مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 125 شتاء 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

اللعنة ـــ بقلم: آرثر سي. كلارك ـ ت.سمير عبد الله الصائغ

قد يكون آرثر سي. كلارك الأديب البريطاني الحي الأكثر شهرة في مجال الخيال العلمي. لقد كتب مسودة 2001: أوديسة الفضاء.‏

إن لقصصه وقعاً خارقاً تنبؤياً متواصلاً وقد نصلي لكونها غير حقيقية كما مع هذه القصة برغم أن العالم يبدو وكأنه يعتاش عليها.‏

لثلاثمائة من الأعوام، طبقت شهرة المدينة الصغيرة الآفاق، حيث استقرت على منحنى النهر. لقد لمسها الزمن والتغير برقة، وأنصتت من بعد لتقحم الأرمادا وسقوط الرايخ الثالث، وقد مرت عبرها كل حروب البشر.‏

الآن وقد طويت وكأنها لم تكن. وفي غفلة من الزمن فإن سراء وضراء تلك القرون قد تلاشيا. وقد يمكن للمرء أن يلمح قبساً من أرض مزججة لتلك الشوارع البائدة، أما البيوت، فلم يتبق منها. الفولاذ والكونكريت والجص والجميزة العتيقة ـ تكاد جميعاً أن تكون بمحصلتها بلا معنى. في لحظة الموت وقف الجميع سوية، قد شلّهم وهج القنبلة الساطع. وعندئذ، وحتى قبل أن يتوقدوا ناراً، فقد حاقتهم موجات الانفجار وتوقف الكون لديهم. ميلاً بعد ميل امتد نصف كرة اللهيب النهاش فوق المزارع، ومن بؤرتها ارتفع العمود الطوطمي المتلوي والذي ثوى في عقول الرجال لمدى طويل،ولغاية قميئة.‏

لقد كان الصاروخ زائغاً، واحداً من تلك التي بالكاد تطلق في النهاية. لذا كان من الصعب التكهّن لأي هدف وجه. بالتأكيد ليس نحو لندن، إذ لم تعد لندن هدفاً عسكرياً. وللحق، فإنها لم تعد تمثل شيئاً على الإطلاق. وفي تأريخ خلا فإن الرجال الذين كان واجبهم موجهاً نحوها قد حسبوا بدقة أن ثلاث قنابل هيدروجينية ستكون كافية لهدف بدا نوعاً ما صغيراً. فإطلاق عشرين واحدة، يعني أنهم كانوا مفرطي الحماسة.‏

وهذه القنبلة لم تكن واحدة ضمن العشرين التي أنجزت واجبهم بإتقان شديد. إن كلاً من هدفها وأصلها كان مجهولاً: فهل جاءت عبر فضلات القطب الهائمة أو بعيداً من فوق مياه الأطلنطي، لا أحد يستطيع الجزم وهناك قلة من الذين يبالون الآن. وفي وقت كان هنالك رجال عرفوا مثل هذه الأشياء، وراقبوا عن بعد طيران المقذوفات الهائلة وأطلقوا بدورهم صواريخهم لاعتراضها. كان ذلك الموعد راسخاً على الدوام، في العلا فوق الأرض حيث كانت السماء سوداء واختلطت الشمس والنجوم في السماء سوية. عندئذ توهج لبرهة ذلك اللهيب الذي لا يمكن وصفه، باعثاً إلى السماء رسالة ستقرؤها وتفهمها في قرون آتية عيون لغير بني الإنسان.‏

لكن ذلك كان في أيام مضت، في بداية الحرب. لقد نحي المدافعون ومنذ ذلك الأمد البعيد جانباً، حين عرفوا وجوب ذاك عليهم. لقد استمسكوا بعرى الحياة بما فيه الكفاية بالنسبة لهم لمواصلة إيمانهم بوجوب أداء واجبهم تجاه وطنهم؛ ولم يدرك العدو غلطته تلك إلا بعد فوات الأوان. وهو سوف لن يطلق بالتالي المزيد من الصواريخ؛ فتلك التي أطلقها قبل ساعات مضت على مواقع سرية للمقذوفات لا تزال تتساقط عليها وقد طوحت بها عالياً في الفضاء. وهاهي تعود الآن هامدة وبلا توجيه، منتظرة بلا جدوى لإشارات تقودها لمصائرها. لقد تساقطت عشوائياً واحدة فأخرى على عالم لم يعد بإمكانها إيذاؤه بعد الآن.‏

فاض النهر كلياً على ضفتيه؛ وفي مكان أسفل مساره انجدلت الأرض تحت تأثير تلك المطرقة الهائلة وانغلق المنفذ الذي أدى فيما مضى إلى البحر. أما الغبار فما زال يسّاقط كالمطر الغزير، كما لو أنه يواكب أيام عودة مدن وكنوز الإنسان للأرض المعطاء التي أثمرتهم. لكن السماء لم تعد كلية السواد كالسابق، وفي الغرب كانت الشمس تتكئ مستقرة على ضفاف غيمة غضبى.‏

مع أنه لم يتبق أثر لمبناها فإن شواهد أضرحة قد جمعتها السنون حولها، هي ما تبقى كدليل على الكنيسة التي قامت على كتف النهر. الآن فإن البلاطات الصخرية ترقد بتراص متواز، مطبقة بالنواجذ على قواعدها ومشيرة بصمت إلى مساراتها. بعضها كان على الأرض نصف مفلطح، والبعض الآخر قد هشمته وقرصته الحرارة اللهابة، لكن الكثير منها لا تزال تبلغ رسائل لا مجدية عبر القرون.‏

مات الضياء في الغرب وتلاشت القرمزية المبهمة من السماء ومع ذلك فما زال بالإمكان قراءة كلمات الشواهد بوضوح، أضاءها ألق راسخ الثبات، يمحق الليل بقوته لكن النهار يحجبه عن الناظرين. كانت الأرض تحترق: ولأميال فإن الغيوم كانت تعكس وهجها الإشعاعي. وقد لفّت رقعة الأرض المضيئة الوشاح المظلم للنهر المتسع بتؤدة، وحين غمرت المياه الأرض فإن ذلك التوقد المميت مضى قدماً نحو الأعماق. وقد يتلاشى خلال جيل، لكن قد يعبر قرن آخر قبل أن تتخذ الحياة آمنة مساراً كهذا ثانية.‏

وبخفر لامست المياه الشواهد الممزقة القائمة قبل أكثر من ثلاثمائة من السنين قبالة المذبح المتلاشي والكنيسة التي كانت ملاذاً لها طيلة تلك الفترة قد حبتها أخيراً حماية من نوع ما، وينبئ امّحال لون الصخر الواهي عن النيران التي اكتسحت هذا المكان. في ضوء رفات الأرض المحتضرة، لا يزال بالإمكان تتبع الكلمات المماتة حين ارتفعت المياه وطوقتها حيث تتكسر في النهاية إلى مويجات صغيرة عبر الصخرة.‏

خطا فخطا فإن نقوش الكلمات على الأضرحة التي حدق فيها الملايين قد انزلقت تحت الماء العاتية. ولحين ما زال يمكن رؤية حروف باهتة ثم انطوت إلى الأبد.‏

اصبر على الصديق الصدوق بحق يسوع،‏

لأجل حفر الرمل الثاوي هنا.‏

مبارك هو الإنسان الذي لا يقض مضاجع هذي الصخور.‏

وملعون من ينبش عظامي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244