مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 127 صيف 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

نظرة في القصص الشعبي الفارسي(*) ـــ د.محمَّد جعفر مَحجوب ـ ت.مصطفى البكور(**)

إذا لم تكن الأسطورة أقدم مفرزات الذهن البشري، فإنها، وبدون شك جزء من أقدم آثار الفكر والتخيل البشري.‏

من المسلّم أنه قبل ورود البشر المرحلة التاريخية وتدوينهم لأهم معالم حياتهم بوسيلة النقوش، والأشكال الحسية، فإن أساطيرهم قد حفظوها في ضمائرهم وذاكراتهم لمدة طويلة، ثم ورّثوها للأجيال اللاحقة عبر الألسنة والأفئدة. ويبدو أن السبب الرئيسي في التوجه البشري المتميّز لهذا النوع من إنتاجه الذوقي والذهني هو معرفته بتأثيره العميق في ذهن المستمع، وولع الناس بسماع الأساطير والحكايات، وكونه بمنزلة سلاح قاطع من أجل تحقيق مقاصده.‏

إن أقدم سيرة تتعلق بالآلهة، وأقدم نظرة في كيفية الخلق وإيجاد الطبيعة والإنسان قد تمّت بشكل خرافاتي وأسطوري، حتى أن أحكام الآلهة وأوامرهم حول الأمور المختلفة، وأسباب تحليل أو تحريم الأعمال وغير ذلك قد انعكس أيضاً بشكل أسطوري.‏

لو أخذنا في الحسبان وضعية العالم القديم في مرحلة ما قبل التاريخ، أو في القرون الأولى للمرحلة التاريخية، وكم كان محيط نظر البشر محدوداً وضيقاً، وكم كانت وسائل الارتباط بسيطة وصعبة، وكم كانت أسفار الأفراد أو القبائل شاقة وطويلة الأمد ورغم كل هذه الموانع والقواطع فإن الأسطورة كانت على الدوام تعبر العالم شرقاً وغرباً، متنقّلة بين الأقوام والأعراق، وهذا ما يثير الدهشة حقاً.‏

إن سفر الأساطير في العالم القديم لهو معجزة حقاً، وهذا الإعجاز لم يكن ليتحقق لولا افتتان أفراد البشر بالقصص والحكايات.‏

إن بين الكثير من الأقوام التي لا مجال لتصوّر أدنى ارتباط بينها، نرى أساطير متشابهة، فعلى سبيل المثال إن أقدم رواية أسطورية عُرفت عن الطوفان تلك التي وردت في القرآن الكريم وتتعلق بقصة نوح وقومه، وهذا النموذج نراه أيضاً في ملحمة جلجامش. أما بين الإيرانيين والصينيين واليابانيين والكثير من الأقوام البعيدة، فثمة أساطير مشابهة لذلك وتتعلّق بآلاف السنين السابقة. في إيران، وبسبب برودة المناخ، فإن طوفان الماء قد استبدل به طوفان الثلج، وسفينة نوح قد استبدلت بها حديقة تحت سطح الأرض "وَر"، والتي بُنيت بأمر من الملك جمشيد.‏

أما الخطوط الأصلية لهذه الحكايات فجميعها واحدة، فهناك طوفان رهيب يحاصر كل الوجود، ويحمل تمام الموجودات الحية إلى وادي الهلاك والعدم، ما عدا قلة حيث تنجو نتيجة نبوءة أو معجزة.‏

قد يتخيّل البعض أن السبب الأساسي لنشوء الأساطير هو جهل البشر في المرحلة التاريخية القديمة وضعف العقل البشري آنذاك وعجزه عن الاستدلال. لكن الأمر ليس كذلك، فلو كان الأمر صحيحاً لوجدنا في موازاة تطوّر القدرة العقلانية للبشر تقلّصاً في القدرة الحكائية وانكماش سلطة الأساطير والحكايات وخروجها عن ميراث البشرية المعنوي. ولحسن الحظ لم يكن الأمر كذلك، فالعقل البشري رغم أنه يقطع يومياً أشواطاً كبيرة في طريق التقدم والنهوض البشري، إلا أن محبوبية الأساطير وإقبال الناس عليها لم ينتبْهُ أدنى خلل.‏

إن عقولاً عملاقة كابن سينا وشهاب الدين السهروردي المعروف بشيخ الإشراق، قد اختاروا قالب الحكايات والأساطير من أجل بيان أفكارهم الدقيقة وعلومهم الغامضة. وهذا الأمر دفع الكثير من الحكماء إلى الإقبال على هذا القالب في نهاية المطاف. فقصص من أمثال (حيّ بن يقظان) و(سلامان وأبال) و(الغُربة الغربيّة) وغيرها لهي محصول إقبال أنصار العقل وأصحاب الحكمة والاستدلال على الأساطير والحكايات.‏

بعد عصر النهضة العلمية والثقافية في أوربا والتطور في مجال العلوم التطبيقية المختلفة نجد أن الأسطورة أيضاً لم تفقد أهميتها واعتبارها، وحتى في عصرنا اليوم؛ عصر الفضاء واكتشاف الكواكب والاختراعات المثيرة، نجد أن اعتبار الأساطير والحكايات لا يختلف عن سابق عصورها، بل يمكن القول إن تلك الأهمية قد ازدادت.‏

في أيامنا هذه نجد أن اصطلاح الأدب يطلق على الشعر والقصّة والمسرحية، ونرى أن الجوائز القيّمة تقدّم لكتاب القصة والمسرحية المبدعين.‏

ولاشك في أن تأليف رواية إبداعية منسجمة مع عصرها لا يقلّ أهمية عن اكتشاف جديد في سائر العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب، وأن كاتبها سيكون محل تقدير واحترام لا يقل درجة عن مقام المخترعين والمكتشفين العظام. وحقاً فنحن اليوم نرى أن القصة والمسرحية قد أصبحتا سلاحاً قاطعاً لتبليغ الأهداف السياسية والاجتماعية وإبراز الأفكار والمدارس الفلسفية.‏

ولعلّ علّة ذلك واضحة، فما دام الفكر البشري متكوناً من جانبي العقل والإحساس، أو الإدراك والانفعال، أو التعقّل والتخيّل، فإن العلوم ستبقى قائمة على جانب والآداب على الجانب الآخر المقابل، وبالتالي فإنّ تقدّم ونموّ أيٍّ منها لن يكون سدّاً في وجه ارتقاء الآخر وتطوّره، وهذا بالفعل سرّ اهتمام البشر عبر العصور بالقصة والأسطورة.‏

يجدر بنا الإشارة إلى أن مقدار الترقي والتكامل المعنوي للبشر كان موازياً لمقدار دائرة الترقي العلمي والإدراكي، فالتخيل أضحى أكثر لطافة وظرافة، والأسطورة قد انزاحت من كونها حفنة من الوقائع الخارقة للعادة وبعيدة عن الواقعية والموضوعية لتصبح أكثر قرباً من حياة الناس، ونزعت عن ذاتها لباس الوهم والتصوّرات الخرقاء لتكتسي حلةً جديدة.‏

والآن لابدّ من السؤال عن الفائدة من مطالعة الحكايات والأساطير القديمة: ذكرنا أن الأساطير قد نشأت قبل العصور التاريخية بقرون، ومن هنا فهي المنفذ والشعاع الوحيد الذي يسطع على عالم ما قبل التاريخ المظلم.‏

إن معرفة الآداب والرسوم والسنن والعقائد الدينية والاجتماعية للأقوام والقبائل في عصور ما قبل التاريخ، والإطلاع على مثل تلك الأقوام وآمالها وغيره، لن يتأتّى إلاَّ عبر مطالعة الأساطير القديمة.‏

علاوة على ذلك فإن مطالعة الأساطير ومقارنة المتشابه منها عند الأمم المختلفة يكاد يشكل الدليل الوحيد على ارتباط تلك الأمم وتمازجها المباشر أو غير المباشر بعضها مع البعض في عصر مغرق في القدم.‏

علاوة على ذلك فإن معظم الأديان البشرية قد امتزجت بالأساطير، وبالتالي فإن أهم وسائل كشف تأثير الأديان بعضها في البعض الآخر، واقتباس نبيّ من نبيّ سالف لـه هو مطالعة الأساطير الدينية المتشابهة.‏

وعلى كل حال فإن هذه الإشارة المختصرة تكفي لإظهار أهمية الأساطير غير القابلة للإنكار في مجال الدراسات التاريخية وعلم النفس وعلم الاجتماع.‏

ولمّا كان موضوع مقالتنا هو دراسة في القصص الشعبي الفارسي فإننا نقصر كلامنا في المقدمات، وحتى حول سوابق فنّ كتابة القصص ورواية الأساطير في إيران التي كانت شائعة هناك قبل الإسلام، وندع المجال لأصل القضية.‏

بداية لابدّ من التساؤل: هل ثمة تعريف صحيح عن (الحكاية) وتوصيف دقيق لـــ (الحكاية الشعبية)؟‏

في اللغة الفارسية الفصحى ثمة مترادفات عديدة لكلمة (حكاية) من مثل: قصة، خرافة، أسطورة، سيرة، أحوال، نقل،.. وغيره. لكن هذه الكلمات إلى أي حدّ تشترك في المعنى، وإلى أي حدّ تفترق؟‏

في هذا السياق لا يوجد أي معيار يُحتكم إليه، فالأسطورة أحياناً بمعنى ضرب المثل، وتارة بمعنى الحكاية العارية عن الحقيقة، أي الخيالية، وتارة بمعنى الشهرة والشيوع. الشيخ الأجل سعدي الشيرازي نراه يستخدم كلمة حكاية في بيت واحد ولكن بمعنيين مختلفين، الأول بمعنى التوصيف الواقعي والخيالي والثاني بمعنى الخرافي والعاري عن الحقيقة:‏

حكايتي ز دهانت به كوش هوش من آمد * * * دكر حديث دو عالم حكايت است به كوشم‏

لعل أهم عوامل هذا التوسع والتداخل في استخدام المفردات بمعانٍ مبهمة وغير دقيقة هو حرص الشعراء على التنويع والتجديد، وهذا يوجب على مجمع اللغة الفارسية تحديد مفهوم هذه الاصطلاحات بدقة تامة كما هو شأن الأوربيين مع لغتهم حينما حدّدوا معاني هذه الكلمات بصرامة ودقة، فلم تعد كلمة Fable ـــ مثلاً ـــ تستخدم مكان كلمة conte أو recit على الإطلاق.‏

ولو أمعنا النظر في كيفية الحكايات والقصص الإيرانية لوجدنا اختلافات عديدة فيها، فهي من حيث الكم تبدأ من القصة محدودة السطور وتنتهي بالقصص ذات آلاف الصفحات؛ فمثلاً إن قصة من مثل "خاله سوسكه" أو "كك به تنور" لا تتجاوز الصفحة الواحدة، في حين نجد أن قصة "رموز حمزه" تشمل حوالي ألف صفحة وقصة "معزنامه" تحوي أكثر من عشرة آلاف صفحة.‏

كما أن هذه القصص بعضها منظوم والآخر منثور، أحياناً سبك نظمها أدبيّ وفاخر ومتين وأحياناً بسيط وعامي. كما أن موضوعات هذه القصص متعددة فهناك الحماسة والدّين والعشق والحرب ومكر النساء والمروءة والفتوة وسير السحرة والجن والعفاريت.‏

من جهة ثانية فإن اصطلاح صفة (العامية) أو (الشعبية) مثل اصطلاح موصوفها (الحكاية) أو (القصة) فهو غير علمي وعارٍ عن الدقة والموضوعية؛ فمن بين هذا الكم الهائل من الحكايات القصار والطوال أيّ منها يسمى (شعبياً)، وهل المعيار المعتمد في ذلك هو محتوى الحكاية أم سبكها؟‏

بعبارة أخرى هل الحكاية العامية هي تلك التي تلقى قبول عامة الناس حتى ولو كان أسلوبها أدبياً وفصيحاً؟ أم أنها التي كتبت بأسلوب شعبي ـــ سواء أكان شعراً أم نثراً ـــ حتى ولو كان موضوعها محلّ إعجاب الخواص؟ أم أنّ كلا الشرطين يجب أخذهما بعين الاعتبار حين إطلاق هكذا صفة؟‏

في هذا المجال أيضاً، يبدو أنْ لا وجود لمعيار قطعيّ، فكم هناك من قصص تخيلية وعارية عن الحقيقة وتمتلك محتوى عامياً دوّنت بنظم أو بنثر دقيق وفصيح من مثل "سندباد نامة"، "بهار دانشد"، "هزار ويك شب" وغيره. وعكس القضية يصدق أيضاً.‏

علاوة على ذلك هناك بعض القصص التي دوّنت بكلا الأسلوبين الأدبي والشعبي، من مثل "بختيار نامه".‏

عموماً ليس هناك معيار دقيق لقياس عامية وشعبية حكاية أو أدبيتها. إن بعض أهم الآثار الأدبية الفارسية تمتلك رواية شعبية وعامية من مثل "رستم نامه" والتي هي عبارة عن رواية منثورة لسيرة (رستم) الواردة في شاهنامة الفردوسي. والبعض الآخر من آثار هذا النوع محطّ اهتمام عامة الناس وإعجابهم رغم أهميته الأدبية الرفيعة من مثل "سام نامه" لخواجو الكرماني و"كرشاسب نامه" لأسدي و"شاهنامة" الفردوسي وحتى "خمسة" نظامي التي شاعت بين بسطاء العشائر والقبائل رغم صعوبتها ومتانة أسلوبها.‏

أما صفة "الفارسية" في عنوان هذا المقال فتشمل جميع الحكايات الشعبية التي كتبت باللغة الفارسية، سواء داخل إيران أو خارجها، كالهند وآسيا الصغرى وما وراء النهر وغيره. الآن، ورغم كل هذه الإشكالات السالفة يمكن القول إن ثمة حكايات وبدون أدنى شك هي حكايات شعبية أو عامية، وهي الحكايات التي تحتوي مضموناً عامياً وشعبياً وذات أسلوب بسيط دوّن بلغة الرواة والقصاصين.‏

أما فيما يخص الحكايات التي تحوي أحد هذين الشرطين فحسب فيجب البحث في كل منها بشكل منفصل، أو دراسة خصائص كل منها على حدة.‏

موضوع القص الشعبيّ:‏

كما سلف الذكر فإن الحكايات الشعبية ذات الموضوعات المتعددة من نحو: الحماسة والبطولة والعشق والجن والعفاريت والسحرة، والدين والعقيدة والأنبياء وأولياء الدين والمعجزات والكرامات المنقولة عن الرسل والأئمة، وكذلك قصص القرآن الكريم وشرحها وتفسيرها، شرح عجائب المخلوقات، قصص البطولة لأبطال من الحيوانات، نوادر الحكايات والسير، قصص المروءة والفتيان، وقصص العيارين واللصوص.. وغيره.‏

إضافة إلى ذلك فهناك كتب يجب تسميتها بشبه التاريخية، والمقصود بهذه الكتب تلك الحكايات التي تمتلك أبطالاً لهم وجودهم الوقائعي والتاريخي ولكن حياتهم قد اكتست لباساً من الأسطورة والخرافة، من هذا القبيل تلك الحكايات التي تنطبق خطوط وقائعها وحوادثها وفصولها الأصلية على الحوادث التاريخية، أما شرح تلك الحوادث فقد لوّن بلون أسطوري، من تلك الكتب: "أبو مسلم نامه، تيمور نامه، إسكندر نامه، قصة أمير المؤمنين حمزة، مختار نامه" وغيره.‏

علماً أن حوادث تلك الكتب تكاد تكون في بعض الأحيان أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة، كما هو شأن إسكندر نامه وقصة حمزة، وأحياناً تكون أقرب إلى التاريخ من مثل أبو مسلم نامه ومختار نامه.‏

وكما أن القصص الشعبية الفارسية متفاوتة من حيث الحجم والموضوع وأسلوب التدوين، فإنها كذلك من حيث الراوي والمتلقي متعددة الطبقات:‏

إن فئة عظيمة من محبيّ الحكايات هم من الأطفال، فالأطفال في سنوات عمرهم الأولى يتعلقون في الغالب بقصص تمتاز بقوة جوانبها التمثيلية والموسيقية ولعلّ الذي يجذب الأطفال في هذه الحكايات هو إيقاعها الموسيقي وألحانها، وليس معانيها ومضامينها؛ فالموسيقى بألحانها الظريفة تداعب روح الطفل الحساسة والبسيطة وتسحره بإيقاعها المنسجم والمتناغم. وكلّما ازداد عمر الأطفال ولا سيما لدى دخولهم المدارس الابتدائية، تشتد رغبتهم بمعاني القصة وفهم وإدراك مقدماتها ونتائجها. وبمرور الأيام يتحول انتباه الأطفال عن اللحن والإيقاع إلى عناصر الحبكة والتشويق والعقدة. ولمّا كان الأطفال في هذه المرحلة غير قادرين على قراءة القصة وإدراكها بسهولة لذا فهم يفضّلون سماعها من لسان راوٍ وقد اكتست لباس المبالغة والإغراق.‏

أما الفئة الأخرى من قرّاء ومستمعي القصص الشعبي الفارسي فتتشكل من اليافعين والشباب والرجال والنساء الناضجين، وحتى الكهول منهم. وهذا الشكل من الحكايات وتبعاً لنوع الرواج والشيوع ينقسم إلى مجموعتين كبيرتين وهما:‏

1 ـــ حكايات تروى وتنقل في الأماكن العمومية والمقاهي. ورغم أن هذه الحكايات يمكن مطالعتها في المنزل من كتاب، إلاَّ أن الناس يفضلون سماعها على مطالعتها.‏

ويفضّلون الاجتماع في محفل ليرويها عليهم القصّاص عبر آداب ومراسم خاصة، تلك المراسم التي تمتد كما يبدو إلى أعماق التاريخ.‏

وهذا النوع من القصص يحوي أمهات الآثار الأدبية والحماسية القومية الإيرانية. ولعلّ شاهنامة الفردوسي تعدّ اليوم الكتاب الأكثر رواجاً ورواية في المقاهي، ولاسيما قسمتها القصصية أي: من سلطنة كيومرث وحتى حملة الإسكندر، ولعلّ أهم قصص هذه القسمة قصة "زال وَرودابه، بيجن ومنيجة، رستم واسفنديار، رستم وسهراب"، وتعتبر الأخيرة وبحق أبرز قصص هذا الجانب.‏

علاوة على ذلك ففي أيامنا هذه يروي القصاص حكاياتهم من كتب أمثال "كرشاسب نامه" لأسدي و"سام نامه" لخواجو الكرماني و"إسكندر نامه". ويبدو أنه قبل ذلك كان النقل شائعاً عن كتاب "حسين كرد".‏

إن قصة فتوحات حمزة ولاسيما في روايتها الأخيرة المسماة "رموز حمزة" كانت تعدّ في يوم من الأيام الأكثر رواجاً وشهرة بين قصص النقالين والرواة لاتسامها بصبغة دينية تنسجم وسياسة الحكام الصفويين. إضافة إلى كونها تمتاز بحكاياتها المغرقة في العجائبية والغرابة والبعد عن الواقعية والتسجيلية. ويبدو أن القصص الشعبي في القرون الإسلامية قد بدأ ينأى تدريجياً عن الواقعية ويقترب من الخيالية. ولعل "رموز حمزه" قد احتلت المقام الأول ولمدّة طويلة في هذا الإطار.‏

إن شهرة ومحبوبية "رموز حمزة" وتعلّق الرواة والمستمعين بها قد وصل إلى درجة أن تذكرات الشعراء وتواريخ العصر الصفوي قد أفسحت مجالاً لتدوين أسماء بعض رواتها، كما أن أمواج شهرة وأصداء هذه القصة قد وصل إلى أقصى نواحي الهند وأندونيسيا وجاوه ومالايا، وبتنا نرى المسلمين في تلك البلاد القصوى يقرؤون هذه القصة بلغاتهم المحلية بكل شوق ورغبة؛ فجلال الدين أكبر الملك الكوركاني الهندي، لشدة ولعه بهذه القصة، قد أمر بتدوينها بأجمل خط وتزيينها بالنقوش والتصاوير والتذهيب. كما أن عبد النبي فخر الزماني مؤلف "تذكره ميخانه" والراوي المشهور والمتخصص بنقل قصة حمزة، قد ألّف كتاباً باسم "دستور الفصحاء" نزولاً عند رغبة جلال الدين أكبر، وذلك في آداب رواية القصة عموماً، ورواية قصة حمزة هذه خصوصاً.‏

إن مطالعة بعض القصص الأكثر قدماً من مثل "سمك عيار"، و"داراب نامه" يدل على أن نسخة منها قد دوّنت في البداية بوسيلة الرجل الراوي لها، ومن ثم أقبل الناس على سماعها من لسان الراوي أو النقال ضمن تشريفات ومراسم خاصة والتي ظلّت مجهولة إلى ما قبل عصر السلطان عباس الصفوي.‏

2 ـــ في مقابل القسم الأول هناك قصص أخرى لم يُسمع أبداً أن شخصاً قد نقل أو روى عنها، كما أنّ إنشاء مثل هذه الكتب وعباراتها يدل على ذلك.‏

ويبدو أن معظم هذا النوع من القصص أكثر جدّة من قصص النوع الأول.‏

من أمثلة هذا النوع قصص "ألف ليلة وليلة"، والملك بهمن، وبديع الملك وبديع الجمال، والأربعين طوطياً، وسليم الجواهري، والدراويش الأربعة وحاتم الطائي" وغيره. أما قصة "أمير أرسلان" فمع أنها قد أُعدّت للرواية في مرقد ناصر الدين شاه إلاَّ أن أحداً لم يروِ عنها.‏

منشأ القَصص الشّعبيّ:‏

مع أن القسم الأعظم من القصص الشعبي ذو مضمون حماسي وأصل إيراني إلاَّ أنه يمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية:‏

1 ـــ قصص إيرانية منشؤها مخيلّة القصاصين الإيرانيين.‏

2 ـــ قصص ذات أصل وجذور هندية، وقد ترجمت عن السنسكريتية.‏

3 ـــ قصص منشؤها الحماسة القومية والقصص الديني الإيراني القديم.‏

4 ـــ قصص دينية ومذهبية.‏

5 ـــ قصص هدفها أخلاقي وتربوي ووعظي.‏

6 ـــ علاوة على ذلك فإن المستشرقين وبهدف التفنن أو لدوافع أخرى، قاموا بتأليف قصص على منوال أسلوب قصص وأساطير المشرق؛ فقصة بتيس دولاكروا Petis de Lacroix المعروفة بـــ "ألف النهار" إحدى القصص التي ألّفت على منوال "ألف ليلة وليلة" وسبب ذلك هو ملاحظة رواج ومحبوبية ألف ليلة وليلة في أوربا إثر ترجمتها إلى اللغات الأوربية.‏

إن القصص المذكورة تنقسم إلى مجموعتين؛ الأولى منظومة والثانية منثورة، ووفقاً للدراسات التي تمّت حتى الآن فإن كل حكاية منظومة كان لها في الأصل رواية منثورة ومن ثم قام شاعر بنظمها، وقلّما حدث أن شاعراً قام ذاتياً بصنع قصة أو نظمها من مخيلته.‏

لعلّ علة نظم القصص هو أن لغة الشعر أكثر تأثيراً ووقعاً في النفوس، علاوة على أن القصة المنظومة يسهل حفظها في الذاكرة.‏

إن القصة كانت أقدم الآثار المنظومة المهمة باللغة الفارسية الدريّة، فمنظومتا "كليلة ودمنة" و"سندباد نامه" للرودكي و"شاهنامه" المسعودي، تعدّ من أقدم الآثار الأدبية الفارسية المنظومة، والتي لسوء الحظ قد ضاعت إثر غارات حوادث الأيام، ولم يبق منها سوى أبيات متناثرة في ثنايا القواميس.‏

بعض القصص المنظوم ذو أثر أدبيّ رفيع من مثل "شاهنامه" الفردوسي و"ويس ورامين" فخر الدين أسعد و"كرشاسب نامه" الأسدي "وخمسة نظامي" وغيره.‏

أحياناً، هناك بعض القصص الشعبي الذي نظمه شاعر ضعيف وعار عن الذوق والقدرة الأدبية والبلاغية من مثل "فلك ناز" و"خورشيد آفرين وخرّم وزيبا وحيدر بيك" وغيره.‏

بعض الأحيان يصبح الأمر معكوساً، فلمّا كانت قراءة الشعر تحتاج إلى معرفة أكبر، ومن جهة ثانية فإن الشاعر مضطر وتبعاً لضرورة الشعر ورعاية الوزن والقافية إلى الإغراق في الإيجاز والاختصار والتفنّن في الوصف وأخذ العبر والعظات من الحوادث والوقائع، الأمر الذي يخلق الحاجة إلى خلق رواية منثورة تتناسب مع الطبقات الشعبية الأقل ثقافة ومعرفة وتلبّي رغباتهم في الإطلاع على الحوادث المريرة وحقيقة الأمور، من أمثلة ذلك "رستم نامه" و"هفت بيكر بهرام كور" المنثورة والتي يبدو أنها قد ترجمت عن التركية الأسطانبولية إلى الفارسية.‏

إن إحدى المسائل المؤسفة هو أنّه وحتى العصر الصفوي ليس لدينا أي اطلاع عن كيفية عمل الرواة والقصاصين ومراسم وآداب ورسوم هذا الفن والأماكن المعيّنة لـه. ربما بدا الأمر اليوم غير مهّم، ولكن لو أخذنا بعين الاعتبار وضعية القرون القديمة لأدركنا أهمية الإصغاء إلى قصص الرواة والنقالين كونه إحدى الوسائل المحدودة والضيقة للتسلية والترفيه. ولابد من الإشارة إلى أن القصاص عبر لسانه السليط وفصاحته وبلاغته الفطرية والمكتسبة كان بإمكانه تغيير الخطّ الفكري لمستمعيه، ولذا فليس عبثاً أن تتشكل في العصر الصفوي سلسلة صوفية رسمية باسم "سلسلة العجم" تشمل تشكيلات ومراسم مفصلة وأجهزة واسعة من أجل مراقبة عمل القصاصين والمشعوذين وأصحاب الجيش، ويترأس هذه السلسلة موظف حكومي يسمّى "النقيب" ليراقب الأشخاص الذين يرغبون بالانتساب إلى مثل هذه الأعمال السالفة. ومما لا شك فيه أن رواية القصص كان لها أهميتها واعتبارها وتأثيرها الاجتماعي حتى في فترة ما قبل العصر الصفوي، ولكننا للأسف اليوم لا نعلم شيئاً عن كيفية هذا العمل وأسلوب تربية وحدود أفكار واطلاعات أصحابها والتأثير الاجتماعي لهذه الحرفة.‏

وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في عصر ما قبل اختراع فنّ الطباعة وصناعة الورق لمّا كانت إمكانية إعداد الكتاب والورق والكتابة والنسخ غير ممكنة للجميع، ولاسيما لعامة الناس وطبقات الحرفيين، لذا فإن قراءة القصص من كتاب لم يكن مشكلة فحسب بل أيضاً غير ممكن، ولهذا فإن معظم القصص في تلك الأيام كانت تنتقل إلى الناس عبر الرواية الشفهية وبوسيلة القصاصين والرواة، أما إمكانية وجود نسخها فيكاد يقتصر على بيوت الأمراء والأشخاص المقتدرين.‏

ولمّا كان الأمر كذلك فإن أغلب الحكايات القديمة قد أُعدّت ودوّنت بطريقة مناسبة للرواية والنقل من أمثال قصص أبو مسلم نامه وسمك العيار وداراب نامه وقران الحبشي.‏

لقد تميّز القصص الإيراني في أولـه بمضامينه القومية، وإذا كان ثمة أصل من أصول الدين قد وجد طريقاً إليه فهو على الأغلب من جملة الأصول الموجودة في كل دين مطاع ومحترم ومتبع، كالمروءة والصدق والعدالة والعفة والتقوى والشجاعة والكرم وغيره. وكاتب القصة الذي هو في الوقت ذاته قارئها كان يمجّد تلك الخصائص والصفات بحرارة وهيجان. ولعلّ صدقه ورسوخ عقيدته يجعل كلامه يستحيل دموعاً في عينيه ويهيّج مشاعره وهو يبرز تلك المظاهر الإنسانية الرفيعة وبالتدريج تفوّقت الجوانب الدينية للقصة على الجوانب القومية والبطولية والأخلاقية ولعلّ أحد شواهد ذلك قصة أبو مسلم نامه، فبطلها هو القائد الإيراني المعروف أبو مسلم الخراساني، والذي كان لتضحياته الأثر والتقدير الكبير لدى أبناء وطنه وفي النهاية ألّفوا حكاية حول حياته المفعمة بالمفاخر، وجعلوه واحداً من الأبطال الأسطوريين الذين يُحاطون بهالة التمجيد والتكريم.‏

في قصة "أبو مسلم نامه" تختلط الجوانب الدينية والقومية بعضها مع بعض، فأبو مسلم يثور فيها انتقاماً لدماء شهداء كربلاء وقد كان يقصد إنهاء حكومة مروان والمروانيين، كما أنه يوقف سبّ الإمام عليّ رغم أن هذا يتناقض والوقائع التاريخية فالحق أن الخليفة عمر بن عبد العزيز وقبل سنوات من قيام أبي مسلم قد منع سبّ الإمام عليّ على المنابر.‏

يبدو أبو مسلم في قصته قائداً شجاعاً وفتىً يأبى الظلم ويرفض الانصياع للظالم مهما غلا الثمن، ويقدّم روحه قرباناً لحماية المظلومين ونصرتهم ومبارزة الظالم.‏

فوائد ونتائج مطالعة القصَص الشّعبيّ:‏

إذا لم نعتبر القصص الشعبي جزءاً من أدب اللغة الفارسية الواسع ـــ رغم أن بعض تلك القصص ولاسيما المتقدّم منها ذو قيمة أدبية رفيعة جداً ـــ فهي وبدون شك تعتبر قسماً مهماً من ثقافة وفلكلور عامة الناس. واليوم تبدو المطالعة في مجال الفلكلور الشعبي أحد أهم العلوم الاجتماعية والبشرية ولاسيما في بلد مثل إيران حيث غابت عنه العناية بشرح ووصف حياة الناس البسطاء.‏

وتشتد أهمية هذه القصص كونها تشكل نبعاً فيّاضاً من أجل كسب الاطلاعات في مجال الحياة الاجتماعية للشعب الإيراني، ورصد آداب الايرانيين وعاداتهم ورسومهم وسننهم. نعلم اليوم أنه في مقابل كل علم رسميّ معاصر ثمة علم شعبيّ شائع بين الناس، وحتى أنه في الأيام السابقة كان الجانب الوهمي والخرافي لبعض العلوم يفوق الجانب العلمي والعقلي لها، وأن بعض العلوم ـــ كالنجوم ـــ كان يعجّ بأكمله بالوهم والخرافات. وعلى كل حال ففي مقابل الطب الرسمي هناك طب شعبي، وفي مقابل الهندسة والرياضيات والنجوم الرسميّة ثمة هندسة ورياضيات ونجوم شعبية، وكذا الحال في باقي العلوم.‏

في مجال الأدب فإنه أيضاً في مقابل الآداب الرسمية لكل أمة ـــ أعم من المنظوم أو المنثور منها ـــ هناك آداب شعبية، وبين الشعب ثمة شعراء كانوا يشتغلون بحرفة ومهنة معينة، ولكنهم في أثناء ساعات فراغهم كانوا ينشدون شعراً خطابياً، ولكن أسماء هؤلاء الشعراء لم ترد في أي كتاب أو تذكرة رغم أن هؤلاء كانوا مشهورين بين الخطباء وعامة الشعب ممن كان يمتلك ذوقاً في الخطابة والإصغاء.‏

لذا، فإنه وبكل جرأة يمكن القول في علم السبك أو الأسلوب إنه في مقابل أسلوب وسبك الخواص ثمة أسلوب خاص بالعوام، وقبل أي تصنيف أو تفصيل في علم الأساليب يجب الإشارة والتمييز بين هذين القسمين المتمايزين.‏

ولكن للأسف ففي الكتب المعتبرة للأسلوبية والسبك لا نكاد نرى أي ذكر لأسلوب وسبك العوام رغم أنه لا يوجد أي أديب من أدباء اليوم ـــ رغم براعتهم وقدرتهم البيانية ـــ إلاّ ويُفتن أمام عدة سطور من قصة كسمك العيار أو داراب نامه. علاوة على ذلك فإن تكنيك بعض هذه القصص يكاد يضاهي تكنيك أفضل وأهم قصص الكتاب الأوروبيين؛ فقصة سمك العيار عبارة عن رواية كاملة لا تكاد تحوي أدنى عيب، وأسلوب القص فيها لا ينتابه أدنى نقص، فليس هناك أدنى حركة تغيب عن نظر الكاتب، ولا من حادثة تعرض عبثاً، وليس من مقدمة بلا نتيجة حتى أن بعض القضايا التي تعرّض لها في أول القصة قد قدّم نتائجها في نهايتها. إن مؤلف "سمك عيار" قد اعتمد أسلوباً ما يزال يتبعه كبار كتاب القصة المعاصرين، فقد أدخل نظراته الأخلاقية والاجتماعية عبر سطور القصة دون إشعار القارئ بأدنى ملل أو ضجر ذلك الذي غالباً ما ينشأ نتيجة انشغال الكتّاب بالوعظ وتقديم العبر بشكل مباشر.‏

ولهذا فإن الشخص الذي يمتلك استعداداً في الفن القصصي، وأوقف ذوقه وقريحته لخدمة هذا الفن، فإن قراءة القصص الإيراني سيكون لـه مفيداً، وفي أغلب الأحيان سيكون مورد إلهامه، وسيفجّر أمامه ينابيع الابتكار، إضافة إلى كونه في ذلك محافظاً على خصائص القصص الشعبي.‏

إن المؤلف الذي يتبع أسلوباً غربياً في كتابته لم يفعل أيّ شيء مهم، حتى ولو خلا عمله من أي عيب أو نقص. إن المهم هو أن تكون القصة ذات قيمة أدبية رفيعة علاوة على كونها "إيرانية"، وعلى أي قارئ سواء أكان إيرانياً أم غير إيراني أن يدرك خصائصها الشعبية الإيرانية. وحتى يكون ذلك كذلك فأي سبيل أمامنا سوى مطالعة القصص الشعبي الإيراني.‏

أما النتيجة الأخرى التي يمكن جنيها من مطالعة القصص الشعبي الفارسي فهي تحصيل معلومات واطلاعات حول علم اجتماع التاريخ الإيراني، إذ أنه للأسف ليس لدينا في هذا الباب أي سند عن ماضينا، فكتب التاريخ الإيراني لا تتضمن أي اطلاع عن هذا، وإذا ما وردت فكرة حوله فغالباً ما تكون على شكل جملة معترضة أو على سبيل الاستطراد، وذات منحى فرعي وطارئ.‏

وبغضّ النظر عن الأشياء المتبقية عن القرون السالفة كالرسوم والنقوش والعمران، فإن المصدر الوحيد الذي يقدّم لنا اطلاعات مهمّة في هذا الصدد هو القصص الشعبي.‏

إن القصص الشعبي ينبع من حياة عامة الناس، ولهذا فارتباطهما غير قابل للانفكاك، ولذلك فعبر هذه القصص يمكن الإحاطة بآداب ورسوم الناس، شكل لباسهم وغذائهم وضيافتهم، سلوك وكيفية تعامل الطبقات الاجتماعية المختلفة مع بعضها البعض، منازل الفقراء والأغنياء، آداب الزيارة، أدوات الحرب والصراع، وسائل العيّارية، أساليب الغزو، رسوم المراسلة وكيفية استقبال السفراء والرسل وغيره.. علاوة على ذلك فثمة آداب وعادات ورسوم لا ترتبط بشكل مباشر بالقصة، ولعلّ هذا النوع من الاطلاعات مهم جدّاً، فمثلاً، في العصر الصفوي يبدو أن تدخين النارجيلة والرشوة والارتشاء كان شائعاً بين أعضاء الحكومة، وهذا الفساد قد شمل حتى العيارين الذين يجب أن يكونوا مثالاً في الزهد في أموال الدنيا والطمع بكنوزها.‏

إن عمرو أميه ـــ عيّار الأمير حمزة في سيرة حمزة البهلوان أو رموز حمزة ـــ لا يخطو خطوة دون أجر، ويقبض الذهب من العدو والصديق، ويأخذ ضريبة من العدو حتى على لحيته وشاربيه، وعند نجدته لأحد الأصدقاء يقبض منه أجر مشيه، وفي ميدان الحرب يخطف الأسلحة المتكسّرة من صراع الأصدقاء والأعداء ويضعها في كيسه الذي لا يملأه حتى كنز قارون.‏

علاوة على ما تقدّم فإننا نجد في هذا القصص ذكراً لأسماء ورتبة الكثير من المناصب العسكرية والمقامات والوظائف التي تُمنح في بلاط الملوك؛ ففي قصة (رموز حمزة) يتولّى عمرو بن معد يكرب سبعة عشر منصباً في البلاط، في حين نجد أبطالاً آخرين يتولون وظيفة الحجابة وآخرين الحراسة، ومجموعة تتولى أمور فرقة المراسم والإيقاع، وأخرى تتعهد أمور المطبخ الملكي.‏

إن التاريخ التقريبي لبعض الرسوم والآداب الشعبية لا يمكن تعيينه إلاَّ عبر الاستعانة بهذا القصص.‏

في "إسكندر نامه" ثمة مشهد لمناظرة بلاغية بين مهتر نسيم عيّار الإسكندر ومهتر مزدك عيّار هيكلان بيلتن، هذا المشهد يدلّ على أن المناظرات البلاغية كانت موجودة في العصر الصفوي، وأن رسومها وقواعدها واضحة. كذلك هناك العديد من رسوم الزهد والتصوّف والدروشة لا يمكن رؤيتها إلاَّ في القصص الشعبي من مثل تصوّف لندهور بن سعدان وأنصاره في قصة "رموز حمزة".‏

ومن ذلك أيضاً شيوع استعمال الأفيون والبنج والترياق في العصر الصفوي، وهو ما تعكسه القصص الشعبية ولاسيما قصّتيّ "إسكندر نامه" و"رموز حمزة" علاوة على ما تقدّم فإنّ مطالعة القصص الشعبي تعرّفنا على التفريق بين القصة الأصيلة من التقليدية، كما تعرّفنا على أقدم منشأ لكل قصة. ومع أن عناصر التاريخ والزمان والمكان لا يمكن تحديدها بدقة في هذه القصص إلاَّ أن أصول علم الأسلوب وقرائن أخرى قد تساعدنا في معرفة التاريخ التقريبي، وتقدّم أو تأخّر القصص علماً أن تعيين هذا التقدّم والتأخّر مفيد جدّاً لمعرفة كيفية تحوّل وسير فنّ القصة وكيفية رواية قصة واحدة في أزمنة مختلفة.‏

تعدَاد القَصص الشعبيّ:‏

إن تعداد الحكايات الشعبية الفارسية غير معروف بشكل قطعي، ولعلّ كاتب هذه المقالة قد أحصى 163 قصة، بعضها عبارة عن روايات متعددة لحكاية واحدة. ولكن من المؤكد أن تعدادها الحقيقي قد يصل إلى ضعف العدد المذكور.‏

إن كثيراً من الحكايات تلك لم يبق منها إلاَّ اسمها، وثمة نسخ منها ما زالت تقبع تحت الغبار على رفوف المكتبات.‏

لكن لابدّ من الإشارة أولاً إلى أن مقدار الكتب التي طبعت قليل جدّاً مقابل الكتب التي لم تطبع بعد. وثانياً ربما كان الكثير من هذه الحكايات يقبع في المكتبات الخاصة، ولمّا يصل حتى اسمه أو عنوانه إلى أسماع المحققين، فعلى سبيل المثال فقد اشتريت يوماً كتاباً عتيقاً وناقصاً ومشوّهاً من إحدى المكتبات، وقد كان عبارة عن قصة لم أسمع باسمها إطلاقاً، ولم أتعرّض يوماً لأيّة علامة أو ذكر لها في فهرست المخطوطات، فبطل هذه الحكاية موسوم بـــ "ملك خسرو بياباني" وربما كان هذا اسم الحكاية، وسيرته تختلف عن سير أغلب أبطال القصص الشعبي، ويبدو أنه ابن تاجر، حيث تعترض حياته الحوادث والطلاسم بصورة تختلف عن مثيلاتها في الحكايات الأخرى.‏

وبدون شك فإن ثمة كتباً ونسخاً مماثلة لهذه الحكاية تقبع في جوانب وزوايا إيران، ولذا فما زال هناك متسع من الوقت اليوم من أجل تعيين التعداد الحقيقي للقصص الشعبي. فما دامت الجهود قاصرة والمخطوطات ـــ الخصوصي منها والعمومي ـــ لم تجمع بعد في مكان واحد، والروايات الشفهيّة لم تدّون، فمن غير الممكن الحديث عن عدد صحيح في هذا الصدد.‏

نقاط الضعف في القصص الشعبي:‏

علاوة على المصائب التي جرّها أصحاب دور النشر والمؤلفون غير اللائقين على هذه الحكايات، فثمة نقاط ضعف أخرى؛ فالحكايات القديمة التي تمتعت بنقاط قوة أعم من قوة الحبكة والفصاحة ودقة نظر وقدرة بيان كتّابها، قد انحطت وانحدرت بمرور الأيام فأقدم حكاية شعبية فارسية موجودة وهي "سمك عيار" تعد الأقوى والأجمل أمّا "أبو مسلم نامه" و"داراب نامه" اللتان تعدّان تاليتين زمانياً فتبدوان أضعف. إن الحكايات الشعبية التي طبعت ليس لها عمق تاريخي موغل، فتاريخ تدوين أهمها لا يتجاوز حدود العصر الصفوي ما عدا بعضها نظير "تيمور نامه" التي دوّنت في زمن أسبق. ولعلّ أغلب الحكايات الفصيحة والمهمة لم تطبع بعد، من أمثال قصة "فيروز شاه" وقصة "مَران الحبشي" و"قهرمان قاتل" و"أبو مسلم نامه" وغيرها.‏

ويبدو أن الضعف في الفن القصصي كان يزداد مع مرور الأيام والتاريخ، فالقصّاصون الجدد ليس لديهم أي هدف أخلاقي واجتماعي ومعنوي سام، ولا يبدو في قصصهم أي مظهر لروح السموّ والتعالي والإنسانية والمروءة والقيم التربوية والتعليمية؛ فقصة سمك العيار تحوي آلاف الملاحظات والمسائل الهامة في حين تبدو قصّتا "رموز حمزة" و"إسكندر نامه" وكأنهما ألّفتا للتسلية الصرفة وملء الفراغ، ففيهما تكرار ممل ومزعج. إن البغيمي مؤلف "داراب نامه" كلّما أرسل بطلاً إلى الميدان فإنه يفصّل تمام جزئيات سلاحه ولباسه بكل دقة، وهذا الأمر يتكرر حتى ولو نزل ذاك البطل مئة مرّة إلى الميدان. كذلك هو الحال في قصة "أبو مسلم نامه"، بل إن هذا التكرار الممل والخانق يفوق نظيره في "داراب نامه" إلى حدّ أنه لو حذفنا الظواهر التكرارية والتوصيفات المتشابهة التي تتكرر كثيراً دون أي تغيير، فإن حجم القصة يهبط إلى ما دون ثلث حجمها.‏

ويبدو أن كاتب الحكاية كان يروي يومياً قسمة لمستمعيه، ولذا فإن هذه الجوانب التكرارية التي كانت تمتزج مع حركات القصاص لم تكن لتبدو مملّة، ولكن حينما دوّنت هذه العبارة المكررة، واحتلّت مقداراً كبيراً من الصفحات، فإنها في الطبع ستكون سبباً في إعراض القارئ وملله.‏

أما نقطة الضعف الأخرى في هذه الحكايات فتتمثل في الأخطاء الفنية، وهي أخطاء تزداد مع مرور الأيام، ففي قصة سمك العيار قلّما ترد حادثة أو واقعة دون هدف، أو تذكر عبارة دون فائدة، أما في رموز حمزة فالبطل يقتل مرّات عدة ومن ثم يعود إلى الميدان، حتى وكأن الكاتب يتعمّد هذا العمل.‏

ويبدو أن علّة هذا الأمر هو أن النسخ المدوّنة لهذه الحكايات قد جمعت عن روايات متفرقة دون مقارنتها بعضها مع البعض الآخر.‏

من جهة أخرى فإن الكذب العجيب والإغراق العجائبي والمضحك والبعد الكبير عن الوقائعية، هو بعض من خصائص الحكايات المتأخرة، فمثلاً في "رموز حمزة" و"إسكندر نامه" يتدرّج وزن دبّوس وعمود الأبطال من سبعمائة رطل وحتى سبعة آلاف رطل!‏

أما السمة الأخرى لهذا النوع من الحكايات ولاسيما المتأخّر منها فهو تكثيف مضامينها بشكل لافت، ففي كتب من أمثال إسكندر نامه ورموز حمزة، برغم حجمها الكبير إلاَّ أن هناك بعض المشاهد المهمّة جدّاً التي تطوى في عدّة سطور، فأحياناً في خلال سطرين ينزل خمسون فارساً من فرسان الإسلام إلى الميدان، ويُخرجون، أو تُكسر طلاسم وتُقتل سحرة أو تفتح مملكة وسيعة.‏

ويبدو أن علّة هذا التكثيف هو أنّ هذا النوع من الكتب برغم عظم حجمها، هو فقط من أجل تذكير الرواة بالحوادث والمشاهد، وأنّ ما ورد فيها ما هو إلاّ زوائد وفروع يستلزمها الفن القصصي أثناء الرواية أمام المستمعين، فالقصة لا تتجاوز الصفحتين تظلّ تُروى على مدى أسبوعين أو أكثر.‏

ولعلّ هذا التفاوت في إنشاء هذه الحكايات بين شرح وتفصيل مملّ أو تكثيف وإيجاز مخلّ لمّما يقوّض الانسجام والتوازن في العمل القصصي.‏

أما الخاصية الأخرى لهذا النوع من القصص، ولاسيما تلك التي أُعدّت للرواية والنقل، فهو عدم وجود نهاية لأغلبها، فمخطوطة "سمك عيار" تقع في ثلاثة مجلدات أي ما يقارب 1800 صفحة، ومع هذا فإنها لا تعاني من انعدام النهاية فحسب، بل وتحوي فجوة وانقطاعاً بين المجلدين الأول والثاني. وكذلك فإن حجم "داراب نامه" ليس بأقل من "سمك عيار" مع هذا فهي ناقصة وغير مكتملة.‏

علاوة على ذلك فإن القصاص قد يدع القصة عند نقطة ما ليقوم بإتمام سيرة بعض أبطال تلك القصة في كتاب آخر ذي اسم مستقل ومختلف.‏

ويبدو أن عدم القابلية للانتماء هو إحدى خصائص هذا النوع من الكتب، فأسلوب تدوينها قابل للمرونة والانعطاف، فمثلاً في قصة "رموز حمزة" حينما يخرج حمزة فإنه يدع من ورائه أبناءَه من مثل علم شاه وقباد وبديع الزمان، حيث يمكن لكل واحد منهم أن يكون بطل حكاية. كما أن لكل واحد من هؤلاء الأبناء أولاداً أيضاً حيث يدخلون الميدان بالطريقة نفسها والصورة التي فصّلت من قَبْل لآبائهم وأجدادهم. وهذا التدوير والتسلسل يستمر ما دام القصّاص مؤهلاً وحياته مستمرة، فينتقل من حمزة الأول إلى حمزة الثاني فالثالث فالرابع.‏

أما تنظيم إضافات ومتمّمات هذه الحكايات فعمل صعب ومزعج، فهذه الإضافات غالباً ما تكون معرضة لتصرّف القاص وعبثه بعكس القسم الأصلي والأوّل من الحكاية والمحبوب من المستمعين، ولذا فأواخر هذه الحكايات عشوائي وغير منظّم.‏

حينما تقرأ "رموز حمزة" تشعر في البداية أن مطالبها مرتبة ومنظمة ومربوطة ومضبوطة، ومن ثم يبدأ الخلل يدبّ فيها، وكأن جعبة المؤلف قد فرغت فيضطّر الراوي إلى النسج من خياله، فيبدأ الأبطال بالانهيار فيقتتلون ويقتلون ثم يعودون إلى الميدان، يتلاشون ومن ثم يولدون من جديد.‏

ويدبّ الهرج والمرج في أجواء القصة وكأن ضبط إيقاع الأبطال وربطهم بعضهم مع البعض الآخر لم يخرج عن قدرة القارئ والراوي فحسب، بل وخرج عن سلطة المؤلف.‏

في القصص المتأخرة يبدو أن الخروج من عقدة القصة يتجلى في إدخال بطل جديد إلى العمل، فمثلاً حينما يسقط بطل القصة في مأزق يستحيل الخروج منه، يضطر القاص إلى خلق شخصية فتاة ـــ كابنة ملك المدينة أو غيرها ـــ فتعشق البطل وتساعده في الخلاص، وتتكرّر هذه الحالة إلى أن تنتهي الحكاية بزواج هذا البطل من فتيات عدة دفعة واحدة.‏

في حكايات كالشاهنامة وإسكندر نامه ورموز حمزة، يبدو أن المحرك الأساسي للقصة ليس العشق بل دواعٍ أخرى كالجهاد والمروءة والفتوة، ربّما لأن هذه الحكايات قد دوّنت في أيام كان بالإمكان لأي شخص متوسط الثروة أن يبتاع جارية أو جواري ويتزوجها وبعد مدّة يبيعها.‏

أمّا في العصور المتأخرة فالدولة الإسلامية قد ضعفت ولم يعد لها القدرة والشوكة اللازمة على غزو بلاد الروم والهند والصين وأسر أبناء "الكفّار" والمتاجرة بهم، ولذا فقد غابت صورة المعشوقة القادمة من مدن وديار "الكفّار" لتحلّ محلّها نساء متعدّدة يتزوّج بهن البطل في نهاية القصة. ورغم عدم وجود الجواري التركية والصينية والرومية في تلك الأيام، إلاّ أن دور حريم الحكام كانت ممتلئة بكل أشكال النساء، وهو ما كان يمنح القاص نموذجاً يحتذيه ورخصة وإجازة في منح نساء عدّة لبطل واحد.‏

على أنّ رسم المعشوقة الواحدة موجود في الكثير من الحكايات مثل "سمك عيار" و"داراب نامه" وحتى في قصة "الأمير أرسلان" التي كتبت مؤخراً. فهذا الرسم ربما استمدّ من حياة طبقات الناس المتوسطة الذين يقنعون بامرأة واحدة وليس لديهم القدرة على تدبير أمور نساء عدّة.‏

في هذا النوع من الأدب من الأفضل عدم الحديث عن عنصري الزمان والمكان، لأن هذين العنصرين لم يراعيا في أيّة قصة إيرانية، وحتى في الحماسة القومية الإيرانية ولاسيما في نجمها الساطع شاهنامة الفردوسي.‏

أحياناً يصل خطأ الكاتب إلى درجة لا يمكن تجاوزها، من ذلك أن كيفية عشق البطل في قصة "بديع الملك وبديع الجمال" مثل الكثير من القصص القديمة والجديدة الإيرانية، يتم عبر رؤية صورة المعشوق والهيام به؛ فبديع الملك وفي أثناء الصيد، يضلّ الطريق حين يصل إلى قمة جبل حيث يلتقي عجوزاً يناجي صورة امرأة جميلة، ويخبره العجوز أن هذه الفتاة هي ابنة الملك الفلاني، وقد رآها في شبابها وعشقها، ولمّا كان الوصول إلى وصالها غير ممكن بالنسبة لـه، فقد رسم لها صورة تخييلية وراح يناجيها منذ تلك الأيام وحتى الآن. أما بديع الملك فهو الآخر يعشق صورة تلك الفتاة، ويمضي في الطريق هائماً متشرداً، حتى يظفر بتلك الفتاة واسمها بديع الجمال، ويبدو أنها كانت مصانة من آفة الكِبَر والكهولة، إذ لم تختلف أبداً عن تلك الصورة المرسومة لها في شبابها رغم مرور أكثر من خمسين عاماً.‏

ويبدو أن العجب ليس في محافظة هذه الفتاة على جمالها وشبابها من طاحونة الأيام فحسب بل وفي بقاء صورتها سليمة أيضاً رغم كل هذه المدة المنصرمة. والأعجب هو هيام بديع الملك بها وكأنه يدرك في قرارة ذاته أن شبابها خالد، وإلاّ فكيف لـه أن يعشق صاحبة صورة وقد مرّ عليها أكثر من نصف قرن دون أن يخطر بباله مسألة كهولتها.‏

وعلى كل حال فإن قضية العشق عبر رؤية صورة لهو من الوقائع الرائجة كثيراً في القصص الإيراني، ويبدو أن جذور هذه المسألة إيرانية، وأنه كان شائعاً هناك قبل الإسلام ويبدو أن أقدم عاشق على هذه الطريقة هو ابنة ملك زابل والتي كانت تعيش في عصر الملك الضحاك، وقد رأت تصوير جمشيد وعشقته. وهي قصة مذكورة في "كرشاسب نامه"، حيث أن كَرشاسب وأجداده جميعاً من سلالة جمشيد وهذه الفتاة. علاوة على هذه القصة فهناك قصة عشق خسرو وشيرين ولعلها القصة الأشهر في هذا المجال. وكذلك فإن بهرام كور يرى تصاوير بنات ملوك الأقاليم السبعة في قصره ويطلبهن للزواج كما في منظومة "هفت بيكر نظامي" وآخر شخص يعشق بهذا الشكل هو الأمير أرسلان الرومي الذي يعشق فرخ لقا الفرنجية لرؤية تصويرها في كنيسة.‏

نتيجة البحث:‏

رغم كل هذه التفصيلات السابقة، فللأسف ليس ثمة خلاصة واضحة أو نتيجة صريحة. كما أنه لا يمكن إظهار نظر قطعي في أية قضية من القضايا المذكورة؛ فالقصص الفارسي لم يجمع بعد في دائرة معيّنة، وليس في متناول أيٍّ من المحققين. وطبيعي أنه من اجل استخلاص نتيجة علمية ودقيقة في هذا النوع من الدراسات فلابد من الاستقراء التام والاستقصاء الكامل، وهذا أيضاً لم تتوفّر وسائله ومقدّماته الضرورية.‏

أما النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا المقدار الموجود من القصص الشعبي فهي:‏

إن القصص الشعبي الفارسي متفاوت بعضه عن بعضه الآخر، سواء من حيث القيمة الأدبية والفنية أو القيمة الأخلاقية والمعنوية، أو من حيث الموضوع والحبكة وأسلوب التدوين، أو من حيث الحجم. بعض هذا القصص مضرّ ومُضِلّ، ولاسيما بالنسبة للقارئ الذي يفتقد إلى المعرفة والوعي، بعضها قد يجعل القارئ خرافياً، منحرفاً، متشائماً وجباناً.‏

إن الانزواء وترك الدنيا، التصوف والاعتياد على المخدّرات والاعتقاد بالخرافات المختلفة لهو بعض الخلفيات الأصلية للكثير من هذه القصص، ولاشك في أن هذا النوع من القصص مضرّ بذهن القارئ البسيط وروحه.‏

بعض هذه القصص ولاسيما المتأخر منها قد كتب بشكل سطحي، حيث أن وجودها وعدمه سيّان، ولو كان للقارئ قدرٌ من الذوق والسليقة لرماها جانباً بعد المرور على صفحات عدة من مثل قصص "الأمير هوشنك" وبديع الملك وشاه زاده هرمز وخسرو ديوزاد" .. وغيره.‏

لكن هناك قسماً آخر من هذا القصص الأًصيل والذي كتب في عصر رواج هذا الفن ونهضة الحضارة الإسلامية، وهو لا يخلو من الضرر والملل فحسب بل إن مطالعته ومن زوايا مختلفة ذات منافع عديدة، ويمكن الاستقاء من هذه القصص كثيراً من الفوائد اللغوية والدستورية والإنشائية، وهي أيضاً تجلب الكثير من الفوائد لعلم الاجتماع التاريخي.‏

ويمكن مطالعتها بكل شغف ورغبة والتلذّذ ببراعة الراوي والكاتب، لذة لا تقل عن مقدار لذة مطالعة أمهات الأعمال الفنيّة والأدبيّة.‏

كما أنها تقدّم نماذج لأشعار شعراء مجهولين أو شعراء قد ضاعت دواوينهم، علاوة على إضاءة الكثير من الجوانب الفلسفية والفكرية والتاريخية، ولاسيما تاريخ حياة الناس وآدابهم ورسومهم وسنن الفرق المختلفة والطبقات الاجتماعية.‏

علاوة على ما تقدّم فإن مطالعة هذا النوع الأدبي لهو جزء من قراءة الفولكلور الفارسي الواسع والبكر والرفيع، والذي يُعدّ التحقيق فيه جزءاً من الواجبات.‏

ومن أجل حصول هذا المقصود وهذه الفائدة فلابد من اتخاذ الإجراءات التالية:‏

1 ـــ جمع تمام أو أغلب هذه القصص في مركز واحد:‏

في هذا الصدد لابد من التدقيق في قضية أصالة وصحة وكمال النسخ لأن الناشرين وبدافع الطمع وجني الأرباح قد جرّوا بلايا كثيرة على هذا القصص، فصنعوا من كتاب عظيم نظير "إسكندر نامه" أو "رموز حمزة" خلاصة غير منسجمة ومملوءة بالأخطاء ووزّعوها في الأسواق، وهي غير قابلة للاستفادة إطلاقاً.‏

علاوة على ذلك فإنه يجب إلى حدّ الإمكان إعداد المخطوطات الأقدم والأصح، وإذا كان ثمة مخطوطات متعددة للقصة الواحدة فتجمع كلّها لأن هذه الاختلافات بين المخطوطات قد تساعد في الكشف عن الكثير من المسائل الاجتماعية والتاريخية.‏

ولا يجب الاكتفاء بمخطوطات المكاتب العامة بل يجب قدر الإمكان الاستفادة من المكتبات الشخصية. وإذا كانت إحدى هذه القصص قد ترجمت عن اللغات الأخرى أو كانت رواية عن إحدى قصص اللغات الأخرى، كألف ليلة وليلة التي ترجمت عن العربية أو "قصة حمزة" و"هفت سر حاتم" التي لها رواية عربية، فالأفضل أن تعدّ الرواية أو النسخة الأصلية، وهذا يعطي المجال للمحقّق للتعرّف على كيفية التغيير والتصرّف الذي انتاب القصة أثناء ترجمتها. وإذا كان هناك مجموعة روايات بلغة واحدة عن قصة واحدة، فيجب جمعها مثل قصة "جهل طوطى" ـــ الأربعين ببغاء ـــ والتي تحوي ثلاث روايات وهي "طوطى نامه" للنخشبي و"طوطى نامه" للقادري، و"جهل طوطى" الشائعة والمعروفة.‏

2 ـــ بعد جمع هذه النسخ يجب دراسة أهم محتوياتها وإعداد قائمة بحكاياتها أو حوادثها، وهذا العمل يتمّ بناءً على تحديد أقدم مآخذها وتمييز غثّها من سمينها وأصيلها من التقليدي. وهذا العمل علاوة على تعيينه لتاريخ ومنبع الكثير من القصص فإنه يوضّح أيضاً مسيرة وتحوّل فن القصة عبر التاريخ، ويدلّ على طبيعة الميول الذهنية وتخيّل كتاب القصص والأساطير عبر القرون المختلفة، وستكون مقايسة هذه التحولات مع الحوادث التاريخية والمحيط الاجتماعي ووضعية حياة الناس في تلك العصور ذات نتائج مهمة.‏

3 ـــ يجب تحديد تاريخ التأليف الدقيق أو الاحتمالي لكل قصة، وهذا العمل مقدمة للمقارنة وتمييز الأصيل من التقليدي، وبغير ذلك لا يمكن معرفة مسيرة حركة هذه القصص وكيفية امتزاجها بعضها مع بعضها الآخر، وتأثير المتقدّم منها في المتأخر.‏

4 ـــ لابدّ أيضاً من طبع الكتب اللائقة والمفيدة، وهي علاوة على دورها في إغناء كنوز الأدب الفارسي وتوسيع دائرة لغته وخلق التعابير والتركيبات اللفظية المختلفة، فإنه خطوة لتكميل الدراسات التالية، وفي الوقت ذاته لابدّ من رمي الكتب غير الجديرة بالنشر في وادي النسيان.‏

5 ـــ إن المقام الأنسب والأصلح لتصحيح وجمع ونشر هذه القصص هو كلية الآداب والتي ستعود عليها بالفائدة في مجالات متعددة، كتوسيع العلوم النظرية والدراسات الأسلوبية، وقواعد اللغة والاصطلاح اللغوي والاشتقاق والعناصر البلاغية، إضافة إلى الفوائد المعنوية وغيره. وإن تحريض الطلاب على دراسة مثل هذه الأعمال لمما يساعد في تربية وتقوية قريحتهم وذوقهم واستعدادهم النقدي.‏

6 ـــ وأخيراً لابدّ من القول: إن قيمة ومقدار النتائج التي يمكن جنيها من جمع هذه القصص والتحقيق والدراسة فيها غير قابلين للتوقع، ولكن وبدون شك ستكون النتائج مفيدة، وهي نتائج ومعلومات لن يتيسّر الحصول عليها من أي مصدر آخر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244