المجال لاستكمال أعماله تلك؟!‏

لم يتردد هذا العالم الجليل المتمسك بالحياة ومباهجها في البقاء في "فلورنسا" في الوقت الذي اجتاح فيه الطاعون المدينة المذكورة. فهو لا يستطيع الانقطاع عن دراساته العلمية ـ وفي عام 1938 عندما يبدأ بريخت كتابة: حياة غاليليو" في الدانمرك التي لم يحتلها النازيون بعد يقدم لـه مساعدو "نيلز بوهر" النصائح ليتعرف على نظام بطليموس، وليكتشف قوة الذرة وليحلم بالمكاسب التي ستجنيها الإنسانية من وراء هذا الاختراع.‏

فحين يقول "أندريا" تلميذ "غاليليو" لمعلمه: "يداك قذرتان!! يجيب العالم: "الأفضل أن تكون قذرة من أن تصبح خالية".. لكن سرعان ما تفجر عام 1945 قنابل هيروشيما. ليدون "بريخت": بين ليلة وضحاها اتخذت بيوغرافيا "غاليليو" أبي الفيزياء العصرية منحى آخر، فقد وضعت قنابل هيروشيما الصراع بين "غاليليو" والقوات المعاصرة لـه تحت أضواء جديدة. ليتوصل "بريخت" عام 1948 إلى نتيجة مفادها أن العَالِم لا يجب أن ينعزل عن الناس وأن من حقه أي "غاليليو" النزول إلى الساحة العامة.. ليطلق حكمه على "غاليليو" في نهاية المسرحية أن المعلم (العالم الإيطالي) غير أهل بل للبقاء عضواً في مجلس العلماء.‏

الأرملة السعيدة:‏

إنه عام مئوية أوبريت "الأرملة السعيدة" في النمسا والأوبريت مصطلح استخدمه لأول مرة "موتزارت" (1756 ـ 1791).. أطلقه الموسيقي الكبير على نوع جديد من الأوبرا كوميك (الساخرة التي تعتمد رشاقة الأسلوب وكوميديا اللحن).. وتختلف عن "الأوبرا" لكونها لا ترتبط بالمواضيع الدرامية فقط ولئن رأت "الأوبرا" النور في فلورنسا عصر النهضة أواخر القرن السادس عشر إلا أن "الأوبريت" ولدت في النسما على يدي "موتزارت". وهاهو مهرجان "موربيش" على بعد 80كم من فيينا يحتفي على امتداد شهري تموز وآب 2005 بمئوية أشهر أوبريت في العالم: "الأرملة السعيدة"، للموسيقار النمساوي "فرانتزليهار" (1870 ـ 1948) وتفوق شهرة هذا الملحن النمساوي الهنغاري الجذور شهرة مواطنيه: "كالمان" و"شتراوس" الابن، ولا غرابة في أن تخصص "موربيش" مهرجانها السنوي الفريد من نوعه في العالم للمسرح المدعو "الأوبريت". ألا تقع هذه المدينة على تخوم الحدود النمساوية الهنغارية؟! ألا تنافس "موربيش" جارتها "سالزبورغ" على صعيد الأوبرا وأجناسها ؟! هذا وتستعد "موربيش لاستقبال العام القادم، 2006 أوبريت "كونت لوكسمبورغ" وولد هذا العمل المسرحي عام 1908. لكن من أين اقتبست هذه المسرحية الغنائية التي تحتفل عشرات الخشبات العالمية بمئوية ولادتها؟ إنها تنتمي لنص مسرحي كتبه الأديب الفرنسي الساخر "هنري ميلهاك (1831 ـ 1897) صاحب عشرات من أعمال "الفودفيل" و"البوف" والمسرح الناقد.‏

وتعتبر رائعته "ملحق السفارة" إلى جانب "الأرملة السعيدة" من أبرز أعمال "ميلهاك" عرضت هذه الأخيرة في فيينا عام 1905 ولأول مرة يتمحور موضوعها حول البطلة "ميسيا بالمييري" أرملة مصرفي ثري توفي لتفرض الدولة حظراً على وريثته يحول دون نقلها ثروتها إلى مصرف آخر في حال إقدامها على الزواج ثانية.‏

يعشق الأمير "دانيللو" الفارغ الجيوب الأرملة، لكنه يقدر الابتعاد عن معشوقته فترة كي لا يُفسر اهتمامه بها طمعاً في الثروة التي ورثتها. تسافر "ميسيا" إلى باريس للترفيه عن نفسها والقيام بمغامرات عاطفية بعيدة عن أنظار الطامعين بها. يلحق بها "دانيللو" لتجد الأرملة السعيدة عشرات الدبلوماسيين يسعون لخطب ودها. وبعد سوء تفاهم يثير السخرية يتمكن "دانيللو" من إقناعها بأن نواياه شريفة.‏

فهو يعرف أنها تبادله حباً بحب. لتتزوج "ميسيا" من حبيبها النبيل بعد جهود جبارة يبذلها "دانيللو" للوصول إلى غايته.‏

ملاحم الفن الرابع..‏

جلجامش:‏

تحمل ملحمة "جلجامش" عند البابليين والآشوريين اسم الرجل الذي رأى كل شيء أو ملك أوروك"... أعدّ نصها مسرحياً ونفذها اليوم المخرج البريطاني: "ديكلان دو نيللان" لتقدمها على خشبة كوميدي دوريمز فرقتها للمسرح الوطني للموسم 2005 ـ 2006 قبل أن تنتقل إلى مسرح "لي جومر" في باريس، 2006. دونها السومريون والأكاديون ثم البابليون بين الأعوام 1900 و 1600ق.م ليحتفظ بها في مكتبته الملك الآشوري "عاشور بانيبل" (669 ـ 626 ق م) حاكم "نينوى" ولا تزال ألواحها الصلصالية في المتحف البريطاني في لندن حتى الآن. و"جلجامش" هو الذي أمر بتشييد أسوار "أوروك" ومعبد "إيننا" حيث يقيم "آنوه إله السماء مع زوجته آنطوم" ـ وكان الملك المذكور يتمتع بسلطتين آلهية ودنيوية. وهو شديد القسوة يدير البلاد بقبضة من حديد. عندما تقدم سكان المدينة لآلهتهم بشكوى ضد جلجامش، أصدرت الآلهة "آرورو" أمراً بصناعة بطل من الصلصال على صورة الملك يردعه عن ارتكاب المظالم. ليظهر "إينكيدو" الرجل المتوحش البدائي المشاعر الذي يضطهد الرعاة ويسرق ماشيتهم. تصل أخبار "انيكيدو" إلى الملك الذي يقرر استدراجه إلى مدينته، فيرسل لـه غانية تعمل على إغراء "اينكيدو" ومخاطبة غرائزه ليصحبها البطل المغوار إلى قصر عدوه الملك. وعندها يرفض "جلجامش" رؤيته ويكلف الغانية بتطبيع أخلاقه وإعادة تأهيله ليصبح رجلاً حضارياً. يظهر إله الشمس لـ "إنيكيدو" في الحلم ليخبره أن مصيره مرتبط بمصير الملك الذي سيغدو صديقه. وتتحقق النبوءة. فيستعد الرجلان للقيام بأعمال بطولية. ويقدمان على قتل الوحش "خومبابا" الذي يحرس جبل الأرز بعد أن ينشدا صلاة لإله الشمس "شاماش". ورغم المخاوف التي تنتاب "اينكيدو" قبل الوصول إلى "خومبابا" إلا أن "جلجامش" يقنعه بأنه يجهز أسلحة قوية لتحقيق هذه الغاية وتنجح مخططات "جلجامش" ويرجع الملك وحاشيته إلى "أوروك" مكللين بالغار ليثير هذا النصر إعجاب الآلهة "عشتار" بالملك فتسعى لاستمالته إليها. لكنه يردها خائبة ويشتمها وقد أصيب بجنون العظمة والتعالي. فتطلب "عشتار" من الآلهة "آنو" الانتقام لها بتسليط ثور جامح يهجم على الملك وينقض عليه. يدخل الثور القصر لكن "اينكيدو" يترصده ويقتله. فتستعر "عشتار" غضباً وتطلق على "جلجامش" أقسى اللعنات أمام أسوار المدينة المحصنة. وما أن تنتهي الولائم والاحتفالات تكريماً للبطلين حتى يشاهد "اينكيدو" في منامة كوابيس تقّض مضجعه. ثم يتابع بطولاته قبل أن يصاب بمرض يؤدي إلى وفاته رغم مساعي أطباء الملك في معالجته. عندها يدرك "جلجامش" أن دوره آتٍ لا محال... لكنه يتطلع إلى الخلود على غرار الآلهة وبطل الطوفان أوتنا بيشتيم" ويقرر الملك الاتصال بهذا البطل لمعرفة حقيقة الخلود. تتابع الملحمة رحلة الملك الطويلة والمتعبة للوصول إلى جزيرة السعداء فيجتاز الجبال الشاهقة وينتصر على الحيوانات المتوحشة ليحط في حديقة غنّاء يسكنها "سيدوري" الذي يعطيه معلومات خاصة ببطل الطوفان وكيفية بلوغ الجزيرة بعد عبور بحر الموت الذي لم ينجح أحد في اجتيازه. تحط أقدام "جلجامش" أخيراً في بلاد السعداء بعد شهر ونصف من الترحال. ليلتقي بـ "أوتنا بيشتيم" وزوجته فيطلب منه أن يقص عليه كيف حصل على الخلود. يبدأ بطل الطوفان يسرد مغامراته منذ خروجه من "بشوروباك" حيث أقام قبل الطوفان بعد أن قررت الآلهة معاقبة بني البشر على ذنوبهم. وتكشف لـه "إيا" آلهة الحكمة خطة النجاة ببناء مركب ضخم يضم أجناس الحيوانات الموجودة والنباتات المعروفة. يشيد بطل الطوفان المركب المكون من سبع مقصورات ويكسيه من الخارج بالقار ويدخل أسرته والحرفيين الذين شاركوا في صناعة المركب والحيوانات التي عثر عليها إليه. تنفجر العاصفة ترافقها الأمطار الغزيرة التي تغرق البلاد وتقضي على العباد وتبكي "عشتار" إبادة الجنس البشري. وبعد سبعة أيام تهدأ الأعاصير ليشاهد "أوتنا بيشتيم" جزيرة يحط المركب فوق قمة "نيسير" فيُخرج حمامة ثم غراب ولا يعود أي منهما ليدرك عندها البطل أن الأجواء آمنة... ينطلق مع من بقي حوله إلى الغابة ليقدم القرابين للآلهة ثم يعطي "أوتنابيشتيم" نصيحة لـ "جلجامش" أن أراد الخلود عليه أن يظل مستيقظاً ستة أيام ولياليها. عندها تبدأ رحلة عودة ملك "أوروك" إلى مدينته. في الطريق يدله بطل الطوفان على عشبة مائية تحمل في خلاياها نفحة الحياة واسماً غريباً: الشيخ المتصابي ويغوص "جلجامش" إلى أعماق البحر ويعثر على العشبة لكن بينما هو يستحم يخرج ثعبان من البئر حيث توقف الملك ليلتقط عشبة الخلود ويختفي. يبكي "جلجامش" بحسرة وألم لأنه فقد الشباب الدائم بضياع العشبة يصل إلى أوروك وقد انتابه القلق عل المصير الذي ينتظره، فيستشير روح صديقه "اينكيدو" الذي يخاطبه وجهاً لوجه بعد أن تلطف إله الجحيم "نيرغال" وسمح لـه بالصعود إلى وجه الأرض، ليسأله جلجامش عشرات الأسئلة عن الحياة في العالم السفلي (الهاديس)... ليصل إلى نتيجة مفادها أن الإنسان لن يعرف الخلود لأنه تنكر لمشيئة الآلهة التي لن تعاقب البشرية ثانية بالطوفان وإنما بالأوبئة وأن البطل الوحيد الذي حظي بالخلود لن يكون لـه مثيل. ومن الطبيعي أن تستقطب ملحمة "جلجامش" اهتمام الفنون كافة من أبي الفنون إلى الفنين السابع والثامن والرسوم الكرتونية أي الفن التاسع وهي قصص خيالية مصورة تطبع على شكل كراسات تفوق مبيعاتها المجموعات الشعرية وروايات الخيال العلمي ووجدت لا سوقاً رائجة في جنوب شرق آسيا ودول الشمال بشكل أساسي. نقلت الملحمة بتصرف إلى المسرح بعد السينما والتلفزيون ليّعد محطات منها "ديكلان دونيللون" المخرج البريطاني الكبير اليوم.‏

وقد عرض عمل يحلم عنوان "جلجامش ورشة تنقيب" على خشبة دار الأسد للثقافة والفنون أيام 21 و 22 , 23 حزيران 2005 بالتعاون مع "مسرح الشمس" الذي تديره وتشرف عليه "آريان منوشكين" بدعم من بعثة المفوضية الأوروبية في سورية. عالجت المسرحية "ملحمة جلجامش" من بدايتها حتى وفاة أنكيدو (الترجمة العربية لفراس السواح والترجمة الفرنسية مأخوذة عن نص أعده "جان بوتيرو")‏

اعتمدت المسرحية بشكل أساسي على السرد من خلال وجود الراوي شارك فيها ممثلون من سورية وعدد من الدول الأوروبية.‏

بين السحاب‏

إنها أحداث مسرحية إيرانية للمسرحي الإيراني: "أمير رضا كوهستاني" البالغ من العمر 26عاماً، انطلقت تلك الموهبة الشابة من "شيراز" مسقط رأس "أمير" حيث قدم عام 1999 باكروة أعماله: "ولن يأتي النهار" تلتها عام 2000 مسرحية "همسات القصص" التي حصدت ثلاث جوائز في مهرجان "الفجر" في "طهران" وعرض اعتباراً من منتصف أيلول 2005 فوق خشبة "الباستيل" في باريس مسرحيته الثالثة: "الرقص فوق الزجاج" التي كتبها عام 2002 وتروي قصة فتاة وشاب ينتمي كل منهما لمجتمع مختلف عن الآخر. بحيث يعجز كل منهما في التأقلم مع عالم الآخر. أما مسرحيته الرابعة وعنوانها: "بين السحاب" ألفها وأخرجها "أمير رضا كوهستاني" وشارك في بطولتها كل من "سيتغافلاني" و "حسن مدجوني" ووضع لها الموسيقى "علي بهرامي" فعرضت خلال شهر أيار 2005 على مسرح "لاباستيل" الباريسي.. استمد موضوعها من ملاحم فارسية قديمة وقصص بطولات القبائل الرحل في جبال خراسان لتروي رحلة عدد من مهاجري "البوسنة" إلى مرفأ "كاليه" الفرنسي.. وإذا ببطل "بين السحاب" وهو شاب في مقتبل العمر يفقد أسرته فيغرق أفرادها خلال اجتيازهم نهر "سيف" في البوسنة خلال رحلتهم من إيران إلى بريطانيا. يلتقي البطل بامرأة فجعت هي الأخرى بموت حبيبها في نهر "غاريناج" الإيراني بعد أن أصبحت حاملاً منه. يتجدد لقاء هذا الثنائي عندما تصل المرأة إلى مدينة على حدود كرواتيا وسلوفينا حيث يعمل الشاب في مقهى ليجمع قليلاً من المال ويعيد النظر في حياته الجديدة. تتوقف المرأة في المقهى وهي حامل بعد مسيرة مضنية استمرت ليالي طويلة. إنها تسعى لاجتياز الحدود ليتمكن طفلها من رؤية النور في دول الاتحاد الأوروبي.‏

يتابع هذا الثنائي الذي يعيد إلى الأذهان مسرح "الطازيه" الإيراني رحلة آلاف الأميال بحثاً عن المجهول. وكانت عروض "الطازية" تتجول في القرى الإيرانية قبل مئات السنين تحمل لسكانها التسلية فعندما يحمل الشاب المرأة فوق خشبة معلقة فوق ظهره فهذا يعني أنهما اجتازا الجبال الوعرة كما في "الطازيه" وعندما يجلسان وجهاً لوجه فوق كرسيين متباعدين فهذا يعني أنهما يتجهان في القطار إلى مرفأ كاليه الفرنسي. يصل الثنائي إلى مخيم اللاجئين الآسيويين الطامحين إلى اجتياز بحر المانش والوصول إلى جزيرة الضباب في حين تحلم مجموعة أخرى بالعمل في فرنسا. في المخيم يفترق الشابان ليترك المؤلف الباب مفتوحاً أمام تأويلات المشاهد حول المصير الذي ينتظر كلاً من البطلين..‏

تيارات مسرحية معاصرة..‏

منزل الدمى‏

تقدمها فرقة المسرح الوطني في "ستراسبورغ" خلال موسمها 2005 ـ 2006.. وهي رائعة الكاتب المسرحي النرويجي "هنريك ايبسن" (1828 ـ 1906) كتبها خلال وجوده في إيطاليا عام 1879 وتسلط الأضواء على المحامي "هلمير" الذي يدلل زوجته "نورا" وكأنها دمية سريعة العطب. ورغم كونها امرأة شديدة المرح وتحب الاستمتاع بدلال زوجها إلا أن الغرور جعل "نورا" تكتم أموراً على زوجها لا تطلعه عليها إذ لم تتردد في سبيل مساعدة زوجها عن الاستدانة من المصرف بتزوير توقيع والدها. وفي اعتقادها أنها تؤدي واجبها ليس إلا. لكنها لا تنجح في تسديد قرضها كاملاً رغم عملها ساعات طويلة على حساب صحتها وراحتها. يُرّفع زوجها إلى منصب مدير عام هذا المصرف لتشعر "نورا" بسعادة كبيرة وفي اعتقادها أن بإمكانه التصرف بالأموال التي بين يديه لتسديد المبلغ المتبقي في ذمتها. ويعمل في البنك الذي تسلم إدارته لزوجها "كروستاد" الرجل التي استدانت منه "نورا" القرض. يتهدد "كروستاد" زوجة مديره بفضح سرها إن لم تقنع "هلمير" بترقيته إلى منصب أفضل. لكن "نورا" لا تنجح في مهمتها لأن زوجها كان قد قرر طرد "كروستاد" من المصرف لسوء معاملته وقلة أمانته. تصاب الزوجة بالكآبة نتيجة القلق والخوف من كشف أمر تزويرها لتوقيع والدها. ورغم قناعتها أن شريك حياتها لا يستطيع تحمل نتيجة أعمالها إلا أنها بدأت تشك حتى في كرم أخلاق زوجها وقد اهتزت ثقتها به. ينفجر "هلمير" في وجه "نورا" عندما يطلع على رسالة ابتزاز "كروستاد" لها بعد أن راح يشعر بالخطر يحدق به ويتهدده في رزقه. تنطوي "نورا" على نفسها وقد فقد زوجها مصداقيته مع وصول رسالة ثانية يطمئنها "كريستاد" بأنه لن يعمد على ابتزازها ثانية. فتهرب من منزلهما الزوجي وتتخلى عن أسرتها وأولادها لتعيش في عزلة بعيدة عن العائلة في محاولة لاكتشاف كيانها المستقل وتقرير مصيرها الجديد.‏

وتعتبر تلك المسرحية من أشهر الأعمال المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال تعرض على الخشبات العالمية. لكونها تعبر عن حركة التحرر النسائية مع ما اتسمت به من واقعية في طروحها.‏

السعادة الزوجية‏

على مسرح "لي جومو" الباريسي ويبدأ من تشرين الأول 2005 عرض قصة "السعادة الزوجية" من إخراج الروسي "بيتر فومنكو" ـ الذي نقل هذه القصة إلى المسرح بالتعاون مع فرقة فرنسية روسية تعتمد الارتجال في الأداء الفني، كتب القصة الروائي الروسي" ليف تولستوي" ونشرت عام 1859. يروي فيها تولستوي حبه لـ "فاليري آرسينيفا" مع إدخاله تغيرات بسيطة على الأحداث. تسرد "السعادة الزوجية" كيف تقع "ماشا" الفتاة القاصر في غرام الوصي على تدبير شؤونها وهو رجل ناضج يقدم على الزواج منها و تملأ السعادة حياة الزوجين بعد أن رزقها الله بطفلين في غاية الجمال. تقرر عندها "ماشا" وقد استقر بها المقام في العاصمة التعرف على الحياة الاجتماعية للمدينة الضخمة لكن الحياة الصاخبة لمجتمع تلك الحاضرة وسطحية العلاقات بين العائلات سرعان ما يعملان على زرع الشقاق بين الزوجين فتصاب "ماشا" بالإحباط والسأم لقد ملّت النفاق والدجل: العملة المتداولة في هذا المجتمع المتقلب المزاج ـ وراحت تسعى لإنعاش الماضي واستعادة أيام زمان لكن زوجها لم يعد يجد النضارة التي استهوته في السابق ترتسم فوق محياها فيقنعها بالاهتمام بأولادها.‏

ويعيد "تولستوي" في هذه الرواية إلى الأذهان رومانسية "تورغيينيف" مع نزوع الأديب في نهاية هذا العمل للتعبير عن كراهيته للحياة المدنية التي تهتم بالمظاهر أكثر من اهتمامها بتنمية شخصية الفرد. كذلك يبرز "تولستوي" حدس الأمومة عند المرأة واندفاعها لتربية أطفالها في حين يرتبط الرجل بمصير أرضه وخاصة إذا كان من سكان الأرياف وتنتمي هذه المسرحية للسير الذاتية التي تحط في عالم الفن الرابع. وعلى مسرح "دوشايو الوطني" في باريس تقدم كذلك رائعتا "تولستوي": "الحرب السلم" و"آنا كارنينا" إلى جانب "الجريمة والعقاب" للروائي الروسي "دوستويفسكي" وذلك على امتداد موسم 2005 ـ 2006.‏

يفغيني أونيغن:‏

رواية شعرية روسية ألفها "الكسندر بوشكين" (1199 ـ 1837) بين الأعوام 1822 و 1831 ونشرت عام 1833 وتعرض على خشبة "الأوديون" في باريس (مسرح أوروبا) خلال موسم 2005/ 2006.‏

أبرز شخصياتها: رجل من علية القوم هو " يفغيني أونيغن " والشاعر الرومانسي "فلاديمير لينسكي" والشقيقتان "تاتيانا" و"أولغالارين" إلى جانب المؤلف الغائب الحاضر وراء الأحداث و"يفغيني" شاب تلقى تربية على الطريقة الفرنسية لكنه مل كل شيء في الحياة. يدفعه الحصول على إرث عمه لمغادرة بطرسبورغ والتوجه إلى الريف حيث يلتقي بصديقه الشاعر المثالي "لينسكي" يرتاد الشابان صالون قصر السيدة "لارين" التي تعيش مع نجلتيها الفتاة الرومانسية الحالمة "تاتيانا" والمرحة والمحبة للحياة "أولغا" التي خطبها الشاعر "لينسكي". تقع "تاتيانا" في حب يفغيني وتكشف لـه حبها من خلال رسالة بريئة وساذجة لكن الشاب المغرور يجيبها بأن فتيات العصر ينجرفن وراء عواطفهن ولطرد السأم والملل من حياته يعمد "أونيغن" إلى التحرش بـ "أولغا" واستدراج "لينسكي" إلى مبارزة تؤدي إلى مقتل صديقه الشاعر. يهيم "أونيغن" على وجهه سنوات قبل العودة إلى سان بطرسبورغ ليجد "تاتيانا" وقد تزوجت من جنرال عظيم الشأن وأصبحت سيدة المدينة وهي التي احتقرها كفتاة ريفية قبل ذلك يحاول استمالتها إليه من جديد فيكتب لها رسائل لاهبة لكنه لا ينجح في مساعيه. يذهب إلى منزلها في يوم يعرف أنها بمفردها فتعترف لـه بأنها لا تزال تحبه لكنها لن تخون الرجل الذي منحها ثقته وتزوجها. فيخرج خائباً من المنزل. اعتبر المؤرخ "كليو تشفسكي" هذه الرواية وثيقة تاريخية لأنها تصور عادات المجتمع الروسي كذلك أثارت إعجاب "دوستويفسكي" لأنها تمثل الوفاء المشهود لـه للشعب الروسي (موقف البطلة تاتيانا) أما تأثير هذه الرواية فكان عميقاً وواسعاً على الرواية الروسية كما قال "إيفانوف".. والناقد "بيلينسكي".‏

زوربا:‏

على خشبة "الأوديون هيرودوس آيتكون" في أثينا قدمت فرقة المسرح الوطني اليوناني أواخر تموز 2005 رواية زوربا لـ "نيكوس كازنتزاكي" (1883 ـ 1957) كتب موسيقاها الملحن اليوناني "ميكيس تيودوراكيس" لتغدو أوبرا غنائية ـ وتتوقف تلك المسرحية عند مرحلة من حياة المؤلف اليوناني التي تركت بصمات عميقة في أدبه ـ فخلال العام 1917 عمد "كازنتزاكي" برفقة صديق إلتقاه صدفة يدعى "جورج زوربا" توفي عام 1942 في "صربيا" إلى استثمار منجم للفحم الحجري في "براستوفا" عند أطراف البيليونيز... يمر ربع قرن ليعود "كازنتزاكي" إلى تلك التجربة يصف طرافتها ومحطاتها التي لا تنسى وذلك خلال فترة الاحتلال. وليدون بين العامين 1941 و 1943 "حياة الكسي زوربا" تدور أحداث الرواية حول تلك التجربة حين يقرر شاب من المدينة استثمار منجم للفحم الحجري بمساعدة "الكسي زوربا" صديقه لكن نقص أمواله يضاف إلى ضعف خبرته في هذا المجال وقلة حماسته يؤدي إلى فشله في هذا المشروع لا يبقى من تلك المبادرة سوى ذكريات مع زوربا الذي كان يقيم علاقة غرامية مع السيدة "هورتانس" الفرنسية المنفية التي تعيش في القرية المجاورة للمنجم. هذا إلى جانب ذكريات مقتل أرملة تتهم زوراً بقتل فتى مراهق يعرفه الجميع.. وتأتي تلك المحطات لإبراز كرم أخلاق زوربا وشجاعته وطباعه الحميدة ـ وهو الذي يسكنه حب الحياة لدرجة الابتعاد عن التقاليد والعادات الخرقاء ويمثل "زوربا" الرجل الحر المغامر الذي يعطي صديقه درساً في تقبل الحياة بالغناء لها والعزف (على آلة السنتوري) لفنونها المرتبطة بوجوده وكيانه حتى الموت.‏

غادة الكاميليا:‏

يقدم مسرح "ستاتسوبر" في ميونخ خلال موسم 2005 ـ 2006 رواية "السكندر دوماس الابن" (1824 ـ 1895) "غادة الكاميليا" ونقلت إلى المسرح 1852 لتحقق نجاحاً واسعاً في باريس ثم في الخارج. يتناول موضوعها عشق شاب ينتمي لأسرة من علية القوم يدعى "آرمان دوفال" لمحظية تدعى "مارغريت غوتيه" تبادله مشاعره بصدق يهرب العاشقان إلى الريف بعيداً عن الأضواء وأعين الناس وثرثراتهم، لكن سرعان ما يحط والد "آرمان" وهو زبون سابق للغانية "مارغريت" في النزل حيث يقيم العاشقان المتخفيان.. ويخبر الأب عشيقته السابقة أنه يفهم تعلقها بابنه لكن ابنته لم تعد تستطيع الزواج من خطيبها إثر افتضاح أمر علاقة شقيقها بأشهر غانية حسناء في باريس..‏

وبعبارة أخرى أن "مارغريت تقف حجر عثرة أمام مستقبل "آرمان" وشقيقته في آن معاً. عندها تضحي الغانية بحبها وتهرب من النزل كي لا يراها عشيقها‏

المولع بها.‏

وبعد مرور فترة من الزمن يلتقي "آرمان" و"مارغريت" دون أن يعلم أمر الصفقة المبرمة بين والده وعشيقته في ذاك النزل. فيرمي أمام المجتمعين في صالون للعب الميسر المبلغ الكبير الذي ربحه على طاولة القمار بين أيدي "مارغريت" وقد أصبحت عشيقة الكونت "دوفارفيل" في محاولة لإهانتها. تصاب الغانية الحسناء بصدمة وأزمة نفسية تزيد من انهيار صحتها المتداعية. تتدخل "نانيت" وهي وصيفة "مارغريت" فتخبر "آرمان" حقيقة مشاعر سيدتها ليسارع الشاب لطلب السماح في الوقت الذي تعاني فيه غانيته سكرات الموت.‏

يرى النقاد أن نزول غادة الكاميليا إلى المسرح ترافق مع ولادة الواقعية فوق الخشبة. حتى بات من المؤكد أن كوميديا الطبائع ولدت مع هذه الدراما الواصلة بين مرحلتين: الرومانسية الغنائية من جهة وانتقاد التقاليد الاجتماعية من جهة أخرى. ألا تبدو "مارغريت" أكثر درامية. بحبها الصامت من العديد من بطلات المسرحيات الرومانسية في تلك المرحلة؟؟‏

الآنسة جولي:‏

أدرج مهرجان "إكس أون بروفانس" الفرنسي في ريبرتواره للموسم القادم في العام، 2006 دراما المسرحي السويدي: "أوغست ستريندبيرغ" (1849 ـ 1912) الآنسة جولي.. ألفها الأديب عام 1888 ولا تحتوي فصولاً مرقمة. وتعتبر من أنجح أعماله إلى جانب رائعته "رقصة الموت".‏

تحرك أحداث الدراما ثلاث شخصيات ليس إلا.. فإذا ما استبعدنا الطاهية كريستين التي لا أهمية كبيرة لدورها يصبح الثنائي الكونتيسة الشابة "جولي" وفراشها جان محور العمل. ففي ليلة يقيم الشعب الأفراح في شوارع الإمارة تعرض "جولي" ابنة الكونت على فراشها الرقص معها بعد أن وجدت نفسها وحيدة.. وسرعان ما تستسلم "جولي" لأحضان "جان" وهي سكرى. ينتهي عند هذا المقطع الجزء الأول من العمل ـ ليفتتح الجزء الثاني وهو الأطول شرحاً وتفصيلاً عندما يكشف "جان" عن وجهة الحقيقي وأخلاقه الوضيعة. يسعى الفراش لاستغلال هذه الحادثة لصالحه وتحقيق حلم يراوده منذ زمن. لماذا لا يبتز الكونتيسة ليمتلك فندقاً كبيراً؟!‏

فيقترح على "جولي" سرقة والدها الكونت والهرب برفقته لكن الآنسة جولي سرعان ما تشعر باحتقار تجاه عشيقها لليلة واحدة وهو الإنسان السافل التافه التي لم تعرفه سابقاً. وأمام تأرجحها بين مشاعر الكراهية والخجل من فعلتها تتخبط "جولي" في موقفها إلى أن يحثها "جان" على مرافقته وإلا افتضح أمرها. تهرب الآنسة النبيلة وقد أحست بفداحة غلطتها وخطأ تصرفها الطائش لكنها تقرر اصطحاب طائرها المغرد معها. إلا أن "جان" يذبح العصفور ببرودة أعصاب. تصاب عندها "جولي" بالإحباط فتستفز خادمها السابق ليقتلها يعود والدها من رحلته ليرجع "جان" إلى موقعه كفراش الكونتيسة ولم يعد أمام "جولي" سوى الخضوع لإرادة "جان" فتحمل موسى الحلاقة وتخرج بحثاً عن طريقة لوضع حد لحياتها. فالحب مستحيل بين هذين الكائنين لأنها أي "جولي" لا تفكر بالمستقبل إلا من موقع أسرتها في حين لا يفكر "جان" الانتهازي سوى بتحسين وضعه والارتقاء إلى مرتبة النبلاء. ولأنه لا يتورع عن ممارسة أي عمل لا أخلاقي للوصول إلى غايته وضعه "ستريندبيرغ" في موقع القوي وهو ما أراد الأديب السويدي إبرازه انطلاقاً من نظرية "داروين" حول البقاء للأقوى السائدة في تلك المرحلة في الأوساط الثقافية الأوربية.‏

فارس الوردة:‏

شاركت فرقة أوبرا فيينا في تقديم أشهر عروض "مسرح الذخائر" في ألمانيا ألا وهي مسرحية "فارس الوردة" للموسيقار الكبير "ريتشارد شتراوس" (1864 ـ 1949) وذلك على خشبة "فايز ستاسوير" في العاصمة النمساوية انطلاقاً من شهر أيار 2005. واقتبس "شتراوس" موضوع "فارس الوردة" عن نص للأديب الدرامي هوغوفون هوفمنستال (1874 ـ 1929) وعرضت لأول مرة في "دريسدي" عام 1911.‏

تنطلق الأحداث عندما يزور البارون "أوخيس" الأميرة "فارنبرغ" ليجد برفقتها الكونت الشاب "أوكتافيان" عشيقها الذي يتنكر بزي وصيفة كي لا يفتضح أمره يطلب منها البارون مساعدته على إيجاد رسول يحمل إلى "صوفي دوفانينال" وهي ابنة تاجر غني حصل قبل مدة وجيزة على لقب نبيل وردة من الفضة عربون طلب يدها. يغازل "أوخيس" خلال تلك الزيارة وصيفة الأميرة عندما تقترح عليه "فارنبرغ" اسم "أوكتافيان" للقيام بالمهمة. وتقدم لـه صورة الشاب النبيل الذي يرى فيها البارون شبيهاً بالوصيفة الحسناء. ما أن يخرج "أوخيس" حتى يعود الكونت إلى ثيابه الأصلية، فينطلق لتنفيذ رغبات البارون وقريبته الأميرة التي راحت تتوجس شراً من تلك الفتاة المدعوة "صوفي". في الفصل الثاني يحط "أوكتافيان" في منزل "فانينال" حاملاً بيده الوردة الفضية لكنه سرعان ما يقع في حب صوفي الرائعة الجمال التي تبادله حباً بحب. وكان "أوخيس" قد أوفد خادمين لمراقبة مجريات الأمور ليكتشف أن مشاعر "صوفيته" تميل إلى الكونت الشاب الجميل المحيا يدعو البارون غريمه "أوكتافيان" للمبارزة ليصاب "أوخيس" بجراح طفيفة. في الفصل الثالث يتنكر "أوكتافيان" خلال متابعته تنفيذ مخطط وضعه للتخلص من البارون ويستدرجه إلى فخ يجعل "صوفي" تحتقر البارون تنجح الخطة ويتمكن الكونت من تحقيق حلمه بالزواج من "صوفي" بمباركة الأميرة "فارنبرغ" التي توضح الأمور للبارون.‏

وتعتبر هذه الكوميديا من أكثر مسرحيات الريبرتوار الألماني شعبية نظراً لحوارها الفني وللمقالب التي تسخر من الشخصيات المحورية. شخصيات حية وواقعية هي كغالبية الكوميديات الموسيقية والتي تتصف بطابع المحلية. ألا تجمع مسرحية "فارس الوردة" بين الحنين إلى القرن الثامن عشر وبين النفحة الموتزارتية (نسبة إلى موتزارت) المتأثرة بطابع بافاري (نظراً لكون "شتراوس" من بافاريا؟ ألم يدشن هذا العمل ويقود أوركستراه اليوم "فيليب جوردن" ما يسمى بالمسرح الطليعي ما قبل الحرب العالمية الأولى 1914 ؟! ولأن عروض مسرح الذخائر متواصلة من قارة إلى أخرى ومن موسم إلى آخر بدءاً من طوكيو وبيكين وصولاً إلى "ميناوهس" في البرازيل حيث تقع أهم خشبات العالم الجديد مع استبعاد عروض "برودواي" التي تحتاج لملف خاص بها ـ وتدعي صالة "ميناوهس" دار أوبرا الأمازون ـ ارتأت هذه المقالة الاكتفاء بما قدمته من عروض موسم 2005 / 2006 .‏

المصادر والمراجع:‏

ـــ ملحق "الغارديان" تاريخ 19. 3. 05‏

ـــ ملحق اللموند تاريخ 13. 7. 05‏

ـــ دفاتر اللموند العدد 18800 "مهرجان آفينيون"‏

ـــ "ميديا" المهرجانات الهيلينية 2004 ـــ ‏2005‏‏‏

ـــ الهيرالدتريبيون ملحق 20 نيسان 2005‏

ـــ الفيغارو 22 آذار 2005 (مهرجان سالزبورغ)‏

ـــ الفيغارو 5 تموز 2005 (مهرجان إيكس أون بروفانس)‏

ـــ ملحق اللموند راديو تيليفزيون 22 أيار 2005‏

(الكوميدي فرانسيز)...‏

ـــ الفيغارو 8 نيسان (الكونسير فاتوار 2005‏

ـــ الفيغارو 11 تموز 2005 (الأوبرا)‏

ـــ اللموند 12 تموز 2005 (مهرجان إيكس)‏

ـــ الفيغارو 29 أيار 2005‏

ـــ الفيغارو 12 تموز 2005‏

ـــ الفيغارو 5 حزيران 2005 (المسرح)‏

ـــ مجلة النوفيل أوبسيرفاتور 15 حزيران 2005‏

ـــ معجم الأعمال المسرحية العالمية دار لافون سلسلة "بوكان" ـ‏

ـــ "إدما" أعلام المسرح المعاصر دار كتاب الجيب....‏

ـــ اللموند 8 آب 2005‏

ـــ اللموند 20 أيار 2005‏

ـــ اللموند 19 أيار 2005‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244