مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 127 صيف 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لآلئ فارسيّة في يمّ العربية المضمون الفارسيّ والأداء العربيّ في كتاب الحكمة الخالدة لمسكويه ـــ أ.د.عيسى علي العاكوب

                ]وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً[

من القرآن الكريم

ـ تقديم:

شهدت العربية تطوّراً واضح المعالم حين قيّض لها أن تكون لغة شعوب أخرى غير عربيّة، تهيّأ لها أن تستظلّ بظلّ الإسلام، وتتخذ لغة قرآنه ونبيّه وسيلةَ تعبير عن أغراضها ومقاصدها وأطرابها. وكان للإيرانيين إسهام بيّن القسمات في رفد العربيّة بمادّة جديدة لا يختلف اثنان في أنها كانت من البواعث الأساسية على ازدهار هذه اللغة الشريفة. ونرمي في هذه الورقة إلى تقديم نموذج لتعاضد المضمون الفارسيّ والأداء العربيّ لإنتاج ضرب عالٍ من الكلام البليغ الذي تزدهي العربيّة بنماذجه.

وسنختار للتمثيل لذلك أحد الكتب التي يُذكر أنها نُقلت من الفارسية إلى العربية في أواخر القرن الهجري الثاني ومطلع الثالث. والكتاب المختار هو كتاب الحكمة الخالدة (جاويدان خرد ـــ بالفارسية) الذي ينسب إلى الملك الإيراني القديم أوشهنج، ويقال إنّ الحسن بن سهل (تـ236هـ) نقله إلى العربية.

وابتغاء الإيضاح والاستيفاء رأينا أن تعرض الورقة للنقاط الآتية:

1 ـــ البلاغة العربية بين المضمون الفارسيّ والأداء العربيّ.

2 ـــ كتاب الحكمة الخالدة وقصّة ترجمته إلى العربية.

3 ـــ الحسن بن سهل مترجم الكتاب إلى العربية.

4 ـــ المضمون والأداء في الحكمة الخالدة.

1 ـــ البلاغة العربية بين المضمون الفارسي والأداء العربيّ:

لا شك في أنّ إنتاج الكلام البليغ يعتمد قبل كلّ شيء على قريحة قادرة على الإبحار في عالم المعاني لاصطياد ما من شأنه أن يضيف إلى عقل الآخر ويغني تجربته ويزيده علماً بأشياء يجهلها تماماً أو يعرف عنها القليل. ثم يأتي بعد هذه القريحة الفياضة قدرةٌ على الإبلاغ والتوصيل في صور جميلة من الأداء. ونظرية القول البليغ التي يومئ إليها قولُ البارئ سبحانه لنبيّه عليه الصلاة والسلام: "وقلْ لهمْ في أنفسهم قولاً بليغاً" تستلزم لا محالة هذين العنصرين: المعاني والمباني، حسب اصطلاح حازم القرطاجني. ولا غرابة في أن تكون أحاديثُ النبّي عليه الصلاة والسلام ـــ بعد القرآن الكريم ـــ صورةً للقول البليغ. وقد يكون شيء من ذلك تجلّى في العربيّة قبل نزول الوحي؛ إذ نجد النبيّ محمداًr يُثني على واحدٍِ من أساطين البيان العربيّ ممّن عاشوا في مرحلة الجاهلية، وذلك حين يقول: "يرحم الله قساً، إني لأرجو يوم القيامة أن يُبعث أمّةً وحْده(1)؛ يريد قُسَّ بن ساعدة الأياديّ.

ولا يخفى أنّ ثناء النبيّr على قُسّ، مرجعه ما انطوى عليه كلامُه من روعة في المعنى والمبنى. فقد كان قُسّ هذا خطيبَ إياد، بل خطيبَ العرب قاطبةً في الجاهليّة، كما يقول الجاحظ(2). معانيه ممّا يتحدّث عن توحيد الله والاحتجاج لـه في عصر الشّرك والوثنية.

وفي تاريخ البيان العربي يلاحظ أنّ المعاني الفارسيّة غذّت هذا البيان منذ أن ظهر جيلٌ من المبدعين في لغة العرب من ذوي الأصول الفارسية. وفي هذا المجال يحدّثنا الجاحظ عن خطيب من خطباء البصرة اسمُه موسى بن سيّار الأُسواري، أي إنّه من أبناء الأساورة الإيرانيين. ويتحدّث الجاحظ بقدر كبير من الإعجاب عمّا توافر لهذه الشخصية من لَسَنٍ وفصاحة في العربية والفارسية، إذ يقول(3): "وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحتُه بالفارسيّة في وزن فصاحته بالعربيّة، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العربُ عن يمينه والفرس عن يساره فيقرأ الآية من كتاب الله، ويفسّرها للعرب بالعربيّة، ثمّ يحوّل وجهه إلى الفرس فيفسّرها لهم بالفارسية، فلا يُدرى بأيّ لسان هو أبينُ".

والصحيح أنّ ثمّة تفاوتاً في مبلغ الإفادة من المعاني الفارسيّة بين شعراء العصر العبّاسيّ الأوّل الذين يشكّل نتاجُهم البداية الواضحة للشعر العربيّ الذي أفاد من معاني الفرس وأساليب البيان العربيّ. وربّما كان خيرَ من يستشهد به في هذا المجال الشاعر العربيّ كلثوم بن عمرو العتّابيّ (تـ208هـ) الذي يتحدّث عن رحلة لـه إلى أقاصي بلاد فارس وإفادته من كتب العجم في مرو واستمداده في شعره من معاني الفرس، "وقد كان العتّابي ملمّاً بالفارسيّة إلى الدرجة التي تسمح لـه بمراجعة النصوص والمصنفات الفارسية في لغتها الأصليّة، ويؤخذ من رواية طيفور أن إعجاب العتّابي بمعاني الفرس وتعلّقه بها، جعله يشدّ الرّحال إلى مرو ثلاث مرات؛ ليدوّن كتب العجم. وحين سئل عن ذلك قال: "وهل المعاني إلا في كتب العجم. والبلاغة: اللغة لنا، والمعاني لهم"(4).

2 ـــ كتاب الحكمة الخالدة وقصة ترجمته إلى العربية:

كتاب الحكمة الخالدة [جاويدان خرد ـــ بالفارسية] أحدُ الكتب التي يبدو أنها بقيت من جملة ما كان للإيرانيين في العصر الساساني خاصّة من كتب تنتمي إلى جنس أدب الأمثال والحِكَم والمواعظ التي تسمّى في الفارسية: اندرزها أو بندها. والكتاب الذي يحمل هذا العنوان "الحكمة الخالدة ـــ جاويدان خرد"، ونشَره د. عبد الرحمن بدوي تحت هذا الاسم، يُنسب إلى أبي عليّ أحمد بن محمّد مِسْكَويه (تـ421هـ). ويتألّف من عدّة أقسام أوّلها كتاب "جاويدان خِرَد" المنسوب إلى أوشهنج أو "هوشنك" الملك الفارسيّ القديم. ويبدو أن مسكويه ضمّ إليه اختيارات من آداب الفرس وحِكَم الهند وحِكَم العرب وحِكَم الرّوم وحِكَم الإسلاميين المحدثين، وسمّى المجموع "الحكمة الخالدة ـــ جاويدان خِرَد" من باب تسمية الكلّ باسم واحدٍ من أجزائه(5). وسيقتصر حديثنا هنا على الجزء الخاصّ بكتاب "جاويدان خرد" ويشغل من صفحات الكتاب من 6-18. ويبيّن مسكويه قصّة صلته بهذا الكتاب على هذا النحو: "إني كنتُ قرأتُ في الحداثة كتاباً لأبي عثمان الجاحظ يعرف بـ"استطالة الفهم"، يذكر فيه كتاباً يُعرف بـ"جاويدان خرد" ويحكي كلمات يسيرة منه، ثم يعظّمه تعظيماً يخرج فيه عن العادة في تعظيم مثله. فحرصتُ على طلبه في البلدان التي جُلتُ فيها، حتى وجدته بفارس عند موبذان موبذ. فلما نظرتُ فيه وجدتُ لـه أشكالاً ونظائر كثيرة من حكم الفرس والهند والعرب والرّوم، وإن كان هذا الكتاب أقومَها وأسبقها بالزمان، فإنّه وصيّة أو شهنج لولده وللملوك من خلفه. وهذا المَلِكُ بُعيد الطوفان، وليس يوجد لمن كان قبله سيرة ولا أدب يستفاد. فرأيتُ أن أنسخ هذه الوصية على جهتها، ثم ألحق بها جميع ما ألتقطه من وصايا وآداب الأمم الأربع..."(6).

ولستُ إخال المقامَ الذي نحن فيه يتسع للحديث عن الأصل الفارسيّ الصحيح للكتاب، وصحّة نسبته إلى أوشهنج، وصحّة ترجمة الحسن بن سهل إيّاه إلى العربية. فإنّ هذا باب آخر من أبواب العلم ينهض به من يتصدّون لتحقيق النصوص. والذي أجدني في حاجة إلى الإشارة إليه هنا هو طبيعة المعاني التي انطوت عليها هذه الرسالة وطرائقُ التعبير عنها وقُرب الصورة التي أتت عليها مما أجاده وبرع فيه كلّ من الحسن بن سهل ومسكويه، حتى إنك لا تجد فرقاً كبيراً بين ما نُسب إلى أوشهنج في هذه الوصية وما نسبته المصادر إلى الحسن بن سهل ومسكويه. ويستدعي مثلُ هذا التشابه التساؤلَ عن مبلغ ما قدّمه الإيرانيّون للغة العربية. وإذا كان من العسير أن نحدّد على نحو دقيق إسهام الأدباء الإيرانيين في تطوير العربية وتوسيع آفاقها ورفدها بمعانٍ وطرائق تعبير جديدة في عصور التلاقي بين العرب والإيرانيين فإنه في الإمكان اتخاذ الحسن بن سهل، المترجم المفترض لهذا الكتاب إلى العربية، نموذجاً لمثل هذا الأمر.

3 ـــ الحسن بن سهل مترجم الكتاب إلى العربية:

هو أبو محمّد الحسن بن سهل بن عبد الله السّرَخْسيّ، تولّى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرّياستين الفضل، وحظي عنده، ... وكان المأمون قد ولاّه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين"(7).

ويبدو صحيحاً القولُ إنّ إسناد خلفاء بني العباس أمورَ الوزارة والكتابة إلى الأدباء من ذوي الأرومة الفارسية، كان يعتمد على الكفاية التي يتمتّع بها هؤلاء؛ وإنه في مقدور المرء القول أيضاً إنّ أساطين البيان العربيّ في الأعصر العباسية كانوا من ذوي اللسانين. ويطّرد هذا الاستنتاجُ العامّ في شأن الحسن بن سهل نفسه. إذ تتحدّث الأخبار عن احتفائه البالغ بالملَكة البيانية في اللغة العربية، وعن أنه كان يرى التقدّم في هذا المضمار تقدّماً في الصفة الإنسانية، إذ ينقل ابن خلّكان عنه قولـه لبنيه: "يا بَنيّ، تعلّموا النّطق؛ فإنّ فضْلَ الإنسانِ على سائر البهائم به، وكلّما كنتم بالنطق أحذقَ كنتم بالإنسانية أحقّ"(8).

وكان علماء العربية الكبار يُعجبون بما تمتّع به الحسن بن سهل من لسَن وفصاحة وعبقرية بيانية فائقة. فهذا ثعلب يقول: "قيلَ للحسَن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السَّرَف خير، فقال: بل ليس في الخير سَرَف. فردّ اللفظَ واستوفى المعنى"(9).

والحقيقة أنّ الحسن بن سهل كان ممّن ألمّوا جيّداً بعناصر الثقافة العربية الأصيلة ووعوا طرائقها التعبيرية وأساليب القول فيها. وقد يمثّل لمعانيه بما يشبهها مما استظهره من أشعار العرب. وفي مثل هذا يقول ابن خلّكان(10): "وكتب الحسَنُ بن سهل إلى الحسن ابن وهب وقد اصطبح في يوم غيم لم يمطر: أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في يومنا هذا؛ بقُرب المطر وبُعْده كأنّه قول كُثيّر:

وإنّي وتهيامي بعزّةَ بعدَما

 

تخلّيتُ ممّا بيننا وتخلّتِ

لكالمرتجي ظلَّ الغمامةِ كلّما

 

تبوّأ منها للمقيل اضمحلّتِ

وما أمنيتي إلا في لقائك، ورقعتي هذه الأبياتُ، وقد أدَرتُ زجاجاتٍ أخذتْ من عقلي ولم تتحيّفه، وبعثتْ نشاطاً حرّكني على الكتاب إليكَ، فرأيك في إمطاري سروراً بسارّ خبرك، إذ حُرِمتُ السّرورَ بالمطر في هذا اليوم، موفقاً إن شاء الله تعالى. فأجابه الحسن بن وهب: وصل كتاب الأمين أيّده الله ويدي عاملةٌ وفمي طاعِمٌ؛ فلذلك تأخّر الجواب قليلاً. وقد رأيتُ تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استحقّ ذمّاً؛ لأنّه إن أشمس حكى ضياءَك وحسنَك، وإن أمطرَ أشبَهَ سخاءَك وجودَك، وإن أغام فلم يُشمِس ولم يمطر فقد أشبه طيبَ ظلّك ولذّة فِنائك".

ويُستنتج من أمثال هذه الأخبار أنّ كُتّاب الدّولة العباسية الكبار من ذوي الأرومة الفارسية قدّموا نماذج طيّبة للكتابة الفنيّة التي يراد منها قبل كلّ شيء إبرازُ قدرات الكاتب في مجال إنتاج الكلام البليغ المؤثّر، الذي يجمع بين عمق الفكرة وطرافتها وصوابها ورواء الأسلوب الجميل الذي يحرّك النفوس ويهزّ الطباع.

وليس في مقدور أحد أن ينكر أنّ عربيّة العصر العبّاسيّ قد ظفرت من ملَكات المبدعين الإيرانيّين من كتّاب وشعراء ومفكّرين، بخصائص وقابليّات لم تعهدها من قبل. وإنه في مستطاع المرء القول بناء على ما تقدّم إنّ خصائص المبدعين في أية لغة من اللغات ينبغي أن تترك آثاراً واضحة في إمكانيات اللغة نفسها وقدراتها التوصيلية وخصائصها الجمالية؛ وإنّ عربية العصر العبّاسي لا يمكن أن تكون في حالٍ من الأحوال عربيةَ العرب في الجاهلية وصدر الإسلام. وربّما يصدر عن هذا الفهم ما تذكر الأخبارُ عن الأصمعيّ أنه قال: "كنتُ أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلَف الأحمر، وكانا يأتيان  بشّاراً فيسلّمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثتَ؟ فيخبرهما ويُنشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقتُ الزّوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوماً فقالا: ما هذه القصيدةُ التي أحدَثْتَها في سَلْم بن قتيبة؟ ـــ قال: هي التي بلغتكم. قالا: بلغنا أنّك أكثرتَ فيها من الغريب. قال: نعم، بلغني أنّ سَلْم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببتُ أن أورد عليه ما لا يعرف. قالا: فأنشدناها يا أبا مُعاذ. فأنشدهما:

بكّرا صاحِبَيَّ قبْلَ الهجيرِ

 

إنّ ذاك النجاحَ في التّبكِير

حتى فرغ منها. فقال لـه خلَف: لو قلتَ يا أبا معاذ مكان "إنّ ذاك النجاحَ في التّبكير":

*بكرا فالنّجاحُ في التّبكِير*

كان أحسنَ. فقال بشار: إنّما بنيتُها أعرابيّةً وحشيةً فقلتُ: إنّ ذاك النجاحَ في التّبكير، كما يقول الأعراب البدويّون، ولو قلتُ: "بكرا فالنّجاح"، كان هذا من كلام المولّدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلَفٌ فقبّل بين عينيه"(11).

ولعلّ صنيع أمثال الحسن بن سهل في العربيّة يتجلّى في هذا التجلّي للعربيّة الذي يمتاز بالدّقة والرّقة واستواء النّسج وإحكام البناء واختزال العبارة، على غرار ما نأنس في هذه الحكاية: "افتعل رجلٌ على الحسن [بن سهل] كتاباً إلى إبراهيم الرّازيّ ـــ وكان أميرَ الأهواز ـــ فقال لـه: واللهِ لئن كنتَ صادقاً فما في مُلْكي ما يفي بحقّ الوزير، وإن كنتَ مفتعِلاً فما في قدرتي ما يفي بعقوبتك. فحبَسَه وبعث يستعلم أمرَ الكِتاب. وبلغ ذلك الحسنَ فأمر أن يكتب إليه: أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما تُصدِّق به مخيلةَ رجلٍ توسّل بنا وإن كان مُبْطِلاً، فكيف وهو محقّ؟"(12).

وإنّ المستيقَنَ عندنا بعد هذا أنّ هذا الصّنف من الكُتّاب قد أشاع ضرباً من الاستخدام للعربية لا عَهْدَ لها به من قبْلُ، وأنّ تأثير طبائع المبدعين من غير العرب في عربيّة العصر العبّاسي مما يستلزم دراسات علمية رصينة على أيدي علماء أكفياء قادرين على الإنصات إلى نبض العربية وتسجيل تجليّات الارتقاء في استخداماتها المختلفة. ولا يعني هذا فيما نرى نيلاً من عبقرية العربية في العصور الأولى في الاستخدام القرآني والحديثي، إذ يبدو لنا الأمرُ شبيهاً بالتجلّيات المختلفة للشّمس في الأقاليم المختلفة؛ فالشمسُ واحدةٌ من جهة المصدر، لكنّ الإنسان يأنس تغيّرات واضحة فيها بين موضع وآخر.

ولا غنى هنا عن الإشارة إلى أنّ مرادنا من الحديث عن الحسن بن سهل هو بيان إسهام الإيرانيين في تشكيل البيان العربي في حقبة معيّنة. وهو إسهام نرى أنّه يتّخذ سبيلين: طبائع المستخدمين وشخصياتهم انطلاقاً من شيء قريب مما تشير إليه مقولةُ عالِم الطبيعة الفرنسي بوفون Buffon: "الأسلوبُ هو الإنسانُ"(13)؛ ثم المادّة المعرفيَة الجاهزة التي وجدت طريقها إلى العربية عبر كثير من المتون المترجمة والمرويّات التي حفظتها الذاكرةُ الإيرانية. وإذا كنّا قد أشرنا فيما تقدّم إلى ما يمكن أن يقدّم مثالاً مبسطاً للسّبيل الأولى فها نحن، إن شاء الله، في صدد التمثيل للسبيل الثانية؛ سبيل المادّة المعرفية الجاهزة، في مثال محدّد هو وصية أوشهنج المسمّاة بالفارسية "جاويدان خرد"، أي الحكمة الخالدة.

4 ـــ المضمون والأداء في الحكمة الخالدة:

بذل الدكتور عبد الرحمن بدوي محقّق كتاب الحكمة الخالدة في مقدّمة التحقيق جهداً كبيراً، لإثبات أنّ الشرق هو موطنُ الحكمة، وأنّ الأمثال والحِكَم والمواعظ ضَرْبٌ من التعبير خاصّ بالشرق أو يكاد يكون كذلك. يقول د: "الشرقُ موطنُ الأمثال والحِكَم القصيرة والكلمات العامرة بمعاني "الحكمة في الحياة" على حدّ تعبير شوبنهور. فهو يقدّس "الكلمة" بالمعنى الأتمّ لهذا اللفظ ذي التاريخ الحافل في الأديان الشرقية كلّها، وبخاصة في اليهودية ممثلّة في فيلون، والمسيحية كما رسمها مستهلّ "الإنجيل الرابع" المنسوب إلى يوحنّا، والإسلام كما بلغ أوج صورته الثيوصوفية في مذهب محيي الدّين بن العربيّ"(14).

وقد شغل الدكتور بدوي نفسه كثيراً بقضية ملاءمة الأمثال والحكم والمواعظ لنفوس الشرقيين. واجتهد ليسمّي لنا أسباباً كثيرة كانت وراء هذا الأمر. وإذا كان من حقّ الدكتور بدوي أن يجتهد ويلتمس العِلل والأسباب، فإنّ من حقّ الآخرين أيضاً أن يجتهدوا ويبيّنوا. والذي يبدو لنا أدنى إلى الصّواب القولُ إنّ ثمّة علاقة واضحة، فيما نرى، بين الأمثال والحكم والمواعظ وبين الأديان؛ فكأنّ تقديم الأديان يستلزم هذا القالبَ من الأداء. وإذا كان الشّرقُ موطنَ الأديان فإنّه من جانب آخر المكان الذي يعيش فيه جمهور كبير ممّن يقدّرون البيان الآتي من الأعلى، من الحكيم الخبير. ويدلّل على هذا الذي نذهب إليه ما جاء في القرآن الكريم في قولـه تعالى في وصف القرآن: ]الر كتابٌ أحكِمَتْ آياتُهُ ثم فصّلَتْ مِنْ لَدُنْ حكيم خبير[. (هود/ الآية: 1). ويستفاد من هذه الآية استنتاجان:

1 ـــ الإحكام والتفصيل مائزان لهذا الكلام الإلهيّ عن كلام البشر. وفي تفسير هذه الآية يقول الزمخشريّ:

"(أُحْكِمت آياته) نُظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقضٌ ولا خلَلٌ، كالبناء المحكم المرصَف. ويجوز أن يكون نقلاً بالهمزة، من "حَكُم" بضمّ الكاف، إذا صار حكيماً: أي جُعلت حكيمةً، كقولـه تعالى: ]آياتُ الكتاب الحكيم[...

(ثمّ فصّلت) كما تفصّل القلائد بالفرائد؛ من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ، والقصص. أو جُعلت فصولاً: سورةً سورةً، وآية آية.

2 ـــ إنّ مصدرَه الحكيمُ الخبير؛ يقول الزمخشريّ: إنّ معنى (مِن لَدُنْ حَكيمٍ خَبير) هو: من عِنْدِه إحكامُها وتفصيلها"(15).

وهكذا يمكن تبيّن أنّ الكلام المحْكَم المفصّل صِفةٌ لكلام الحكيم الخبير، وهاتان الصفتان من خصائص الكتاب العزيز. وفي مقدورنا القول أيضاً إنّ الكلام المحكم المفصّل الآتي من الحكيم الخبير لـه جمهورٌ خاصّ يشتاق إليه وينتظره ويعضّ عليه بالنواجذ؛ وأولئك هم أهلُ الإيمان الذين يستشعرون حاجة كبيرة إلى كلام الحكيم الخبير. ولذلك يقول نبيّ هذه الأمّة عليه الصلاة والسلام: [الحِكْمةُ ضالّة المؤمن أنّى وجدها فليجمعها إليه]. ويمكن المرء أن يضيف إلى صفات طلاب الحكمة أنها تشيع في جمهور لديه رغبة في اختزال أكبر قدر من التجربة في أقلّ حيّز من اللفظ؛ ولديه رغبة أيضاً في توريث الخبرة وإتاحة الفرصة للآخر لكي يفيد من مدلولها. وثمّة شيء آخر يتّصل بتلقي الحكمة وإحلالها المنزل العليّ، وهو توقّع صدورها من حكيم خبير؛ مما يضفي عليها ضرباً من القدسية والاحترام. ثمّ إنّ نسبتها إلى من تقدّم بهم العهدُ تصبغها بطابع الحِياد والنّأي عن أجواء الأمر والنهي التي تعافها كثير من النفوس. ولولا خشية الإطالة لمضينا نزيد الأمر تجليةً وتفصيلاً!.

نعم، هذه هي الحال كما تبدّت لنا؛ أي إنّ اهتمام الشرقيّين بالأمثال والحِكَم والمواعظ مصدره تعلّق الشرقيّ بالعبارة القصيرة الدّالة التي يبثّها العارف الخبير لتتلقّاها نفسُ من هو أقلّ معرفة وخبرة. ويمكن التعبير عن هذا التعلّق بـ"محبّة الدّائم" التي يعبّر عنها قولُ إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "لا أحبّ الآفلين". ولا نرانا مخطئين حين نفسّر تعلّق الإيرانيّين والعرب بهذا الجنس الأدبيّ الممثّل لأعلى درجات فِعْل الأدب في الحياة مِثْلَ هذا التفسير.

أمّا الحكمةُ الخالدة [جاويدان خرد ـــ بالفارسية] فما بقي لنا منها مقاطعُ قليلة لا تتجاوز عدّةُ صفحاتِها الاثنتي عشرة، وقد تضمّنها الكتاب الذي نشره د. عبد الرّحمن بدوي تحت هذا العنوان. والمتأمّل لهذه الوصيّة يخلص إلى الاستنتاجات الآتية من جهة المضمون والأداء.

1 ـــ إنّ الحِكَم التي تنطوي عليها الوصية تدور في جملتها في فلك التوجيه السلوكيّ الذي يضمن الأخذُ بمبادئه طيّبَ المعاش والمعاد. وتشير طبيعةُ المضمونات التي انطوت عليها هذه الحِكم إلى أنّ ثمّة ما يمكن تسميتُه أسْلَمة الفِكَر Islamization of thoughts التي انداحت في يمّ الثقافة العربيّة. ويخيّل إلينا أن الاتجاه العامّ الذي حكم الثقافة العربية الإسلامية تعاملَ مع الوافد من الفِكَر بقدر كبير من الصّهر والتهذيب. فإنّ قول صاحب الحكمة الخالدة: "إنّ أفضل ما أُعطي العبدُ في الدنيا الحكمةُ، وأفضلَ ما أُعطي في الآخرة المغفرة.."(16) غيرُ بعيد البتّة عن قولـه تعالى في الكتاب العزيز:
] يؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيراً كثيراً [ "البقرة /269" وكذا فإن قولـه: ]الغنى الأكبر في ثلاثة أشياء: نفسٌ عالمة تستعين بها على دينكَ، وبدنٌ صابرٌ تستعين به في طاعة ربّك وتتزوّد به لمعادك وليوم فَقْرِك، وقناعةٌ بما رزق الله: باليأس عمّا عند الناس[(17) غيرُ بعيد عن كثير مما يُفهم من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبيِّ r.

ولعلّ في هذا الذي قلنا ما يبرهن على أنّ الإسلام العظيم قد نوّر بصائرَ هؤلاء الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، وصبغَ خواطِرَهم، وأمدّ سرائرهم بكلّ ما من شأنه أن يجعل كلامهم في الحقيقة الإيمانية التي أشاعها الإسلام.

2 ـــ إحكام الصياغة وشدّة الأسْر وانضغاط الدلالة. وهنا يتساءل المرء: كم هو حظّ كلّ من الإيرانيين والعرب في هذه الوصيّة؟ والذي يتراءى لنا هنا هو أنّ نفراً من كتّاب الدّولة العباسية من ذوي الأرومة الإيرانية، قد حققوا تفوّقاً كبيراً في إنتاج الكلام البليغ بالعربيّة. وفي مقدور المرء أن يقول إنّ الذهنيّة الفارسيّة التي تزدهي بدقيق المعاني وطريفها وجذّابها، وجدت في العربيّة أداةَ تعبير مثلى تظهِر بها هذه الكنوز، وتعرض هذه الرّوائع، وتضمن لها البقاء والخلود. فهل لنا أن نقول إنّ الأرواح الإيرانيّة قد تجلّت في أجساد عربيّة، على رأي مَنْ قال من البُلغاء العرب: إنّ المعاني أرواح والألفاظ أجساد؟.

3 ـــ أنّ الحسَنَ بن سهل، المترجِم المفترض لوصية أوشهنج هذه، ومسكويه الذي  جعل هذا الكتاب نواةً لجُمْلة كتاب الحكمة الخالدة الذي ضمّنه حِكَماً لأمم الزّمان القديم الأربع: الفرس والهند والعرب والرّوم ـــ كانا من البلغاء الكبار. ومن يتأمّل طبيعة كلامهما يأنس أنهما كانا مولعَيْن بضَرْبٍ من الكلام شبيه بما انطوت عليه حِكم أوشهنج. بل إنه عُرف عن الرّجلين كليهما أنهما كانا من صنف الأشخاص الذي يتبنّى في سلوكه وحياته مذهبَ مَنْ يقرن القولَ بالفعل، ويصدر في تصرّفاته عن مبادئ نظرية وحِكَم وآداب يأخذ بها نفسَه، وتحكم كلّ ما يأتي ويدع. ومن ذلك أنّ ابن خلّكان ينقل قول بعضهم: "حضرتُ مجلسَ الحسن بن سهل وقد كتب لرجلٍ كتابَ شفاعة. فجعل الرّجلُ يشكره. فقال الحسنُ: يا هذا، علامَ تشكرنا؟ ـــ إنّا نرى الشفاعات زكاةَ مروءاتنا، ثم أنشأ يقول:

فُرِضتْ عليّ زكاةُ ما ملكتْ يدي

 

وزكاةُ جاهي أن أُعين وأشفعا

فإذا ملكتَ فجُدْ فإنْ لم تستطعْ

 

فاجهدْ بوسعك كلّه أن تنفعا(18)

ويُحكى عنه أيضاً أنّه "نظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال: ما أنصفتَها: تضحكُ في وجهكَ وتعبِسُ في وجهها!"(19).

أمّا مسكويه فقد أُثِر عنه أنّه ألّف عدداً من الكتب التي ترمي إلى التهذيب الخلقي والتربوي. وربما كان أكثر تعلّقاً بهذا الصّنف من الكلام الذي انطوت عليه وصيّةُ أوشهنج. ونظفر لـه في الحكمة الخالدة بمثل قولـه: "تمييزُ الباقي من الفاني هو أشرفُ النظر. اطّراحُ المؤن أشرفُ قِنية. نَظرُ النفس للنفس هو العنايةُ بالنفس. ردْعُ النفس للنفس هو العلاج للنفس. عِشْقُ النفس للنفس هو المرضُ للنفس. النفسُ العزيزة هي التي لا تؤثّر فيها النكباتُ. النفسُ الكريمة هي التي لا تَثقل عليها المؤونات"(20).

والذي نريد أن نخلص إليه من هذا أنّ الطبيعة الشخصية للأديب العربيّ المتحدّر من أرومة فارسيّة قد فعلت فعلها في اختيار موضوعات وفِكَر خاصّة وإشاعتِها في العربية، ثم في إخراج هذه الموضوعات والفِكَر في قوالب عربيّة ذات طبيعة خاصّة. وقريبٌ من هذا الذي نقول ما ذكره ابن رشيق عن الحسن بن عليّ بن وكيع من قولـه وقد ذكر أشعار المولَّدين: "إنما تُروى لعذوبة ألفاظها، ورقّتها، وحلاوة معانيها وقرب مأخذها... وإنما تُكتب أشعارهم لقُرْبها من الأفهام، وأنّ الخواصّ في معرفتها كالعوامّ، فقد صار صاحبُها بمنزلة صاحب الصّوت المطرب: يستميل أمّةً من الناس إلى استماعه وإنْ جهل الألحانَ وكسَرَ الأوزان"(21).

4 ـــ أنّ الحِكَم الفارسية على الجملة، قد وجدت سبيلها إلى العربية في الأعصر العباسيّة خاصّة، واتّسع يمُّ العربيّة لكثير من لآلئها. ويلحظ المتأمّل تعاضداً واضح المعالم بين المضمونات الفارسيّة التي أشاعتها هذه الحِكمَ، وأساليب البيان في العربية. وكان من نتائج ذلك كلّه تعرّفُ الشعبين أحدِهما الآخرَ، وإعجابُ كلّ منهما بإسهام الآخر، وإفادةُ العربية روحاً جديداً لا تزال آثاره ماثلةً إلى زمان الناس هذا. وستظل اللآلئ الفارسية بين أنفس الكنوز التي يزخر بها يمّ العربية.

الإحالات المرجعيّة:

1 ـــ القاموس المحيط ـــ مادّة قُسّ.

2 ـــ البيان والتبيين، جـ1، ص52 (نشرة هارون).

3 ـــ نفسه، جـ2، ص1 (نشرة دار الفكر للجميع).

4 ـــ تأثير الحِكم الفارسية في الأدب العربيّ، ص362. وفيه نقل عن تاريخ بغداد لطيفور، جـ6، ص157-158.

5 ـــ انظر: الحكمة الخالدة ص5-6.

6 ـــ نفسه، ص5.

7 ـــ وفيات الأعيان، جـ12، ص120.

8 ـــ نفسه، جـ2، ص121.

9 ـــ نفسه، جـ2، ص121.

10 ـــ نفسه، جـ2، ص122.

11 ـــ دلائل الإعجاز، ص372-373.

12 ـــ وفيات الأعيان، جـ2، ص122.

13 ـــ معجم مصطلحات الأدب، ص544.

14 ـــ الحكمة الخالدة ـــ المقدّمة، ص7.

15 ـــ الكشّاف، جـ2، ص377.

16 ـــ الحكمة الخالدة، ص6.

17 ـــ نفسه، ص7.

18 ـــ وفيات الأعيان، جـ2، ص120.

19 ـــ نفسه، جـ2، 123.

20 ـــ الحكمة الخالدة، ص24.

21 ـــ العمدة، جـ2، ص92.

ـــ المصادر والمراجع المستخدمة:

1 ـــ الجاحظ، عمرو بن بحر: البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1367هـ/ 1948م. وطبعة دار الفكر للجميع، بيروت، 1968م.

2 ـــ الجرجانيّ عبد القاهر بن عبد الرّحمان: دلائل الإعجاز، قرأه وعلّق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر، الطبعة الثالثة، مطبعة المدني في القاهرة، ودار المدني بجدّة، 1413هـ/1992م.

3 ـــ ابن خلّكان، أحمد بن محمد: وفيات الأعيان، تحقيق د. إحسان عبّاس، جـ2، دار الثقافة، بيروت، 1969م.

4 ـــ ابن رشيق القيرواني، أبو عليّ الحسن بن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، الطبعة الخامسة، دار الجيل، بيروت، 1401هـ/1981م.

5 ـــ الزمخشريّ، محمود بن عمر، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، رتّبه وضبطه وصحّحه مصطفى حسين أحمد، جـ2، دار الكتاب العربي، بيروت.

6 ـــ العاكوب، عيسى: تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربيّ في العصر العبّاسي الأوّل، الطبعة الأولى، دار طلاس، دمشق، 1989م.

7 ـــ الفيروزآبادي، مجد الدّين محمّد بن يعقوب، القاموس المحيط، الطبعة الثانية، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1407هـ/ 1987م.

8 ـــ مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان، بيروت، 1974م.

9 ـــ مسكويه، أبو علي أحمد بن محمدّ: الحكمة الخالدة (جاويدان خرد)، تحقيق عبد الرّحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952م.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244