|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
نظرية الرومنسية الغربية (ألمانيا، إنكلترا، فرنسا، إيطاليا) ـــ بقلم: أ. س. دميتريف ـ ت.د.نوفل نيوّف ... الرُّومنسيَّة: لا ينحصر هذا المفهوم إطلاقاً في مجال الفنون وحسب. ولا يتناوله مؤرخو ومنظّرو الأدب والموسيقى والرسم وحدهم. إننا نكاد نصطدم به يومياً في شتّى مجالات وجودنا الشخصي والاجتماعي، إذا ما نظرنا إليه في معناه الأخلاقي قبل كل شيء. إن الطبع الرومنتيكي(1) لدى الإنسان، فِعله الرومنتيكي، هو دائماً شيء رفيع، نبيل ونزيه لا يرتبط بحساب عقلاني، ويمكن أن يكون مفرطاً في انفصاله عن الواقع حيناً، وطافحاً بالإعجاب تارة، إلاَّ أنه يصبو دائماً إلى مَثَلٍ أخلاقي ما. والرومنسية شبوب عاطفي عميق، إنها نضال وتمرد. أما مفهوم الرومنسية العلمي (الذي سيكون بعد قليل موضع حديثنا حصراً) فيختلف جوهرياً عن جميع ما يدور حوله من تصورات متداولة، إلاَّ أنه لا يناقضها على الإطلاق. إذ إن السمات المذكورة أعلاه ليست هي الرومنسية في فهمها النظري العلمي، والتاريخي الملموس، ولكنها الرومنتيك الذي يعتبر عنصراً جوهرياً من عناصر الرومنسية، بوصفه نمطاً معيّناً من أنماط إدراك العالم، ومنهجاً إبداعياً في الفن والأدب. وخلافاً للرومنسية التي هي ظاهرة تاريخية ملموسة، تخص الفن والأدب في مرحلة زمنية محددة ومنظورة تماماً، نجد أنّ الرومنتيك يتمثل لدى الفرد في مزاجه العاطفي الروحي المحدد، وفي طموحه إلى مثالٍ ما يتميز عن الظروف الواقعية المحيطة به، في نزوعه الدائم نحو الجديد، وفي طموحه إلى لا نهائية مكنونة، وفي رفضه سكونية الوجود اليومي. لذا، فإننا، إذا ما تحدثنا عن الرومنسية، بوصفها منهجاً إبداعياً فنياً، نتحدث عن (الرومنتيك) بوصفه يعني المبادئ الأخرى للرؤية الفنية ولإدراك الواقع بوصفه تطلعاً إلى أفق محدّد، وإن لم يكن واقعياً بدرجة كافية دائماً، بوصفه حلماً بمثال الرائع (الجميل) والتناغم الاجتماعي والأخلاقي. وهكذا فإن ف. غ. بيلينسكي، الذي قدّم معالجة واسعة لمفهوم الرومنسية، يخصص مكاناً جوهريا لمعنى (الرومنتيك) ويعزوه إلى العالم الروحي الداخلي للفرد: "إن الرومنسية، في معناها الأضيق والأكثر جوهرية، ما هي إلاَّ العالم الداخلي لنفس الإنسان، حياة قلبه الدفينة... وميدانها مجمل حياة الإنسان الروحية الداخلية، تلك التربة السرية للروح والقلب، التربة التي تنبع منها جميع الطموحات الغامضة نحو الأفضل والأسمى، عندما تحاول أن تجد إرضاء لنفسها في المُثُل التي يبدعها الخيال"(2). يمكن أن يكون (للرومنتيك) أيضاً معنى مختلف تماماً، عندما يرتبط بأوهام رومنسية عقيمة، بأحلام خيالية لا تنتهي. هذه (الرومنتيكية) التي كثيراً ما سمّيت عندنا، بعد غوغّل، بالمانيلوفية(3)، لا تفيد، بالطبع، في تأكيد المُثل الإيجابية. لقد عرى بوشكِن هذه الأوهام بسخرية لاذعة حين قال: "كم كان يُكتب بغموض وذبول، ما نسميه رومنسية وإن كنت لا أرى، هنا، ولو قليلاً من الرومنسية. ولكن، ما لنا ولهذا؟" وكذلك فعل رومنسيون آخرون، مثل هوفمان وهايني، وخصوصاً فلوبير، الذي قدّم (هذا الرومنتيك) في إبداعه بسخرية لا ترحم. يمكننا بهذا الشكل أو ذاك أن نؤكد بثقة تامة أن فهم الرومنسية العلمي أو السائد في العلاقات الإنسانية العامة، هو فهم يعود في نشوئه إلى منابع الرومنسية التاريخية الملموسة، بوصفها جملة من المبادئ الجمالية الفكرية، والفنية والفلسفية، التي حدّدت، بهذا القدر أو ذاك، مختلف أشكال الوعي الاجتماعي. بينما تطورت هذه التصورات حول الرومنسية فيما بعد تبعاً لتطور هذا الاتجاه في الحياة الإيديولوجية. وعلاوة على ذلك، فرغم أن الرومنسية، عبر تجليها التاريخي الملموس في مختلف أنواع الفن والأدب، قد أنهت تطورها منذ زمن بعيد، كمنهج أساسي في استيعاب الواقع فنياً، ظلّت إبداعات الرومنسيين خالدة باعتبارها لبنة أساسية في تطور الثقافة البشرية. أما إذا ما نظرنا إلى الرومنسية كقضية علمية، رأينا أنها، فضلاً عن كونها موجودة منذ قرابة قرنين من الزمن، تزداد إلحاحاً منذ أواسط ستّينيات القرن العشرين، وخاصة في علم الأدب الروسي. ومن المهم هنا أن نؤكد على أن هذا الإلحاح ليس مصطنعاً أو وليد جهد فكر نظري إداري، زد على ذلك أن ظاهرة الرومنسية بالذات هي حقّاً على درجة قصوى من التعقيد، سواء في تنوع وجوهها المتعددة أو في تناقضها العميق. ومع ذلك، فإن السبب الأساسي للإلحاح العلمي، بل الإلحاح المتعاظم الذي تكتسبه هذه القضية، يكمن في أن هذه الرومنسية، التي تبدو شديدة البعد عنّا زمنياً، إنما يمتد تأثيرها الجمالي والفكري الفلسفي حتى أيامنا هذه. وتتجدد العودة باستمرار إلى تراث الرومنسيين ليس من قبل القراء وحسب، بل ومن قبل كثير من الأدباء المعاصرين، الذين يهتمون باستعياب تجربة الكتّاب الرومنسية، بل ويتقبلون بعض جوانبها. * * * قرّبت نهاية القرن الثامن عشر النهايةَ الحتمية لأوروبا الإقطاعية. فالمؤسسات الإقطاعية التي عمرت قروناً وكأنها راسخة لا تتزعزع، وكذلك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والحقوقية، أخذت جميعها تكشف بوضوح أكبر عن عجزها التام الذي تمثل برجعيتها السياسة والاجتماعية وبغرتها الكاملة عن المُثُل الإنسانية العليا. لقد كان ينمو وينضج في أعماق النظام الإقطاعي ما يعرف بالتنوير الأوروبي، أي النقيض الأيديولوجي الرهيب والمتعاظم الاشتداد. ومع أن رواد التنوير كانوا أحياناً يفضحون بصيغ شديدة اللهجة والحدَّة مختلف الأعراف الاجتماعية في عصر الحكم الإقطاعي المطلق، وكذلك الكنيسة التي كانت حليفته المخلصة وسنده الأمين، إلا أن المنورين الأوربيين لم يكونوا قوة سياسية أصلاً. فبعد أن زين هؤلاء راياتهم بشعارات الحرية والإخاء والمساواة، التي كانت شعارات ساطعة وجذابة بقدر ما هي غامضة ومجردة، أصبحوا المعبّرين عن المرحلة الرائعة الجديدة في تطور الفكر الطوباوي في أوروبا؛ فأيديولوجيا التنوير بالذات هي التي هيأت تعاليم الاشتراكيين الطوباويين الأوروبيين الذين تركوا بصمات جوهرية جداً ليس فقط على الحياة الإيديولوجية، بل وعلى الحياة السياسية والاجتماعية لعدد من دول أوربا، على الأقل خلال العقود الثلاثة، بل الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر، ولئن كانت الاشتراكية الطوباوية، على الرغم من كل مساهمتها الجوهرية في مسألة التقدم الاجتماعي، قد أصبحت مع الزمن، قوة معوقة لهذا التقدم، فإن المنورين، برغم كل طوباوية مثُلهم، هم بالذات من كانوا مؤهلين لإعداد هذا الانفجار الاجتماعي والسياسي الجبار، المتمثل في الثورة الفرنسية العظمى /1789 ـ 1794/ التي اكتسبت صدى أوروبياً شاملاً على امتداد القرن التاسع عشر بأكمله. لقد جعلت الثروة البرجوازية الأولى فرنسا، وبصورة رئيسية عاصمتها باريس، تحتل دوراً رائداً ومكانة مركزية في الحياة السياسية في أوروبا زمناً طويلاً. غير أن إنكلترا كانت الدولة الأكثر تطوراً من الناحية الاقتصادية في ذلك الوقت. إذ أنجزت ثورتها البرجوازية منذ أواسط القرن السابع عشر، سابقة فرنسا بمسافة طويلة على طريق التطور الاقتصادي البرجوازي. ونتج عن ذلك أن راح التنوير الإنكليزي ينمو في كثير من الجوانب بطرق مختلفة عمّا في فرنسا. وعلى الرغم من دوره الفاعل في الحياة الاجتماعية الإيديولوجية للبلاد، فإن المرحلة النهائية من الانقلاب الصناعي، الذي ترجع أصوله إلى القرن التاسع عشر، كانت العامل الحاسم هنا. ومع أن الانقلاب الصناعي الذي عرفته إنكلترا أواخر القرن الثامن عشر وتتوّج سياسياً بالإصلاح البرلماني عام 1832 لم يرافقه ذلك الانفجار السياسي العاصف، الذي كان لـه شأنه في الجهة الأخرى من المانش، نظراً لكونه جرى بروح المصالحة السياسية المميزة تماماً للحياة الاجتماعية الإنكليزية، بل وللشخصية الإنكليزية، إلا أنه كان في مضمونه الاجتماعي والصناعي انقلاباً قريباً من الثورة الفرنسية. وفي الوقت نفسه، فإن المناخ الأيديولوجي والسياسي الذي ساد أوروبا عقب ذلك لا يمكن الاقتصار في تفسيره على تبعات الأحداث في فرنسا وحسب، دون أن نأخذ بعين الاعتبار التطورات الاجتماعية العميقة التي جرت في إنكلترا خلال تلك الفترة. فإبان انهيار هذين العصرين انهيار حاداً وعاصفاً شرعت الرومنسية، التي أصبحت هي والاشتراكية الطوباوية المعبّر الأيديولوجي الرئيس عن العصر، تبرز مواكبةً وعاكسةً المرحلة الأولى من تكون العلاقات البرجوازية الجديدة في أوروبا ضمن حدود العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر. وقد درج الباحثون، في أكثر ما شاع من دراساتهم حول الرومنسية، على الانطلاق من أن الرومنسية كانت ردَّ فعل على الثورة الفرنسية وأقربَ عواقب تلك الثورة. غير أن هذا القول، الصحيح في أساسه، يحتاج إلى تدقيق جوهري وضروري بالنسبة (....) لنظرية الرومنسية الأدبية في عدد من تنوعاتها القومية. ومع الإقرار بكل ما للثورة الفرنسية من أهمية هائلة، ليس فقط بشأن ظهور الرومنسية، بل وبشأن تطورها اللاحق أيضاً، فإن هذه الثورة لم تكن على الإطلاق العامل الوحيد والحاسم الذي حدد نشوء هذه الظاهرة الأدبية والأيديولوجية العامة بالنسبة لمختلف المناطق القومية. إذ كان أدب كل بلاد ينطوي على مقدمات تحكمت بمنابع الرومنسية وأملت خصوصيتها. وقد سبق أن لفتنا في هذا الصدد إلى دور المرحلة الختامية من الانقلاب الصناعي في إنكلترا. حقاً، لقد كانت الثورة الفرنسية تقف أيضاً على الدوام، وبدرجة متفاوتة التأثير والتفاعل، وراء هذه العوامل القومية حصراً. ينبغي أن نتابع هذا التدقيق على مستوى آخر أيضاً. فقد كانت الثورة الفرنسية، وكذلك أحداث الحياة السياسية الاجتماعية في البلدان الأخرى، مقدمات سياسية اجتماعية للرومنسية، ولكن كانت قد نضجت ثمة، في أعماق النظام الإقطاعي، مقدمات جمالية أيضاً، على غرار معايير النمط الاقتصادي السياسي البرجوازي، وتشكلت تلك المقدمات في معظمها أثناء مرحلة التنوير المتأخرة، أي قبل الثورة الفرنسية بعهد طويل. ولهذا نجد أن العملية الأدبية والنظريات الأدبية خلال القرن الثامن عشر كانت تنطوي على عدد غير قليل من الظواهر الجوهرية جداً التي تسمّى ما قبل الرومنسية(4) (مع كل شرطية هذا المصطلح). لم تكن الرومنسية، بالتالي، فتحاً جديداً بصورة مطلقة، ظهر في جو التغيرات التي استدعتها الثورة الفرنسية.. ولا جدال في أن المناقضة بين كلاسية ورومنسية (وهي مسألة ما تزال سارية المفعول) وإن كانت لا تغير تصورنا عن الرومنسيين باعتبارهم أسقطوا الكلاسية، إلا أنها تبين لنا، إذا ما نظرنا إليها في جوهرها المتناقض والدياليكتيكي بعمق، أن كثيرين من أولئك الكلاسيين كانوا عن وعي، وفي الأغلب دون وعي، سواء في ممارستهم الفنية أو في بياناتهم النظرية، يتلقون ويعيدون صوغ هذه أو تلك من أفكار أسلافهم، وأحياناً من أفكار أعدائهم اللدودين. وكذلك تؤكد أيضاً، وعلى نحو خاص، تلك الموادُّ الوثائقية تماماً دياليكتيكيةَ العلاقة والمجابهة بين هذين الاتجاهين الأدبيين المختلفين. وعلى كل حال، فقد كانت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر ذلك الحدث الحاسم الذي حدّد ظهور الرومنسية ومضمونها الروحي والاجتماعي بالذات. فالمنورون الفرنسيون، الذين مهّدوا لهذه الثورة، كانوا على يقين من أنها ستأتي معها بمملكة العقل والخير والعدل للجميع. ولكن تلك العلاقة الاجتماعية الجديدة، ومعها المعايير الأخلاقية التي أخذت أطرها ترتسم بدقة بالغة خلال عملية الثورة بالذات وتزداد رسوخاً بعد انقلاب آب، تلك المعايير والعلاقات البرجوازية، كانت مخيبة للآمال في بعدها عن مُثل المنورين الساطعة، ثم تبين أنها مجرد وهمٍ طوباوي عملياً. وأصبح بدهياً أن يقال بعد زمن قصير من ذلك أننا نعرف الآن أن مملكة العقل هذه لم تكن إلا المملكة التي مَثْلَنَتْها البرجوازية، وأشاعت أن العدالة الأبدية قد وجدت تجسيدها في القانون البرجوازي، وأن المساواة قد اختزلت إلى مساواة برجوازية أمام القانون، بينما أعلنت الملكية البرجوازية بوصفها واحداً من حقوق الإنسان الأكثر جوهرية. لقد لاقت الثورة الفرنسية والتنوير الذي مهّد لها معارضة ضارية على أيدي أعدائهما السياسيين المباشرين الذين كانوا يمثلون تلك الطبقات التي أبعدتها الثورة عن حلبة التطور التاريخي. ولكن نتائج هذه الثورة خيبت أيضاً آمال أنصارها الذين صدقوا وعود المنورين. وهكذا، فتحتْ نتائج الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر مرحلة أزمة حادة في الأيديولوجيا التنويرية، مرحلة مهّد لها، كما للثورة نفسها، مسار التطور التاريخي. ونتج عن ذلك أن ردة الفعل المعادية للتنوير، والمعادية في الوقت نفسه للبرجوازية، تلك الردة ذات التوجه المتباين، بل والتوجه الاجتماعي السياسي المتناقض في أحيان كثيرة، كانت السمة الممّيزة والمحدّدة للجو الروحي الأيديولوجي. وكانت الرومنسية بالذات هي التي عكست بالدرجة الأولى أمزجة العصر المعادية للبرجوازية والمعادية للتنوير، تلك الأمزجة التي كانت وليدة التناقضات الجذرية في الثورة الفرنسية بوصفها برجوازية. من هنا، فإن واحدة من السمات التعميمية الجذرية للرومنسية لا بوصفها مذهباً فنياً أو اتجاهاً وحسب، بل وبوصفها مذهباً شامل النظرة بشكل عام، هي كون الرومنسية تمثّل طوباوية تمخّضت عنها نتائج الثورة الفرنسية، طوباوية تنطوي في ذاتها على نفي العلاقات الاجتماعية التي كرستها تلك الثورة. إن الرومنسية، بوصفها شكلاً من أشكال الأيديولوجيا، لم تستطع، سواء في النظرية أو في الممارسة الفنية، أن تعكس الصفة المزدوجة للتناقض المذكور في الثورة الفرنسية التي تم نفي نتائجها من مواقع سياسية اجتماعية مختلفة. وحين كانت تخيّم لحظات محددة من الشعور بالخيبة تجاه الثورة، لحظات ربما كانت في بعض الأحيان بالغة الحدة، كان يسيطر على جزء من الرومنسيين أمل، بل يقين، بأن مُثُلَهُمْ التقدمية ستجد تجسيدها في المستقبل. بينما كان الأمر الأكثر جوهرية بالنسبة للرومنسيين الآخرين هو بالضبط خيبة الأمل بالثورة، وفقدان الإيمان بتحقّق مُثُلِها، بل ورفضها في بعض الأحيان. وفي هذا المجال، فإن بحثهم عن معايير لعلاقات اجتماعية عادلة، أي خارج إطار البرجوازية، أصبح نكوصياً، وتجلى أحياناً في مثلنة الماضي البعيد، وأحياناً كثيرة في مثلنة القرون الوسطى التي كان الرومنسيون ـ رغم ذلك ـ يسعون إلى تكييفها ومواءمتها مع التطور الاجتماعي المعاصر (نوفاليس، ساوثي، وفينيي إلى حدّ ما). كانت أكثرية الرومنسيين، ولاسيّما الأوائل منهم، تتميز ببحثها الفلسفي العميق، المباشر أو العفوي. إن قاعدة الانطلاق بالنسبة للرومانسيين هي النظرة الشاملة، المثالية، الساطعة والصاعدة أساساً من المثالية الذاتية الموضوعية. هذا النزوع المثالي إلى اللانهائي، هذا النزوع بوصفه موقفاً من المواقف الجمالية الفكرية المميزة للرومنسية، هو ردة فعل على ريبية التنوير وعقلانية أحكامه وبرودها. لقد أكد الرومنسيون على الإيمان بسيادة المبدأ الروحي في الحياة وخضوع المادة للروح. واعتبروا أن أساس الكون هو الوجود الروحي. إن دائرة القضايا الواسعة والشديدة التنوع، التي تمثل في مجملها نظرية الرومنسيين الأدبية، إنما تتطّلع من جوانب كثيرة إلى الجمال الفلسفي، الأمر الذي تتصف به الرومنسية الألمانية بالدرجة الأولى، رغم أن هذا التطلّع ليس حكراً عليها وحدها دون غيرها إطلاقاً. لذلك كانت نظرية الرومنسية على نحو خاص نظرية جمالية فلسفية. إذ إن مبادئ المعرفة الفنية وعكس الواقع على أيدي الرومنسيين لا يمكن وعيها بمعزل عن مضمونها الفلسفي. لذلك تجدنا كثيراً ما نسعى إلى إلقاء الضوء على هذا الجانب الجوهري من جوانب الوعي الرومنسي. كانت عناصر الدياليكتيك ملازمة لفكر الرومنسية الفني الفلسفي. وقد انتقى الرومنسيون من الجماعة البشرية أفراداً ظنوا أنهم يجسدون في أنفسهم الكون كله، وخيل للرومانسيين أن الطريق إلى الشمولية المتناغمة العامة يمر بالضبط عبر تطور الأفراد متعددي المواهب. كما كان الرومنسيون يرون أن الطريق إلى بلوغ التقدم في المجتمعات الدولية يمرّ عبر تطور الأمم المتعددة الجوانب. لقد كانت منظومة الفكر الرومنسي تتصف بالسعي إلى الإحاطة بالظواهر في علاقاتها وكليتها، بالسعي إلى الشمولية universalism، كما كان الرومنسيون أنفسهم يحبون أن يقولوا. وكتعبير عن هذا الموقف الفلسفي تحديداً، تكوّن مفهوم الأدب العالمي، هذا المفهوم المثمر والشديد الجدة الذي أرسى أسسه الرومنسيون الإيينيون، ولا سيّما شليغل بوجه خاص. وقد انعكست هذه الشمولية الرومنسية في طوباوية الرومنسيين الاجتماعية أيضاً، في أحلامهم الطوباوية بانتصار مُثُلِ التناغم في المجتمع البشري كله. لقد عزا بيلينسكي الأهمية الأكثر جوهرية للرومنسية إلى العالم الداخلي للإنسان، إلى حياة قلبه الباطنية، فوضع يده على واحدة من السمات الجذريّة والمحددة للرومنسية تميز هذه الأخيرة عن إدراك العالم وعن المنهج الفني عند المنورين. حقاً إن البطل يلاقي في أعمال الرومنسيين الفنية تأويلاً مختلفاً مبدئياً عمّا هو عليه عند المنورين والكلاسيين. فهو يتحول من كونه موضوعاً يعرض القوى الخارجية ليصبح ذاتاً تحدّد الواقع المحيط وتشكّله. وتصبح قضية الشخصية عند الرومنسيين قضية مركزية تتجمع حولها مواقفهم الجمالية والفكرية بكل جوانبها. ويصبح وعي العالم، بوصفه منطلقاً أساسياً في علم الجمال الرومنسي، هو وعي الذات قبل كل شيء. ثم تأكدت لاحقاً في علم الجمال لدى الرومنسيين المتأخرين موضوعة جوهرية للغاية حول ما يسمّى بـ "اللون المحلي"، أي حول وصف الوضع الخارجي (هوغو، نوديه، ثم بايرون جزئياً، وآخرون). ولكن ظلّ حتى هؤلاء الرومنسيون يعطون المقام الأول للشخصية. فدراسة كل من الطبيعة والحب والخيال جميعاً، كانت بالنسبة للرومنسيين طريقاً إلى معرفة واستكناه جوهر الشخصية الإنسانية بوصفها ظاهرة. فقد كان الرومنسيون يرون في الشخصية تمركزاً لقدراتٍ إبداعية لا محدودة، كما كانوا يرون أن النشاط الروحي لشخصية الفرد هو ما يحدد جميع قانونيات استمرار الوجود الموضوعي وتطوره. هذه المركزية ذات الصبغة الإنسانية الذاتية عند الرومنسيين جرّت وراءها تغييراً جوهرياً لسمات المثال المدني الاجتماعي الذي يميّز النظرة الكونية لدى الكلاسيين والمنورين. لقد قام الرومنسيون أثناء معالجتهم قضية الشخصية والمجتمع بنقل الثقل إلى الحد الأول في هذه العلاقة، إذ اعتبروا أن الكشف عن الشخصية الإنسانية وتأكيدها واكتمالها من جميع الجوانب يؤدي في المحصلة إلى تأكيد مُثُلٍ مدنية واجتماعية رفيعة. إن الإيمان بما لدى الشخصية الإنسانية من إمكانات لا محدودة، وبسيادة حقوقها في تجسيد هذه الإمكانات، كان عند الرومنسيين نقلاً وتحويراً فلسفياً لفكرة سياسية هي فكرة الحرية التي رفعها وأكدها رجال الثورة الفرنسية. غير أن الرومنسيين أنفسهم أدركوا وهمية تصوراتهم حول ما للشخصية من قدرات إبداعية مطلقة حتى اصطدموا بالواقع الفعلي. وكنتيجة لإدراك هذا التناقض في علم الجمال عند الرومنسيين الإيينيين ظهرت نظرية المفارقة الساخرة IRONY الرومنسية الشهيرة. فانطلاقاً من فلسفة فيخته، التي تطمح فيها الـ ((أنا)) المطلقة إلى تحقيقٍ لا متناهٍ لنفسها في مثال الحرية، ولكنها لا تبلغ الهدف النهائي لهذه العملية أبداً، فإن المفارقة الرومنسية تؤكد، على أساس هذا الطرح، أنه حتى الفنان، الذي كان التعبير الأسمى عن الشخصية بالنسبة للرومنسيين الإيينيين، وبرغم كل طموحه إلى كمال القول، لا يستطيع بلوغ هذا الكمال أبداً. إذ إن نهائية الوجود البشري والظروف التي يتطور ضمنها هذا الوجود، تدخل، كما تصور ف. شليغل، في تناقضات مستعصية مع لا نهائية طموحات الروح البشرية. وتبرز في هذا الصدد أيضاً مسألة الفردية كمقولة فلسفية وأخلاقية في وعي الرومنسيين. إن الفردية، بوصفها أساس الآراء الأخلاقية الفلسفية الرومنسية، قد لاقت تعبيراً مختلفاً. فالرومنسيون، الذين رفضوا الواقع المحيط بهم، إنما تطلعوا إلى الهرب من ذلك الواقع نحو عالم وهمي هو عالم الفن والخيال، عالم الاستجابات الخاصة، ولذا ظل البطل الفردي عندهم في أحسن الأحوال غريب الأطوار، حالماً، وحيداً وحدةً مأساوية في العالم المحيط به (بطل هوفمان). وتكتسب فردية البطل الرومنسي في حالات أخرى صبغة أنانية (بايرون، كونستان، ف. شليغل، ل. تيك). وليس قليلاً أيضاً عند الرومنسيين عدد الأبطال الذين تنطوي فرديتهم على طموح تمردي فعال، تخالطه بعض نفحات المذهب الإنساني (أبطال بايرون، ثم فينيي جزئياً). وكتعبير عن أن الشخصية مطلقة لا تحدها حدود، كانت الفردية الرومنسية تتضمن بالتأكيد نزعات نخبوية معينة (مثلاً: بعض الأبطال في ملاحم بايرون المعروفة باسم الملاحم الشرقية)، وملامح الفردية العدوانية المميزة لأدولف عند ب. كونستان. ولكن لعله من غير الصحيح أن نشدد، تخصيصاً، على هذه الجوانب في التأويل الرومنسي للشخصية. فهناك جانب آخر أهم بكثير، هو أن لا محدودية الشخصية عند كثير من الرومنسيين لم تكن على الإطلاق تعبيراً عن نوع من أنواع أرستقراطية الروح. بل على العكس من ذلك، فإن توجههم إلى العالم الداخلي الغني عند شخصية واحدة منفردة تحتل أحياناً مكاناً أرفع من وضيع في درجات المرتبية الاجتماعية، هو توّجه يشهد على نفحاتٍ ديمقراطية عميقة لدى الذات الرومنسية. ونقع على أمثلة ساطعة على ما نقول في قصائد الشاعر الرومنسي الألماني الذائع الصيت ف. ميوللر، الذي قدره عالياً كثير من معاصريه وبينهم هنريك هايني أيضاً. إن قصائده في ((الطاحنات الرائعات)) وفي ((الطريق الشتائية))، تلك القصائد التي وضع لها الموسيقار الرومنسي العظيم شوبرت موسيقى نفّاذة وأصبحت صفحة ناصعة في التراث الغنائي الأوروبي تتمتع بمستوى رفيع من الكمال الفني، إنما تشهد على ديمقراطية الفردية لدى الرومنسيين، ديمقراطية كانت تكتسب أحياناً سمات اجتماعية دراماتيكية تبرز بحدة كبيرة، ولاسيما في قصيدة ((عازف الناي)): هو ذا عازف الناي يقف حزيناً وراء القرية، وبصعوبة يقلّب يده المتجمدة من البرد، يراوح في مكانه. ذليل، حافٍ وشائب. عبثاً ينتظر المسكين، فليس في الطاسة نقود، عبثاً ينتظر المسكين، إذْ لا نقود، لا نقود. والناس لا ينظرون، ولا يريدون أن يسمعوا، وحدها الكلاب تعوي ساخطة عليه. عجوز يتحمل كل شيء باستكانة، ويصبر، ولا تنقطع الأغنية ولو لحظة قصيرة. هل تريد أن نتقاسم المصيبة كلانا؟ هل تريد أن أغني الأغاني على إيقاع نايك؟ إن عظمة الشاعر الرومنسي الإنكليزي الفذ وردوزورث Wordswarth تتمثّل في كثير من جوانبها في كونه قد عكس في شعره مأساة طبقة كاملة من الفلاحين الإنكليز Yeomen الأحرار وملاّك الأراضي الصغار، طبقة دمّرها الطور الأخير من الانقلاب الصناعي تدميراً لا رحمة فيه. وهذا الطرح الديمقراطي المبدئي كان واحداً من الطروحات الأساسية في البرنامج النظري لدى وردزورث. يعبّر عدد من مؤلفات الرومنسيين عن القيمة الذاتية للشخصية الإنسانية ليس في فرديتها بقدر ما هو في أن الطموحات الذاتية لهذه الشخصيّة تتوجه نحو خدمة القضية الاجتماعية في سبيل خير الشعب. ومثال ذلك (قابيل) عند بايرون، و(لاون سيتنا) عند شيللي، و(كونراد فاللينرود) عند ميتسكيفتش. وبعبارة أخرى، فإن الرومنسيين لم يفتقدوا افتقاداً نهائياً مُثُل المنورين في المدينة على الإطلاق. حقّاً لقد تراجع بعضهم (قلَّة منهم) عن هذه المثل، بينما حولّها آخرون منهم إلى إدراك مفتعل ومجردٍ جداً، ولكن كثرة بينهم، وربَّما ألمعهم وأهمهم، كانوا يمتحون إلهامهم من المثل الاجتماعية ومن النضال في سبيل ضمان الحقوق المدنية والحرية للشخصية في تعبيرها الواقعي التاريخي الملموس، أي أنهم كانوا يسعون إلى تجسيد أفكار المنورين في المرحلة الجديدة من التطور التاريخي. ومع أن إضفاء المطلق على عالم الشخصية الروحي عند الرومنسيين كان مقروناً مع جوانب سلبية معلومة، لكن هذا التعظيم للشخصية وهذا الطموح لتحديد طريق معرفة كل ما هو جوهري عبر (أنا) الفرد الداخلية كانا أكثر تأثيراً بما لا يقاس على السير بالرومنسيين إلى أهم إنجازاتهم الفكرية الجمالية. وجدير بالذكر على وجه الخصوص، وقبل كل شيء في هذا المجال، قيام الرومنسيين بتلك النقلة الجوهرية إلى الأمام في معرفة الواقع معرفة فنية طرحتها الرومنسية بديلاً من فن التنوير. لقد كشفت أشعار وردزورث وف. ميوللر، هايني وبايرون، فينيي ولامارتين، وكذلك قصص شاتوبريان ودي ستال ورومنسيين فرنسيين آخرين، أمام أعين المعاصرين يومها ثراء عالم الشخصية الداخلي. كذلك لاقى المبدأ الفردي في التلقّي الرومنسي للعالم تعبيره الجوهري المثمر الذي تجلى في أن إبداع الرومنسيين المبكرين تحديداً كان الينبوع الذي انبثقت منه صورة ((الإنسان الزائد)) التي تخللت أدب القرن التاسع عشر برمته. على أن تجديد الرومنسيين المبدئي، في ميدان معرفة الواقع معرفة فنية، يكمن في أنهم، عبر نقاشاتهم الحاسمة لأطروحة علم الجمال التنويري الأساسية التي تؤكد أن الفن هو محاكاة الطبيعة، إنما قدموا أهم طرح حول مهمة التغيير الملقاة على عاتق الفن. إذ مثّل هذا الطرح الذي قدمه علم الجمال الرومنسي خطوة أكيدة إلى الأمام على طريق تأويل دور الفن ومهامه من قبل الرومنسيين مقارنة بما طرحه المنورون. وقد كان أ. شليغل أول من صاغ هذا الطرح عام 1798 في مقالته التي انتقد فيها ملحمة غوته (هيرمن ودوروتيا). أضف إلى ذلك أن كلا الطرحين، في علم الجمال التنويري والرومنسي، متداخلان في علاقات ديالكتيكية معينة. فقد رسم المنورون دائرة في الفن من خلال سعيهم وراء هدف محاكاة الطبيعة في الفن، ووفقاً لما يتميزون به من تخطيطية عقلانية، وفي الوقت نفسه قصروا هذه الدائرة على أن تعكس الواقع (في حدود علم الجمال التنويري). وإذ طرح الرومنسيون على الفن مهمة تغيير الواقع، فإنهم وسّعوا بشكل جوهري جداً إمكانات الفن ومهامه، بما في ذلك إمكانات تأثيره على الواقع أيضاً. ولكنهم، في آن معاً، كثيراً ما فتحوا الباب على مصراعيه أمام الإسراف المفرط في إدخال عناصر خيالية وذاتية إلى صلب الأعمال الفنية، وهي عناصر تذهب بالفن بعيداً عن تصوير الواقع تصويراً مكافئاً وصادقاً. وهكذا يشهد النشاط الإبداعي لعدد من الرومنسيين الإيينيين وشعراء (مدرسة البحيرة) الإنكليزية، سواء في مجال النظرية أو في الممارسة الفنية، على أن لمسات معينة، وتحديداً في هذا التأويل لأطروحة الدور التغييري للفن، كانت من سمات الرومنسيين. لقد وسّع الرومنسيون مخزون الوسائل الفنية بشكل ملحوظ، فإليهم يعود الفضل، على مستوى النظرية والممارسة الفنية معاً، في المعالجة المثمرة لكثرة من الأجناس الأدبية الجديدة ذات الوجه الفلسفي الذاتي في الأغلب؛ وينطبق ذلك على القصة الطويلة السيكولوجية (قدّم الرومنسيون الفرنسيون الأوائل، بشكل خاص، الكثير في هذا المجال)، والملحمة الغنائية ("شعراء البحيرة"، وبايرون وشيللي وفينيي)، والقصيدة الغنائية. ويعود إلى الرومنسية عموماً ازدهار الأجناس الغنائية ازدهاراً ساطعاً يتناقض على نحو ملموس مع ما كان عليه الحال في القرن الثامن عشر العقلاني الشاعري. وبالقطيعة مع تقاليد كتابة الشعر الكلاسيكية أدخل كثير من الرومنسيين على البيت الشعري إصلاحاً مبدئياً وسّع وسائله في استخدام التفعيلة استخداماً ديمقراطياً. وقد زادت هذه التجديدات من قدرة البيت الشعري على تصوير العالم الداخلي والحياة الروحية لشخصية الفرد، كما زادته في بعض الحيان اقتراباً من مجال الاهتمامات المعاشية الواقعية للإنسان الفرد. إن تأكيد البنية الرومنسية الفنية ـ على مستوى البحر الشعري والتفعيلة والجانب الفكري والصورة الجديدة في الشعر الغنائي ـ لمرتبط في إنكلترا بإبداع "شعراء البحيرة" وبايرون، وجزئياً بإبداع شيللي وكيتس، وفي الأدب الفرنسي يعود الفضل الجوهري في هذا الاتجاه إلى فينيي ولامارتين وهوغو، أما المصلحون الجريئون في مجال البيت الشعري في ألمانيا فهم برينتانو، ثم أولاند وهايني وف. ميوللر. وكان للرومنسيين في تطوير الرواية، كجنس أدبي، دور متواضع نسبياً، قياساً إلى ما قدمه في هذا الميدان أقرب خلفائهم، بل وأتباعهم في جانب جوهري ما، في آن معاً، وهم الواقعيون النقديون. علاوة على ذلك، لم تكن الرواية الرومنسية الألمانية وحدها، وحتى في أفضل نماذجها، هي التي احتلت موقعاً ثابتاً في الأدب الأوروبي، بل إن الاهتمام الشديد بنظرية هذا الجنس الأدبي لدى الرومنسيين في إيينا، وفيما بعد عند أرنيم جزئياً، كان مقدمة لازدهار هذا الجنس عند الواقعيين النقديين. لقد كان الرومنسيون أولاد الثورة الفرنسية وورثتها المقربين، أولاد وورثة ذلك المنعطف التاريخي الاجتماعي الأكثر عمقاً، والذي كسر القناعة الراسخة تماماً بثبات ومتانة كثير من المؤسسات الاجتماعية السياسية والعلاقات التقليدية التي كانت قائمة في ذلك الحين. وأكثر من ذلك، فإن عواقب الثورة الفرنسية (أي أقربها والبعيد منها نسبياً) التي تشكلت الرومنسية وترعرعت في ظروفها، إنما أدخلت إلى سيرورة التاريخ الأوروبي ديناميكية عاصفة ونزاعات حادة وشديدة التناقض. هذه العوامل الجوهرية هي التي حكمت وحددت التلقي التاريخي للعملية الاجتماعية في إبداع الرومنسيين، كما عدَّلت أيضاً، وعلى نحو محسوس، تلقّيهم العالم على نحو مثالي. فالرومنسيون يرون العالم ويصورونه في حركته الدائمة، في ديناميكية نزاعاته الحادة، وليس يهمهم ما هو قائم في اللحظة الراهنة، بل تهمهم الصورة التي يمكن أن يصبح عليها العالم غداً، تبعاً لتصوراتهم. لقد انعكس في نظرتهم التاريخية طموح إلى الجديد، ذلك الطموح الملازم لتأملهم العالم تأملاً رومنسياً. ولكن، إلى جانب ذلك، دفعت الثورة الفرنسية أدب العقود الأولى من القرن الماضي إلى استيعاب الأسباب والقانونيات التي أدت إلى مثل ذلك الانفجار ـ الانعطاف ـ الاجتماعي السياسي العاصف. وهذا ما يفسر ظهور مدرسة تاريخية رومنسية واسعة، بل ويمكن القول بأنها مدرسة تاريخية مجابهة ومثمرة جداً (غيزو، تييري، مينييه) مثلما يفسر تدخل الأجناس التاريخية الفعال في أدب تلك الفترة وفي إبداع الرومنسيين. في هذا المناخ الآيديولوجي بالذات نشأت وتطورت رواية والترسكوت، التي كان لها تأثير عظيم على جميع الآداب الأوروبية. إن فكرة اللانهائي، وهي إحدى أفكار الرومنسيين الرئيسة حول تلقّي العالم تلقياً فلسفياً، تعود إلى ترسخ مفهوم التاريخية Historism في وعيهم وإلى تلقيهم العالم في حركته. يصعب أن نبالغ في تقدير الأهمية الهائلة للآيديولوجيا الرومنسية في تكوين مبادئ التفكير التاريخي، الذي جاء نتيجة لرفض ميتافيزيقية التنويريين، ونتيجة لتعاظم الغوص إلى جوهَرَيْ عملية التطور الصاعد ودياليكتيكية صراع المتناقضات في تلك العملية. إن النزعة التاريخية الرومنسية هي بالضبط صاحبة الفضل في فهم تطور المجتمع البشري بوصفه صراعاً بين الطبقات. لم يكن الرومنسيون في وعيهم الفلسفي قد أصبحوا بعد بأي شكل من الأشكال دياليكتيكيين بالمعنى الكامل. والمقصود في هذا الصدد، كما سبق أن أشرنا، أنهم ربّما لم يتعدّوا أجنّة التفكير الدياليكتيكي، نواه الأولى. لقد انعكست في وعي الرومنسيين أيضاً الثورة الفرنسية ذاتها وما تبعها من صدامات عاصفة بين قوى اجتماعية وسياسية مختلفة. إنهم لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى إظهار الشخصيات (الطباع) في تناميها وصيرورتها. إلا أنهم، من جهة أخرى، كانوا قد نفوا وأنكروا ثبات الوجود أيضاً. إن الرفض هو الجانب الأعمق والذي لا ينفصل عن جوانب الإحساس الرومنسي بالعالم، وعن موقف الرومنسيين الأخلاقي تجاه كل ما هو قائم. إن نظرية الرومنسيين التاريخية وعناصر الدياليكتيك، المشار إليها، في وعيهم، هي ما أملى عليهم أيضاً اهتمامهم الشديد بقوميات مختلفة، بخصائص التاريخ القومي، بنمط الحياة والمعيشة والملابس القومية وبالماضي القومي لبلادهم قبل كل شيء. فانصبّ اهتمامهم، كأدباء، على كنوز الإبداع الشعبي في هذا الماضي بالدرجة الأولى. وانتعشت في مؤلفاتهم الخرافات والحكايات والأساطير وأغاني أيام شعبهم الغابرة. واستناداً إلى ذلك، فإنهم لم يكتفوا ببعث خُطاطةٍ جديدة في الأدب تحديداً، بل وبثوا حياة جديدة في لغة شعبهم الأدبية بالذات في عدد من الحالات، ولاسيَّما في ألمانيا. وإلى جانب ما قام به الرومنسيون أنفسهم، لعبت حركة ما قبل الرومنسية في إنكلترا (ملاحم أوسيان) لماكفرسون، و"آثار الشعر الإنكليزي القديم" لبيرسي) دوراً عظيم الأهمية، ومارست، بدورها، تأثيراً بيّناً على أبرز ممثلي التنوير الألماني في مراحله الأخيرة، أي على هردر الذي سبق نشاط الرومنسيين الألمان في كثير من تقصياته وبحوثه. وفيما كان منهمكاً بتطوير نظرة هردر التاريخية اتخذ أ. شليغل في ((قراءات برلينية)) عام 1801 من قضية أصل اللغة مواقف قريبة من نظرية هردر، متفقاً معه في رفض فرضية الأصل الإلهي للغة. لقد كان هردر قدوة في جمع الأغاني الشعبية، وداعية متحمساً لهذه المبادرة، فأعطى بذلك دفعة إلى الأمام لازدهار الفولكلور الوطني الألماني في مرحلة الرومنسية من خلال نشاط ل. تيك والرومنسيين الهايد لبيرغيين: أ. فون أرنيم وك. برينتانو، اللذين جمعا ديوان الأغاني الشعبية الألمانية (بوق الصبي السحري) (1806 ـ 1808) الذي لعب دوراً هائلاً في تطوير الشعر الرومنسي الألماني فيما بعد، وليس الشعر وحسب، بل وفي وتطوير المقطوعات الغنائية الوجدانية في تراث الرومنسية الألمانية الموسيقي البالغ الثراء. * * * وفي ميدان استيعاب نظرية الرومنسية والخدمة التي أسداها الرومنسيون لتطوير الفكر الجمالي عموماً ولإعداد المراحل اللاحقة في تطوير الفن، ثمة مسألة أخلاقية ذات أهمية لا بأس بها ولم تدرس بشكل كاف حتى الآن في علم الأدب؛ إنها مسألة النمذجة (التنميط) الرومنسية. فخلافاً للواقعيين النقديين الآخرين ـ ويجب أن يكون بلزاك طبعاً هو المقصود هنا بالدرجة الأولى ـ نجد أن الرومنسيين في بياناتهم الجمالية قد تحاشوا الطرح المباشر لمسألة الطبع الرومنسي (الشخصية) بوصفه مقولة اجتماعية، مقولة تنطوي على ملامح عصرها العامة. وأكثر من ذلك، فإن أهم منظّري الرومنسية، أعني رومنسيي إيينا عموماً، قد سعوا إلى إنكار أية قيمة اجتماعية للفن، ومع ذلك فإن الممارسة الفنية والنظرية (الأدبية الرومنسية) سواء بسواء، تعطيان كثيراً من الأسس لبحث هذه المسألة المهمة بحثاً جاداً. إن الرومنسية، بوصفها اتجاهاً أدبياً تاريخياً مستقلاً حلّ محل التنوير، كانت في الوقت نفسه حلقة معيّنة في سلّم تطوير معرفة الواقع معرفة فنية. بهذا المعنى لا غير، تحديداً، كانت الرومنسية مرحلة انتقالية من أدب الكلاسية والتنوير إلى أدب الواقعية النقدية. لقد كان مقدراً لفن كل عصر من العصور، انطلاقاً من التصورات الجمالية السائدة والأشكال الفنية الملازمة لذلك العصر، أن يعكس ملامحه الخاصة المميزة لـه، أو كما يقولون اليوم: ملامحه النموذجية المتمثلة في أشخاص الأعمال الفنية ضمن الظروف التي يعيشها أولئك الأشخاص. أما من كانوا أكثر قرباً من تصوير الطباع (الشخصيات) النموذجية في ظروف نموذجية (تبعاً لتعبير ف. إنجلس في رسالته إلى غاركنس في نيسان 1888) فهم كتّاب الواقعية النقدية. ولكن هؤلاء الواقعيين النقديين اعتمدوا في هذه المسألة أيضاً وبشكل خاص على تجربة الواقعية التنويرية ومبادئها في النمذجة، مع بعض الميل إلى التجريد في تجسيد تلك المبادئ التي كان المنورون قد صاغوها بدرجة كافية من العمق، واعتمدوا كذلك على ممارسة الرومنسيين الإبداعية وعلى بعض الجوانب الجوهرية في نظريتهم الأدبية. لقد كان للفن والأدب الرومنسيين وسائلهما الخاصة ومستوى نمذجة خاص ملازم لكليهما. فالشخصيات التي خلقها الرومنسيون، أمثال رينيه عند شاتوبريان، وتشايلد هارولد ومانفريد وقابيل عند بايرون، وبروميثيوس عند شيللي، وموسى عند فينيي، لم يكن في وسعها أن تولد وتتكون إلا في ذلك المناخ الروحي الذي عمّ أوروبا بعد الثورة الفرنسية. إذ أن أمزجة الخيبة العميقة إزاء الواقع المحيط، والطموح إلى الهرب من ذلك الواقع، بل ومواضيع التمرد وعصيان الله، بالإضافة إلى ذلك، كانت في النهاية، حصيلة استيعاب نتائج الثورة الفرنسية. وبهذا المعنى كانت الشخصيات، المشار إليها آنفاً، نموذجية بالنسبة لعصرها. ذلك أن النمذجة الرومنسية كانت تركّز جل اهتمامها على كشف العالم الروحي الداخلي للشخصية ذات الأهمية، بالمعنى الفردي الخاص، كشخصية وحسب، وذلك بالتجرد الكامل تقريباً عن تطور حيثياتها وشروطها الاجتماعية والسياسية، أي بالتجرد عمّا عرف فيما بعد بالظروف النموذجية(5). فنحن نعرف، في الحقيقة، أن الوضع الاجتماعي لتشايلد هارولد ورينيه ذو أهمية بالنسبة للكشف عن شخصيتهما. إلا أن هاتين الشخصيتين ضعيفتا الارتباط تماماً بعوامل الحياة الخارجية، أي بتلك العوامل التي تشكّل النموذج. فالمهم، بالنسبة للرومنسي، هو، قبل كل شيء، العالم الداخلي للبطل، ((أنا))هُ الشخصية الخاصة، علاقاته الشخصية بالحياة مواقفه هو منها كشخصٍ فرد. هكذا بالضبط وبهذا المقدار ينمذج الرومنسي تلك الشخصيات التي يرسمها. فهذه الطريق وهذا المبدأ في النمذجة عند الرومنسيين يعنيان إلى درجة كبيرة أن طابع العلاقات الاجتماعية وطابع العلاقات الجديدة التي أكدتها الثورة الفرنسية بين الفرد والمجتمع، كانا ما يزالان طابعين غامضين مبهمين، وأحياناً غريبين تماماً على الرومنسي. لذا فكثيراً ما تعتمد النمذجة الرومنسية على مخزون الميثولوجيا (قابيل، بروميثيوس، موسى) وتلجأ إلى المجاز ("الملكة ماب" لشيللي، و"مانفريد" لبايرون). ثمة ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، كالعلاقة غير المباشرة، مثلاً، بين الطبع الرومنسي والواقع الذي يحكمه ويخلق شروطه عند الرومنسيين الألمان الأوائل. إذ يتعمد الإيينيون عزل أبطال مؤلفاتهم عن الواقع المحيط، فيما هم يعارضون، بهذه الطريقة بالضبط، بين أولئك الأبطال وذلك الواقع. وهذه التسمية ملازمة خصوصاً لكل من لوسيندا ويولي عند ف. شليغل، كما أنها ملازمة أيضاً لفرانس شتيرنبالد بطل رواية تيك، ذلك البطل الذي لا يعيش إلا في عالم الفن. إن هنريك فون أوفتردينغن، عند نوفاليس، هو شخصية مجردة تجريداً مجازياً تماماً ككل ما يدور حوله. ولئن كان ينبغي الكلام عن مشروطية هذا البطل عند نوفاليس، فإنها مشروطية لا تنبع من الواقع الذي ليس لـه في الرواية وجود تاريخي ملموس، بل تنطلق من البيئة المجازية المفترضة والبديلة لذلك الواقع. ومع ذلك، فقد كانت طباع الأشخاص في المحصلة، حتى عند الرومانسيين الألمان الأوائل، مشروطة بالظروف السياسية الاجتماعية التي تكونت في ألمانيا نهاية القرن الثامن عشر، وبذلك المناخ الروحي الذي ساد في الدويلات الألمانية وكان في كثير من جوانبه مشروطاً بالثورة الفرنسية 1789 ـ 1794. ولذا نجد حتى في أبطال الرومنسيين الألمان المبكرين ذلك المستوى المعين من النمذجة المرتبط بقدرة أولئك الأبطال على البروز والظهور تماماً خلال تلك الظروف التاريخية الملموسة في ألمانيا. وفي الوقت نفسه، ففي بريطانيا التي كانت الرأسمالية قد قطعت فيها يومئذ شوطاً كبيراً على طريق تطورها، وحيث كان يتبلور على نحو أكثر بروزاً وحدّة، مما في باقي بلدان القارة الأوروبية، نمط جديد من التناقضات الاجتماعية، نمط أخذ يتكوَّن في أوروبا عقب الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، هنا ـ في بريطانيا ـ كان ممكناً أن نجد في الشعر الرومنسي مستوى من النمذجة التاريخية الملموسة أرفع بكثير مما في الرومنسيات القومية الأخرى. وعلى هذه الأسس تحديداً يقوم البرنامج النظري الذي صاغه وردزورث، ذلك الشاعر الذي أصبح واحداً من أهم الشعراء الاجتماعيين في الرومنسية الأوروبية بفضل كثير من كتاباته التاريخية الملموسة ذات الصبغة الرومنسية الجمالية الفنية والعاطفية الفكرية المحددة تماماً. إن تغلغل الواقع، أو الجانب الموضوعي منه، تغلغلاً متزايداً وتدخله المتعاظم في دائرة الرؤية الرومنسية كان مرتبطاً بتطور الرومنسية الصاعد. ولم يحصر البطل الرومنسي نفسه في حدود الانغماس في عالم عواطفه الروحية الخاصة، بل راح على ضوئها يوسّع فهمه للعالم المحيط. إن الواقع الاجتماعي وما فيه من مفارقات حادة قد اقتحم علناً العالم الذاتي للبطل فاكندور بيرغلينغر وحدّد درامية مصيره المأزقية العميقة. وفي هذا الصدد فإن الموسيقار بيرغلينغر هو الشخص الذي يتحلّى بسمات منمذجة إلى درجة كبيرة بين كثير من أبطال الرومنسية الأوربية المبكرة. أما الرومنسي المتأخر هوفمان فنجد البطل عنده نموذجياً بدرجة أكبر، ذلك البطل المركزي المحبوب، الموسيقار يوهانس كريسلر، الذي هو بمثابة alter ego (الأنا الثانية) للمؤلف. وهو ـ أي البطل ـ يضطر لبيع عبقريته كي يحافظ على وجوده. أما الوضع الذي يعيش ويتعذّب فيه كريسلر، مثله مثل الصورة الأصل Prototype بيرغلنغر، فهو ألمانيا الإقطاعية الحقيقية المجزّأة، ألمانيا مطلع القرن الماضي. لقد تفوّق الواقعيون النقديون كثيراً، بالمقارنة مع الواقعيين التنويريين، في تعميق إمكانية نمذجة الطباع معتمدين على تجربة الرومنسيين المثمرة في ميدان تشريح عالم الأبطال الروحي الداخلي والكشف عن سيكولوجيا الأشخاص في الأعمال الأدبية. على أن النزعة السيكولوجية، بوصفها واحدة من وسائل النمذجة، لم تكن عند الواقعيين النقديين هدفاً بذاتها، بقدر ما كانت كذلك عند أسلافهم الرومنسيين، أو قبل هؤلاء، أي عند العاطفيين Sentemintalist. إنها نزعة شديدة الارتباط بهدف الكشف عن المضمون الاجتماعي لهذه الشخصية أو تلك. وقد فهم الواقعيون النقديون نزعة الرومنسيين السيكولوجية وبعثوها في إبداعهم من جديد. كما جرى تتبّع هذه العلاقة بين (الرومنسية والواقعية النقدية ـ المترجم) بدقة خاصة في إطار العملية الأدبية في فرنسا. وصقلت الرومنسية الفرنسية المبكرة وأرست، على نحو واسع ومثمر، جنس القصة الرومنسية السيكولوجية من خلال إبداع شاتوبريان ومدام دي ستال وكونستان وسينانكور. وبذلك مّهدت الطريق لسيكولوجية روايات جورج صاند الوريثة المباشرة للرومنسيين الأوائل، بل وتم التمهيد أيضاً بالطريقة إياها لسيكولوجية الواقعيين النقديين الفرنسيين: ميريميه، بلزاك وستندال في المقام الأول. كما وأثّرت تصورات الرومنسيين الجمالية في هذا المجال على تشكيل سيكولوجية ديكنز التي تعتبر سمة لطريقته الإبداعية، وخصوصاً في إبداعاته المتأخرة، لا تقل جوهرية عمّا هي عليه عند ستندال. إن مبدأ التاريخية الذي كان الرومنسيون سباقين إليه أيضاً، كان أضخم إنجاز جمالي فكري بَلَغَهُ الرومنسيون سواء في تقصياتهم، أو في ممارساتهم الفنية على الخصوص. وجدير بالملاحظة أيضاً ذلك الاتجاه الذي اتخذه تحول التاريخية الرومنسية بحد ذاته على أيدي الواقعيين النقديين. فلئن كان الرومنسيون، وهم يكشفون عن حركة التاريخ، يعودون إلى القرون الوسطى والقرون التي تلتها، ويركزون اهتمامهم بالتاريخ إلى آثار الماضي الأدبية في كثير من المرات، فإن الواقعيين النقديين في القرن التاسع عشر كانوا يهتمون في المقام الأول بدينامية التطور التاريخية لعصرهم. هكذا أصبح ستندال وبلزاك، بوجه خاص في الأدب، مؤرخين للمجتمع البرجوازي الذي عاصراه. فقد اعتمد بلزاك اعتماداً كبيراً على رواية والترسكوت التاريخية وقام في الوقت نفسه باستيعاب مبدئي لهذه الخبرة، فاستطاع في "الكوميديا الإنسانية" ـ التي كانت فتحاً فنياً وفكرياً تجديدياً عميقاً ـ أن يبسط أمام القارئ تاريخ صيرورة العلاقات البرجوازية في فرنسا، بدءاً من أيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر تقريباً. إن التأكيد على اللون، أي الصبغة الخاصة للمكان والزمان، هو واحد من أطروحات علم الجمال الرومنسي الجوهرية التي صاغها هوغو بوضوح متميز في مقدمته لدراما "كرومويل" (1827). ويعرض ذلك التأكيد ـ الأطروحة ـ وصفاً دقيقاً لأوضاع المرحلة التي تجري فيها أحداث العمل الفني، بل أحياناً ولتفصيلات معيشية تاريخية ملموسة عرفها العصر. ويشع علينا ألق هذا الوصف من روايات و. سكوت التي تدور في مكان ما على طريق الانتقال من الرومنسية إلى الواقعية النقدية، وكذلك من رواية هوغو "أحدب نوتردام". وحين أرسى الرومنسيّون هذا الجانب من مذهبهم الفني كانوا قد مّهدوا الطريق للواقعيين النقديين وأخصبوا التربة التي ستقوم عليها ممارستهم الإبداعية. إن طريقة المبالغة في التهكّم ـ الغروتيسك Grotesque ـ (كما عند هوغو وهوفمان) وتنميق الصورة، وتهويل أو تضخيم سمة أو أخرى من سمات شخصية البطل، تحتل مكاناً بارزاً بين الطرق النظرية التي خلفها بعض الرومنسيين الأفذاذ. وقد تجّسد هذا الجانب من علم الجمال الرومنسي بأجلى صورة في مؤلفات كثير من الرومنسيين. إذ يلازم الخلط بين الرهيب والمضحك لدى مؤلف "قصص خيالية على طريقة كاللو" وعند مؤلف "أحدب نوتردام" ملازمة عضوية أسلوبهما الإبداعي، ويعتبر واحداً من تعبيرات النظرية الرومنسية، أي نظرية النقائض وإدراك الواقع في مفارقاته الحادة، خلافاً لما في المذهب الكلاسي من انسجام (هارمونيا) ورشاقة واكتمال. غير أن المبالغة والنقائض والغروتيسك صفات ملازمة أيضاً للطريقة الإبداعية التي عرف بها أولئك الرومنسيون الذين لم يتعمدوا التباهي بهذه المبادئ، أمثال دي ستال في قصصها الرومنسية، ثم جزئياً شاتوبريان ووكنرودر، وبايرون طبعاً. وقد تولّدت عن مبدأ تنميق الصورة هذا واحدة من الأفكار الجمالية الفنية الرئيسة في الرومنسية، ألا وهي تصوير الشخصيات الفذة والحارّة، أي الفكرة التي صيغت بعمق خاص في أعمال مدام دي ستال خاصة، وشاتوبريان جزئياً. لقد كانت نظرية النقائض الرومنسية تمهيداً وإيذاناً بتصوير تناقضات الواقع في جوهرها الدياليكتيكي على أيدي الواقعيين النقديين. * * * إن الغروتيسك الرومنسي، بوصفه إحدى الطرق الأسلوبية المميزة للكثير من الرومنسيين وواحدة من سمات طريقتهم الفنية، كان في الوقت نفسه يعبر أيضاً عن جوانب مبدئية معيّنة من جوانب مرتكزاتهم الفكرية الجمالية. وينطبق هذا الأمر بالقدر نفسه على نظرية المفارقة الساخرة IRONY الرومنسية، وعلى مبدأ النبذة. ولئن كانت نظرية المفارقة الساخرة الرومنسية، كنظرية بالمعنى الدقيق، وكطريقة فنية أسلوبية، ملازمة للرومنسية الألمانية في المقام الأول وبدرجة استثنائية تقريباً، فإن مبدأ النبذة المؤسس نظرياً في الرومنسية الإيينية أيضاً، والذي لاقى عند الرومنسيين الألمان أوسع تجسيد لـه في ممارستهم الفنية، هذا المبدأ كان أيضاً ظاهرة رافقت جميع الرومنسيات القومية الأخرى. وإذا ما التزمنا تماماً بالتسلسل الزمني توجب علينا أن نعتبر "اعترافات قلبية لناسك يحب الفنون" (1796) من تأليف واكنرودر، أول تجربة في النثر الفني الذي خلفته لنا الرومنسية الأوروبية. ولكن بعد مرور قرابة عام ظهر مؤلف شاتوبريان "خبرة في الثورات"، ثم سرعان ما صدرت قصتاه الرومنسيتان "رينيه" و"أتالا".. ولعل مبدأ النبذة في هاتين القصتين لم يكن أقل وضوحاً مما عند أي من روّاد الرومنسية الألمانية. وقد قام بدور جليل في ترسيخ هذا المبدأ بعض الرومنسيين الإنكليز أيضاً، مثل بايرون مؤلف ما يسمى بالملاحم الشرقية، وكذلك ساوثي وكولريدج (من مدرسة البحيرة). إن مبدأ النبذة، ربما بوصفه واحداً من ألمع التعبيرات عن رفض الرومنسيين الفكرة الكلاسية القائلة بمنطقية كمال وانسجام الكون القائم على أسس عقلانية، ثم وبكمال الأعمال الفنية وانسجامها المتناغم، هو مبدأ يرجع في جذوره العميقة إلى فهم الرومنسيين نتائج الثورة الفرنسية التي دفعت الوجود الاجتماعي إلى حالة دينامية عاصفة، فجعلت أيضاً من إدراك هذا الوجود مقولة تقدمية، متنامية، وموجودة في تطور ذاتي دائم. بهذا المعنى الفلسفي بالضبط كان ف. شليغل يسمي الشعر الرومنسي شعراً تقدمياً. ولكن ينبغي أن نتذكر أن الرومنسية، وعلى الرغم من جميع مبادئها الجمالية الفكرية الرئيسة الكثيرة، إنما كانت حركة متعددة الوجوه، بل وشديدة التناقض في بعض الأحيان. وليس المقصود هنا على الإطلاق مجرد تباين الذات الإبداعية واختلافها لدى المبدعين الرومنسيين، الأمر الذي لابد من أن يحدد، من تلقاء نفسه، أساس فهم القراء للرومنسية كظاهرة فنية. (...) وتثير الانتباه تلك النقاشات الفكرية الجمالية والسجالات التي كانت تجري في سياق هذه الحركة الجمالية الأدبية والفلسفية الواسعة بين أقرب الحلفاء أحياناً (بل وبين أصدقاء حميمين في أحيان أخرى كثيرة) ضمن حدود تجمع أدبي واحد للرومنسيين. ثمة إمكان لوضع دراسة كاملة حول المجادلة التي دارت داخل الوسط الرومنسي، وستكون دراسة جد مثمرة في توجهها، إذا ما نظرنا إلى تلك المجادلة وذلك التنوع الذي عرفته الرومنسية لا كقوى نابذة هدامة، وإنما كسجالات حددت في المحصلة تشكل وتطور هذا الاتجاه، كما حددت بالقدر نفسه عملية وعي الذات الخاصة. ومن جهة أخرى، فإن بعضاً من تلك السجالات كان يكشف أحياناً بقد كاف من الإقناع عن طابع الرومنسية المحدود تاريخياً، وخصوصاً في المراحل الأخيرة من تطورها، كما كان يكشف عن جوانبها المريضة. إن الدراسة المستفيضة لنظرية الرومنسيين الأدبية، من حيث تفاعلها فيما بين مختلف القوميات، تقنعنا بالتنوع الغني وبالتأسيس النظري العميق لهذا الاتجاه الجديد في الأدب والفن. فقد كان مستوى التأسيس النظري للمبادئ الفكرية الجمالية الجديدة متبايناً في الأشكال القومية المختلفة التي تجلت فيها الرومنسية، ولكنه مع ذلك يظل مستوى عاماً ومشتركاً بين القوميات. ولم تكن الكلاسية أضعف حجةً في إعلان فهمها الفن، بيد أن الإنجاز النظري لمبادئها قد تركز بصورة رئيسة في المنطقة القومية الفرنسية. أضف إلى ذلك أن الكلاسية لم تشمل مساحة شاسعة في شتى أشكال الوعي الاجتماعي، كالمساحة التي انتشرت فيها الرومنسية. أصبح ملحوظاً في علم الأدب السوفيتي والغربي منذ منتصف ستينات القرن العشرين إلى الآن اتساع دراسة الرومنسية، سواء في جانبها التاريخي الملموس أو الأنماطي TYPOLogy، علماً بأن علم الأدب السوفيتي بالذات هو الذي يقدم الخدمات الأعظم شأناً في هذا المجال. وإذا كان علماؤنا حتى زمن قريب نسبياً يركّزون جهودهم بصورة رئيسة على دراسة الرومنسية في الغرب، فمن الواجب أن نشير إلى واقع معلوم ومفرح، هو أننا تعرفنا خلال عقد السبعينات على عدد من الأعمال الشيقة والثمينة، المكرسة للرومنسية عندنا، أي للرومنسية الروسية. وبديهي أن نجد في سياق هذه الجهود النشطة في مجال دراسة الرومنسية أن أموراً كثيرة في هذا المجال العسير قد تم تدقيقها، وأن أموراً أخرى كثيرة قد أعيد بحثها واكتشافها من جديد في القسم الأجنبي من هذه الظاهرة، وخصوصاً في الرومنسية الألمانية التي تستحق هذا الاهتمام من قبل الباحثين نظراً لعمق قاعدتها النظرية وغناها. غير أن نظرية الرومنسية لم تتطور في ألمانيا وحدها وحسب. فعلى الرغم من التسليم بواقع أكيد يتعلق بالسمعة العالمية الرفيعة والواسعة وبالممارسة الإبداعية وتنوع النشاط النظري لدى الرومنسيين الألمان، ولاسيّما الأوائل منهم، فإن الرومنسية في الآداب القومية الأخرى قد ساهمت أيضاً بقسط جوهري ليس في مخزون الفن الرومنسي وحسب، بل وفي إنجاز نظرية ذلك الفن أيضاً. ويجري التأكيد في هذا الخصوص بالذات على أن أحد أهم جوانب نظرية الرومنسية، وهو جانب لم يلاقِ بحثاً كافياً بعد، وأعني مشكلة الخصوصية القومية للأشكال الإقليمية المختلفة للرومنسية، لا يمكن أن يدرس بفاعلية كافية خارج إطار دراسة بياناته النظرية. ولم يقم علم الأدب السوفيتي ولا الأجنبي إلا في مطلع ثمانينات القرن الماضي (انظر كتابنا: "بيانات الرومنسيين الغربيين") بمحاولة يقدم لنا من خلالها ـ في كتاب واحد ـ ولو لوحة مقارنة تقريبية لمحصلة الأطروحات الأساسية التي أسفر عنها فكر الرومنسية الجمالي في تجلياته القومية المختلفة. إذ إن إنجاز عمل تكثيفي من هذا القبيل يعتبر، لأسباب كثيرة جداً، قضية في غاية التعقيد، ويتطلب جهود مجموعة كاملة من الباحثين. ونحن نقيد أنفسنا هنا بمدى (جغرافي) محدود نسبياً، إذ نكتفي بتناول الثقافات الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية وحسب. وثمة افتراض فحواه أنَّه بعد تجميع الثروة النظرية التي خلفتها الأشكال القومية المختلفة وتجلت في الرومنسية الأوروبية يمكن التحرك جذرياً نحو إنجاز مهمة أكثر صعوبة، وهي إصدار طبعة تكثيفية عامة من هذا النوع(6). ويضيف كتاب "بيانات الرومنسيين الغربيين"(7) كثيراً من الأشياء الجديدة إلى تصوراتنا حول هذه المرحلة من تطور الفن الأوروبي، فتتيح لنا إمكان تدقيق وتصحيح بعض تصوراتنا التقليدية حول الرومنسية، وحول الأدباء الرومنسيين كل بمفرده. وينبغي أن نلاحظ في هذا الصدد، مثلاً، أن النظرية الأدبية للرومنسية الألمانية (التي كثيراً ما نجد أن علماء الأدب غير المتخصصين بالأدب الألماني ينطلقون في فهمهم لها من الكتاب الوحيد في هذا الميدان)(8) هي نظرية لا تنحصر على الإطلاق في حدود ما خلفه لنا الرومنسيون الإيينيون وحدهم من كتابات نظرية. لذا رأت جماعة من العلماء السوفييت أن إحدى المهمات الرئيسة أمامها هي أن تقدم لعلم الأدب السوفيتي من خلال الكتاب المذكور أعلاه كثيراً من المواد الجديدة تماماً، مترجمة إلى اللغة الروسية للمرة الأولى، علماً بأن جزءاً لا بأس به من هذه المواد لم يصبح بعد موضع اهتمام الباحثين الأجانب. يتصف ما نشير إليه من مواد بأهمية ليست مجرد تسجيلية. فهي بحد ذاتها تتحدث عن أهمية الرومنسية في جانبها النظري أيضاً، وخصوصاً بالنسبة لأقرب مرحلة من مراحل العملية الأدبية، أعني المرحلة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالواقعية النقدية. وبعد أن التفتنا إلى هذا الطرح أعلاه، ينبغي أن نضيف إليه كلك جانباً جوهرياً آخر. فقد كانت تظهر في ممارسة الواقعية النقدية الأوروبية حالات يقف فيها أحد ممثلي هذا الاتجاه موقفاً شديد الرفض لمبادئ عكس الواقع عكساً فنياً رومنسياً. إلا أن هذا الرفض في جوهره لم يلغِ على الإطلاق ما بين إبداع الواقعية النقدية ومبادئ الرومنسية من علاقات أنماط محددة وعميقة عمقاً كافياً. وممّا لـه دلالته في هذا المعنى، بشكل خاص، هو أن ثاكري W.M. Thackeray يعتبر واحداً من أكثر ناقضي الرومنسية تشدداً وحزماً. ومع ذلك فإن روايته الرئيسة "سوق الغرور" بعنوانها الثانوي الشهير "رواية بلا بطل" تكشف عن علاقات مباشرة مع رواية بايرون الشعرية المتأخرة "دون جوان" غير المكتملة والتي تؤكد الأغاني الأخيرة فيها فكرة اللا بطولة في المجتمع البرجوازي الإنكليزي الذي عاصره بايرون. هذه الفكرة بالذات، معمَّقة ومطوَّرة على يدي ثاكري، هي الفكرة الرئيسة في روايته الآنفة الذكر. إن دون جوان كشخصية مركزية في رواية بايرون، ليس بطلاً بالمعنى المباشر يعكس أفكار المؤلف، بقدر ما هو شخص تتمركز حوله خيوط بناء الرواية. على أن ثاكري لم يكتفِ في "سوق الغرور" بالاعتماد على خبرة الرواية التنويرية الإنكليزية (وعلى فيلدينغ، بالدرجة الأولى)، وهي رواية كانت تهمه بشكل خاص، بل واعتمد إلى حد معلوم أيضاً على خبرة إبداع بايرون، مع أنه تجدر الإشارة في هذه الحالة إلى أن بايرون الرومنسي قد اقترب في "دون جوان" من مبادئ الواقعية النقدية أكثر مما فعل في باقي أعماله الإبداعية الأخرى. وثمة في هذا السياق مثال شبيه آخر هو فلوبير الذي يعتبر أبرز ممثلي المرحلة المتأخرة من تطور الواقعية النقدية الفرنسية والذي لم يكن أقل حدة من ثاكري في سجالاته التي خاضها ضد الفهم الرومنسي للواقع في الفن. ورغم ذلك فقد تقبَّل فلوبير في نظراته الجمالية بعض التأثير المعدِّل الذي مارسته الرومنسية الجمالية الميالة إلى رفع الفن إلى مصاف المطلق بعزله عن سفالة الواقع المحيط. أضف إلى ذلك أن المرحلة الأولى من إبداع فلوبير، وإن كانت لا تمثل المراحل الناضجة من تطوره الفكري الجمالي إلا قليلاً، إنما كانت بمجملها مرتبطة بدائرة الأفكار والصور الرومنسية. * * * يجعل استعراض مختلف الجوانب القومية في النظرية الأدبية الرومنسية لزاماً علينا أن نلتفت أيضاً إلى واحد من المكوّنات الصعبة لهذه المشكلة، أي إلى مسائل الخصوصية القومية للرومنسية، وأن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه المشكلة يجب أن تطرح، هنا بشكل رئيس، بل وبصورة استثنائية تقريباً، من خلال علاقتها بنظرية الرومنسية تحديداً. ولعله ينبغي أن نلفت النظر هنا في المقام الأول إلى عملية نشوء وتطور النظرية الرومنسية عبر علاقات هذه النظرية بتنامي المدرسة الرومنسية بشكل عام. ولعلنا إذا ما التزمنا بعض الشيء بتقسيم الرومنسية تقسيماً شرطياً إلى اثنتين: واحدة مبكرة، والثانية متأخرة، وإذا ما عالجنا نظريتها بوصفها نظرية لاتجاه أدبي مشترك بين جميع القوميات، إذن لتوجب علينا الاعتراف بأن الأطروحات الأكثر أهمية وعطاء في علم الجمال الرومنسي إنما تم وضعها وصوغها إبان المرحلة المبكرة من تطور الرومنسية. وينطبق هذا بصورة رئيسة على الرومنسية الألمانية التي كانت مرحلتها المبكرة مرتبطة ارتباطاً استثنائياً تقريباً بنشاط ما يسمى بالمدرسة الإيينية. وتجدر الإشارة فيما يتعلق بالرومنسية الفرنسية إلى أن عدداً من أوائل أعمال السيدة دي ستال، ولعلنا نؤكد بشكل خاص على كتابها "حول تأثير الأهواء على سعادة الناس والشعوب"، وكذلك بواكير شاتوبريان، إنما تشكل أساساً نظرياً راسخاً لبرنامج الرومنسيين الفرنسيين، نظراً لأنها تركز الاهتمام على الحلقة الرئيسة في هذا البنيان، أي على فهم الرومنسيين مشكلة الفرد، مشكلة الشخصية. لقد صاغ وردزورث في مقدمته لديوان "قصائد قصصية غنائية" (1798)(9) التي كان لها أهمية كبيرة بالنسبة لمجمل النظرية الأدبية الرومنسية، فهمه الرومنسية لا بوصفها مدرسة أدبية جديدة وحسب، وإنما بوصفها إحساساً جديداً بالعالم، بل وأكثر من ذلك بوصفها وعياً اجتماعياً. كما وساهم بقسط جوهري في نظرية الرومنسية كولريدج أيضاً، الذي يعتبر عَلماً عبقرياً آخر من أعلام "مدرسة البحيرة". 1ً ـ ألمانيا: إن التطور اللاحق الذي عرفته الرومنسية في حدود مرحلة تاريخية ملموسة من حياتها إنما يعتريه شيء من الضعف، وهو أحياناً ضعف واضح، ومع ذلك يبرز هذا الضعف بجلاء أكبر في الرومنسية الألمانية. غير أن هذه العملية لا تأخذ في كل أدب قومي أشكالها الخصوصية وحسب، بل وتناسباتها أيضاً. وهكذا، فإن الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ألمانيا الممزقة يومئذ إلى أكثر من 360 دويلة بين كبيرة وصغيرة، بما في ذلك الممالك والإمارات والمدن الحرة وإقطاعات الفرسان... كان وضعاً يرتبط به جانب جوهري من جوانب الخصوصية القومية للرومنسية الألمانية الباكرة، تلك الخصوصية التي تركت بصماتها الجلية على طابع الرومنسية المتأخرة في ألمانيا. فبديهي أن تكون الظروف التي عاشتها ألمانيا على تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد قلصت إلى أقصى الدرجات مجال النشاط العلمي بالنسبة للألمان. فما دام أن أبواب الاقتصاد والتجارة والملاحة والنشاط الاجتماعي السياسي كانت مغلقة في وجه الطاقة العقلية لدى الأمة، فإن تلك الطاقة تراكمت وادُّخرت في المجال النظري تحديداً، أي في الأبحاث الجمالية الفلسفية وفي الأدب. وعلى الرغم من فرط التشوه الذي اتصف به الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد يومذاك، فإن تلك المرحلة كانت مرحلة ازدهار الفلسفة المثالية الكلاسيكية الألمانية، وفيها عرف الأدب الألماني أفضل سنوات عمره التي لم يتح لألمانيا استعادة مستواها إلا بالكاد وبعد مضي مائة عام. وقد اتخذت الرومنسية الألمانية المبكرة أيضاً، تبعاً لذلك، طابعاً نظرياً شديد الوضوح. وإبان تلك الظروف أصبح الأدب، بالمعنى الأوسع لهذا المفهوم، عاملاً ذا أهمية خاصة في الحياة الاجتماعية للبلاد. لقد تشكلت الرومنسية الإيينية في مناخ من الأفكار السياسية الاجتماعية التقدمية التي طرحتها الثورة الفرنسية وسعت إلى تحقيقها أواخر القرن الثامن عشر، وما كان في وسع هذه الرومنسية إلاَّ أن تتقبل التأثير المثمر الذي أملاه ذلك المناخ. ولكنها تعرضت في الوقت نفسه لأقوى أثر تركته خيبة الأمل بنتائج تلك الثورة، وعانت من أزمة الإيمان التنويري بالعقل ومن خيبة الأمل بقيم التنوير المدنية. لم يكتفِ رومنسيو المدرسة الإيينية برفض نتائج الثورة الفرنسية، بل إنهم رفضوا كذلك طرق التطور البرجوازي عموماً، ولكنهم في ظروف التخلف الإقطاعي في ألمانيا، كانوا بعيدين عن تلمس طرق التقدم الاجتماعي الحقيقية. فقد كان غريباً عليهم تماماً الإيمان بأن الأفكار التقدمية التي طرحتها الثورة الفرنسية سوف تتحقق في المستقبل. إنهم لم يكونوا رجعيين ولا دعاة لتجديد العلاقات الاجتماعية القروسطية. إذ إن مثالهم الإيجابي كان يلتفت إلى الماضي، إلى القرون الوسطى في الأغلب، على الرغم من أنه كان ـ بهذا الشكل أو ذاك ـ مرتبطاً لديهم بالعصر (طوباوية نوفاليس، مثلاً). وكان الإيينيون يؤكدون في مثالهم الطوباوي على جانبه الجمالي وليس على جانبه الاجتماعي. إن السمة المميزة لأفكار الرومنسيين الإيينين النظرية، أي السمة التي اتصفت بها إلى درجة كبيرة الحياة الأيديولوجية جميعها في ألمانيا ذلك الزمان، كانت تتمثل في الطموح إلى نقل ما طرحته الثورة الفرنسية من أفكار سياسية اجتماعية إلى ميدان الروح، وفي السعي إلى بلوغ حرية الفرد لا بواسطة إزاحة العوائق القائمة أمامه في واقع ألمانيا الإقطاعية الطبقية، وإنما بإزاحة العوائق القائمة في ميدان المثال الجمالي الوهمي. وينبغي أن نبرز من بين جملة السمات التي حددت الخصوصية القومية لنظرية الأدب الرومنسية الألمانية تلك السمة التي تتصف بها الرومنسية الأوروبية كلها، والرومنسية الألمانية منها على وجه الخصوص، أي العلاقة بأدب التنوير، وهي مسألة سبق الالتفات إليها آنفاً. ولعلنا لا نجد في أية عملية قومية أخرى قدراً من الصلات العضوية والتزامنية معاً يعادل ما نجده بين الرومنسية وأدب التنوير. لقد جاء تطور التنوير في ألمانيا متأخراً، بالمقارنة مع البلدان الأخرى، نتيجة للتخلف العام في البلاد، وكان لهذا الأمر أهمية جوهرية، سواء بالنسبة للنظرية أو للممارسة الفنية لدى الرومنسية الألمانية, لا المبكرة منها وحسب بل والمتأخرة أيضاً (وبشكل رئيس بخصوص غوته). فلنتذكر أنه في زمن ظهور الحركة الرومنسية في ألمانيا، إبان المرحلة الأولى من تطورها، كان أدباء التنوير الألمان الكبار جميعاً (باستثناء ليسينغ وفنكلمان) مازالوا على قيد الحياة. ففي ظروف ألمانيا الإقطاعية، ذات الحكم المطلق، ظلت هيبة التنوير وقيمته الجمالية العامة تحتفظان بأهميتهما طويلاً، وحتى في مطلع القرن التاسع عشر. والرومنسيون الألمان الأوائل هم بالضبط من أسسوا عبادة غوته عبادة حقيقية في ألمانيا، معتمدين في تجاربهم الفنية في كثير من الأحيان على مبادئه الإبداعية التي أعادوا فهمها بروح رومنسية. كما أن تنظيراتهم للمذهب الرومنسي (بياناتهم المحفوظة) تشهد في مواضع كثيرة على أن موقفهم، سواء الإيجابي أو السجالي الحاد أحياناً، الذي اتخذوه تجاه مؤلفات غوته، قد عمل في كثير من النواحي على تشكيل النظريات الجمالية لدى الرومنسية الألمانية. إن أبرز آخر الرومنسيين الألمان، وهو هايني الذي يمثل في الرومنسية الألمانية نموذجاً أنماطياً مختلفاً اختلافاً مبدئياً، سواء عن أوائل الرومنسيين أو عن كثير من متأخريهم ممّن عاصروه، لعل هايني هذا لم يكن في أعماله الجمالية الأدبية أقل اهتماماً بغوته من أسلافه الإيينيين، مع أن هذا الاهتمام النشط من قبل هايني بغوته كان أقل إبداعية ـ بما لا يقاس ـ في فهم وتمثل تأثير غوته العظيم. بل وكان هايني، على العكس من ذلك، يعتبر نفسه (وليس بدون أساس) ذلك الكاتب الألماني الذي قدم على طريق التطور الأدبي الجديد خدمة حاسمة الأهمية في استخلاص نتائج "مرحلة الفن"، كما كان يقول، في الأدب الألماني الذي كان يرى أن اسم غوته هو رايته. تعتبر هذه السيرورة في ألمانيا، منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى مطلع ثلاثينات القرن التالي، لوحة معقدة وشديدة التنوع، نجد فيها، إلى جانب كثير من الظواهر المرافقة والمهمة جداً أحياناً، أن مركز الصدارة إنما تحتله عملية التصارع، بل وعملية تفاعل تقاليد التنوير في الوقت نفسه، وخصوصاً الكلاسية الفيمرية، مع الاتجاه الرئيس في الفن والأدب، أي مع الرومنسية. تُعَدُّ مرحلة تخوم القرنين الحلقةَ الأمتع في تطور الثقافة الألمانية. إذ يتبين لنا خلالها كيف يتشكل، وفي أعماق المبادئ الجمالية والشمولية الرؤية أواخر عصر التنوير، إدراك جديد للعالم، مبادئ جديدة لرؤية العالم فنياً، أي ما عرف بالرومنسية. ولمّا كانت ألمانيا جزءاً عضوياً من أوروبا التي اجتازت خلال عقود ما بعد الثورة الفرنسية حقبة زلازل عسكرية وسياسية اجتماعية عاصفة، فإن طرق التطور السياسي الاجتماعي اللاحق فيها (في ألمانيا) قرّبت العملية الأدبية وأدب الرومنسية بالدرجة الأولى من واقع الوجود عموماً، أي من مهام عصرها الاجتماعية والسياسية الملموسة. وقد لامس هذا التقريب من الواقع المرحلة المتأخرة من الرومنسية الألمانية بمجملها، مع أن ذلك جرى بدرجات متفاوتة في إبداع ممثلي هذه الحركة الأدبية كل بمفرده. ولهذا السبب تراجعت إلى موقع ثانوي تلك التقصيات الجمالية الفلسفية المتوترة التي كانت في قلب النشاط الإبداعي لدى الرومنسيين الإيينيين. وعلى الرغم من صدق هذا الطرح العام، فإنه ينبغي الوصول منه إلى أن النظرية الأدبية في المرحلة المتأخرة من الرومنسية لم تغنِ تطور هذه الرومنسية لاحقاً. وبدهي أن الرومنسيين المتأخرين يحافظون في الأصل على علاقة عضوية مع الأفكار السياسية الأولى لأسلافهم الإيينيين، حتى في حال الخصام الشديد معهم (هايني، مثلاً)، ولكن هؤلاء بالضبط هم من صحح ووسع الأساس الجمالي للرومنسية الألمانية. ومن المتعذر الحديث عن نظرية أدبية رومنسية في ألمانيا لولا ما أضافه إليها كل من هوفمان وأولاند وهايني وأرنيم وبرينتانو. * * * 2ً ـ إنكلترا تشكل عملية تطور النظرية الرومنسية في إنكلترا لوحة مختلفة كثيراً عما هي عليه في ألمانيا. لقد لعب الأدب الإنكليزي دوراً جوهرياً جداً في تكوين الرومنسية، وفي تحديد منابعها. إذ يعود مصطلح "الرومنسي" نفسه إلى الأدب الإنكليزي في أواخر القرن الثامن عشر(10). ويعتبر مبحث ت. وورتون "حول منبع الشعر الرومنسي في أوروبا" (1743) من أبكر المحاولات لفهم الرومنسية. إن وورتون يربط نشوء الرومنسية بأدب القرون الوسطى الأوروبية، وبالتأثير الذي مارسه على هذا الأدب كل من الشعر العربي وشعر السكالد SKALD السكندينافي. لقد تشكلت في الأدب الألماني خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر تلك الظاهرة المهمة القريبة من الرومنسية في بداياتها، تحت تأثير إنكليزي تحديداً في كثير من جوانبها. فقد وقع علم الجمال عند جماعة "العاصفة" وعند هردر، ولدرجة لا بأس بها، تحت تأثير إ. يونغ ("خواطر ليلية" ومبحث "أفكار حول الفن الأصيل")، وكذلك تحت تأثير النشاط الفولكلوري لكل من ماكفرسون وبيرسي. غير أن إنكلترا، كما أشرنا آنفاً، كانت البلد الأوروبي الذي سبق بزمن طويل باقي بلدان القارة في السير على طريق التطور البرجوازي، بعد أن بدأت ثورتها البرجوازية في أواسط القرن السابع عشر. لذا تعزز دورها كدولة عظمى ذات اقتصاد جبار، وسرعان ما تحولت إلى إمبراطورية استعمارية عالمية. من هنا أيضاً اكتسبت الشخصية القومية الإنكليزية توجهاً عملياً للغاية. وهذه الظروف هي ما حدد، في المحصلة، خصوصية النظرية الرومنسية في إنكلترا(11). وقد أسدت هذه الخصوصية خدمة لا يستهان بها لتطور النظرية الرومنسية. إلا أنه لم يكن لهذه الخصوصية ذلك الطابع النظري العميق والعريض الذي توفر لعلم الجمال في الرومنسية الألمانية، إذ إنها كانت خصوصية وثيقة الصلة بالقضايا الاجتماعية، بقضايا الممارسة الاجتماعية في البلاد. وبالطبع، فنحن لسنا هنا بصدد النزعة الرئيسة والأساسية التي لا تنفي إطلاقاً الفروق بين التوجهات الفكرية الجمالية، سواء، مثلاً، بين "جماعة البحيرة" أو بين بايرون وشيللي. ولا جدال، في الوقت نفسه، بأن المثال الأبوي المحافظ الذي عبّر شعراء البحيرة الإنكليز، وخاصة وردزورث، بوساطته عن رفضهم التطور البرجوازي الرأسمالي، كان ذا توجه اجتماعي ملموس تماماً نحو طبقة الـ "Yeomen"، أي عمال الزراعة الصغار الذين راحت المرحلة النهائية من الانقلاب الصناعي تسحقهم بغير رحمة. ومما لا يقبل الجدال أيضاً، أن علم الجمال عند بايرون كان ذا توجه سياسي تقدمي جلي. وينبغي إمعان التفكير، بهذا الخصوص، في طابع المبحث الأدبي الجمالي الذائع الصيت الذي صاغه بايرون شعراً، أي ملحمته "الشعراء المغنون الإنكليز bards والمعلقون السكتلنديون". فالنظر إلى ملحمة هذا الرومنسي الإنكليزي اللامع بوصفها بيان الرومنسية الثورية أمر مسلّم به تماماً في علم الأدب السوفييتي. وثمة مسوغات تدعم هذا الرأي. غير أن حصر جوهر ملحمة بايرون هذه في إطار هذه الصيغة إنما يعني تبسيطاً لمواقف المؤلف، وتبسيطاً أكبر لفهم العمليات التي تميزت من خلالها الرومنسية الإنكليزية في مطلع القرن الماضي. وإذا كان بايرون يعبر عن امتعاضه العميق من حالة الأدب الإنكليزي في عصره، فإنه في مجموعته الشعرية الرومنسية جداً "ساعات الفراغ" (باكورة شاعر مبتدئ) ينطلق من مواقع تقليدية أكثر مما هي تجديدية جمالية، مهما بدا في هذا القول من مفارقة، ما دمنا نتحدث عن بايرون تحديداً. فقد جهر مؤلف "الشعراء الإنكليز bards... "بميله المبدئي لأسس الكلاسية بعد أن عُرف كرومنسي ملحوظ على الأقل، إن لم نقل كرومنسي. ولذلك فليس من باب المصادفة أن ملحمته مبنية، حتى في شكلها، تبعاً للتقاليد الكلاسية تماماً. وتمثّل مساجلة بايرون هنا ضد "جماعة البحيرة"، الذين كانوا في ذلك الوقت الظاهرة الأساسية والأهم في الأدب الإنكليزي، شهادة على أن بايرون، وخلافاً لبوشكِن، مثلاً، لم يدرك ما للكتابات التنظيرية التي قدمها شعراء "مدرسة البحيرة" من دور عميق التجديد والتقدمية. ولكننا حقاً لن نتسرع بلوم بايرون على ذلك. فالقضية هنا لا تكمن فقط في أن ما هو كبير يُرى من بعيد. والسبب الخفي هنا ليس على الإطلاق في أن بايرون كان قصير النظر ومفتقداً للرهافة الجمالية. إذ يتأكد قولنا هذا، مثلاً، بواسطة موقف بايرون نفسه من بعض الأحكام الحادة التي يطلقها على الملحمة. إذ ينبغي أن نبحث عن مفتاح سر هذا التناقض في أن بايرون، الشاعر الرومنسي، الثوري، المبتدئ، كان يرفض رفضاً مبدئياً النزعة المحافظة والأبوية في المثل الاجتماعية السياسية لدى شعراء البحيرة. من هنا يجيئ هذا الاتكاء الجمالي عند مؤلف "الشعراء الإنكليز..."، وهذا الالتفات إلى الوراء باتجاه الكلاسية التي ربط بها قيماً سياسية اجتماعية تقدمية. ومن هنا أيضاً ينبع تقديره الرفيع، والمفرط في غلوائه، لشاعر الكلاسية الإنكليزية ألكسندر بوب. فضلاً عن ذلك، فإنها لمفارقة من نوع خاص في مسار الأدب الإنكليزي أوائل القرن التاسع عشر أن واحداً من رومنسيي الأدب الأوروبي، هو بايرون، كان يعد نفسه نصيراً مخلصاً للكلاسية. 3ً ـ فرنسا سلك تطور النظرية الرومنسية في فرنسا طرقه الخاصة به. وهنا نجد أن الأهمية الأولى، سواء بالنسبة للأعمال التنظيرية أو للآثار الأدبية، تعود ـ بالطبع ـ إلى استيعاب نتائج الثورة الفرنسية وعواقبها، وخصوصاً بالنسبة لفجر الرومنسية ونظريتها. فما كان لدى فرنسا على تخوم القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، وقت تشغله بتجريدات عقلية وفلسفية جمالية، كما كان عليه الحال في الجهة الأخرى من الراين، ونعيد هنا ملاحظة بيلينسكي الدقيقة والقائلة: "إن حياة الفرنسي هي حياة اجتماعية". لقد سبق أن أشرنا إلى أهمية الدور الذي لعبه الرومنسيون الفرنسيون الأُوَل في بلورة نظرية الرومنسية. ولكن، يا للخصوصية التي كانت عليها هذه النظرية! فقد كانت بواكير إبداع كل من السيدة دي ستال وشاتوبربان، اللذين يعتبران من أوائل أدباء الرومنسية الأوروبية برمتها، مشبعة بروح الثورة الفرنسية، كحدث سياسي. ويعتبر أحد الأعمال الملحوظة للسيدة دي ستال في ذلك الوقت بليغ الدلالة بهذا المعنى، بدءاًَ من عنوانه: "في الأدب وعلاقته بالأوضاع الاجتماعية" (1800). أما كتابها الأهم، الذي لعب دوراً كبيراً في تطور الفكر الجمالي في فرنسا، وليس في حدود الرومنسية وحسب، بل والواقعية النقدية أيضاً، فهو "تأثير الأهواء على سعادة الأفراد والشعوب" (1796). وقد كان هذا أيضاً ثمرة تأملات هذه الأديبة بخصوص القضايا الاجتماعية السياسية، بخصوص قضايا الثورة. ونجد أن شاتوبريان قريب في فهمه جوهر الطبع الرومنسي (الشخصية الرومنسية) من نظرة السيدة دي ستال، وذلك في أهم أعماله "الخبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية حول الثورات القديمة والحديثة في علاقتها بالثورة الفرنسية" (1797)، حيث تتمثّل المشكلة الرئيسة والأولى في كيفية التقبّل المباشر لأقرب نتائج ثورة 1789 ـ 1794 من قبل الإنسان الذي ساهم مساهمة فعالة في الأحداث السياسية والعسكرية ضد هذه الثورة. تكمن خصوصية الطرق التي أتيح للرومنسية الفرنسية أن تتشكل وتتطور من خلالها في أن الرومنسيين لم يكونوا مدرسة، أي جماعة أدبية مشتركة أو وحدة تضم أدباء من نمط فكري واحد يضعون نصب أعينهم إنجاز أساس نظري واحد، على الرغم من أنه يصعب تقدير الدور الكبير الذي لعبه كل من شاتوبريان والسيدة دي ستال وكونستان وسينانكور ونودييه، أعني مجموعة الرومنسيين الفرنسيين الأول، ليس بالنسبة للرومنسية وحسب، بل ولعدد من الجوانب الجوهرية في الواقعية النقدية الفرنسية أيضاً. ويشير كثيرون من مؤرخي الأدب إلى أن الرومنسية الفرنسية (خلافاً للرومنسية الألمانية) لم تنتظم في مدرسة من هذا القبيل إلا في مرحلة لاحقة من تطورها، أي في سنوات عودة الملكية، وبالأحرى في بداية عشرينات القرن الماضي. إذ كان ذلك العقد من السنين إحدى أمتع الفترات وأكثرها غلياناً في تاريخ الأدب الفرنسي. فالصدام الحاد بين القديم والجديد في الأدب، والصراع بين مختلف التطلعات الفكرية الجمالية، ونشوء مدارس واتجاهات أدبية جديدة، إنما كان في الوقت نفسه ذا طابع سياسي واضح، ومثّل حلقة جوهرية في لوحة دينامية متعددة الألوان قوامها المجابهات السياسية التي تميز بها نظام عودة الملكية في فرنسا. لقد كانت فرنسا الحكم المطلق قبل زمن غير بعيد تملي على أوروبا كلها أعراف بلاطها ومجتمعها الراقي، بما في ذلك أدق التفاصيل ونمط الثياب، بل وحتى معايير الذوق الجمالي التي عبرت عنها مبادئ الكلاسية الفرنسية. ومع أن الكلاسية في القرن السابع عشر، وخاصة في القرن الثامن عشر، لم تكن على الإطلاق هي وحدها التي تمثل العملية الأدبية في البلاد، إلا أن دور فرنسا الرائد آنئذ في ميدان أوروبا الأدبي كان مرتبطاً بالكلاسية بالذات. ولنتذكّر هنا أن فرنسا ذينك القرنين قد لعبت في الحياة السياسية أيضاً دوراً متعاظماً باستمرار، في حين أصبحت باريس، منذ أواخر القرن الثامن عشر ولبضعة عقود من السنين، مركزاً ثقافياً بل وسياسياً على الخريطة الأوروبية. إن نفوذ الكلاسية الداخلي الذي ما من شكّ في أنه أخذ يتزعزع في أواخر القرن الثامن عشر، قد عاد من جديد، وإن بطرق مختلفة كل الاختلاف عن الطرق السابقة، وعزز موقعه إبان ثورة 1789 ـ 1794، أي في تلك المرحلة من تطوره التي عرفت فيما بعد باسم "الكلاسية الثورية". لقد أصبحت الكلاسية في الفن والأدب اتجاهاً معترفاً به رسمياً، بل وحتى اتجاهاً يعبّر عن وجهة نظر الدولة في سنوات الإمبراطورية الأولى وفي السنوات الخمس عشرة التي أعقبت سقوط تلك الإمبراطورية، أي خلال سنوات عودة سيطرة آل بوربون. إلا أن الكلاسية في المرحلة الأخيرة من تطورها، وبعد أن أدت رسالتها الوطنية السامية بوصفها كلاسية ثورية، فقدت تماماً أساسها الحيوي، بوصفها اتجاهاً في الفن بكل معاييره الجمالية، وانكفأت إلى التقليد بالمعنى الكامل لهذه الكلمة. أصبح النضال بعد ذلك ضد الكلاسية المقلّدة عاملاً أساسياً في تحديد الوضع الأدبي في فرنسا خلال عشرينات القرن التاسع عشر. ففي تلك الفترة بالذات، وفي فرنسا تحديداً، نجد أن المعارضة التي أخذت تتبلور في أواخر القرن الثامن عشر، وهي معارضة جمالية ولسانية بين كلمتين/مفهومين هما الكلاسية والرومنسية، أخذت تكتسب مغزاها الأكثر ملموسية وتاريخية وتبلغ ذروة تطورها. وقد تكاتفت قوى الرومنسية وحلفاؤها في فرنسا في هذا المناخ الأدبي المحتدم، وهو مناخ اجتماعي سياسي على أية حال. إذ أن وزن الكلاسية ونفوذها، حتى في مرحلة التقليد المتأخرة هذه، أمر تؤكده على الأقل واقعة بليغة الدلالة هي أن بلزاك في عام 1819 (بلزاك الذي سيصبح بعد ذلك بقليل الشخصية العملاقة في الواقعية النقدية في أوروبا الغربية) يبدأ طريقه الإبداعي بتراجيديا "كرومويل" الملتزمة تماماً بالأسس الكلاسية. ومع أنه كان محكوماً على هذا الطفل أن يولد ميتاً، فإن بلزاك بقي أسير أوهامه بخصوص القيمة الجمالية للكلاسية طوال السنوات العشر اللاحقة كلها تقريباً؛ ولم يلتفت إلا بحكم ظروف خارجية محض إلى كتابة الروايات التي كان، انسجاماً مع التقليد الكلاسي في نظرته للأجناس الأدبية، ما يزال يعتبرها جنساً "وضيعاً". فقد وقف بلزاك، خلافاً لستندال وخلافاً لصديقه وتلميذه الفتي ميريميه، موقفاً محايداً من قضية الصراع ضد الكلاسية المقلّدة. لئن كانت الرومنسية الفرنسية في مطلع القرن التاسع عشر قد واجهت، خلال توزع القوى الأدبية وخصوصاً في شخص واحد من روادها الأساسيين وهو شاتوبريان، معارضة حادة، وكانت في البداية قوة دفاعية أكثر منها هجومية، فإن مكانتها ودورها في سنوات عودة النظام الملكي في العملية الأدبية في فرنسا قد تغير تغيراً جذرياً. فبالرغم من جميع التناقضات الداخلية في المعسكر الرومنسي، ومع أن فيتكور هوغو، الذي أصبح في عام 1827 زعيماً وقائداً معترفاً به للمدرسة الرومنسية، ومدمِّراً نشيطاً للكلاسية، قد سلك طريقاً معقدة ومتناقضة ولكنها تمضي أبداً باتجاه الرومنسية، فإن هذه الأخيرة أصبحت منذ مطلع العشرينات الخصم الأخطر والأكثر فاعلية ضد الكلاسية المقلّدة. وشرع الرومنسيون الفرنسيون يصدرون بنجاح مجلة دورية هي "ربة الشعر الفرنسية" نشط على صفحاتها منظّرو المدرسة الذين لعبوا دوراً هاماً في حشد قوى الرومنسية وتعزيزها. ومع ذلك ينبغي أن نشير إلى أن "ربة الشعر الفرنسية" هيهات أن تكون قد أسدت إلى الرومنسية في تطورها العام خدمة أكبر من تلك التي قدمها لها في حينه كل من شاتوبريان ودي ستال. إن المثال الفني الساطع الذي تجسد في العبقريات الإبداعية الجديدة (هوغو، فينيي، لامارتين)، التي سرعان ما تحولت إلى شخصيات معترف بها على المستوى الأوروبي، إنما أكسب الرومنسية الفرنسية هيبة مقنِعة وقوة دينامية صاعدة. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الأدباء الرومنسيين هم بالضبط من قُيِّض لهم في وقت واحد، ولكن بدرجات مختلفة، أن يعملوا ـ وفقاً للمرحلة الجديدة ـ على إغناء وتطوير نظرية الرومنسية نفسها أيضاً. وبالطبع، ينبغي أن نؤكد هنا خصوصاً على أهمية "مقدمة" هوغو لمسرحية "كرومويل" (1827). لقد سبق أن أشرنا قبل قليل إلى أن لفيكتور هوغو مكانة وأهمية رائدة في مسيرة الرومنسية الفرنسية، وخاصة في الطور الجديد من عملية تكونها وتلاحمها. فالمثال الذي قدمه في شبابه كان برهاناً مقنِعاً أيما إقناع بواحدة من أبرز السمات الأنماطية العامة الملازمة للرومنسية، أي بديالكتيك العلاقة بين هذه الأخيرة والكلاسية. وتعطينا "بيانات الرومنسيين الغربيين" إمكانية عيانية كي نرى كيف ترعرع هوغو الشاب في أحضان الكلاسية، إذ إن ذلك بادٍ في مقالته "روح كورني العظيم" (1820)، وخصوصاً في مقدمته لـ "قصائد جديدة" (1824)، التي ما يزال يدافع فيها عن مبادئ الملكية في السياسية، ويتكلم عن مناصرته للكلاسية في الأدب، ولكنه في جوهر الأمر يذود أيضاً عن الأدب الجديد، عن الأدب الرومنسي. وهو إذ يتحدث فيها بإجلال كبير عن بوالو، فإنه في الوقت نفسه يؤيد، ولكن بكثير من التحفظات، مسألة التخلي عن القواعد الصارمة التي تفرضها الشعرية Poetique الكلاسية، وخصوصاً في نظم الشعر. وحين انبعثت، فيما بعد، لهجة هجومية حادة ومدمرة ضد الكلاسية في "المقدمة" لدراما "كرومويل"، ظهرت "روح كورني العظيم" برغم ذلك جلية في دراما هوغو "هرناني" (1829) التي أصبحت لبعض الوقت راية قتالية من نوع خاص بالنسبة للرومنسيين الفرنسيين. وقد لعب ستندال دوراً جوهرياً ومتميزاً في صراع الرومنسيين الفرنسيين ضد مقلدي الكلاسية في مسيرة تكّون الرومنسية الفرنسية ووعيها. إذ أصبح ستندال، مؤلف "راسين وشكسبير"، حليف الرومنسيين الحميم في العشرينات، قبل أن يكون رومنسياً. لقد كانت ملامح ستندال ترتسم في تلك الفترة بوصفِه واحداً من مؤسسي الواقعية النقدية الفرنسية، أي أنه أصبح، بكثير من سمات طريقته الإبداعية وبعلاقته العضوية مع علم الجمال الرومنسي، واحداً من أكثر الواقعيين النقديين رومنسية. ويعود الفضل الأكبر في هذا الشأن إلى خبرة ستندال التي اكتسبها من دراسته التراث النظري والفني التي خلفته مدام دي ستال. ومع أن ستندال وهوغو يفترقان في أمور كثيرة، ويختلفان في نظراتهما الجمالية، وهما ـ كأديبين ـ قبل كل شيء ينتميان إلى اتجاهين أدبيين مختلفين، فإن هذين الأديبين سلكا في العشرينات من القرن التاسع عشر طريقاً مشتركة في الطموح إلى تأكيد مبادئ الفن الجديد، الفن الذي يعكس متطلبات الحياة الاجتماعية الجديدة. ومن هنا يجيء أحياناً ذلك الالتقاء الحرفي تقريباً بين أفكار ستندال صاحب كتاب "راسين وشكسبير" وأفكار هوغو في مقدمته لـ "أشعار قصصية وقصائد" (1826)، حيث نجد أن هوغو، شأنه شأن ستندال، يستنكر جازماً أي تقليد في الفن، سواء في ذلك تقليد راسين أو شكسبير، وهذا بحد ذاته يعني أن ستندال وهوغو قد انطلقا من مواقع متشابهة في تقويضهما أسس أية منهجية نظرية للكلاسية المقلدة. 4ً ـ الرومنسية الإيطالية أما في إيطاليا، فبحكم الظروف الاجتماعية السياسية الشديدة الخصوصية في حياة البلاد المحرومة من وحدة الدولة ووحدة الأمة، إيطاليا التي عانت جميع دويلاتها من أقسى أنواع القمع الذي مارسته رجعية الإكليروس البابوي، بل والمحرومة من الاستقلال القومي، والتابعة عملياً لدولة النمسا التي كانت إبان ذلك الزمن مركز الرجعية السياسية الأوربية، نجد أن الرومنسية الإيطالية، أي رومنسية الطرف الجنوبي من أوربا، تختلف جوهرياً عن أشكال الرومنسية الأخرى في أواسط أوربا. إذ كانت الرومنسية الإيطالية، من حيث طموحاتها الاجتماعية السياسية، الوليد المباشر لحركة التحرر القومي، حركة الكاربونارو Carbonro التي ظهرت عام 1815، وهو العام الفاصل في تاريخ أوروبا كلها، عام واترلو. لقد حدّد هذان العاملان الأساسيان أيضاً خصوصية نظرية الرومنسية الإيطالية التي يبدأ تاريخها مع ابتداء حركة الكاربونارو، أي أن جذورها تعود إلى الوقت الذي كانت فيه نظرية الرومنسية قد كونت أطرها الدقيقة ضمن حدود أشكالها في أواسط أوروبا. ومن جهة أخرى، وجد الرومنسيون الإيطاليون أنفسهم أمام مهمة محددة تماماً في تعبيرها الفني الجمالي، أمام مهمة النضال في سبيل حرية إيطاليا. وقد أسفرت ملموسية هذه المهمة عن درجة انسجام كبيرة في الرومنسية الإيطالية الغربية وعن تلك المجابهات الداخلية الشديدة الحدة أحياناً، والتي كانت تبرز خلال عملية تطور الحركات الرومنسية في الآداب الأوروبية الأخرى، كما أن تلك الملموسية قد أسفرت من جهة أخرى عن درجة معينة من الانغلاق والعزلة. ولم تستطع نظرية الرومنسية الإيطالية، بحكم هذه الظروف عينها، أن تبلغ في تعميماتها ذلك الاتساع وذلك العمق اللذين اتصفت بهما نظرية الرومنسية في كل من ألمانيا وإنكلترا وفرنسا. وأدّى التشديد على المثال الوطني أيضاً إلى درجة أكبر، مما في الآداب الأوروبية الأخرى، من القرب بين الرومنسية الإيطالية والكلاسية، بل وأدى أحياناً إلى انصهار الأولى بالثانية، الأمر الذي انعكس في التطور الإبداعي وفي المنهج الإبداعي لدى بعض الرومنسيين الإيطاليين، مثلما انعكس في بياناتهم النظرية بالقدر نفسه. وتعتبر "رسالة شبه جادّة من بليغ إلى ابنه" (1816) لمؤلفها د. بيرشي واحدة من أولى كتابات الرومنسيين الإيطاليين وأكثرها سطوعاً في هذا الميدان، فهي تنطلق من مادة الأدب الإيطالي معتمدة على بعض الأفكار المشتركة بالنسبة للرومنسية الأوروبية. ويكشف بيرشي في هذه "الرسالة" عن قربه البيّن من علم الجمال الرومنسي الألماني، ويطور نقيضةَ antithesis مفهومي الكلاسي والرومنسي. إنه يصوغ في هذه الرسالة فكرة شديدة القرب من الفهم الرومنسي، فكرة يدلي بها ستندال بعد عشر سنوات في مؤلفه "راسين وشكسبير". ذلك أن أدب الكلاسية هو، بقناعة بيرشي، أدبُ موتى، أما أدب الرومنسية فأدب أحياء. ويرى بيرشي أن الكلاسيكيين القدماء (هوميروس وبيندار وسوفوكليس ويوريبيدس) كانوا بالنسبة لعصرهم رومنسيين أيضاً، لأنهم لم يتغنوا بأفعال المصريين أو الكلدانيين، وإنما تغنوا بأفعال معاصريهم من اليونانيين. وإذا ما تذكرنا أن بيرشي كان ينتمي إلى مجموعة الرومنسيين في ميلانو التي كانت تضم أدباء هم في الوقت نفسه شخصيات سياسية نشطة في حركة الكاربونارو، وأن ستندال الذي عاش في تلك الأثناء في ميلانو كان على صلة وثيقة بهم، أمكننا بدرجة علمية كافية أن نفترض بأن أفكار ستندال هذه ذات مصدر "إيطالي". ويبدو لنا هذا الافتراض أكثر احتمالاً إذا ما وضعنا في اعتبارنا ما كان للثقافة الإيطالية برمتها، وللتاريخ السياسي المعاصر من أهمية عظيمة بالنسبة لوعي ستندال الاجتماعي والفني الجمالي. * * * فيما يتعلّق بقضايا خصوصية الرومنسية الألمانية التي سبق أن تعرضنا لها جزئياً، بما في ذلك التاريخ العام الذي يشمل أعمال الرومنسيين الأوروبيين الأساسية، فإنه لابد من تدقيق مسألة الأهمية العالمية لعلم الجمال الرومنسي الألماني المبكر، ما دامت هذه المسألة (لقلة ما درست، بالدرجة الأولى) تلاقي تأويلات مختلفة في دراسات علم الأدب. إن إيجاد الحل الصحيح لهذه المسألة أمر مرهون بتوضيح جوهر الرومنسية الألمانية بالذات، بل وبتحديد زاوية النظر الصحيحة إلى كثير من جوانب الأدب الفرنسي الجوهرية (سواء في ذلك الرومنسية والواقعية النقدية)، وإلى آداب عدد آخر من دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. * * * (1) سوف نعتمد في هذه الترجمة مصطلحين، الأول هو "رومنتيك" (ومنه الصفة رومنتيكي) دلالة على المعنى العام، الشائع، غير العلمي؛ والثاني هو "الرومنسية" (الرومنسي) بالمعنى الاصطلاحي العلمي الدقيق.. ـ المترجم. (2) بيلينسكي ف. غ. المؤلفات الكاملة. ج ـ 7، موسكو 1955، ص 145 ـ 146. (3) نسبة إلى مانيلوف، أحد أبطال رواية غوغل (النفوس الميتة) ـ المترجم. (4) ثمة في هذا الصدد واحد من أهمّ الكتب حول الرومنسية هو "تاريخ الرومنسية في الأدب الروسي" (1790 ـ 1825)، موسكو 1979. إذ تعتبر قوية بما فيه الكفاية وجهة النظر التي ترسخت حول أن ظهور الرومنسية في الأدب الروسي مرتبط، كما حركة الديسمبريين، بنتائج الحرب الوطنية ضد نابليون عام 1812. إن وجهة النظر هذه لا تلاقي إنكاراً على الإطلاق، بل على العكس، يجري تأكيدها صراحة على أيدي مؤلفي الكتاب المذكور (انظر ص 145 ـ 146). ومع ذلك، فرغم مراعاة حقيقة ثابتة فحواها "أن كل ظاهرة جديدة إنما تأخذ بالتكون في أعماق سابقتها" (ص 43)، نجد مؤلفي هذا الكتاب يرجعون نشوء الرومنسية إلى عصر بطرس الأول ويربطونها بتناقضات المذهب الكلاسي الروسي. وقد سبق لمؤلف هذه الدراسة التي بين أيدينا أن طرح مثل هذا الرأي قبل صدور الكتاب ببضع سنوات. (انظر: دميترييف أ. س. الرومنسية والتنوير، صراع أم تفاعل؟ ـ في مجلة "قضايا الأدب" (1972، ع. 1)، وكذلك كتابه: قضايا الرومنسية الإيينية"، موسكو 1975. (5) الباحث السوفيتي إ. ف. فولكوف في واحدة من دراساته يسوق براهين وحججاً أساسية لإجلاء مبدأ النمذجة الرومنسية. (أنظر: فولكوف. إ. ف. المناهج الإبداعية والنظومات الفنية. موسكو، 1978، ص 151). (6) نشير هنا إلى أن لدينا الآن كتاباً جديراً بقدر كافٍ من الاهتمام، يجعلنا قريبين من إنجاز هذه المهمة، ألا وهو: علم جمال الرومنسية الأمريكية، موسكو، 1977 (جمعه وقدم لـه وعلق عليه أ. ن. نيكَليوكِن). (7) عنوان الكتاب الذي قدَّم لـه دميترييف بهذه الدراسة، وصدر في مطلع الثمانينات في موسكو. (8) النظرية الأدبية للرومنسية الألمانية. بإشراف ن. ي. بيركوفسكي، ليننغراد، 1974. (9) ضمّ هذا الديوان قصائد كتبها وردزورث نفسه وأخرى كتبها صموئيبل كولريدج بينها (البحار القديم) ـ المترجم. (10) انظر: بوداغوف. ر. أ. من تاريخ كلمتي "رومنسي" و"رومنسية" ـ "أخبار أكاديمية العلوم السوفيتية. سلسة الأدب واللغة، 1968 ـ ج ـ 27، إصدار 3. (11) جدير بالانتباه تماماً ما قاله بيلينسكي الشاب في "أحلام أدبية" حول بعض السمات القومية لدى الألمان والفرنسيين والإنكليز خلال ذلك الزمن: "سيطر الألمان على مساحة لا حدود لها من النظر العقلي والتحليل، وتميز الإنكليز بالنشاط العلمي.. فالألماني يجمع الأمور كلها تحت نظرة عامة، ويستخلص كل شيء من مبدأ واحد، والإنكليزي يمخر البحار، يعبّد الطرق، يشق القنوات، يتاجر مع العالم كله، يقيم المستعمرات ويعتمد في ذلك كله على التجربة.. أما الفرنسيون فوجهتهم الحياة، الحياة العملية، الجياشة، القلقة، المتحركة أبداً... إن حياة الفرنسي حياة اجتماعية". (بيلينسكي ف. غ. الأعمال الكاملة. ج ـ 1، ص 28 ـ 29). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |