مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 125 شتاء 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قصائد مختارة للشاعرة الروسيّة آنّا أخماتوفا (1889 ـ 1969) ـــ ت.د.ثائر زين الدين

ـ1ـ‏

لا تُقصّف رسالتي يا صديق‏

بل اقرأها حتى النهاية‏

لقد مللتُ أن أكونَ مجهولةً‏

غريبةً في طريقك.‏

لا تنظرُ هكذا، عابساً مُتجِّهاً.‏

فأنا حبيبتك، أنا لك‏

لستُ راعيةً، ولا أميرة‏

وما أنا راهبة.‏

رُبّما ما زلتُ في ردائي الرمادي المُعتاد‏

وعلى كعبينِ عتيقين‏

ولكنني كسابق عهدي، حارة في العناق‏

والرعبُ يملأُ عينيَّ الكبيرتين.‏

لا تقصّف رسالتي يا صديقي‏

ولا تبكِ كذبةً محبوبةً‏

ضع الرسالة في حقيبةِ سفركَ الفقيرة.‏

في قعرها العميق نفسه.‏

1912‏

* * *‏

ـ2ـ‏

وأظلَمَ في السماء الطلاء الأزرق‏

وتعالت أغنية الناي‏

لكنّهُ ليسَ إلا قصبة..‏

لا سببَ يجعله يشكو هكذا‏

فمن يا تُرى حَدّثَهُ عن ذنوبي؟‏

ولأي شيء يغفر لي؟‏

أم أنّ هذا الصوت يُرجِّعُ‏

على مسامعي آخر أشعارك.‏

1912‏

* * *‏

ـ3 ـ‏

مَرحباً! أتسمَعُ حفيفاً خفيفاً‏

إلى اليمين من طاولتك؟‏

لن تتمكّن من كتابة هذهِ الأسطر الباقية ـ‏

فقد أتيتُ إليك.‏

أتُراكَ تغضبُني‏

كما فعلتَ في المَرّةِ الماضية ـ‏

فتقول إنكَ لا ترى يديّ!‏

لا ترى يديّ أو عينيَّ؟‏

عندكَ المكانُ وضيءٌ وبسيط؛‏

فلا تطردني..‏

إلى حيث تتجمّد المياهُ الآسنة‏

تحتَ قنطرةِ الجسر الخانقة.‏

1913‏

* * *‏

4 ـ صوت الذاكرة‏

إلى أولغا أفانا سيفناغليبوفا‏

ما الذي تَريَنهُ وأنتِ تنظرينَ حزينةً إلى الجدار‏

في ساعةٍ، تحلُّ فيها لحظاتُ الشفق الأخيرة؟‏

أنورساً فوقَ بساطِ الماء الأزرق؟!‏

أم حدائق فلورنسيّة؟!‏

أم لعلّكِ ترينَ منتزهَ الضاحيّة القيصريّة الكبير‏

حيثُ اعترضَ القلق طريقكِ؟!‏

أم ترينَ عند ركبتيك ذلك الشاب‏

الذي هَجَر أسرَكِ إلى موتِهِ الأبيض.‏

لا. أنا لا أرى إلا الحائط ـ وعليهِ‏

تنعكسُ نيرانُ السماء المنطفئة لتوّها.‏

18 حزيران 1913‏

* * *‏

ـ5ـ‏

كُلّ يومٍ مُقلقٌ ـ بطريقةٍ جديدة.‏

رائحةُ الجوادر الناضج تزداد‏

وما دمتَ تجلسُ متكئاً على ركبتيَّ‏

أيّها الحلو، فاضطجع!‏

طيورُ الصفّار تصرُخُ في شجرةِ القيقب الكبيرة،‏

ولن تصمتَ حتى يحل الظلام.‏

كم يروقُ لي أن أطردَ عن عينيك الخضراوين‏

تلك النحلات المرحة.‏

في الطريقِ رنينُ أجراس:‏

مألوف هذا النغم الرقيق‏

سأغنّي لك كي لا تبكي‏

أغنيةً عن أمسية الفراق.‏

1913‏

* * *‏

ـ6ـ‏

ثقيلةٌ أنت يا ذاكرةَ الحُب!‏

في دخانك أُغنّي وأحترق.‏

أمّا الآخرونَ فلا يرونَ فيكِ إلا لهباً‏

يُدفئُ أرواحهم الباردة.‏

تلزمهم دموعي‏

كي يبعثوا الحرارةَ في أجسادهم المنطفئة..‏

ألأجلِ هذا غنّيتُ أيّها الرب؟!‏

ألأجلِ هذا تقّربتُ إليك بالحُب!‏

دعني أشربُ سُمّاً‏

يجعلُني بكماء،‏

واغسلْ بالنسيان المضيء‏

مجديَ المذموم.‏

18 تموز 1914‏

* * *‏

ـ7ـ‏

كيفَ تستطيع أن تنظر إلى النيفا،‏

بل كيفَ تجرؤ أن تمرَّ فوقَ جسوره؟‏

لم أشتهر بحزني عبثاً‏

منذُ تلكَ اللحظة التي ظهرتَ فيها.‏

حادةٌ أجنحةُ الملائكة السود؛‏

وقريباً ستبدأ المُحاكمة الأخيرة.‏

شُعلات توت العلّيق القرمزّية‏

ستزهِرُ في الثلجِ؛ كالورود‏

1914‏

* * *‏

ـ8ـ‏

دونَ ضجيجٍ اختفوا في أرجاء البيت،‏

ما عادوا ينتظرونَ شيئاً.‏

كانوا قد قادوني إلى المريض،‏

لكنني لم أعرفه.‏

قالَ: "الحمد لله. الآن ـ‏

وغابَ في أفكاره ـ‏

كانَ عليّ أن أغادر منذُ زمنٍ بعيد‏

وما أخّرني إلا انتظارك.‏

كم تُقلقينني في نوباتِ هذياني؛‏

كلماتك كلها لا تفارق ذاكرتي‏

أخبريني: "أليسَ بإمكانك أن تغفري؟"‏

قلتُ: "بإمكاني!"‏

تراءى لي أن الجدران تتوهّج‏

من الأرض حتى السقف.‏

وعلى ملاءةٍ حريرّية‏

انطرحتْ يدٌ جافة.‏

أصبحَ البروفيل الوحشي المُلقى جانباً‏

أكثر ثقلاً وخشونةً‏

وما عادَ صوتُ الأنفاس يُسْمَع‏

عند شفتيهِ القاتمتين المجعّدتين.‏

وفجأةً انبعثتْ في عينيهِ الزرقاوين‏

قوّة أخيرة:‏

"حسنٌ، أنكِ أطلقتني‏

ما كنتِ دائماً بمثلِ هذه الطيبة"‏

وعادَ وجهُهُ شاباً‏

فعرفتُهُ من جديد.‏

وقلتُ: " يا ربيّ‏

هوذا عبدُك فتقبّلهُ"‏

حزيران 1914‏

ـ9ـ‏

كانَ غيوراً، قلقاً ورقيقاً‏

وقد أحبّني كأنني شمسُ الرب،‏

أحبّني؛ فقتلَ طيريَ الأبيض‏

كي لا يغنّي عن الماضي.‏

مع الغروب راحَ يُردد، وهو يدخُلُ غُرفتي:‏

"أحبّيني، اضحكي، اكتبي الشعر!"؛‏

بينما كنتُ أدفنُ طيريَ الفَرِح‏

خلفَ البئر الدائريّة، تحت الحورة العتيقة.‏

وعدتُهُ أنني لن أبكي‏

لكن قلبيَ تحوّلَ إلى حجر‏

وأصبحتُ أسمَعُ ترجيعَ طيريَ العذب‏

في كل مكانٍ، وكل زمان.‏

1914‏

* * *‏

ـ10ـ‏

قبلَ الربيع تمرُّ أيامٌ كهذه:‏

تحتَ الثلج الكثيف يرتاحُ المرج‏

والأشجار الجافة تحفحفُ بفرح‏

والريحُ الدافئة رقيقة وحانية.‏

جسدُكَ تدهِشُهُ خفّته،‏

وبيتُكُ تنسى مكانَهُ‏

وتلكَ الأغنية التي كنتَ قد مللتَها‏

ستغنّيها بانفعال، كما لو كانت جديدة‏

ربيع 1915‏

سليبنيفو‏

* * *‏

ـ11ـ‏

ومن جديدٍ تُهدى إليَّ في وسني‏

جنّتُنا السماويّة الأخيرة ـ‏

مدينةُ النوافير النقيّة،‏

"باختشيساري" الذهبيّة.‏

هناك خلفَ السياج المُرقّش‏

عند حافةِ المياه الشاردة‏

تذكرنا بفرح‏

حدائق الضاحية القيصريّة‏

ولاحظنا فجأةً‏

نسرَ كاترينا ـ هناك تماماً؛‏

كان يطيرُ قريباً من قاع الوادي،‏

بعدَ أن انفصلَ عن البّوابة البرونزّية العظيمة!‏

ولكي تعيش أغنيةُ ألم الوداعِ‏

طويلاً في ذاكرتي‏

حَمَلَ إليّ الخريفُ الأسمر‏

أوراقاً حمراء في طرفِ ثوبه.‏

ونثرها فوقَ الدرجاتِ الحجرّية.‏

حيث كانَ وداعُنا‏

حيث من هُناك غادرتَ ـ يا سلوتي ـ‏

إلى مملكةِ الظل.‏

1916‏

سيفاستوبل‏

* * *‏

ـ12ـ‏

النهرُ يجري هادئاً في الوادي‏

والبيتُ ذو النوافذ الكبيرة يفترشُ الرابية.‏

أمّا نحن فنعيشُ كما لو أننا في عهد كاترينا:‏

نقيمُ الصلوات، وننتظرُ الغِلال.‏

الضيفُ الذي يتحمّلُ فراقَ يومين‏

يجيءُ مسافِراً على طولِ الحقل الذهبي‏

يُقبّلُ يدَ جَدّتي في غرفة الضيافة‏

وشفتيَّ على السُلّم!‏

صيف 1917‏

* * *‏

ـ13ـ‏

وكان هُناكَ صوتٌ، دعاني مُهدئاً..‏

قالَ: "تعالي إلى هنا‏

دعي تلكَ البلاد الموحشة الخاطئة.‏

اهجري روسيا إلى الأبد‏

أنا سأنظّفُ الدماءَ عن كفيّكِ‏

وأخرجُ من قلبك العارَ الأسود،‏

سأستُركِ باسمٍ جديد،‏

وأنزعُ عنكِ ألمَ الهزيمة والحزن.‏

ولكنني بهدوءٍ ولا مبالاة‏

غطّيتُ أذنيَّ بكفَّيَ‏

كي لا يُدنِّسَ هذا الكلام الوضيع‏

روحيَ الكئيب.‏

خريف 1917.‏

* * *‏

ـ14ـ‏

وها أنتذا من جديد. لا فتىً مُتيّماً‏

ولكن زوجاً عنيداً سليطاً وحاداً‏

تدخُلُ هذا البيت، وتنظر إلي؛‏

فيرعُبني هدوء ما قبل العاصفة.‏

تسأل ما الذي فعلتُهُ لك،‏

وقد ربطكَ بي إلى الأبد الحُبّ والقدر.‏

خدعتُك. ويتكرّر ذلك! ـ‏

آه، ليتكَ تتعب ولو مَرّةً واحدة!‏

فما تقولُهُ شبيهٌ بكلام المقتول؛ يُقلقُ به نومَ القاتل!‏

شبيهٌ بانتظار ملاك الموت قُربَ المخدع الرهيب.‏

فلتسامحني الآن؛ الربُّ علّمَنا التسامُح‏

إن جسدي ينطفئ في مرضي الكئيب،‏

وروحي الحُرّة هجعت تطلب الاطمئنان!‏

ولا أتذكّرُ إلا تلكَ الحديقةَ الخريفيّة الرقيقة‏

وصراخ طيور الكراكي، والحقولَ السمراء..‏

آه كم كانت الدُنيا حلوةً معك!‏

تموز 1916‏

سليبنيفو‏

* * *‏

ـ15ـ‏

رّبةُ الإلهام‏

عندما أنتظر قدوَمها في الليل‏

تبدو الحياةُ معلّقة بشعرة.‏

ما الشرف، ما الشباب، ما الحريّة؟‏

أمامَ ضيفةٍ غاليةٍ تحمل المزمار في يدها‏

هاهي ذي تدخل. تنظر إليّ باهتمام‏

وقد كشفت النقابَ عن وجهها،‏

أقولُ لها: "ألستِ أنتِ من أملى على دانتي‏

صفحات الجحيم؟، فتجيبني: "أنا".‏

1924‏

* * *‏

16 ـ إلى الشِعر‏

كم قُدتني في الطرق الوعرة،‏

كنجمٍ يسقطُ في الظلام‏

وكنتَ لي حُرقةً، وكذباً‏

أمّا عزاءً ـ فما كنتَ أبداً!‏

1961‏

ــ17ــ‏

أحدهم يمشي إلى الأمام،‏

وآخر يسيرُ بشكلٍ دائري‏

هذا ينتظرُ العودة إلى بيتِ أبيه،‏

وذاك ينتظرُ صديقته القديمة.‏

أمّا أنا فأسيرُ ـ وخلفي المصيبة،‏

لا في طريقٍ مستقيمٍ، ولا منحنٍ،‏

إنمّا إلى اللامكان.. إلى اللاوجهة‏

كقطارٍ خارجٍ عن سكّته!‏

1940‏

* * *‏

ـ18ـ إلى الموت‏

ستجيءُ بالرغم من كل شيء ـ فلماذا لا تجيءُ الآن؟‏

أنا أنتظرك ـ وحالتي صعبة‏

لقد أطفأتُ الضوء، وفتحتُ الباب‏

لكَ، أيّها البسيطُ والرائع.‏

فالبس لأجل ذلك الوجه الذي تُريد ـ‏

اقتحم رصاصةً مسموَمةً،‏

أو تسلّل حاملاً أداةً ثقيلة؛ كأي مجرمٍ ذي خبرة.‏

أو سممني بحُمى التيفوئيد.‏

أو اقتُلني بخرافةٍ تختلقها،‏

وكل أحداثها معروفة حتّى الاستفراغ ـ‏

كي أرى ذروة القبّة الزرقاء‏

ووجهَ مدير العمارة المُصفَر من الذُعر.‏

سيّان عندي الآن. نجم القطبِ يَرتفع..‏

يتصاعد "ينيسيه".‏

ويبدّدُ البريقُ الأزرق للعيون التي أحبُّها‏

الرُعبَ الأخير.‏

19 آب 1939‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244