|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مثاقفة لا غزو ثقافي ـــ رئيس التحرير تنهض الآداب العالمية، مذ تأسست قبل ثلاثين عاماً، بدور بالغ الأهمية في ساحتنا الأدبية والثقافية، ألا وهو مواكبة الحركة الأدبية والفكرية في العالم وجسر الهوّة بيننا وبينه، وذلك بتقديم الجديد والمفيد من آداب شعوبه، شعراً وقصة، دراسات وأبحاثاً، فيتحقق بذلك بعض ما يصبو إليه كل قارئ متابع ومثقف مهتم يعنيه كثيراً الخروج من قمقم اللغة الواحدة وتخطي الجديد من الآفاق في عالم الثقافة والآدب، حيث الكثير مما يفيد منه ويوظفه لصالح ثقافته وتطوره الحضاري. إنها المثاقفة التي تقيم الجسور بين بني البشر وتحقق التواصل الحقيقي الذي يجعل العالم قرية صغيرة فعلاً يعرف بعضه بعضاً ويتفهم بعضه بعضاً على نحو يحقق خير البشرية ويخدم صالحها العام. إننا نؤمن بالمثاقفة طريقاً وحيداً يوصل العالم إلى المحبة والوئام، التعاون والسلام. إذ تأخذ كل أمة من الأخرى خير ما لديها وتعطيها خير ما لديها، تجارب ومعارف، علوماً وآداباً، عادات وتقاليد، فيقترب العالم بعضه من بعض أكثر وتُلغى حواجز بين شعوبه أكثر وتُزال الغوامض والمبهمات أكثر، لتقوى اللُّحمة ويسود التعايش والسلام بين بَشَرهِ باعتبارهم أنداداً لا فرق بين أبيضهم وأسودهم، أصفرهم وأحمرهم، يساعد القوي فيهم الضعيف ويعين الغني الفقير، أخوة في الإنسانية يجمعهم المصير الواحد والمصلحة الواحدة فلا يتعالى أحد على أحد ولا يعتدي أحد على أحد. هي ذي المثاقفة، التي نريدها أن ترتقي بالإنسان إلى مرتبة الحضارة العليا، حيث يؤمن فيها بأخيه الإنسان، أياً كان وأينما كان، كما يكن له المحبة والاحترام، ويعمل على حماية حقوقه كافّة وعلى رأسها حقه في حياة حرّة كريمة، لا أن يعمل، كما هو شأن الامبريالية الأنكلو أمريكية اليوم. على قتله واحتلال أراضيه ونهب ثرواته والإمعان في الغي وإنزال الحيف والجور في بني الإنسان. إنها النزعة الاستعمارية التي أبت إلا أن تظهر رغم حظر هيئة الأمم المتحدة لكل شكل من أشكال الاستعمار، بل وحتى التدخل في شؤون الدول الداخلية، فقد أطلت برأسها مع مارغريت تاتشر ورونالد ريغان بهدف واحد هو بسط السيطرة الاستعمارية على العالم وفرض الهيمنة عليه خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال المعسكر الاشتراكي لتظل الولايات المتحدة القوّة العظمى الوحيدة والقطب الأوحد فيه، تُملي إرادتها على العالم وتتدخل في شؤونه مهما صغرت، تدعمها حليفتها ذات التاريخ الاستعماري البغيض والطويل: بريطانيا، وكلتاهما على يقين بأنهما، والساحة خالية، إذا ما تحالفتا سيطرتا على العالم وفعلتا به ما تشاءان. لقد كان أول الأهداف التي وضعتها الامبريالية الأنكلو أمريكية نُصب عينها، هو الهيمنة الثقافية على العالم، لإدراكها ما للثقافة، التي هي روح الشعوب، من أهمية بالنسبة إلى الشعوب، وما للسيطرة على الثقافة من دور مفصلي في تمهيد الطريق للهيمنة الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية، فالشعب الذي تُغزى ثقافته تُغزى روحه في الصمود، وتُقتل إرادته في المقاومة، والأمة التي تُحتلُّ ثقافتها تصبح، حُكماً، تابعة خاضعة لصاحبة الثقافة التي احتلتها. لهذا كانت هذه الامبريالية حريصة الحرص كلّه على غزو العالم ثقافياً، فجندت كل ما لديها من موارد ووسائل: أموال، صحافة، فضائيات، اتصالات، وذلك بهدف واحد هو التغلغل في عمق ثقافات الشعوب وتفكيكها لكي يحلّ محلها أنموذج الامبريالية الثقافي (أنموذج الشيكلس والهمبرغر والجينز، العنف والجنس، والمخدرات...) مصوّرة إياه على أنه الأنموذج الحضاري الأمثل الذي ينبغي على العالم كلّه أن يحذو حذوه ويقتدي به. وذلك تمهيداً لخطوات أبعد وأخطر تجسدت فيما بعد في غزو أفغانستان ومد أذرعها الأخطبوطية إلى الدول المجاورة كافّة: دول آسيا الوسطى وبحر قزوين. أليس هناك الأفيون والمخدرات؟ أليس هناك النفط باحتياطات عالية؟ أليس هناك الموقع الاستراتيجي الذي يمكنها منه أن تغرز خنجرها في خاصرتين بالغتي الأهمية: روسيا والصين؟ لقد تذرّعت الامبريالية الأنكلو أمريكية بأوهى الذرائع لكي تحتل أفغانستان فتزيد زراعة الخشخاش (الإحصائيات تقول إنها تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2001) وتضع يدها على النفط وتتلاعب بمصير آسيا الوسطى كلها... لكن الداهية الدهياء تجلّت في تخطيطها لإعادة استعمار الوطن العربي بدءاً بالعراق... هي لم تكتف بغزوها الثقافي ومحاولتها الهيمنة السياسية والاقتصادية على بلدان الوطن العربي، بل طرح الاستعماريون الإنكليز، ومنذ نهاية السبعينيات، أن الإمبريالية لم تعد كافية والهيمنة الثقافية والسيطرة من بعيد لم تعد كافية، بل يجب إعادة الاستعمار المباشر، وهو ما نفذته مع الولايات المتحدة حين بدأتا غزوهما للعراق وارتكبتا ما ارتكبتاه من فظائع وجرائم حرب: قتل وتدمير، تشريد وأسر وتعذيب... أفعال يندى لها جبين الإنسانية، وتجرد فاعلها من أبسط صفاته الإنسانية، فكيف بالحضارية؟ لقد بدأت الامبريالية الأنكلو أمريكية مخططها الجديد في إعادة الاستعمار بالغزو الثقافي، وهو ما رفضناه منذ البداية وتصدينا لمقاومته منذ البداية لإدراكنا أنه الخطر الحقيقي على العالم. فالغزو يهدف إلى الهيمنة وكل هيمنة هي إلغاء للآخر، ماهية وهوية، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وما من شعب حي يرضى بأن يُلغى، وما من أمة أصيلة تقبل بالتخلّي عن أصالتها لتصبح هجينة بلا هوية ولا ثقافة، وأمتنا أصيلة حيّة حاول الكثيرون عبر التاريخ اجتثاثها وإلغاءها بل وإبادتها بكل ما في كلمة الإبادة من معنى، لكنها قاومت وصمدت لتظل حيّة متجددة مؤمنة برسالتها الإنسانية وبأخوَّتها لبقية الأمم تتعارف فيما بينها وتتثاقف، تتبادل العلوم والآداب والمعارف، تعطي كما تأخذ، دون إلغاء للآخر ودون نفي له. وانطلاقاً من إيماننا هذا بالمثقافة سعت الآداب العالمية وما زالت تسعى لتقديم آداب مختلف الشعوب لقارئنا العربي، يطّلع عليها ويلقح تجربته ويفيد منها ولم تكتف هذه المجلة، التي تكاد تكون فريدة في وطننا العربي، بتقديم الآداب الأوروبية التي لم يكن القارئ العربي يعرف سواها منذ بداية عصر النهضة وحتى وقت قريب مررواً بالمرحلة الاستعمارية، فمترجمونا لم يكونوا يعرفون سوى اللغة الفرنسية واللغة الإنكليزية، ينقلون لنا منهما ويقدمون لنا أدبهما حتى بات الكثيرون منا يعرفون عن هذين الأدبين ـ ربما ـ أكثر مما يعرفون عن الأدب العربي، بل عمدت إلى نقل الآداب الأخرى كالروسية التي دخلت ترجماتها إلى العربية في وقت لاحق من القرن العشرين، ثم دخلت ترجمات الاسبانية والالمانية. لكن قلّما التفتَ أحد إلى آداب شعوب قريبة منّا تربطنا بها صلات قربى ووشائج تاريخ، فجاءت الآداب العالمية لتقدّم للقارئ العربي الأدب التركي والفارسي والأرمني والهندي... الخ، مما يشكل المثاقفة التي نطمح لها ويبعدنا عن الهيمنة الثقافية ويجعلنا قادرين على التصدي للغزو الثقافي أياً كان مصدره، لأننا نؤمن بالتواصل بين الشعوب والأمم ونرفض كل عقلية غزو أو هيمنة أو استعمار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |