مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 127 صيف 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

التصوف والعرفان من منظار جلال الدين الرومي المولوي ـــ حسين رزمجو*

جلال الدين محمد المولوي البلخي (604 ـــ 672هـ)هو الشاعر العارف والناطق المشهور الذي اعتبره ذوو الخبرة والسالكون ونقاد الكلام وأصحاب الضمائر المضيئة رئيساً للقوم المتيمين بحب الخالق في العالم، كما اعتبروه من العرفاء والكملين الواصلين.

جاذبية كلامه وجودة حديثه وعميق آرائه وظرافة شعوره جعلت شعراء كِلْمانيّين كصائب التبريزي (1016ـــ  1081هـ) الذي يُعد بدوره شاعراً نافذ المعاني وناقد كلام في الأسلوب الهندي للشعر الفارسي ـــ يصفه منشداً:

ازكَفته مولانا مدهوش صائب

 

 

أين ساغر روحاني، صهباى دكَردارد

سالها أهل سخن بايدكه خون دل خورند

 

 

تاجو صائب آشنا باطرز  مولانا شوند(1)

ـــ ومعناه:

دهشت لقول مولانا، وأنا "صائب"

ففي جامه الروحاني صهباء فريدة لا شبيه لها

يحتاج أرباب البيان إلى سنين طوال يعتصرون خلالها دم الفؤاد

كي يدركوا نهج مولانا، كما صائب!

كما قام مصلحون أفذاذ ذوو نظر كالعلامة محمد إقبال اللاهوري
(1357 ـــ 1389هـ) بتكريمه وقرضوا أشعاراً في علو قدره وزعامته الروحانية:

بير رومي مرشد روشن ضمير

 

 

كاروان عشق مستي رامير

منزلش برتر زماه وآفتاب

 

 

خيمه راازكهكشان سازد طناب

نور قرآن در ميان سينه اش

 

 

جام جم شرمنده ازآيينه اش

..موجم ودر بحرا ومنزل كنم

 

 

تادر تابنده أي حاصل كنم

من كه مستي هازصهبايش كنم
 

 

 

زندكَاني ازنفسها يش كنم(2)
 

إن القطب الرومي المرشد وصاحب الضمير الصافي

هو أمير قافلة العشق السكران

علا مقامه القمر والشمس

يجعل من نهر المجرة حبلاً لخيمته

لقد استقر نور القرآن في صميم صدره

فغداجام جمشيد خجلا أمام مرآته

إني لموج يقيم منزله في لجّه بحره

أنا ذاك الذي أوالى السكرة بعد السكرة من صهبائه!

شعله دركَير زد برخس وخاشاك من

 

 

مرشد رومي كه كَفت منزل ما كبرياست(3)

إن الذي أضرم بنار شعلته هشيم (قلبي)

هو المرشد الرومي القائل منزلنا كبرياؤنا

إن كلام العلامة اللاهوري هذا في تكريم المولوي يذكرنا بقصة تنسب إليه هي أنه عندما كان المولوي ابن خمس أو ست سنوات هاجر من بلخ إلى قونية بصحبة أبيه سلطان العلماء بهاء الدين المعروف ببهاء ولد (543 ـــ 628هـ) نحو 609 أو 610 وعندما وصلا إلى نيسابور ودخلا في خدمة الشيخ فريد الدين العطار (المتوفى سنة 618هـ) أهدي العطار إليه كتابه أسرار نامه وأوصى أباه بقولـه: "بجل هذا الطفل، فسوف يلقي ضرمة في القلوب المحروقة في العالم بنفسه المحموم(4)"

يعتبر المولوي ثريا متألقة في سماء الأدب العرفاني في اللغة الفارسية استضاء شعره ببؤرة المعارف القرآنية والأحاديث النيرة النبوية، كما نبع من سجية وضاءة ونشأ في قلب طيب وضمير مضيء، فهو أنار طريق الحقيقة للذين يستقصون الهداية ويتوخون الكمال طيلة القرون، فحق لـه أن يصف نفسه قائلاً "إنه صيقل الأرواح"(5).

يشير المغفور لـه بديع الزمان فروزانفر إلى كتابه العظيم المثنوي المعنوي، مشيداً به بقولـه: "يشتمل هذا الكتاب على حقائق حية ومضامين مليئة بالمعنويات التي تسير في طليعة القافلة لا في مؤخرها، ولم يستطع العالم بكشوفه الكثيرة أن يتجاوز آراءه. كما لم تقدر الحضارة الحديثة بهذا القدر الهائل من الرقي على أن تتجاوزها... فستبقى هذه الحقائق بلا ارتياب حية منتصبة يفتخر بها الإيرانيون ويعتزون. وستستمر جودة كلام هذا الماجد وجمال حديثه يتراءيان في غزلياته العرفانية التي تزين باسم مرشده ومراده محمد بن علي بن ملك الملقب بشمس الدين ملك داد (المتوفي سنة 582 ولد بعد سنة 545هـ) المعروف بشمس التبريزي، وتشتمل على حماسته وجذباته المنبثقة من العشق الإلهي.

بعد مضي القرون، لا تزال الأعمال الأخرى لمولانا مثل "فيه ما فيه والمجالس السبعة"، و "مكاتبية" تهز نفوس العارفين الذائقين الألم كزمارة منشطة ترسم طريق الحقيقة للسالكين.

وبما أن رؤيته لـــ "التصوف والعرفان". وهو موضوع مقالنا هذا ـــ رؤية عميقة ودقيقة وتعليمية، فعلينا أن نأتي بملخص حول التصوف وضروبه، وبعدئذ نقوم بدراسة "العرفان" والتعريف بـــ "العارف" للكشف عن أن العارفين الكملين أي مرحلة قطعوا من مراحل المعرفة وتهذيب النفس والسلوك إلى الله حتى وصلوا إلى المرحلة السامية في التعرف إلى الحقائق وعظمة صفات الله الجلالية والجمالية وانتهوا إلى المقصد أو ما يسمى الحق.

التصوف والصوفي

التصوف، لغة، ارتداء الصوف وسلوك طريق الله والتأدب بالأماني النفسانية واعتبار أشياء العالم مظاهر الحق"(7). أو هو من يوصف بهذه الصفات وتشاهد أمارات من هذه المواصفات في عمله بعبارة أخرى "التصوف" يعني ارتداء الصوف الذي يدل على الزهد عن الدنيا وتركها. وفي الاصطلاح: "تطهير القلب من حب الدنيا وتجميل الظاهر ـــ من ناحية العمل والاعتقاد. وجاء في حديث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): "التصوف من الصوف وكلمة "الصوف" من "الصاد" و"الواو" و"الفاء" فالصاد رمز الصحبة والصوم والصفا و"الواو" رمز الود والورد والوفاء و "الفاء" رمز الفقه والفكر والفن.

يقول ابن عربي (560 ـــ 638هـ.ق) الصوفي الشهير صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم: "التصوف" يعني الوقوف على آداب الشريعة كما يدل على الأخلاق الإلهية في الظاهر والباطن"(8).

إلى ما ذكر عن التصوف والصوفي قامت فئة من الباحثين الإيرانيين بدراسات حول مدرسة التصوف وأتباعها في عصرنا الحاضر "(9). وأتوا بآراء شتى وتعاريف متضاربة، اعتماداً على رؤيتهم الكونية. فواحد من هؤلاء هو مصحح نفحات الأنس للجامي. يقول في المقدمة: "الأديب والمتكلم الشافعي أبو منصور عبد القادر البغدادي (429هـ) يذكر زهاء ألف تعريف للتصوف والصوفية وآرائهم بالنظر إلى تآليف الكبار لهذه المدرسة. وقد وفق رينولد الين نيكلسون إلى جمع نحو سبعة وثمانين تعريفاً مختلفاً حول التصوف اعتماداً على النصوص العلمية والأدبية والإسلامية إلى القرن الخامس للهجرة(10) وهاهي تعاريف عدة منها:

ـــ التصوف: بلوغ الحقائق، وبيان الدقائق، والقنوط عما في أيدي الناس.

ـــ التصوف: الأكل قليلاً والاطمئنان بذكر الله والهرب من الناس.

ـــ التصوّف: عزة في ذل وثروة في فقر وسيادة في انقياد وشبع في طوى واكتساء في عرية وحرية في عبودية وحياة في ممات وحلاوة في مرارة(11).

التصوف المتسم بالزهد والعبادة والتصوف المتسم بالعشق

ثمة نقاش حول نقطة انطلاق التصوف الإسلامي بمعناه العام... هل تعاليمه برمتها نشأت من الإسلام كما يقال: إن جذوره تنحدر من فرضيات وأعمال زهدية لأصحاب الصفّة كما يقول علي بن عثمان الهجويري في كشف المحجوب.

كما أن مبادئ الاعتقاد في المسيحية، كالرهبانية والمحبة والسلام الكامل، أثرت في ظهور التصوف. كما يقال أنه تأثر بالآراء العرفانية في البوذية والهندوسية وبفلسفة الأفلاطونية المحدثة التي تتسم بالعرفان الحاد أو معتقدات الأديان الإيرانية القديمة. خاصة المانوية. فأياً كان منشؤه الأصلي. فهو مختلف عن التصوف الذي ظهر في العصر الإسلامي ونضج متدرجاً من بداية الإسلام وتبدل من زهد فردي وتعبد شخصي إلى مدرسة واسعة مع شعب متعددة مصحوبة بآداب وتقاليد متغايرة. فنشأ في مجرى هذا التطور تصوف يتسم بالزهد والعبادة كما تكون تصوف يصطبغ بالعشق.

التصوف المتسم بالزهد والعبادة

كما أشرنا سابقاً، يعتمد التصوف المتسم بالزهد على التزهد والعبادات المستمرة والإقبال على التوبة والتخلي عن العلائق المادية والاعتزال والرياضات الشاقة. وهذه مدرسة أُوْيس القُرَني (المتوفي سنة 37هـ) والحسن البصري (21 ـــ 110هـ) وسواهما.

يقول فريد الدين في تذكرة الأولياء فيما نقل عن الربيع ابن خُثيم الأسدي الكوفي (القرن الأول الهجري) المعروف بخواجه ربيع ـــ الذي يعتبر في زمرة الزهاد الثمانية ـــ ذاكراً العبادات المستمرة والحياة الزهدية لأويس القرني: "ذهبت لأزور أويس فوجدته قائماً لصلاة الصبح، فلما انتهى من الصلاة قلت في نفسي: أصبر حتى يفرغ من التسبيح، فمكثت، ولكنه لم يقم من مكانه حتى صلى صلاة العصر، وهكذا إلى ثلاثة أيام غير نائم ولا آكل. ففي الليلة الرابعة غلب عليه النوم وسمعته يناجي ربه وهو في هذه الحالة فقال: يا رباه أعوذ بك من عين نوامة وبطن نهم فقلت في نفسي: هذا ما يكفيني فرجعت دون أن أشوش حاله.

نقل عن أويس أنه لم ينم ليلة في عمره قط،  فكان يقول: هذه ليلة القيام، وفي ليلة أخرى يقول: هذه ليلة الركوع، وفي ليلة أخرى يقول: هذه ليلة السجود، فمضى ليلة بالقيام وليلة بالركوع وليلة بالسجود(12).

يقول الشيخ العطار في الحسن ابصري أنه بعد توبته حلف ألا يضحك في الدنيا ويُلقي بنفسه في المجاهدة والعبادة بحيث لا يمكن لأحد في زمانه أن يفوقه، وتحمل الرياضة إلى أن قيل إن طهارته لم تبطل إلا في المطهرة، واختار العزلة بانقطاع، في البرية. وكان يقول: "الداهية والعالم عندي من يخرب الدنيا بتعمير الآخرة..."، ونقل أنه ذات يوم رأى رجلاً جلس على باب معبده وكان الحسن يصلي على سطح المعبد فبكى في سجدته وفاضت عيناه بالدموع حتى تقطرت من الميزاب وسكبت على ثوب الجالس. فطرق الجالس الباب سائلاً: هل هذا الماء المنسكب علي طاهر أم لا حتى أغسل الثوب؟ فأجابه الحسن: اغسله بما أنها دمعة عين العصاة التي لا تصح معها الصلاة"(14).

بدأ التصوف المتسم بالعبادة من المتصوفين ذوي الضمائر الصافية وجماعة المتقين كأويس القرني والحسن البصري ومالك بن دينار (المتوفي سنة 131 هـ.ق) كما واصله آخرون كإبراهيم الأدهم (المتوفي سنة 160 أو 166هـ.ق) وسفيان الثوري (المتوفي سنة 160هـ.ق) وبشر الحافي (150 ـــ 227هـ.ق) ومعروف الكرخي (المتوفي سنة 200هـ.ق) والحارث المحاسني (المتوفي سنة 243هـ.ق). وانتهى إلى صوفيين آخرين كبايزيد البسطامي (المتوفي سنة 261هـ.ق) ورابعة بنت كعب القزداري (القرن الرابع) ومنصور الحلاج (المتوفي سنة 309هـ.ق). وكانوا يتمتعون بالوجد والذوق وشرح الصدر وأفق أوسع من الصوفيين المتقدمين، وهؤلاء هم الذين يعتبرون جسراً رابطاً بين التصوف المتسم بالعشق.

إن ظهور شخصيات كأبي سعيد بن أبي الخير (357 ـــ 440هـ) والإمام أبي القاسم القشيري (376 ـــ 465هـ) وسواهما، أخرجوا التصوف من إطار الفردية وانتقلوا به إلى مراكز التجمع المسماة خانقاه. وهكذا برز تصوف جديد رسمي يسمى التصوف الخانقاهي يدبره مرشد وشيخ ودليل ويعلم الذكر والورد والسماع وآداب الأربعين للمتصوفة الذين ينزوون في الخانقاه متعبدين.

هذا هو الفرع نفسه الذي مسخه حفنة من أهل الإفراط والتفريط من المتصوفة، أو كما يسميهم الهجويري "المستصوفين" (15) الذين لا يحتفظون بالأحكام الدينية كما ليس لديهم وجد وشوق وعشق للمعنوية ولقطع مراحل الكمال ولا يلتفتون إلى الشريعة والطريقة والحقيقة، فتشكل التصوف السلبي متدرجاً واتسع فيما بعد.

التصوف المتسم بالعشق

التصوف المتسم بالعشق، كما يدل عليه اسمه، يرتكز على العشق الروحاني الحقيقي. لا العشق المبتنى على هاجسة وعار والمحبة للعالم برمته خاصة لله تعالى.

إن هذه المدرسة في رأي الصوفيين الزاهدين التابعين لها تدل على عشق حقيقي ومحبة لا تشوبها هاجسة ولا عار، وهو قوة منعشة ومؤملة،وهو يضمن دوام الحياة السامية للآدميين ويحتفظ بالقيم المعنوية والروحانية، وكل ما نرى من حركة واشتياق وحماسة في كائنات العالم يتحقق في ضوء هذا العشق الذي أوجده الله الرحيم بينهم ودعاهم إلى عبادته وتسبيحه بقولـه تعالى (16): ]إنْ منْ شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم[(17).

وبما أنهم يرون إله العالمين خالق العشق ومبدع كل جمال، ويعتبر المعشوق نفسه أزلياً وتحسب الكائنات كلها مخلوقاته، ومن بينها الإنسان الكامل الذي استخلفه الله لحمل الأمانة على الأرض، فهذا الإنسان يعبده بالعشق كما يعشق كل كائناته وينظر إلى العالم نظرة عارفة كالشيخ الشيرازي ــ مصطلح الدين السعدي. في هذا البيت:

به جهان خرم ازآنم كه جهان خرم اوست

 

 

عاشقم برهمه عالم كه همه عالم ازاوست(18)

رؤية جلال الدين للعشق العالي المحدق الذي ينتهي إلى الله، يشبه بيتاً ذكرناه، والذي نرى أمثاله في شعره مخاطباً رب العالمين.

منم آن بنده مخلص كه ازآن روزكه زادم

 

 

دل وجان راز تو ديدم دل وجان رابه تو دادم
 

روش زاهد وعابد، همكَى ترك مراداست

 

 

بنما ترك جه كَويم جه تويى جمله مرادم(19)

 

أنا ذلك العبد المخلص الذي، منذ اليوم الأول لولادته

نفذ إليه قلبك وروحك فقدم إليك قلبه وروحه

إن دأب الزاهد والعابد أن يتخليا عن مراد النفس

فتجل لي لأنك مرادي الوحيد

العرفان والتصوف المتسم بالعشق يدل على عشق ينبعث من جمال الذات الأقدس. كما هذا الحديث المعروف "إن الله جميل يحب الجمال" دال على عشق بزغ نور حسنه ـــ كما يقول لسان الغيب (حافظ) ـــ من الأزل أضرم العالم بظهوره:

درازال برتو حسنت زتجلّى دم زد

 

 

عشق بيدا شده وآتش به همه عالم زد

جلوه أي كرد رخت، ديد ملك عشق نداشت

 

 

عين آتش شدا زاين غيرت وبرم آدم زد

"عقل" مي خواست كزان شعله جراغ افروزد

 

 

برق غيرت بدرخشيد وجهان برهم زد

مدعي خواست كه آيد به "تماشاكَه راز"

 

 

دست غيب آمد وبر سينه نا محرم زد(20)

وهذا هو العشق الذي امتاز به الإنسان وأصبح في ظله أفضل الكائنات، كما صار أغنى رصيد لطلاب الحق أن يقطعوا طريق الكمال في ضوئه وينقذوا به أنفسهم من عفريت النفس ويتطهروا من الرذائل الخلقية أو على تعبير المولوي: "من الطمع والعيوب والعلات والكبرياء":

هركه راجامه زعشقى جاك شد

 

 

اوزحرص وعيب كلى باك شد

شاد باش اى عشق خوش سوداى ما

 

 

اى طبيب جمله علتهاى ما

اي دواى نخوت وناموس ما

 

 

اتى تو أفلاطون وجالينوس ما

جسم خاك ازعشق بر أفلاك شد

 

 

كوه در رقص آمد وجالاك شد

عشق جان طور آمد، عاشقا

 

 

طورمست و"خرّ موسى صعقا"

 

كل من شقّ ثوبه بسبب العشق...

تطهر من البخل والعيب

إفرح أيها العشق  المتبادل بيننا

فأنت طبيب جميع عللنا

أنت دواء نخوتنا ووجداننا

وأنت أفلاطون وجالينوسنا

إن الجرم الترابي تجاوز الأفلاك بالعشق

بفضل العشق رقصت الجبال وحال ثقلها خفة،

إن العشق كان للطور روحا

فسكر الطور و "خرّ موسى صعقا"

وفي هذا المضمار يوصي المولوي الذين يسلكون طريق الكمال بأن يعشقوا وأن يحبوا الكائنات الجميلة منشداً:

عشق آن زنده كَزين كاو باقى است

 

 

وز شراب جانفزايت ساقى است

عشق آن بكَزين كه جمله انبيا

 

 

يا فتند از عشق أو كاروكيا(22)

في التصوف المتسم بالعشق ومدرسة العرفان نجد الصفات الأخرى المنبثقة من العشق الحقيقي والمحبة إلى الله كالزهد والورع والصبر والاستقامة والتوكل والرضا والتسليم للمشيئة الإلهية والفقر والفناء في الله: كلها متوافرة في من يسلك طريق الحق. وهكذا تنكشف الحقائق وشهود مراتب الكمال برسوخ هذه الصفات في نفس العارف وروعه.

التصوف الإيجابي والتصوف السلبي:

ـــ التصوف الإيجابي: هذا الضرب من التصوف من وجهات النظر والمبادئ الاعتقادية والفكرية يضاهي التصوف المتسم بالعشق في أكثر المواصفات، بحيث يمكن أن يعتبر فرعاً للعرفان، والذي سنبحث حوله في ما يأتي.

ـــ التصوف السلبي: هذا النمط من التصوف ليس إلا ما نجم عن الإفراط أو التفريط في التصوف المتسم بالزهد، والذي يبرز في التصوف الخانقاهي، فنرى مرتكزات مهمة ككبت النفس والتنحي عن التعلقات الدنيوية، والتي طرحها التابعون الأولون وأصحاب الضمائر الصافية في التصوف المتسم بالعبادة والزهد لأجل تهذيب الأخلاق وصقل الروح والروع فنراها قد تبدلت إلى نوع من "العدمية" أو طرد الحياة الهادفة في هذا العالم والانصراف عن العمل والجهد والتخلي عن كسب العلم والإقبال على الرهبانية العقيمة المغايرة للروح الواقعي للإسلام الذي يرفع شعارات كقولـه تعالى:
 
]أن ليس للإنسان ما سعى[(23) و]كل نفس بما كسبت رهينة[(24)، كما تبدلت شيئاً فشيئاً إلى ملجأ أو مزمن للصوفية الكاذبين السطحيين الجهلة المرائين البطالين المترفهين الذين قام جمع من العلماء والعرفاء والمشايخ السالكين الملتزمين بالدين بتثريبهم.

يذكر الهُجويري، صاحب كشف المحجوب، هؤلاء بقبح عندما يصنّف الصوفيين فيقول: "الصوفية تنقسم إلى ثلاث فئات على مراحلهم: الصوفي والمتصوف والمستصوف. فالصوفي من يكون فانياً من نفسه وباقياً من الحق والمتحرز من قبضة الطبائع والواصل إلى حقيقة الحقائق. والمتصوف من يجاهد طلباً للوصول إلى هذه المرحلة وينسق نفسه في هذا الطريق مع الصوفيين. والمستصوف من يظهر نفسه مثل الأولين للحصول على الوجاهة والمال والمتعة الدنيوية وليس فيه شيء من الفئتين السابقتين ولم يحرز خبراً قط، حتى قيل عنهم: المستصوف عند الصوفية كالذباب، وعند غيرهم كالذئاب"(25).

هؤلاء من الصوفيين المزيفين نشأوا وينشأون في خانقاه ويقومون بتأويلات وتفسيرات خاطئة لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إثر انحرافاتهم الخلقية وأعمالهم اللاشرعية وانشغالاتهم المتلوثة. فللمثال كانوا يفسرون "اليقين" في الآية 99 في سورة الحجر: ]واعبُدْ ربّك حتى يأتيك باليقين[ بنفس اليقين، مع أن معناه في هذه الآية المباركة "الموت" لأنه حينما حان أوان الموت ينكشف الغطاء عن عين الإنسان وقلبه ويتيقن في صحة الأحكام الإلهية وتتحقق التنبؤات القرآنية بالنسبة للآخرة. إن هذه المفردة قد استعملت في الآيتين 46 و47 في سورة المدثّر. إن الله يحكي عن هؤلاء الذين يكذّبون يوم القيامة قائلين فيه: ]كنا نكذّب بيوم الدين حتى أتانا اليقين[. فإذا يتضح لنا أن جماعة من الصوفية يتشبثون بهذه الآية حتى يتركوا العبادة. فهم يقولون: علينا العبادة حتى وصول اليقين، فترفع عنا العبادة بعد حصوله، فهو كلام لا طائل تحته الآن.

ـــ أولاً، بحسب الدلائل الموجودة التي أشرنا إليها، اليقين هنا بمعنى الموت الذي تقرر لأهل الجحيم كما للمؤمنين.

ـــ ثانياً، هذه الآية تخاطب النبي (r) الذي لا يشوب يقينه شيء، فهل لأحد أن يدعي بأن النبيr لم يكن على ذروة اليقين؟

ـــ ثالثاً، إن التواريخ المتواترة تدل على أن النبي (r) لم يترك العبادة حتى أنفاسه الأخيرة، وأن علياً (u) استشهد في محرابه، كما أدى سائر الأئمة (ع) مهامهم في العبادة إلى أن لبّوا دعوة ربهم(26).

علاوة على ذلك، فإن بعض مجانبي الصوفية السلبية تبعاً لاستنباطاتهم الخاطئة من بعض الأحاديث، كالحديث الذي ذكرناه: [إن الله جميل يحب الجمال](27) يقترفون الآثام كترك الصلاة والأعمال العبادية الأخرى إلى حد أنهم يقومون بالأعمال المنكرة اللاقيمية، كاللواط والشذوذ الجنسي، محتجين بـ"المجاز قنطرة الحقيقة" مقبلين على البطالة والسفلقة والتسكع؛ هذا السلوك القبيح جرّهم إلى انهيار وابتذال خلقي فذمّهم علماء الدين، وجاء تأنيبهم في كتب ألّفها الصوفية الورعون، ولامهم العارفون المؤمنون بالشريعة، كما نقلت روايات مثيرة للعبرة عن انحرافاتهم مقالات في تثريب أعمالهم وطعنها نظماً ونثراً(28). لذلك نجد في أشعار بعض العارفين الإيرانيين كلسان الغيب "حافظ الشيرازي" كهذه الأبيات التي تلوم الصوفية من الضالين المتصنعين الذين يشكلون الصوفية السلبية:

صوفى نهاد دام وسر حقه بازكرد

 

 

بنياد مكر با فلك حقه بازكرد

بازى جرخ بشكندش بيضه دركلاه

 

 

زياركه عرض شعبده با اهل رازكرد

...فرداكه بيشكَاه حقيقت شود بديد

 

 

شرمنده رهروى كه عمل بر مجازكرد(29)

أو كهذه الأبيات:

صوفى شهر بين كه جون لقمه شبهه مى خورد

 

 

 

باردمش درازباد اين حيوان خوش علف(30)

...صوفيان جمله حريفند ونظر بازولى

 

 

زين ميان حافظ دلسوخته بدنام افتاد(31)

...زخانقاه به ميخانه مى رود حافظ

 

 

مكَر زمستى زهد وريا به هوشم آمد(32)

كذلك المولوي في المثنوي المعنوي يُزكي الصوفية الإيجابية المتسمة بالعشق وينظر إلى التصوف السلبي نظرة ساخطة يصحبها لؤم الصوفيين كأبيات تأتي:

هست صوفي آن كه شد صفوت طلب

 

نَزْ لباسِ صوف وخياطى ودَب

صوفئى كَشته به بيش اين لئام

 

الخياطة واللواطة والسلام(33)

صوفيان طبل خوار لقمه جو

 

سكَدلانند وجو كَربه، روى شو(34)

 

إن الصوفي هو الذي يطلب الصفاء

وليس الذي يتمشح بثوب الصوف المخيط

أصبح التصوف لدى هؤلاء اللئام

الخياطة واللواط والسلام

قلوبهم كقلوب الكلاب ومراؤون كالقطط

يشجب المولوي في معظم أعماله ـــ خاصة في المثنوي ـــ الصوفية الضالة النهمة المدنسة بالمنكرات في إطار قصص تربوية عذبة مباشرة أو غير مباشرة، ويسخر بنظرة سلبية مليئة بالنقد من سلوكهم وآرائهم. فمن جملة هذه القصص، يأتي بقصة فكاهية تحت عنوان "ابتياع الصوفية بهيمة مسافر بسبب السمّاع". فهو يحقّر المستصوفين اللواطيين الولعين الكافرين بالأحكام الدينية والقيم الأخلاقية التي ذُكرت في أبيات اشتهر بعض منها بـ"خر برفت وخر برفت"(35).

ما العرفان ومن هو العارف الحقيقي؟

"العرفان" من الناحية الأيتمولوجية بمعنى معرفة الحق المتعالي(36). لكن هذه المعرفة لا تحصل إلا من طريق تصفية الباطن وتجلية السر وتحلية الروح، كما يعتقد به السالكون الذين يقطعون طريق الكمال.

هذه الطريقة الكشفية الشهودية لكسب المعرفة التي تختص بالأنبياء والأولياء لا يصل إليها إلا الذين يحسبون المجذوبين بالإطلاق، ولا يمكن لأحد أن يصل إليها إلا في ضوء الطاعة والعبادة؛ والعبادة والمعرفة التامة لا تتيسر إلا للإنسان الكامل(37)، لأن شاه نعمة الله ولي (730 ـــ 834هـ) أنشد قائلاً:

إنسان كامل است كه مجلاي ذات اوست

 

 

مجموعة أي كه جامع ذات وصفات اوست

او جشمه حيات وهمه زنده اندازاو

 

 

اوحى جاودان به بقاى حيات اوست

انسان كامل است كه أو كون جامع است

 

 

تيغ ولايت است كه برهان قاطع است(38)

 

إن الإنسان الكامل الذي هو تجل لذاته (تعالى)

هو الذي يجمع الذات والصفات معاً في شخصه

هو ماء الحياة الذي يحيا به الجميع

وبقاؤه باستمرار في بقاء الحي الخالد

هو سيف الولاية لأنه البرهان القاطع

الإنسان الكامل الذي يجمع الكون بذاته

إننا حينما نلاحظ هذه النكتة الدقيقة في الكلام القدسي لإله العالمين حول غاية خلق الإنسان ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[(39) أي "ليعرفون" نجد أن الغرض من خلقه هو الوصول إلى العرفان والتعرّف إلى الله تعالى، والذي لا يحصل إلا بالعبادة والمجاهدة المستمرة والمصارعة مع النفس الأمارة، كما قال الله عز وجل في هذا الحديث القدسي: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف"(40)، يشير المولوي إليه في ديوان شمس كما في المثنوي منشداً:

كه كنزاً كنت مخفياً فأحببت بأن أعرف

 

 

براى جان مشتاقان به رغم نفس طنّازه(41)

فأنا كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف

لدى الأرواح المشتاقة إلى معرفتي، رغم النفس الطنازة

فالغاية من العرفان الإسلامي هي التعرف إلى رب العالمين والوقوف على غرضه الهادف من خلق الإنسان، وأن يعرف ما هي مهام الإنسان أمام الله والناس وما عليه أن يؤديه في ضوء هداية الأنبياء والكتب السماوية في حياته الفكرية والعملية حتى يرقى المدارج السامية المستكملة وحينئذ لا يرى إلا الله، عارفاً أن الخطوة الأولى في هذا المسير هي التعرف إلى النفس كما جاء: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"(42).

من هو العارف الحقيقي؟

نظراً إلى ما قيل عن العرفان، فإن العارف الحقيقي شخصية طالب الحق أو الواعي أو العارف بالله، والذي وصل إلى هذه المنزلة بتهذيب النفس وتصفية الباطن مروراً بطريق الكشف والشهود، مستفيداً من الوسائل المجدية للوصول، وهي العبادة وإطاعة أوامر الله بعون العشق والتوفيقات الإلهية طبقاً لقابليته وقدرة فهمه ومجاوزة المراحل الصعبة المليئة بالمخاطر، وهذا هو طريق السلوك إلى الله الذي يقول عارف الطريق فريد الدين العطار النيشابوري (المتوفى سنة 618هـ.ق) إنه يشتمل على سبع مراتب، هي الطلب والعشق والمعرفة والاستغناء والتوحيد والفقر والفناء. وهكذا يصل الإنسان الكامل إلى المنزلة المعنوية السامية ويوصل كيانه كقطرة إلى البحر اللامحدود الحقاني، ويحصل لـه الفناء في الله ويصير مصداقاً لما أنشده مصلح الدين السعدي:

عالم وعابد "صوفي" همه طفلان رهند
   

 

 

"مرد" اكَرهست بجز "عارف رباني" نيست(43)

التصوف والعرفان من منظار المولوي

طرحنا المباحث السابقة حول ضروب التصوف والصوفيين، والعرفان والعرفاء الحقيقيين مقدمة ممهدة توصلنا إلى هذه المرحلة الرئيسة لمقالنا هذا.

جلال الدين المولوي كعارف مستكمل عميق النظر يدحض التصوف السلبي والصوفيين المزورين المتصنعين ويجانب التصوف الإيجابي المتسم بالعشق، والذي يحسب شعبة للعرفان الرائق الذي ليس إلا العرفان الإسلامي نفسه، ويجاهد في إعلانه وترويجه. تدل على هذا مبادئه الفكرية المستقلة في العرفان الإسلامي، علاوة على تمجيده للعرفاء والمشايخ الكبار في المثنوي وأعماله الأخرى. ونأتي بهذين البيتين تمثيلاً لما قلنا:

عارفان كه جام حق نوشيده اند

 

 

رازها دانسته وبوشيده اند

هر كه را اسرار حق آمو ختند

 

 

مهر كردند ودهانش دو ختند(44)

 

إن العارفين الذين جرعوا كأس
الحق

عرفوا أسرار (الحق) وحجبوها

أما الذي كشفوا لـه أسرار الحق

فقد ختموا فاه وخاطوه بإحكام

المولوي شخصية يتوخى معرفة أعلى من العلوم العادية المتعارف عليها في المجتمعات البشرية، لكنه يعترف بهؤلاء العلماء في هذين البيتين المنسوبين إليه:

عطار روح بود وسنايى دو جشم او

 

 

ما ازبى سنايى وعطار آمديم

و:من آن ملآى روميم كه از نظمم شكر ريزد

 

 

وليكن در سخن كَفتن غلام شيخ عطارم

 

كان العطار روحاً. وسنائي عينين لـه

أما نحن فقد وصلنا بعد سنائي والعطار

و:أنا شيخ الروم ذياك الذي يقطر السكر من شعره

إلا أني في مجال البيان مريد لشيخي العطار

كما يقتفي في العرفان مدرسة أسسها السنائي الغزنوي (فيما بين 525 و 545هـ.ق) والعطار النيشابوري (المتوفي سنة 618هـ.ق) من قبله فهدفه السامي من اجتياز وادي العرفان هو الحصول على معرفة، إن أدركها أحد، قدم عالم المعنى، كما يقول الشيخ العطار:

مغز بيندار درون ني بوست او

 

 

جو نبيند ذرّه جز دوست او

هرجه بيند روي او بيند تمام

 

 

ذره ذره كوي او بيند مدام

صد هزار أسرار زير نقاب

 

 

روي مي بنموده اش جون آفتاب(45)

من المواصفات الأخرى في الرؤية الكونية لعرفان المولوي التي تدل على إعراضه عن التصوف المتسم بالزهد المتطرف أنه يخالف منتهجي هذه الشعبة من المتصوفين الذين يختارون الوحدة والتخلي عن الناس بغية الحصول على سكينة توفر لهم فرصة العبادات الاستثنائية المرهقة. والتي أشرنا إليها من قبل في حياة أويس القرني وحسن البصري. فترى المولوي يتجه اتجاهاً اجتماعياً ويرغب في موافقة الناس واصطحاب الصالحين ومجاراة الأصدقاء الروحانيين، كما يخالف الرهبانية ويعتبر العشرة مع الناس من أعظم الأمور ومهام الإنسان المتكامل. فهو يشير إلى أهمية هذا الأمر في كتابه المسمى "فيه ما فيه" قائلاً: "إن أعظم المجاهدة تمازج الأنصار الذين أقبلوا إلى الحق ويولون الأدبار لهذا العالم"(46).

التصوف والعرفان والتعاليم العرفانية من منظار مولوي يبوح منكشفاً في مجمل آثاره المنظومة والمنثورة، خاصة في المثنوي المعنوي. فهو في هذا الكتاب الفذ، يعرف مبادئ العرفان والتصوف المتسم بالعشق المعترف به عنده في إطار القصص المرشدة المزينة بتلميحات من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال كبار الدين والمعرفة. وبأجمل أسلوب يميط اللثام عن الحقائق الموجودة في التصوف الإيجابي والعرفان الإسلامي على لسان الزمارة.

تجلي آرائه العرفانية في معرفة الإنسان الكامل

في الرؤية الكونية لجلال الدين المولوي، إن الإنسان الكامل هو رمز لصفات الله ومجلاه، والذي يجب أن يكون أسوة في الحياة الروحية، كما يكون المرشد الروحاني للذين يسلكون طريق الكمال على مر الدهور.

المولوي ينظر إلى إنسان كهذا نظرة زاخرة بالتوقير لأنه يراه إنساناً متمتعاً بجوهر القلب الذي يظهر الحق كما يعد مجلى الأنوار الإلهية ويحسب مظهراً لجميع الأسماء الربوبية وصفاته، وذاك ما تدل عليه هذه الآيات ]ولقد كرمنا بني آدم[(47) ]إني جاعل في الأرض خليفة[(48)
]علَم آدم الأسماء كلها[(49). علاوة على أن إنساناً بهذه المواصفات يباهي بتكريم إله العالمين وخلافته لـه في "حمل الأمانة"(50) وأصبح متصفاً بـــ "أحسن تقويم" (51).

تاج كرّ مناست برفرق سرش
 

 

 

طوق اعطينا ست آويز برش

جوهر است انسان وجرخ او راعرض

 

 

جمله فرع وبايه اندواو غرض

بحر علمى درنمى بنهان شده

 

 

درسه كَزتن، عالمى بنهان شده(52)

بعبارة أخرى، بما أن الإنسان "عالم أكبر" (53) وجعل الله في طينته ودائع معجبة، وجعله قادراً على أن يبدل هذه الودائع من القوة إلى الفعل بفضل إرادته ويقطع طريق التكامل والعروج الروحي ــ الذي يستلزم التخلق بأخلاق الله ــ حيث يصل إلى أن يستطيع تسخير الطبيعة بقدرته ويجعل الكون تحت أمره كرب العالمين و"لا يرى إلا الله" ينظر المولوي إلى هذا الإنسان الذي قطع هذا الطريق بالتوفيق ووصل إلى الله نظرة محبوب عزيز رفيع المقام ويصفه هكذا:

اين جنين آدم كه نامش مي برم

 

 

كرستايم تاقيامت قاصرم(54)

يحسب جلال الدين إنساناً ـــ بهذه الأمارات ـــ الذي صعد إلى أعلى درجة في الصفات والسجايا الأخلاقية ـــ كما يشير إليه في هذا التمثيل ـــ كيميا وكبريتاً أحمر قلما يوجد:

آن يكي باشمع برمي كَشت روز
 

 

 

كَرد هر بازار، دل برعشق وسوز

بو الفضولى كَفت أو راكاى فلان

 

 

هين جه مي جويي به بيش هر دكان؟

هين جه مي جويي توهر سوبا جراغ

 

 

درميان روز روشن جيست لاغ؟

كَفت: مى جويم به هر سو "آدمى"
 

 

 

كاو بودحى، ازحيات آن دمى

كَفت: من جوياي "إنسان" كَشته ام

 

 

مي نيايم هج وحيران كَشته ام (55)

وهو ممن لا يوجد، فبحث عنه الفلاسفة والعرفاء والذين يسعون إلى الحقيقة كـــ "ديوجانوس"(56) الذي كان دائماً كثير التردد في طرق أثينا شوقاً إلى لقاء هذا الإنسان. وقد صاغ المولوي غزلية في شأنه في "ديوان شمس" قائلاً:

دى شيخ با جراغ همى كَشت كَرد شهر

 

 

كزديو وددملو لم وانسانمـــ آرزوست (57)
 

كَفتم كه يافت مى نشود جسته ايمــ ما

 

 

كَفت آن كه يافت مى نشود آنم آرزوست

 

البارحة، كان الشيخ يطوف حول المدينة

(مردداً) قولـه: مللتُ الشياطين والسباع وأملي أن ألتقي إنساناً

قلت لـه: سبقناك إلى البحث عنه فلم نجد لـه أثراً....

فأجاب إن منيتي هو ذلك الإنسان الذي يتعذر لقاؤه....

في اعتقاد العرفاء السالكين ـــ كمولانا ـــ الذين يؤمنون بالله إيماناً راسخاً، ويرون في الكون غاية وهدفاً سامياً كما يعتقدون في عالم بعد الموت والتكامل والاعتلاء الروحي للإنسان، يجاهدون بالديمومة للوصول إلى الحقيقة والكمال، فهؤلاء يعتبرون أساس المجتمعات الإنسانية واستقامة العالم. ودوام الأحياء يعتمد على وجود الإنسان الكامل الذي يعيش تحت القبة الخضراء، وفي عالمنا الترابي هذا، ويسوقون قافلة الطالبين للحق ليوصلهم إلى المقصود، كما يقول الحكيم المتأله الحاج ملا هادي السبزواري (1212 ـــ 1289هـ.ق) المتخلص بأسرار:

نه دراختر حركت بود ونه در قطب سكون

 

 

كَرنبودى به زمين خاك نشينانى جند

أى مغرور جاه دوسه روزى برما

 

 

روكَشايش طلب ازهمت مردانى جند (58)

فبسعودة كون ذوي متربة كهؤلاء أو رجال عدة أو آدميين كملين يقول عنهم رسول (ص):

"بهم يمطرون وبهم يرزقون"، فهم من المتوكلين الحاضرين الذين يقومون بعتبة الباب الإلهي ليلاً ونهاراً في ظاهرهم وباطنهم "أجسادهم في الأرض وقلوبهم في السماء"(59).

إن المولوي فيما يمت إلى الإنسان الكامل بصلة يوقر فئتين توقيراً استثنائياً ويمتدحهم رواداً روحانيين على أنهم أسوة في الفضائل البشرية السامية وسجاياهم:

الأولى: فئة الأنبياء، بخاصة محمد رسول الله (ص) وخلفاؤه الحقيقيون.

الثانية: فئة أولياء الله والعارفين الواصلين ذوي الضمائر الصافية.

فهو كسائر العرفاء الواعين، يعد النبي (ص) نموذجاً كاملاً تاماً في الأخلاق، مالكاً للصفات السامية كلها، كما يذكره بمناسبة آية ]وإنك لعلى خلق عظيم[(60) كسيد الكائنات، الإنسان الكامل والأكمل وشخصية ممتازة لم يكن ولن يكون لـه مثيل ويمدحه بهذه الأبيات:

...بهراين خاتم شده اوكه جود
 

 

 

"مثل اونه بود ونه خواه ند بود"

ختمها يى كأنبيا بكَذاشتند

 

 

آن به دين احمدى برداشتند
 

قفلهاى ناكَشوده مانده بود

 

 

ازدم "إنّا فتحنا" بركَشود

او شفيع است اين جهان وآن جهان

 

 

اين جهان زي دين وآن جازي جنان(61)

"إن صورة ترسم في المثنوي عن النبي (ص) لا تحتوي التعظيم والتقديس الاستثنائي بحق هذا الكائن الأفضل فحسب، بل تدل على العشق والإقبال بحق هذا المربي والمرشد في الكونين، والذي يعود إليه مسير هداية الآدميين إلى صوب الحق وطريق إيصال السالكين في الشريعة، وهذا ما يشاهد في جميع هذه الصورة. إن المولوي يرى تقدم خاتم النبيين (ص) على سائر الأنبياء تقدماً غائياً يكمن في وجوده الذي يجعله سيد لولاك في الإشارة القدسية"
(63). قال  الله تعالى في شأنه: لولاك لما خلقت الأفلاك".

رموز الإنسان الكامل وعناوينها في آثار مولوي

من العناوين التي يعرضها مولانا كرموز للإنسان الكامل ويذكره في القصص والتمثيلات مطوياً بالتدقيقات ويقوم بشرحها وتبيينها: "ولي، بير، شيخ، قطب، اوغوث، طبيب روحاني، كامل، بالغ، مرد حق، خِضْر وقت". يرى مولانا النموذج الحسي والإنسان المثالي الكامل متجلياً في شمس التبريزي الذي يسمى رمز النور الإلهي و"الذي هو شمس من أنوار الحق" بحسب تعبير المولوي.

عشق جلال الدين الهائج للقائه الروحاني ـــ شمس ـــ لـه صدى مثير في ديوانه الكبير. مولانا يرى المثاليات السامقة للحقيقة متحققة في كيانه يراه رمزاً لحكومة العشق الخالدة ونموذجاً للإنسان الكامل ويعتبر الوصول إليه أداة لدوام حياته الروحية والعرفانية.

الإخلاص الخالص لمولوي وحرقته وتحمسه ـــ الذي يعترف به لشمس الدين محمد بن علي بن ملك داد التبريزي (582 ـــ 645هـ.ق) نابع من العشق والصداقة. ويأتي في ديوان غزلياته، كما يدل على شوقه للوصول إلى اللقاء الروحاني مع رمز الإنسان الكامل". المضامين الموجودة في الأبيات المقتطفة من غزلين يذكران في ما يأتي ـــ من ديوان شمس ـــ مثال لتلك النار الخفية الملتهبة في العارف النقي الذي شق صدره فراقاً ويعرض في ضوئه لوحة أخرى من وجه ذلك الإنسان المثالي العرفاني الإسلامي على منظر الخيال:

مرده بدم زنده شدم، كَريه بدم خنده شدم

 

 

دولت عشق آمد ومن دولت باينده شدم

كَفت كه سر مست نه أي، روكه ازاين دست نه أي

 

 

رفتم وسر مست شدم وزطرب آكنده شدم

كَفت كه تو كشته نه أي در طرب آغشته نه أي

 

 

بيش رخ زنده كنش، كشته وافكنده شدم

جشمه خورشيد تويى، سايه كَه بيدمنم

 

 

جونكه زدى بر سر من بست وكَدا زنده شدم(63)

كما مدحه في غزل آخر منشداً:

ألا اى باد شبكَيرم، بيار اخبار شمس الدين

 

 

خداوندم، ولي داني تواز اسرار شمس الدين

كرامتها كه مردان از تفاخر ياد آن آرند

 

 

به ذات حق، كز آن دارد هما ره عار شمس الدين..

ز جسم وروحها بكَذر، حجاب عشق هم بردر

 

 

دو صد منزل از آن سوتر ببين بازار شمس الدين

قلا يدهاى دردارد بناگوش ضمير من

 

 

از آن الفاظ وحى آساي شكر بار شمس الدين

بصر درديده بفزايد اكَرديدارره يابد

 

 

به جاي توتيا وكحل ناكَه خار شمس الدين

خرابى دين ودنيا رانباشد هيج اصلاحي

 

 

مكَراز لطف بى بابان ووزهنجار شمس الدين (64)

ومسك الختام في مقالتنا هذه ما كتبه عبد الرحمن بن أحمد الجامي في نفحات الإنس عن وصية مولانا جلال الدين محمد المولوي في أنفاسه الأخيرة لحياته المباركة خطاباً لأصحابه وتلاميذه، والتي تبين الإيمان الراسخ لذلك العارف العظيم بمبادئ الدين المقدس والأخلاق الإسلامية، والتي تشبه بخلاصة من استنباطاته في التصوف الإيجابي المتسم بالعشق والعرفان الحقيقي، وهي ما ينبغي أن يكون زاد السالكين لنيل الحقيقة: "أوصيكم بتقوى الله في السر والعلانية وقلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام وهجران المعاصي والآثام ومواظبة الصيام ودوام القيام وترك الشهوات على الدوام واحتمال الجفاء من جميع الأنام وترك مجالسة السفهاء والعوام ومصاحبة الصالحين والكرام وأن خير الناس من ينفع الناس وخير الكلام ما قل ودل والحمد لله وحده"(65).

المراجع:

(1) ديوان أشعار صائب تبريزي، تصحيح محمد قهرمان، طهران 1367 هـ.ش. ص 79/2.

(2) كليات إقبال. لاهور: 1990م.

(3) المصدر نفسه، ص 332

(4) مجموعة مقالات "روزمولانا" أي "يوم مولانا" منشورات كلية الآداب بجامعة تبريز، ص 11ـــ 51.

(5) إشارة إلى بيت مولانا: مثنوى كه "صيقل أرواح بود"... طبعة نيكلسون.

(6) فرهنكَ لغات واصطلاحات وتعبيرات عرفاني 2، تأليف سيد جعفر سجادي، تهران: 1354 هـ.ش.ص 27 و 128.

(7) تاريخ تصوف در إسلام، تأليف دكتر قاسم غني، طهران.

(8) كشف المحجوب للهجويري، طهرن: 1358هـ.ش.ص 97. ومكتب حافظ، طهران، 27، ص 12ـــ 13.

(9) تذكرة الأولياء للعطار طهران 1374 هـ.ش. 24 ـــ 25.

(10) كشف المحجوب، ص 24 و 25.

(11) المصدر نفسه، ص 40 وسواها.

(12) المصدر نفسه.

(13) المصدر نفسه.

(14) المصدر نفسه.

(15) المصدر نفسه.

(16) المصدر نفسه.

(17) الإسراء، 17 : 44.

(18) كليات سعدي، تصحيح فروعي. طهران: 1330 هـ.ش ، ص 549

(19) كليات شمس، تصحيح فروزانفر، 4/ 89.

(20) ديوان حافظ، تصحيح قزويني، ص 103

(21) مثنوي معنوي، تصحيح نيكلسون، الدفتر الأول، ص 2.

(22) المصدر نفسه ، ص 11.

(23) سورة النجم 35/ 39.

(24) سورة المدثر، 14/ 38.

(25) كشف المحجوب، ص 40.

(26) المصدر نفسه، ص  40.

(27) تفسير نمونه، 12 / 143.

(28) خط سوم، ص 91.

(29) ديوان حافظ، 129، 76، 199، 181.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244