|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
فلسفة الخيّام في الرباعيات (بين الوجود والعدم وبين الزهد والتصوف) ـــ أ.د.حسين جمعة * 1 ـــ تعريف موجز بالخيام: أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيَّام النيسابوري، لقب غياث الدين، وحجة الحق؛ واشتهر بالخيّام في المصادر الفارسية(1) و(الخيَّامي) في بعض المصادر العربية(2) نسبة إلى حرفة والده في صناعة الخيام؛ على الأرجح. فليس من المعقول أن يكون عمر صانعاً للخيام، على حين ذهبت المصادر كلها إلى دخوله مجالس الدرس منذ صغره؛ ورافق كبار الناس مثل نظام الملك... والخيام فارسي الأصل، وليس بعربي؛ ولكن ثقافته الإسلامية ذات مشارب شتى. وقد ولد بنَيسابور في خراسان (430هـ/1039م) وبها توفي سنة (526هـ/1132م) ودفن في مقبرة إمام زاده محمد المحروق في حي (حِيْرة) من ضواحي المدينة. وحين رجحنا ذلك فإن المصادر اختلفت في سنة ولادته ووفاته فقيل: كانت ولادته سنة (433 هـــ أو 443هـــ أو 445هـ) ووفاته سنة (514هـــ أو 515 هـــ أو 517هـــ أو 518هـــ أو 527هـ)(3). عُرف الخيام بالفطنة ورجاحة العقل والذكاء الحاد، والتفوق على الأقران، والبراعة في الكلام والكتابة؛ والقناعة في العيش، والحدة في المزاج أحياناً... وعُدَّ من أصحاب اللسانين الفارسي والعربي؛ وقيل: إنه كان يعرف غيرهما... وهو قِدْح أهل زمانه في العقيدة، وإن كان يتقي الناس بالتقوى... وكان عالماً موسوعياً في معارف شتى كالرياضيات والفلك والفلسفة والفقه والتاريخ واللغة... ولـه مؤلفات كثيرة ضاع قسم منها ووصل إلينا قسم آخر مثل (مقالة في الجبر والمقابلة) و(الكون والتكليف) و(جواباً لثلاث رسائل) و(رسالة في الموسيقى) و(زيج ملكشاهي) وغير ذلك؛ ولـه شعر عربي فضلاً عن رباعياته الفارسية ومكاتباته وترجماته(4). لذلك كله كان أحد الحكماء الثمانية؛ لشهرته بآراء فلسفية وحكم كثيرة، ولاعتباره أحد ناظمي الحساب السنوي الذي تعمل به الجمهورية الإسلامية اليوم؛ ومبدؤه نزول الشمس(5) فلا غرو بعد هذا أن يكون عند بعض القدماء ثاني الحكماء بعد الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا (370 ـــ 428هـ/980 ـــ 1037م) والمشتغل بعلوم الطبيعة والإلهيات، فضلاً عن آرائه الفلسفية(6). وبناء على ذلك كله قرّبه السلطان السلجوقي جلال الدين ملكشاه بن أَلْب أرسلان، وأنزلـه منه منزلة الندماء؛ وعرف قدره الخاقان شمس الملوك ببخارى، وأجلسه على سريره. وكان في شبابه من خلصاء أبي علي حسن بن علي الطوسي الملقب بنظام الملك (408 ـــ 485هـ) الوزير من بعدُ والذي بنى المدارس النظامية في نيسابور وبغداد. وتتلمذ معه ومع حسن بن الصّبَّاح الإمامي المذهب؛ صاحب قلعة ألْمُوت (428 ـــ 518هـ/1037 ـــ 1124م) على يد بعض علماء فارس؛ كما تثبته وصية نظام الملك التي سنعرض لقسم منها في الحاشية الحادية والعشرين، وبخاصة الإمام الموفِّق النيسابوري إمام أهل السنة في نيسابور(7). وقد نوّه به بعض معاصريه وعدد ممن جاء بعده كأبي حامد الغزالي محمد بن محمد بن أحمد الطوسي (450 ـــ 505هـ) الصوفي الفيلسوف الفقير... وأبي الحسن علي بن أحمد المعروف بالغزال (ت 516هـ) وأبي القاسم الزمخشري محمود بن عمر (ت 538 هـ) وأبي الحسن البيهقي علي بن زيد بن محمد بن الحسين (499 ـــ 565هـ/1106 ـــ 1170م)(8). وقد وصفه القفطي أبو الحسن علي بن يوسف بقولـه: "إمام خراسان، وعلاّمة الزمان، يعلم علم اليونان، ويحث على طلب الواحد الديّان بتطهير الحركات البدنية لتنزيه النفس الإنسانية..."(9). وكان من تلامذته ومعاصريه أبو الحسن أحمد بن عمر علي النظامي العروضي السمرقندي صاحب كتاب (جَهار مقالة)، وتحدث فيه عن الخيام بسند علمي صحيح ونقل كثيراً من سيرته وأخباره، مما جعله أقدم كتاب موثق في هذا الباب(10). ومن تلامذة الخيام الإمام الفيلسوف شرف الزمان محمد الإيلاقي، والحكيم علي بن محمد الحجازي القايني؛ والعلاّمة عبد الله بن محمد الميانجي...(11). لهذا كله ليس غريباً إن كانت "له محاجات مع علماء عصره وسلاطينه أمثال الغزالي وملكشاه، ونظام الملك. وكانت لـه مكانة خاصة في المجالس السلطانية والعلمية؛ والأدبية"(12). وقال عنه ابن خلكان: "قعد مكانه للتدريس يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب"(13). أما أسرة الخيام فقد اختلف في أمرها، فهناك من ذهب إلى أنه لم يتزوج؛ ولكن هذا ليس بصحيح وإن لم يعرف شيء عن أسرته عدا ما ذكر عن اسم ختنه الإمام محمد البغدادي(14) والخَتَن زوج البنت ـــ غالباً ـــ وفي الحديث الشريف: [عليٌّ خَتَن رسول الله r] وإن جاز وقوعه على الأخت عند بعض اللغويين(15). ولعل ذلك يدل على أنه تزوج وأنجب. عاش عمر الخيام في العصر السلجوقي، وهو عصر ازدهرت فيه العلوم المتعددة... فقد ازدهر فيه علم الكلام والفلسفة والحركات الباطنية، وانتشرت فيه الصراعات وشاعت الاضطرابات والقلاقل... بمثل ما نشطت فيه حركات التصوف... وقيل: لما شاعت بعض آرائه الفلسفية تعرض للطعن من قبل بعض معاصريه؛ وظنت به الظنون... فحجَّ، وأقام ببغداد مدة، ثم أصفهان، وعاد إلى نيسابور، وكان من قبلُ قد تردد على بخارى وبَلْخ ومكث فيهما زماناً(16). ولعل ذلك قد أعطانا فكرة دقيقة عن الخيّام ليكون مفتاحاً لمعرفة رباعياته ومن ثم معرفة فلسفته فيها. 2 ـــ تعريف موجز بالرباعيات: جاءت شهرة الخيّام من التصاق اسمه بالرباعيات المنظومة بالفارسية على شكل (الدوبيت) والمكونة من أربعة أشطر تنتهي بقافية واحدة ووزن واحد. وهو ما عرف باسم الرباعي الكامل، أما الرباعي الخصيّ (الأعرج) فهو يقوم على وزن واحد مع اختلاف قافية الشطر الثالث ـــ غالباً ــ والوزن هو بحر (الهزج) المؤلف من تكرار تفعيلة (مفاعيلن) ست مرَّات... وقد استخرج منه الشعراء أربعة وعشرين وزناً.... علماً أن معظم رباعيات الخيّام من الخصيّ أو ما يسمى بالأعرج. ولذلك سميت بالرباعيات، علماً أن هذا الفن معروف في الشعر الفارسي منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد نظم عليه شهيد البلخي المتوفى (325هـ/936م) والرودكي السمرقندي المتوفى (329هـ/940م) والدقيق الطوسي المتوفى (368هـ/978م).... وأبو سعيد ابن أبي الخير المتوفى (440هـ/1049م)؛ وغيرهم...(17). وعرف بعض معاصري الخيام بنظمها كالشيخ عبد الله الأنصاري المتوفى (488هـ/1088م) فضلاً عن أن الأستاذ أحمد حامد الصراف وآخرين يرون أن هناك شاعراً آخر يدعى الخيّامي، واسمه علي بن محمد بن أحمد بن خلف الخراساني الملقب علاء الدين... وهو كثير الشعر مشهور، وربما يكون قسم منه نسب لعمر الخيّام(18). وإذا كان العرب والمسلمون قد عرفوا المُشَطَّرات الشعرية والمُخمّسات والمربَّعات ولا سيما في الموشحات فإن الرباعيات تختلف في بنيتها القائمة على تكرار كثير من الأفكار. ولعل هذا يجعلها لا تحتاج إلى شاعرية إبداعية بالمعنى الدقيق للشاعرية؛ لأنها لا تحتاج إلى جهد كبير على رأي بعض الدارسين(19). ومهما يكن القول فالرباعيات نتاج فارسي جُمعت في أواسط القرن التاسع الهجري بعد مضي ثلاثة قرون ونصف على وفاة عمر الخيام؛ ولا يعلم عددها بدقة؛ لأنه ما زال يظهر لدينا أشكال منها وإن قيل: بلغت (1200) رباعية... وقد تناولها الدارسون وحققوا بعضها لعمر الخيام، بينما نُسب إليه كثير آخر. فهناك مَن يرى أن رباعيات الخيام عرفانية صوفية ولا صلة لها بكل ما انطوى على العبث والإلحاد... وهناك من يرى أنه لم يقل أي رباعية؛ لأن مكانته المعرفية والعلمية والعرفانية تبعده عن ذلك علماً أن المؤرخين في عصره وبعده لم يذكروا أنه شاعر، ولا سجلوا لـه أي رباعية من أي نمط كان(20). ويرى (رضا زاده شفق) أن الخيام كان ينظم الرباعيات "ليفرج بها عن نفسه بعد طول البحث في مسائل النجوم، أو التدقيق في أبحاث الطب، أو التحقيق في غوامض الحكمة ولقد كان يسجل الفكرة الكبيرة في تلك الرباعيات البسيطة اللطيفة. ويقال: إنه حينما يتحير في حلّ مسائل العالم بطريق العقل والبرهان كان يتحرك إحساسه عند النظر في تلك المسائل فيظل مبهوتاً متحيراً، فإذا به يحلق في الفضاء الواسع، فيطير بفكره وخياله فيجري لسانه بتلك الرباعيات"(21). وكان أبو حامد الغزالي يتكلم بالنثر تارة ويلجأ إلى الشعر تارة أخرى(22). فإذا صح ما قاله عنه رضا زاده من إنشاء الرباعيات ترفيهاً لنفسه وتخفيفاً لآلامه من طول النظر في المسائل العلمية الدقيقة فإن الخيام يكون سابقاً للمدارس التربوية الحديثة التي تصطنع الترفيه بالموسيقى واللعب في العملية العلمية والتربوية لطلاب المدارس وغيرهم... دون أن ننسى لحظة واحدة أن الترويح عن النفس بعد طول الذكر والتفكر مبدأ إسلامي، وفي حديث رسول الله r لحنظلة الأُسيدي: [والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ـــ ثلاث مرات](23). وليست الغاية من البحث دراسة توثيق الرباعيات للخيام، فقد أغنانا الدارسون عن هذا كله... ولم يتوصلوا إلى رأي قاطع في الأمر؛ فمنهم من أثبت لـه ست عشرة رباعية؛ ومنهم من زادها إلى ست وثلاثين أو ست وخمسين... وأوصلها آخرون إلى ما يزيد على مئة(24) كما هي عليه الرباعيات التي اعتمدناها بترجمة أحمد الصافي النجفي؛ ومصطفى وهبي التل المشهور بعَرار... الأولى شعرية والثانية نثرية... ومهما يكن الأمر فالمتمعن في الرباعيات يدرك أنها متفاوتة المضمون والبناء؛ وإن تشابهت في كثير من الملامح الفنية؛ مما يصعب القطع في نسبة عدد منها إلى شاعر بعينه... ولهذا جعلنا الترجمتين السابقتين أصلاً لدراستنا، وإن لم نهمل الإشارة إلى ترجمات أخرى. وهنا تقتضي الإشارة منا إلى أن الرباعيات ترجمت إلى العربية عن الفارسية في الوقت الذي تُرجم عدد منها عن لغات أخرى كالإنكليزية... فقد ترجمت إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية واللاتينية والتركية وغيرها... ويبدو لي أن العرب عرفوا الترجمة الإنكليزية قبل أن يطلعوا عليها بالفارسية: وأول من ترجمها إليها (توماس هيد) أستاذ اللغتين العربية والعبرية في جامعة أوكسفورد سنة (1700م)، ولكن ترجمة الشاعر الإنكليزي (فتزجيرالد) سنة (1859م) هي التي أصابت الشهرة في الأوساط الإنكليزية؛ لأنها اتصفت بالشفافية والدقة؛ فضلاً عن أنها تواءمت مفاهيمها مع طبيعة الغربيين، ولا سيما ما يتعلق بالحديث عن الخمرة والمرأة، ومبدأ الشك، والبحث عن سر الوجود؛ فقد بلغت طبعاتها حتى سنة (1925م) نحو (129) طبعة(25). ومن ثم تجاوزت اليوم ثلاث مئة طبعة... مما جعل الخيام يحوز مكانة عالمية بوساطتها؛ دون إهمال شهرته بعلم الرياضيّات والفلك ووَضْع التقويم الشمسي... أما ترجماتها العربية فقد زادت على خمس عشرة ترجمة، عدا الدراسات والأبحاث التي قامت حولها... ويعد الأستاذ وديع البستاني أول من ترجمها عن الإنكليزية إلى العربية سنة (1912م) وأحالها إلى سباعية بدل الرباعية(26). ولما اطلع عليها عدد من الشعراء العرب سارعوا إلى ترجمتها عن الفارسية؛ فقد ترجمها عن الفارسية أحمد الصافي النجفي إثر قراءته لترجمة وديع البستاني؛ ثم تعلم الشاعر أحمد رامي الفارسية وترجم الرباعيات عنها سنة (1924م). وتزيد ترجمة رامي شفافية على ترجمة النّجفي؛ وإن سكب كل منهما روحه فيها؛ إذ ترجما الحالة الشعرية التي امتزجت بالحالة الشعورية. والسبب في شفافية رامي أنه كان يقع تحت تأثير أحزانِ فقدِ أحد ذويه... وحينما قرّب أحمد رامي الرباعيات إلى النفس العربية بأساليب رقيقة، كان لصوت أم كلثوم أثر بعيد في شهرتها بين الناس حين غنت بعض رباعيات أحمد رامي. وكان الشاعر جميل صدقي الزهاوي قد ترجمها شعراً سنة (1924م) عن الفارسية؛ ولكنه أكثر التصرف فيها, ثم ترجمها نثراً فالتزم بالنقل الحرفي مثله مثل (عَرار)؛ على حين جمعت ترجمة محمد الفراتي بين الروح الشعرية والالتزام بكثير من المعاني الأصلية باعتباره متقناً للفارسية، ومترجماً عنها... فضلاً عن ترجمات أخرى كترجمة محمد السباعي وأحمد حامد الصراف مما وقف عنده الدكتور عبد الحفيظ محمد حسن(27). وقبل أن نشير إلى خصائص الرباعيات نثبت أن هذه الترجمات لم تكن مبنية على بحر الهزج وحده، ولم تتبنَّ طريقة واحدة في الشكل، في الوقت الذي اختلفت فيه في طريقة التعبير عن الأصل الفارسي بين النقل الحرفي والمجازي الذي أدخلها في تأويلات جديدة لم تكن في الأصل... فمن ترجم الحالة الشعرية ـــ باعتباره شاعراً ـــ كالسباعي والنجفي وأحمد رامي... فإن ترجمته اتّصفت بالشفافية والصور المتخيلة التي تسمو بالنفس؛ لأن شخصيته وثقافته غدت جزءاً من التجربة الإبداعية الجديدة، وحملت العديد من رؤاه... ومن ترجم الرباعيات ـــ باعتباره ناثراً ـــ كالزهاوي وتوفيق مفرّج وعرار وأحمد حامد الصراف.... فقد اتصفت ترجمته بالنقل الحرفي غالباً؛ وإن لم يستطع عزل ثقافته عنها... فتارة تكون دقيقة أمينة؛ وتارة أخرى يتصرف فيها كثيراً بما يتسق وما يملكه من ثقافة. لهذا كله تظل الأحكام الصادرة عليها مرتبطة بذلك كله؛ سواءٌ منها ما يتعلق بدراسة المضمون أم الشكل... ومهما يكن الأمر فالرباعيات دلت على نزوع عقلي، وقريحة نادرة، وموهبة فذة امتزجت بحس مرهف، وعاطفة متوثبة شفافة... فالحالة الشعرية تستند إلى العقل والحَدْس، فهما أساس الرؤية الشعرية الفلسفية لدى الخيام... والعقل لديه ـــ كما نرى ـــ "ممارسة وجودية تتغير أبنيتها وعلاقاتها مع كل فضاء فكري يُفْتَتح، أو كل شكل معرفي يُبْتكر"(28). ولهذا طغت الدلائل الشعرية المتركزة حول مبدأ الشك واليقين؛ حتى انتهت لديه إلى فلسفة الوجود والعدم... وقيل: إنه من الجبريين؛ وكذلك قيل: إنه من الباطنيين، أو من الأبيقوريين، وقيل: كان لا أَدرْيّاً، ومتشائماً(29). وهناك من عزف عن ذلك كله فأول أحاديثه عن الخمرة والمرأة والوجود فجعله صوفياً وجعله في حكماء المتصوفة والفلاسفة؛ يتعلق بالمُثل والأخلاق، ويدعو إلى الزهد والتصوف في قوالب فنية يصب مشاعره فيها بكل حيوية وصدق... وبناء على ذلك كله كان علينا اختيار الترجمتين اللتين أشرنا إليهما ـــ إذ لا بد من الاختيار ـــ وهما من أقرب الترجمات إلى الأصل الفارسي؛ وإن كانت ترجمة النجفي شعراً ـــ لنبرز فلسفته بين العدم والتصوف؛ هذه الفلسفة التي تنتمي إلى ما يعرف بالشعر الفلسفي؛ باعتبار وظائفه ودلائله وأهدافه، مما يقربه من مفهوم الفلسفة نفسه. ولما أردنا ذلك قدمنا بما يدخلنا إليها بمفهوم (حدود وأبعاد) وأتبعناه بمبدأ الشك واليقين لديه؛ لنكتشف حدوده ومفاهيمه باعتباره العلة للاتجاه الفلسفي المادي الوجودي الذي أوصله إلى فلسفة العدم... وهذه الفلسفة هي التي أخرجتنا إلى النقيض الذي يتجسد في فلسفة التصوف والحكمة لديه.... 3 ـــ فلسفة الخيام في الرباعيات أ ـــ حدود وأبعاد: لا مراء عند عدد من القدماء والمحدثين بأن عمر الخيام كان أحد الفلاسفة الحكماء، وأحد الأطباء وعلماء الهيئة والفلك والرياضيات... ولذلك كله وصفه أبو الحسن البيهقي بأنه "الإمام والدستور والفيلسوف وحجة الحق"(30). وكان الخيام يمتلك من الصفات ما أهّله لذلك كله فهو ذكي فطن، صافي الذهن، دقيق الحس، والملاحظة... كثير الحفظ والدرس؛ مثابر على المطالعة والقراءة؛ يسرع إلى مجالسة العلماء والأدباء والأمراء... رفع منزلة العقل إلى درجة عظيمة فجعله الفيصل في كل ما يجري لـه، بعد أن تسلح بمنهج تفكير علمي وفق ظاهرة العلة والمعلول؛ والمقدمات التي توصل الباحث إلى النتائج لكثرة إدامة النظر فيها وكشف أسرارها... فالعقل وحده أصل الأشياء؛ في الوقت الذي جعل خبرات الواقع والدين والثقافة وسائل لإنتاج فلسفته الخاصة به... بعد أن مزجها بمشاعر رقيقة، وعاطفة فياضة وصادقة الحس... وهذا كله يؤكد مفهوم الشعر الفلسفي الذي يماثل مفهوم الفلسفة... فهي نتاج لأنها "نشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة وإعادة صوغ المشكلات" كما يراها بعض المحدثين(31). فالفلسفة منهج تفكير لفهم الكون وتحليله وتفسيره... ومن ثَمَّ يتميز نمط التعبير عنها بين الناس عامة، والفلاسفة خاصة... وبكلام آخر: إن ولادة الفلسفة تكمن في معنى القول بما يعتمده من لغة التعبير عن رؤى ذات نظام عقلي أو وجودي كوني، لأنها بحث عن المعرفة والحكمة، ولا سيما معرفة الوجود وغايته. ولهذا فالفلسفة لا تنفصل عن منهج التفكير الذي يفسر الوجود وأحداثه وظواهره كلها... وهذا هو السبب الذي يؤدي إلى اختلاف رؤى الفلاسفة الكونية، ويميز خطابهم الفلسفي عن الوجود، دون إهمال أثر الثقافة والتاريخ والوجود الذاتي والموضوعي... فمنهم من عبّر عن الموجود من الوجود ومنهم من قفز فوق الواقع والدين في إطار نظم المفاهيم العقلية... وبناء على هذا نرى أن عمر الخيام في رباعياته عبّر عن الوجود من الموجود في صميم تفسير عقلي؛ وربما حملت معنى باطنياً خفياً... فانتهى به إلى الشك، ثم إلى العدمية... وربما عبَّر عن الوجود من الموجود في إطار وحدة الوجود كما نجده عند المتصوفة؛ إذ نظروا إلى انسجام الأشياء في الوجود أو الواقع(32). أما حين أراد أن يجعل التناسق بين العالم السفلي والعلوي في عقله، وفق وحدة الشهود عند المتصوفة فربما وقع في القلق والاضطراب؛ الذي قرَّ به مرة أخرى من مبدأ الشك... ثم فلسفة العدم... وكل من يحلل العوالم الشعرية، ويستطيع القبض على الحالة الشعرية والشعورية لديه يمكنه إدراك الرؤية الفكرية التي تكمن وراء ذلك من جهة الهدف والوظائف... ولعل كل عنصر فني في رباعياته يؤكد ذاته في تجسيد فضاءات متمايزة ووظائف متنوعة وشديدة الإيحاء... فهي غالباً وظائف فكرية اجتماعية تأملية وفلسفية قبل أن تؤدي وظائفها الاتصالية والجمالية التعبيرية... ومن هنا نستوعب طبيعة العلاقة بين الشعر الفلسفي والفلسفة؛ فليس هناك فرق شديد في الرؤية؛ اللهم إلا في التعبير والتصوير... فالشعر الفلسفي يكون نُظماً فكرية أساسها التأمل الذاتي العقلي؛ والمنبثقة ـــ في الأصل ـــ من نُظم فكرية متعددة؛ سواء كانت متوافقة أم متخالفة؛ كالفلسفة تماماً. ولعل التوافق والاختلاف في الرؤية الفلسفية على ارتباطهما بالثقافة والنزوع الذاتي أعظم ارتباطاً بالزمان والمكان اللذين يقع فيهما الإنسان... ولما كان الخيام قد عاش في عصر كثير التقلبات والأحداث المتناقضة على مختلف الصعد سياسياً واجتماعياً ودينياً ومذهبياً فقد ظهرت تجليات ذلك في فلسفته... فحين اتصل بأمراء عصره ابتعد عن الانغماس في شؤون السياسة؛ وما طلب منهم إلا أن يعينوه على البحث والمطالعة... بعكس صديقه حسن بن الصبّاح الذي أصبح لـه شأن سياسي ديني خطير ومهم في الحركات الدينية والمذهبية التي نشأت آنذاك(33). ولا شيء أدّل على هذا كله مما قاله لصديقه الوزير نظام الملك حين استقدمه هذا وعرض عليه جاهاً وسلطاناً: "لا أريد منك أكثر من أن تدعني أتفيأ طرفاً من ظلال نعمتك الفيحاء؛ لكي أتمكن من نشر ضياء العلم ونور المعرفة، داعياً لك بدوام العز وطول البقاء. فأجابه الوزير، وأجرى لـه مرتباً سنوياً قدره ألف ومئتان مثقالاً من الذهب"(34). ولسنا نرتاب لحظة واحدة في أن مطالعاته قد تجسدت في فلسفته؛ وبرزت في صور كثيرة من رباعياته... فهو أحد من "يعلم علم اليونان" كما قال القفطي(35). وكان متأثراً بأبي العلاء المعري إلى حد بعيد جعله يحذو حذوه في أفكار عديدة وأساليب مختلفة؛ علماً أن كليهما أفاد من الفيلسوف أفلاطون (484 ـــ 317 ق.م) الذي كان من رواد الفلسفة المثالية الموضوعية، ولـه محاورات فلسفية عديدة. لهذا يرى أحد الباحثين أنهما يناديان "بإظهار الحقيقة من غير زيف أو خداع [ويعملان] على محاربة البدع وتحكيم العقل في أمور الدين"(36). وتأثير أبي العلاء بارز في الخيام رؤية وأسلوباً، ولا سيما فيما يتعلق بمفهوم الوجود ودورة الحياة... فهي متكاملة ومستمرة؛ فالإنسان من تراب وسيعود إليه. ولهذا يربط بين الحياة والموت، لأن الموت سبب لاستمرار الحياة، لا باعتبار التناقض، كما في قولـه(37): إن التراب الذي تطؤه أقدام كلِّ جاهلٍ كفُّ حسناء ووجه محبوبة... وكلُّ لبنةٍ على شرفة إيوانٍ هي إصبعُ وزيرٍ أو رأس سلطان. وهذه الرباعية على جمال عبارتها ليست إلا صورة من قول أبي العلاء(38):
والخيام
الذي تأثر بالمعري كان متأثراً بالعديد من الآيات القرآنية، وبأقوال للإمام علي
(عليه السلام) وبابن سينا ولا سيما قصيدته الشهيرة
وكان أثر "كتاب الشفاء" لابن سينا في الخيام كبيراً، فضلاً عن تأثره بشعراء من فارس مثل شهيد البلخي الذي سنعرض لمثال لـه من بعد(40). ونكتفي بهذه الإشارة إلى المؤثرات الفكرية والأسلوبية لنبرز مصادر فلسفته وتنوعها... دون عزلها عن أحداث عصره وتجربته الذاتية... وإن كانت تلك المؤثرات تحتاج إلى بحث خاص... ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى الحديث عن مبدأ الشك واليقين. ب ـــ مبدأ الشك واليقين: لم يكن الخيام وحيداً في مذهب الشك واليقين، والتفكر الحقيقي في العالم الآخر؛ وإن أرجع بعض الباحثين شكه في الآخرة إلى الترجمات(41). فمن يلج عالم الرباعيات ويمعن فيها تأملاً وتحليلاً مستشرفاً لغتها وصورها وإيحاءاتها يدرك أن فيها آراء كثيرة تدور في عالم الشك في وجود الجنة والنار... فقد أكدت رباعياته نُظمه الفكرية التي جعلت العقل يحتل مكانة عليا في البحث عن سر الكون، إذ بحث في الأزل والوجود والموت فما وقع إلا في الحيرة والاضطراب؛ لأنه لم يجعل معرفة اليقين بالنور المقذوف بالقلب قبل اليقين الذي يبحث عنه بالعقل؛ دون أن نشك لحظة واحدة في أن مبدأ الشك العلمي يعد أصلاً في نظرية المعرفة؛ فمصدر الحقائق كلها يتجلى في الحقيقة المطلقة التي لا تتبدل ولا تزول؛ وهي تتجسد في الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ. فالخيام الذي أدرك بعقله فناء الدنيا البشرية جعل العقل حكمه على ما وراء الطبيعة فصُدم بكثير من حقائق الوجود، في الوقت الذي اصطدم بكثير من مبادئ الدين الحنيف، فاضطرب بين الشك واليقين؛ لهذا طفق يستجلب الأدلة والبراهين لما يذهب إليه. وحاكم كل ما يؤمن به ويراه بالعقل الخالص، بما فيه فلسفة التصوف التي انتهى إليها في أخريات حياته ولعل ذلك هو الذي أوقعه في الحيرة والاختلاط، فرُمي بالزندقة والإلحاد كقولـه(42): لقد أُكرهت على نزول ساحة الحياة فما زادتني زيارتها إلا حَيْرة... وها أنا ذا أهجرها مكرهاً فليتني أعلم القصد من رحيلي، ومن مقدمي وإقامتي!! وترجمة (عرار) لا تختلف في مضمون التعليل لمفهوم الشك عن ترجمة رامي لهذه الرباعية؛ في قولـه(43):
أو ترجمتها عند الصافي النجفي(44):
وهذه الرباعية توحي بتأثر الخيام بأبي العلاء المعري، ولا سيما ما يتعلق بمبدأ الشك واليقين(45) دون أن نغفل تأثره بأسلوب اللزوميات عند المعري، وهو القائل(46):
ومن يطلع على قصيدة (الطلاسم) لإيليا أبي ماضي يستشف بأنه أخذ فكرتها ومضمونها من رباعيات الخيام حين اطلع على ترجمتها الغربية وبخاصة ترجمة الشاعر الإنكليزي (فتز جيرالد)؛ ومما قاله فيها(47): جئت لا أعلم من أين؛ ولكني أتيت ولقد أبصرت قُدّامي طريقاً فمشيت وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري. فالحيرة في إثبات معرفة سر الحياة والموت كانت مسيطرة على ذهن الخيام، فكان دائم التفكير فيه؛ يطوف ـــ أبداً ـــ في العالم السفلي ليدرك العالم العلوي فوقع في الاضطراب والقلق، لا الهمَّ، لأنه آمن بفناء جسد الإنسان، وخلود الوجود المادي... وهذا هو الذي أوقعه في التناقض، كما أوقعه في الشك القاتل حول تدبير الكون فقال(48): حَذارِ تدع يدك تفلت التعقل فما هذه الأجرام التي اتخذت هذا الإيوان موطناً والتي ما برح أمرها فلسفة تتيه بها أفكار العقلاء والتي يُظَنُّ أن لها شأناً في تدبير أمور الكون إلا مثلنا في حيرة من أمرها. وعقل الخيام لم يهدأ لحظة واحدة في تأمل العالم العلوي؛ وبخاصة حين شرع يقيم الدليل على صحة شكه، ومن ثم قفز فوق الدين والتاريخ؛ بل الوجود نفسه... فالعالم الآخر غير مدرك بالعقل، ولا يلمس بالحواس... ولكنه يتساءل: هل أتى أحد منه؟ فيجيب بقولـه(49): ما من أحد شهد النعيم أو الجحيم يا نفسُ!! وما من أحد جاءنا بنبأ من العالم الثاني!! فنحن نؤمل بين شيئين ونتخوف من أمرين لا دليل يقوم على وجودهما. فهو يبحث عن الحقيقة؛ ويكثر من الأسئلة التي تفجرت على لسانه، وما وجد لها جواباً يشفي غلة الباحث عن معرفة سر العالم الثاني... فحينما تجسدت رؤيته الفلسفية في الرباعية التي تقدمت: وهذه الرباعية تتناول الأجرام السماوية التي انتظمت حركتُها الكونَ بتدبير دقيق لا يختل ولا يضطرب، كان المفهوم الفلسفي الكمي يرجعه إلى العقل؛ وكلما رجع إليه ازداد حيرة؛ وهذا ينفي عنه ما قيل فيه من إيمانه بمبدأ (اللا أدرية) لأنه أَعْلَى من قيمة العقل؛ وإن شعر أن العقل عاجز عن الوصول إلى الحقيقة المطلقة؛ فقال(50): إن مقاييس العقل أعجز من أن تسعدنا بمعرفة الزمن الذي أخذت [فيه] هذه القِدْرُ المذهبة بالدوران وأعيى من أن تفيدنا علم الساعة [التي] ينهار فيها أساس هذا البناء الجميل. وهذا ما يميزه من أبي العلاء الذي تأثر فيه ولا سيما قولـه(51):
فالأفكار عند الخيام تتفجر بأساليب مفعمة بالحيوية الفكرية وجمال التعبير، ليخلق لدينا المتعة الفكرية والفنية، وهو يبحث عن الحقيقة... إنه يصوغ مواقفه منها بقلق دائم، ودهشة متوترة ومستمرة، مما يجعل فلسفته أشد تعقيداً وأكثر إشكالاً من فلسفة الشك عند المعري. ولهذا يرى المازني أن الخيام "عالج لغز الحياة فأعياه وأضناه، وحرّقه وأرقه وأطار صوابه" فلجأ إلى الخمر لتسكّن عقله الباحث عن علم الساعة وتخدر حسه المضطرب. ثم استشهد المازني برباعية ترجمها رامي وغلّب عليها اتجاه الصوفية ليثبت رأيه(52) وهي(53):
وعرضَ لرباعيات أخرى؛ منها(54):
وكان أحمد رامي قد ردَّ رأي المازني؛ لأن (فيتزجيرالد) لم يترجم قسم المناجاة من الرباعيات، وهو قسم أضاف إليه رامي كثيراً من مشاعره، وخياله، ولا سيما ما يتعلق بإحدى رباعياته التي تاب فيها ـــ أخيراً ـــ إلى الله؛ لأن الخيام جعل اللذائذ كلها بما فيها الخمرة وسيلة للبحث عن الخلود المستحيل للإنسان في الدنيا... ولذلك مضى يصفها على هذه الحال... أما رامي فاستدل على ما ذهب إليه بترجمته لإحدى الرباعيات وهي(55):
ونرى أن الشاعر ـــ وفق ترجمة التل التي سبقت قبل قليل ـــ راح يلتصق بالوجود؛ هذا البناء الجميل؛ ويتأمل حقيقته لمعرفة سر الحياة. ولهذا استعان بمشاعره وتأملاته ولم يستعن بنظرية المعرفة العقلية التي تزيل الشك... فهو ينظر إلى ما يراه فيجده حقيقة مطلقة؛ وكذا انتهت إليه ثقافته الفلسفية... ولذلك طفق يجري وراء البراهين التي تخرجه من دائرة الشك إلى اليقين... فهو يرى الوجود في حالة حُلُم... فالأحلام تستيقظ في داخله؛ أو لنقل: إن تأملاته في العالم السفلي لم تستطع أن تنتشله من ثورة الشك في داخله؛ فبقي العالم العلوي غير مدرك لديه؛ وظل اكتشاف سر الخلود بعيداً عنه؛ ما جعله ينشغل بمتع الحياة وفق ما انتهى إليه طرفة بن العبد في العصر الجاهلي(56) ووفق فلسفة سارتر الوجودية، إذ أصبح البرهان دليل شك وليس دليل يقين، فانتهى الأمر بكل منهم إلى الفعل السلبي المتأثر بالوجود، ولم يكن فعلاً إيجابياً؛ إذ قال الخيام(57): لو أني اكتشفت سر الحياة لعلمت حكمة الموت... ليت شعري؛ إذا كنت اليوم، وأنا أملك زمام نفسي لا أعلم من أمرها شيئاً ماذا عساي سأعلم غداً يوم يستحوذ عليَّ سبات العدم؟! فالشاعر يتحدث عن الجسد الذي يتهاوى كورقة بيد الموت، وهو يتجه إليه دون انحراف؛ على حين أن الدنيا ثابتة باقية ولا تعرف ماهيتها بدقة.... إن الموت يمثل لـه عبئاً حقيقياً؛ لأنه لم يستطع حل أسراره بعكس ما رأيناه عند شهيد البلخي الذي تأثر به في هذا المقطع إذ يقول(58): مررت أمسِ بخرابة طُوْس المتهدمة فرأيت على الأطلال بدل الديك بوماً ناعية فقلت لها: أعندك خبرٌ عن هذه الدنيا الفانية فقالت: هذا هو الخبر؛ واأسفاً، واأسفاً على دنيا خادعة فشتان بين هذا المقطع الشعري وبين ما قاله الخيام أو ما يقولـه في رباعيته الآتية التي ضجّت صورتها من الخوف أو القلق الذي يطارده فاستعان بالخمر على دفع ذلك(59): أقيمي لنفسك يا نفسُ نعيماً من الصهباء في هذه الدنيا فما لك من سبيل في حل هذا اللغز الغامض وفهم ما قاله النوابغ من كلِمٍ ذي معانٍ وقد تصلين إلى الموضع الذي أقامت فيه الجنة وقد لا تصلين. ولا مراء في أن الباحث المتفحص لرباعيات الخيام يجد فيها أنماطاً مثيرة من الحكمة الفلسفية الرفيعة، والأفكار الموحية التي صُبَّت بقوالب جمالية تؤثر في النفس... فظاهرة البرهان وكثرة السؤال؛ وكل ما يطوف في دائرة الشك زاد من جمالية صوره الأخاذة... وإن لم يكن يوماً يهدف إلى هذه الوظيفة الجمالية، وإنما كان يهدف أبداً إلى معرفة حقيقة الوجود وتفسيره ومعرفة أسراره، فوقع عقله في الشك دون اليقين. ومن ثم انتابه صراع داخلي عظيم أداره في ذلك الحوار الذاتي المدهش؛ وإن كان في الأصل صراعاً خارجياً. وإذا كان لنا من رأي أخير في هذا المقام فإنه يتماهى مع سر العالم السفلي الذي يدل على العالم العلوي، وعالم الآخرة... والعقل نفسه يثبت هذا، وإلا فإن الشك سيتطرق إلى العقل ذاته لأنه غير ملموس ولا مرئي... فالموجود بكل آثاره يدل على الوجود غير المرئي... بَيْد أن الخيام ظل في تأمّله الذاتي يدور في حالة من الحلم لحل لغز ذلك الموجود /الحياة: الموت/ فما انتهى إلا إلى الشك... علماً أن ظاهرة الشك تعد محاولة للاستدلال على ما نعتقد به؛ بمثل ما تصبح وسيلة لمعرفة ماهية الحياة والموت وحل لغزهما المحير... وهو ما اهتدى إليه في رباعيته وهي(60): من منزل الكفر إلى الدين نَفَسٌ واحد ومن عالم الشك إلى دنيا اليقين نَفَس واحد فتعهد بطبيب هذا النفس العزيز فحاصل عمرنا هو مجرد هذا النفس. فعلى الرغم من أن هذه الرباعية توحي بشدة الشبه بين حال الشك واليقين إلا أنه عرض لهذه الحال بحكمة مثيرة للنفس والعقل حين أبرز القيمة الإنسانية ذاتها في هذه الحياة التي ينبغي أن تستثمر على أحسن وجه. ولذلك كله كان يقع بين فلسفة العدم التي تستند إلى اغتنام الحياة في اقتناص الشهوات واللذائذ لأن الموت يتربص بالعمر.... وبين فلسفة التصوف التي تحدث نوعاً من التوازن الداخلي للإنسان، فالحياة تنضب هي الأخرى وتموت كما يشير إليها كثير من صور الوجود... فتستوي مع الموت؛ مما يدعو الإنسان إلى تدبر شأنه... وهذا كله ما سنأتي عليه. ج ـــ فلسفة الوجود والعدم: لعل تحليل العوالم الشعرية لرباعيات الخيام قد استهوى أفئدة العديد من الباحثين؛ فذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى أبرزها؛ أن الخيّام لم يكن إلا وجودياً عبثياً... وما رؤيته الكونية للوجود إلا رؤية وجودية تنتهي إلى العدم بوساطة الموت، باعتبار فلسفة الوجود والعدم. فالجسد وجود مادي حقيقي يكون على هيئة ثم يرجع إلى أصله وهو التراب... إلى المادة المكون منها أصلاً، والتي يتغذى عليها في حياته... فالمادة تعود إلى المادة... بوساطة الموت لاستحالة الخلود، أو الانتقال إلى عالم آخر... فالإنسان ليس شيئاً في فلسفة الزمان؛ والوجود... وهذا مستمد من معرفته الفلسفية، ولا سيما حين يشدد على معرفة الحدود بين الأجناس في العدم فيقول(61): أيها الجاهل أنت لست شيئاً بالنّسبة إلى عمل الزمان إن قواعدك ريح وأنت لا شيء من ذلك إذن إن حدودك لا تخرج أن تكون بين عدمين فمِن حولك عدم وأنت في وسط هذا العدم. وهذه الرباعية التي توحي بفلسفته العدمية تؤكد في آن معاً تأثره بدورة الفلك التي تسير سيراً لا يستطيع تفسيرها. لذا يتماهى في الوجود لأن الموت يفسد كل شيء فيه..... ويعبر عن فلسفته هذه بكل وضوح وصراحة، ومن دون أن يحتمل كلامه أي تأويل آخر؛ فيقول أيضاً(62): أيها [الغافلون] هذا الذي نسميه جسداً هو لا شيء وهذه السموات وقبابها المثمّنة؛ هي ـــ أيضاً ـــ لا شيء فمَا لنا لا ننعم بالملاهي والملاذ في هذه الدنيا التي لا يربطنا بها إلا نَفَس واحد؛ هو في الحقيقة لا شيء؟!! تشي هذه الرباعية بالحديث عما وراء الطبيعة؛ عن أمور الغيب، التي لم يدرك حقيقتها، لهذا كله لا جدوى من البحث عن سر الوجود لأن الإنسان يتجه إلى العدم... ولما جُبل جسد المرء من المادة فهو متعطش إلى الأصل الذي نشأ منه تستهويه الشهوات والملذات في الحياة الدنيا، وعليه أن يشبع منها ويجري وراءها؛ أما روحه فستفارقه حين يسدل عليه العدم ظلاله؛ فيقول(63): واظب على الشرب ما زلت تجهل منشأك واعكف على اللذات ما دمت لا تدري مصيرك وفكر في روحك التي ستتخلى عنها يوم يسدل العدم عليك سُجوفه ويخفيك الموت خلف حجبه. فالموت في فلسفته يقابل فلسفة العدم، لأن الموت ينهي الوجود، في الوقت الذي يستر العقل... فالرؤية التأملية الفلسفية للخيام بمقدار ما تحمل في طياتها من حكمة تشعرك بالزهد تثبت أنها رؤية عقلية تنبثق من المفهوم العدمي؛ لأن الوجود يستحيل إلى لا شيء. ونرى أن هذه المفاهيم الفلسفية عند الخيام تشتمل على تناقض حقيقي في منهج تفكيره، إذ لا يعقل أن يتحول الموجود إلى لا شيء، أو إلى المستحيل. فالمستحيل غير موجود؛ مما يعني أن خَلْق العدم ليس إلا خلقاً للمستحيل، وبهذا يتركز التناقض الفلسفي. أما الكون/ الخلق فيؤكد أن المسبب للوجود هو المسبب لكل ما لا يمكن للعقل إدراكه أو كما هو في كلام الخيام (لا شيء) الذي كرره في رباعيات عديدة كما تضمنتها الحواشي السابقة. ومن ثم لا يمكن نسيان مقولاته الوجودية أن المادة تعود إلى المادة؛ فالجسد لديه يتحول إلى تراب بوساطة الموت، ومن ثم تستمر دورة الحياة الوجودية. ونرى أنه كلما اغتنم فرصة الحياة باقتناص الملذات كان يريد الانتصار على الموت الذي يعيد الجسد إلى أصله؛ فيقول(64): اهنأ يا خيّام بنشوة الخمرة المالئة رأسك وبالمليح الفاتن الذي يزيدك تنادمه جذلاً ما ضرّك وغاية الحياة العدم أن تفترض أنك ما كنت أبداً، وتسعد بوجودك هذا ولو لحظة. فالخمرة لديه مَرَح وأُْنْس وتنعم بالحياة، ولهذا ربما بالغ في تفضيلها في إطار فلسفة العشق للوجود والحياة. فالخيام ينطلق في شعره الفلسفي العدمي من عالم الكون، وهو ما يزال مستمراً في البحث عن سر الحياة والخلود(65)، ولكنه اعتمد على العقل فقط فانتهى إلى رفض كل ما هو كائن وواقع... ومن ثم رفض سلطة الدين والذاكرة، وربما تجرأ في ضوء فلسفة العدم على كثير من المفاهيم الدينية في أصول العقيدة؛ كما في قولـه(66): يقولون: إن في الجنة حوراً عيناً وأنهراً من خَمْر وسكر وحليب وعسل أعطني كأساً أشربها على ذكر هذه الجنة فدرهم باليد خير من ألفٍ أُوعد بها إن قارئ هذه الرباعية لا يخالطه شك في كونها اعتداء صريحاً على مبادئ الدين، وليست الخمرة لديه وسيلة إلى تهذيب النفوس، وإن ورد لديه رباعيات تعبر عن ذلك؛ ربما نظمها في أخريات حياته... ولعل من أطرف الصور المبتكرة في ذاك المقام قولـه(67): لو أن إبليس كان قد شرب قدحاً من الخمر لخرَّ ساجداً لآدم ألف سجدة لا يبالي وربما تهكم الخيّام تهكماً لاذعاً من رجال الدين، وصورهم بصور فكاهية مدهشة التقابل، فقال(68): نحن يا مفتي المدينة أكثر منك شغلاً وبهذا السكر أكثر من صَحْواً أنت تشرب دم الناس، ونحن نشرب دم الكروم فقل ـــ مُنْصفاً ـ: أينا أشد سفكاً للدماء!!؟ إن فلسفة الخيام تنبثق من الوجود المدرك بالحواس والعقل معاً؛ وهي فلسفة طالما تحدث عنها فلاسفة اليونان من قبلُ كأفلاطون. فالمبدأ المادي هو الشرط الضروري لوجود العالم، والموجود ـــ لديه ـــ يكون أزلياً ويمثل الوجود الحقيقي باعتباره النموذج المثالي كما في قولـه(69): للأزل أسرار؛ لا أنا أعلمها ولا أنت وهذه الأُحْجِية لا أنا أفهمها ولا أنت ما قالُنا وقيلنا خَلْف الحجاب إلاّ حَدْس ينتهي متى أُزجيت الستائر، حين لا أبقى أنا ولا أنت. إنها فلسفة وجودية عدمية تتصارع مع القديم لتبني عليه شيئاً جديداً يستهوي العقل والجسد معاً، وإن قصّر العقل عن إدراك حقيقة الأزل... بينما أثبت للموت سيطرة مطلقة على العقل والجسد معاً... فعقل الخيام صائر بالحتمية إلى الموت كالجسد؛ وفق نظرته للوجود الأزلي الذي لا بداية لـه، ومن ثم هو أبدي لا نهاية لـه... فالخيام لم ينظر إلى العقل على أنه مخلّص لـه وللناس من العدمية والشك، ولم يحرره مما هو فيه، ولا نظر إليه باعتباره شكلاً من أشكال الرحلة الإيمانية التي يَعْرُج فيها الجسد والروح معاً إلى السماء... لقد رآه نهاية للوجود الجميل فازداد اضطراباً وقلقاً، في الوقت الذي لم يترك الوجود إلا أن يتمتع بملذاته، وكأنه مجبور على هذا كله. فقد نظر إلى القديم فوجده ثابت الوجود، ولكنه لم يعلم كنهه، هو الآخر؛ فانتهى به إلى العدم... فتحليل الخيام لا يعدو كونه مغامرة عقلية عظيمة الإثارة باعتبارها تؤكد التناقض الذي يعيش فيه... وهو ما أخذه عنه إيليا أبو ماضي في قصيدته الطلاسم(70). إن فلسفة الخيام متوثبة وإن أدت به إلى العدمية... لا على اعتبار أن العدم ملتصق بالوجود، بل على اعتبار أن كل موجود سينتهي إلى (لا شيء)... وما ذلك إلا لأنه ينطلق في رؤيته من عالم الكون والفساد، كما يسميه الفلاسفة. فالموجود الأول وجود مُحْدَث يدرك بالحواس، ولكنه يمثّل النموذج الأول المثالي الذي عبَّر عنه الخيام بالأزل؛ ولم يدرك ماهيته؛ أما الموجود الثاني فهو الذي تحدث فيه الأشياء؛ على حين أن شبه المُحْدَث هو الموجود الثالث الحسي وتمثله المخلوقات. ثم يصبح الموجود الثاني حاضناً للثالث، والأول (الأزل/ القديم) حاضناً لكليهما معاً: فالموجود الثاني إنما هو امتداد للأول كما قال أفلاطون... و"لا يقبل الفساد" وإنما "يوفر مقراً ومقاماً لكل الكائنات ذات الصيرورة والحدوث"(71). فالحاضنة أزلية ثابتة، ودائمة الوجود في هذا العالم؛ ولما كان الثبات والأزلية من خَواص المُثُل بدت الحاضنة (القديم) كما لو أنها غير موجودة؛ لأنه لا يمكن إدراكها عقلياً كالمثال، ولا حسياً كالأشياء... وهو ما عبّر عنه الخيام وإن اتجه به اتجاهاً عدمياً؛ علماً أنه كان قد ذهب من قبل إلى وجود عالم علوي تمثل لديه بالأفلاك التسعة، أعلاها الفلك المحيط؛ والمسمّى (أطلس) وهو فلك لا كوكب فيه... ما يوحي بأن العالم عنده عالمان: سفلي وعلوي. ولكن المرجح لدينا أن الخيام تمركز حول العالم السفلي فانتهى إلى العدمية؛ ويثبته قولـه الآخر(72): ليس هذا الدير بمقامي أو مقامك ولا هو بالدار التي تحسن سكناها أو تجوز تمضية الأوقات بغير خَمْر وحبيب حتى متى أيها [العاقل] تظل تفكر بالحديث وبالقديم وما يهمك من العالم بعد أن تقضي نحبك إن كان حديثاً أم قديماً. فالكلمات والصور تتأطر في عالم واحد عند الخيام في رباعياته على ما تحمله من تناقض أحياناً؛ وهو تناقض ربما يثبت أن قسماً منها ليس لـه... بيد أنها تتأطر غالباً؛ الموثق منها والمنسوب؛ في الحديث عن عالم الوجود... ومما تقدم يتضح لدينا أن الخيام تصرّف في رؤاه الفكرية مستخدماً الشعر الفلسفي المشبع بالنُظم المفاهيمية وكأنه فيلسوف تحليلي يبحث عن معرفة سر الحياة والموت والخلود... وإن قصَّر عقله عن إدراك حقيقة القديم والمحدث.... ولهذا كله فليس الخيام من الأبيقوريين الذين يريدون التخلص من الآلام والشرور والهم والغم بوساطة متع الدنيا(73)؛ لأن إقباله على المتع واللذات يقابل تحقيق الوجود في الحياة والإمعان في التمسك بها بعد أن عجز عن إدراك سر الخلود وفق فلسفة الوجود والعدم، فضلاً عن أن أبيقور لا يؤمن بالقدر المحتوم (الجبر) على حين أن نظام الكون ثابت مُقَدَّر عند عمر الخيّام، وهو ما قرَّبه من الجبريين في بيان علل الوجود... فيقول(74): لو كنت مختاراً في قدومي إلى هذا الدير الخرب لما عجت به أبداً!! ولو خُيِّرتُ في براحه لما غادرته أبداً؛ وقد كان خيراً لي من هذا وذاك أن لا أكون زرته أو برحته أو مكثت به!! ولهذا كله يصبح حديثه عن آلامه من جنس وجوده العدمي الذي لم يكن لـه فيه اختيار، لأنه سينتهي بالموت، وهو من يسبب الألم للجميع فيقول(75): ذاك الذي خلق الأرض والسموات والأفلاك خلق، أيضاً؛ هذه الآلام المدمية قلوبنا أما الشفاه العقيقيّة، والغدائر المسكيَّة التي أودعها التراب وسحقها في مهراس الثرى، فأكثر من أن تُعَدَّ وتحصى... ولو عمّر الإنسان ألف عام فالمصير الذي سيؤول إليه يتمثل في الموت وعودة الجسد إلى أصله إلى التراب... فهو في النهاية (لا شيء)(76). ولذلك فهو لا يخاف الموت(77) ما دام قد انتصر عليه بالإقبال على الدنيا وملذاتها وما دام أنه لا يدري شيئاً عن عالم الآخرة فيقول(78): إلى متى أحتمل هموم التفكير بالفقر والإثراء وأتساءل عمّا إذا كنت سأقضي العمر هادئ البال أم مبلبل الخاطر؟ ناولني كأساً من المعتقة الصرف؛ وحسبي جهلاً أني لا أدري إذا كانت ستستقر بجوفي أم لا!! ولعل ما أثبتناه من شواهد الرباعيات يثبت ـــ أيضاً ـــ أنه لم يتجه في فكره وحياته اتجاهاً باطنياً، ولا اقترب من مبادئ الباطنية؛لأن معرفته متأصلة بالعالم الحسي/ السفلي، وهو مصدر المعرفة لديه كما هي عند أرسطو، على حين رأى آخرون أن معرفته متأصلة في النفس كما هي عند سقراط وأفلاطون فقربته من المتصوفة وهو حديثنا الآتي. د ـــ فلسفة التصوف والحكمة إذا كان الدكتور فريدرخ الألماني قد قال: "إن الخيام يدعو الناس إلى تناول الخمرة وملازمة السرور في هذا العمر الذي يفنى، ولا يؤول الخمر بخمر أهل التصوف، اللهم إلا قليلاً" فإن كثيرين غيره يرون أنها "مؤولة محمولة على غير ظواهرها"(79). فهو حين يصف الخمرة ـــ مثلاً ـــ وأدواتها فإنما يُجري فلسفته في إطار إيقاظ المدمن من غفلته؛ لأنه سيموت ميتة أبدية ولا رجوع لـه إلى هذه الدنيا الفانية. إن هذا الكلام يثبت أن هناك اختلافاً شديداً بين الباحثين في عقيدة الخيام، ومن ثم في رباعياته... لأنه يمزج بين العقل والحس والتذوق(80). فهناك ممن جعله زاهداً متصوفاً أنكر أن يكون لـه شعر، ومن ثم أيد أقواله بالأخبار القديمة التي لم تذكر لـه ذلك، ما يعني أنه لم يقل أيَّ رباعية... وهناك من ذهب إلى أنه لا يختلف في أشعاره التي تعرضَت لذكر الخمر وما يتعلق بها من مصطلحات عن كثير من الشعراء الأقدمين ممن كانوا يتصوفون، أو يميلون إلى الصوفية. فأغلب ما ورد لديه من ذكر الخمرة والتلذذ بها، والإمعان في الحديث عن النساء وأوصافهن إنما يدخل في الرمز الصوفي، بما في ذلك أشعاره أيام شبابه. فقابلية التأويل هي المذهب الذي ينبغي أن تعالج به الرباعيات. فالخمرة ليست إلا رمزاً للعزة الإلهية والمعرفة الصوفية العرفانية؛ على حين تغدو المرأة رمزاً للوحدة والمحبة....(81). ويرى من يذهب إلى التأويل أن انتشار الدعوات الباطنية، وكثرة الأحداث التي عصفت بالعصر السلجوقي كانا سبباً قوياً في انتشار حركات التصوف آنذاك، فضلاً عن أن الخيّام اشتهر بأنه وقف أمام أهل الباطن نداً للند؛ وفنّد أقوالهم، وانتقد أفعالهم، فارتدوا عليه غير مرة... ولكنه صمد أمامهم حتى استحق لقب (حجة الحق) الذي أطلقه عليه تلامذته؛ كما عرف فيه معاصروه صدقه وخلقه... إن كل من يتحدث عن فلسفة الخيام في الرباعيات ينبغي عليه أن يقبض على معرفة الحالة الشعورية للغة الخيام وصوره، وإدراك الإيحاءات الخفية لا الظاهرة المحدودة؛ وهو العالم بالفلك والرياضيات والفيزياء؛ وأحد الحكماء الثمانية. فهو "يوظف الخمر توظيفاً بارعاً في سوق عبرة أو إلقاء حكمة عن الكون"(82). إذاً؛ الخمرة في رباعياته ليست إلا رمزاً للعزة الإلهية والمعرفية، أما الكأس والسكر فرمز للحلول وما ماثله؛ كما رأيناه من بعدُ عند جلال الدين الرومي (672هـ/ 1273م) وعند الحافظ الشيرازي (791هـ/1289م)... وما ذكر ذلك ـــ أيضاً ـــ إلا تأكيد لوجوده الإيماني في الحياة؛ كما في قولـه(83): إن روحاً من عالم الطهر جاءت لك ضَيْفاً ما التاث بالغبراء اِسقها أكؤس الصبوح صباحاً قبل توديعها أوان المساء ولسنا نشك لحظة واحدة في أن عمر الخيَّام توجه في أخريات حياته إلى الزهد والتصوف ولكننا في الوقت نفسه ندرك أن الترجمات لم تتفق على ماهية واحدة في مادة رباعياته إذ اتجه بعض مترجميها وفق مفهوم ترجمة الحالة الشعرية إلى التعبير عما تكنه مشاعرهم وثقافتهم، أرادوا ذلك أم لم يريدوا... من مثل ترجمة أحد رامي وأحمد الصافي النّجفي، وتوفيق مفرّج ومحمد الفراتي... فالخيام ينظر إلى الوجود نظرة عابد زاهد متصوف، وما سؤاله عن حقيقة الوجود والسعي إلى محاولة تفسيره إلا لينتقل من الشك إلى اليقين. ومثل هذا يقال في كل مصطلحات الخمرة(84)؛ فالخمرة مؤكدة للتوحيد ومحبة الله من خلال مفهوم (السكر)، أما مفهوم الصَّحْو فباعث على الرجاء والتأمل برحمة الله كما ترجم ذلك أحمد رامي(85):
أَمَّا ما يرتبط بتحول الجسد إلى المادة فقد ذهب به كثير من الدارسين إلى مفهوم وحدة الوجود عند المتصوفة... فالجسد الذي آل إلى خزف لم يخرج عن وحدة الوجود، ولا سيما حين يجمع بينه وبين مصطلحات الخمرة كالكأس التي ترمز إلى الاتحاد، فيقول(86): رب كأس يستهوي بجماله الأفئدة فقبَّله العقل من جبينه ألف قبلة حباً وهياماً غير أن الخزّاف ما كاد يتم تكوينه حتى عاد فرماه بالأرض فحطّمه بعد أن حباه كل ما رأيناه فيه من روعة وجمال. فهو يستدل بوحدة الوجود على الواجد، ثم يستدل بالمعني الوجودي على وحدة الشهود كما هو عند المتصوفة ويعبر عن هذا في بعض رباعياته عن العالم السفلي، وعالم الأفلاك/ العالم العلوي(87) فهو يجعل العالم السفلي وسيلة إلى العالم الآخر، وعلى الإنسان أن يحسن التصرف في حياته... وإن ظل يسأل عن لغز الموت والحياة؛ فقال(88): نَفَس واحد بين منزلة الكفر والإيمان ونَفَس واحد بين عالمي الشك واليقين فلنحسن التصرف بهذا النفس الغالي ما دامت مدة عمرنا ليست إلا نفساً واحداً. ولهذا
تصبح وظيفة الشعر لديه وظيفة فلسفية صوفية أبعد ما تكون عن مفهوم الوجودية
والعدمية، وتنأى به عن كل شك مرضي؛ مثله في ذلك مثل أبي العلاء، وكلاهما كان يحارب
أهل البدع والأهواء والمنافقين من المتدينين... وينثر ذلك كله في أسلوب مثير من
الحكمة اللطيفة تعِسٌ مُعْدم الحيلة من نتيجة الأهواء وتستعبده الشهوات انظر أَيُّ إنسان أنت؛ ومن أين جئتَ؟ وتمعن فيما تفعل؛ وفيما أنت إليه صائر. وكذلك هو الشأن في مصطلحات الحب والغزل، فالحبيب هو الله سبحانه وتعالى، والهوى هواه كما يقول(90): كيف يحوم القلب يوماً على غيرك أو يبغي هوىً مع هواك إن دموعي لم تدع لحظة عينيّ ترنو لحبيب سواك فإذا أهملنا الإشارة إلى تماثل هذه الرباعية مع أبيات مشهورة لرابعة العدوية فإنها تؤكد أن الشعر الفلسفي ينطوي على وظيفة إيمانية ترسي مفاهيم التصوف ومصطلحاته في الخمرة والغزل... ولذلك قال القفطي: "وقد وقف متأخرو الصوفية على شيء من ظواهر شعره فنقلوها إلى طريقتهم، وتحاضروا بها في مجالساتهم وخلواتهم"(91). فلو لم يكن شعره في الرباعيات مناسباً لكل ما يؤمنون به لما تمثلوا به وجعلوه في كلامهم وطرائقهم فمحبة المرأة ليست إلا محبة للإرادة الإلهية وكذا الخمرة... ولذلك كله لا غرابة عند عدد من الباحثين أن يصيروه داعياً للزهد، إن لم يكن أحد المتصوفة الذين يوقظون الغافلين من أهوائهم وشهواتهم، كما يقول(92):
لا يتاح البقاء لأحد في هذه الدار الأثرية وسواء في براحها الشيوخ والأطفال فما هي إلا دار قدوم وذهاب وإياب وسفر. وكقولـه(93): إليك نصحي إذا ما كنت مستمعاً لا تَلْبِسَنْ ثوب تدليس على الجسد العمر يفنى، وعقب المرء دائمة فلا تبيعن بفانٍ عيشة الأبد. فالخيام يؤمن إيماناً لا يشوبه شكٌّ في أن خلود النفس إنما يكون بالحياة الآخرة؛ وهي الدائمة والأصل يكشف زيف ما في الحياة الدنيا، فكان إنساناً عادياً أولع بالخمرة وشربها وتعلق بالحسان والمليحات... فلم يكن عاشقاً لهما كعشق المتصوفة الروحي؛ ولا متعلقاً بهما كطلاَّب النشوة الإلهية من الباطنية(94). ونخلص إلى القول: إذا صحّت الرباعيات التي بين يدينا أنها للخيام فهي تشي بأنه مَرّ في حياته بمرحلتين؛ مرحلة الشك؛ وهي مرحلة الشباب؛ وبداية الكهولة... وفيها كان العقل غير المسلم بالإيمان الحَدْسي، والقلبي يمارس عملية الانزياح الكبرى في فلسفته التي تميزت بالشك والعدمية... فكان وجودياً جعل الدنيا سبيله وهدفه ـــ ولهذا قفز فوق الواقع والدين، ولم يقم للمعتقدات والمقدسات وزناً؛ كحال كثير من شباب هذه الأيام؛ كما يدل عليه قولـه في ترجمة النجفي(95): إن تشرب المدام أسبوعاً فلا تدع الجمعة قدساً شربها السبت والجمعة عندي استويا لا تعبد الأيام واعبد ربها وربما تطرف في ذلك فقال(96): ما اسطعت كن لبني الخلاعة تابعاً واهدم بناء الصوم والصلوات واسمع عن الخيام خير مقالة: اشرب وغَنّ وسر إلى الخيرات أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التوبة؛ وهي مرحلة النضج والشيخوخة... وفيها تاب عن المعاصي كشرب الخمرة والدعوة إلى ترك الصوم والصلاة في سبيلها؛ وإن كان يسعى إلى الخير. فقد رأيناه في غير رباعية يتوب إلى الله مناجياً إياه؛ ليغفر لـه ما قام به كقولـه(97): ألا ارحم يا إلهي لي فؤاداً من الأشجان أمسى في عذاب ورجلاً بي سعت للحَانِ قِدْماً وكفّاً أمسكت قَدَح الشراب ومن هنا لا نستغرب أن يثوب إلى رشده وهو الذي تجاوز ثمانين سنة حين وافاه الأجل سنة (526هـ/1132م) في نيسابور... وغدا أحد الزاهدين المتعبدين. ثم إن عنايته بالطب والعلوم المختلفة قد أخذت تعزز لديه مفاهيم الزهد، والدعوة إلى الإيمان والتقوى؛ والاتصاف بالحكمة البليغة الرائعة كقولـه(98): متى رفع الغطاء سيعلم الذين غرَّهم هُراء القول وتيمتهم محاسن الحُوْر ومقاصير النَّعيم أنهم وقفوا بعيداً عن المكان الذي أرادوه. ويؤكد ما نذهب إليه ما رواه ختنه الإمام محمد البغدادي؛ إذ ذكر أن الخيام كان يديم التأمل بكتاب (الشفاء) لابن سينا، وقد نظر مرة في الإلهيات "فلما وصل إلى فصل الواحد والكثير وضع الخلال بين الورقتين [وكان يتخلل بخلال من ذهب]، وقال أَدَع الأذكياء حتى أُوصي؛ فوصّى، فقام وصلى ولم يأكل ولم يشرب، فلما صلّى العشاء الأخيرة سجد؛ وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني عرفتك على مبلغ إمكاني، فاغفر لي؛ فإن معرفتي إياك وسيلتي إليك، ومات"(99). وبناء على ما تقدم ظهرت لنا فلسفة الخيام أنها فلسفة تقع بين فلسفة العدم والوجود وبين فلسفة التصوف والزهد بكل تجلياتها وأشكالها، وعلى مختلف مراحل عمره... فهي نابعة من واقعه وتجاربه، منبثقة من الرغبة في تحقيق الذات ومعتمدة على ما اتصف به من حكمة وعقل ذكي فذ... فإن وقع في متناقضات فكرية ودينية شتى فمَرَدُّها إلى عدم اتصاف العقل بالكمال، وخصوصية التجربة الثقافية الفلسفية التي نهل منها معارفه... بيد أن تلك المتناقضات لم تكن يوماً فوضوية ولا عشوائية، ولا عبثية؛ لأنها تتعلق بحِكَم كثيرة من جهة، ولأنها تبحث عن معرفة الخلود، والحكمة من الموت من جهة أخرى...(100). فلما كانت رباعياته صادرة عن تجاربه وعقله وفلسفته وثقافته اكتست ومضات ارتقائية في الكلام على الكون والوجود بعالميه السفلي والعلوي... إنها فلسفة ترفض الظلم والعبودية، وتدعو إلى الحب والصفاء فيقول(101): قالت الوردة: لا خدَّ كخدي في البهاء فإلامَ الظلم ممن يبتغي عصراً لمائي؟! فأجاب البلبل الغِرّيدُ في لحن الغناء: من يكن يضحك يوماً يقض حولاً بالبكاء. فهذه الحكمة الرائعة تدل على فلسفة رفيعة؛ تأبى الذل والقهر، وتصدر عن ثقافة نوعية راقية؛ في الوقت الذي تعبر عن تجاربه الاجتماعية، وكذلك هي في قولـه(102): لا تنظرنَّ إلى الفتى وفنونه وانظر لحفظ عهودهِ ووفائه. فإذا رأيتَ المرء قام بعهده فاحسِبه فاق الكُلَّ في عليائه. فهذه الرباعية وما سبقها ليس فيها أدنى قابلية للتأويل؛ إنما هي تمثيل صريح لمبدأ الحكمة والنصيحة للبشر كافة في أخريات حياته، ولا يضيره أن يكون في أول حياته مائلاً إلى العبث؛ فخير حياة المرء خواتيمها... أما أن ينسب كل ما في الرباعيات من إلحاد وكفر وعبث ولهو إلى رجل آخر اسمه الخيّامي وحده، وهو ليس عمر الخيام فذلك ما لا يتفق مع المنهج العلمي والمعرفي ومع التجارب البشرية علماً أن البيئة الدينية لا تمنع أحداً من أن يرتكب بعض الأخطاء، أو يسير إلى الملذات كما زعمه بعض الباحثين(103). ولعل من أجمل حكمه الفلسفية التي تدعو إلى فهم الحياة ومعضلاتها ما قاله في إحدى رباعياته(104): لا يورث الدهر إلا الهَمَّ والكمدا واليوم إن يُعْطِ شيئاً يستلبه غدا من لم يجيئوا لهذا الدهر لو علموا ماذا نكابدُ منه ما أتَوا أبدا. ذلك هو عمر الخيام الإنسان بكل طبيعته البشرية؛ غلَّب العقل على رؤيته الفكرية؛ وجعله حكماً على كل شيء فانتهى إلى شك قاتل وحيرة عظيمة في معرفة سر الخلود... فلما جمع بين العقل والإيمان اكتسب روح الطمأنينة والسعادة فشرع يخيط فلسفته بثوب الحكمة ويطرزها بألوان الزهد والتصوف... فقبض في نهاية المطاف على اليقين بعد أن تاب توبة نصُوحاً، وهو القائل(105):
فالخيام شرب الخمرة وكان يعرف أنها حرام؛ وقد أرجع ذلك إلى نقص عقله للحظة، ولم يكن ذلك لأجل السكر، فقال(106):
تلك هي رؤيتنا لفلسفة الخيّام في الرباعيات وهي فلسفة وقعت بين مفهوم الوجود والعدم وبين مفهوم الزهد والتصوف، وطالما شغلت أفذاذ الباحثين والدارسين قديماً وحديثاً... وأرجو الله ـــ جلَّت قدرته ـــ أن أكون وفِّقت إلى ما فيه الصواب... وليس للإنسان إلا ما سعى... الحواشي (1) انظر كشف اللثام عن رباعيات عمر الخيام 12 ـــ 13 والأعلام 5/38 ورباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 21 وتاريخ الأدب العربي ـــ فروخ 3/250 ـــ 251 ومختارات من الشعر الفارسي 135. (2) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير 10/98. (3) رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 21 وانظر الأعلام 5/38 وكشف اللثام 13 وتاريخ الأدب الفارسي 13. (4) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 26 ـــ 31 والأعلام 5/38 وكشف اللثام 29 وتاريخ الأدب العربي ـــ فروخ 3/251 ـــ 252. (5) انظر سفينة البحار 1/436 والكامل في التاريخ 10/34 ومقدمة محسن رمضان لرباعيات الخيام في ثلاثين لغة ـــ وعجائب المخلوقات 126 وآثار البلاد وأخبار العباد 474 ـــ 475 وشذرات الذهب 4/14 ومختارات من الشعر الفارسي 136. (6) انظر تاريخ الحكماء 162 وجهار مقالة 63 وتاريخ الأدب العربي ـــ فروخ 3/251 والأعلام 2/241. (7) انظر الأعلام 2/193 و202 وكشف اللثام 17 والكامل في التاريخ 10/74، 76، 79 و90 و156 و204 و207 ـــ 213 و316 ـــ 317 و430 ـــ 431 و477 و527 ـــ 528 و 625 وشذرات الذهب 4/77 و201. (8) انظر الأعلام 4/255 و290 و7/22 و178 وكشف اللثام 17 والكامل في التاريخ 10/25 ومختارات من الشعر الفارسي 135. (9) تاريخ الحكماء 162 وانظر الأعلام 5/33 و38. (10) انظر جهار مقالة 62 وكشف اللثام 20 و62 وتاريخ الأدب الفارسي 227. (11) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 25 حاشية(1) وشذرات الذهب 4/224. (12) المرجع السابق 24. (13) المرجع السابق 24. (14) انظر كشف اللثام 34. (15) لسان العرب ـــ ختن. (16) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 10 ـــ 20 ومختارات من الشعر الفارسي 135 ـــ 136. (17) انظر فنون الشعر الفارسي 351 ومن التقطيع الشعري والقافية 117 وتاريخ الأدب في إيران 205 وما بعدها، ورباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 35 وما بعدها ورباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 40 وتاريخ الأدب العربي ـــ فروخ 3/251 ومختارات من الشعر الفارسي 13 ـــ 19 (المقدمة) و5 و27. (18) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 36 ـــ 41 وكشف اللثام 63 ـــ 64 و126 و220 ـــ 226. (19) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 38 ـــ 39 ورباعيات الخيام ـــ النجفي 40 وما بعدها ومختارات من الشعر الفارسي ـــ المقدمة ـــ 8 ـــ 13. (20) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 38 وكشف اللثام 220 ـــ 226. (21) انظر المرجع السابق 38. (22) انظر المرجع السابق 38. (23) صحيح مسلم 17/66 ـــ 67. (24) انظر المرجع الأسبق 41 و68 و124 وما بعدها. (25) انظر المرجع السابق 151. (26) انظر المرجع السابق 68 و124. (27) انظر المرجع السابق 67 وما بعدها و295 وما بعدها. (28) مقام المعرفة 132. (29) انظر المرجع الأسبق 325 ـــ 326. (30) كشف اللثام 35. (31) مقام المعرفة 133. (32) انظر مقام المعرفة 96. (33) انظر كشف اللثام 26 و38. (34) كشف اللثام 18. (35) تاريخ الحكماء 162. (36) رباعيات حكيم خيَّام نيشابوري 78 وانظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 307 و331. (37) رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 143 ـــ 144 وتطابقها في رباعيات الخيّام ـــ التل ـــ الرباعية 30/7 ص 95؛ ومثلها 29/ن ص 94 وكذلك مثلها عند التل: من 96 ـــ 101. (38) شروح سقط الزند 974 ـــ 975. (39) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 35. (40) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 307 و331 ـــ 332. (41) انظر المرجع السابق 324. (42) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 67؛ وهي الرباعية 58 عند النجفي ص 94. (43) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 43. (44) المصدر السابق 77. (45) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 318. (46) شروح سقط الزند 1004. (47) إيليا أبو ماضي شاعر المهجر الأكبر ـــ شعر ودراسة ـــ 193 وانظر حاشية (70). (48) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 79. (49) المرجع نفسه 84. (50) نفسه 78 وانظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 325. (51) شروح سقط الزند 1005. (52) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 147. (53) رباعيات الخيام ـــ أحمد رامي 61. (54) المرجع السابق 63، وانظر المرجع الأسبق 148 ـــ 149. (55) رباعيات الخيام ـــ أحمد رامي ـــ 110 ورباعيات الخيام بين الأصل الفارسي... 152. (56) انظر ديوان طرفة بن العبد 29 ـــ 34. (57) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 75 وانظر فيه مثلاً 76 و80 و83 و110 ـــ 111. (58) تاريخ الأدب الفارسي 88 وانظر مثلاً في المرجع السابق 88 و89 و91... (59) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 81 وانظر ـــ مثلاً ـــ فيه 92 و93... (60) رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 118 وهي الرباعية رقم 91/ 95 في رباعيات الخيام ـــ التل ـــ ص 156 وسنقف عندها ثانية في حاشية (88)، وانظر فيه ـــ مثلاً آخر ـــ 138. (61) انظر تاريخ الأدب في إيران 185 ومثلها في رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 120 و146. (62) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 116 وانظر فيه ـــ مثلاً ـــ 117 ـــ 119 وفي كشف اللثام 113. (63) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 83 وانظر فيه ـــ مثلاً ـــ 82 و157. (64) انظر المرجع نفسه 153. (65) انظر تاريخ الأدب الفارسي 177. (66) المرجع الأسبق 219. (67) تاريخ الأدب الفارسي 176. (68) رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 321. (69) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 65. (70) راجع حاشية (47). (71) انظر المادة بوصفها شراً عند أفلوطين 170 ـــ 175. (72) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 157. (73) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي... 326 و328. (74) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 128 وانظر فيه ـــ مثلاً ـــ 114 و120. (75) نفسه 125 وانظر فيه 124. (76) نفسه: انظر فيه ـــ مثلاً ـــ 118 ـــ 120 و129 ـــ 130. (77) نفسه: انظر فيه ـــ مثلاً ـــ 145 و158. (78) نفسه 152 وانظر مثلاً ـــ 159 و160 و162 و165 و166 و169... (79) كشف اللثام 113. (80) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 146 و331 ـــ 332. (81) انظر كشف اللثام 114. (82) المرجع الأسبق 335. (83) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 64. (84) نفسه 79. (85) نفسه 43. (86) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 77. (87) انظر المرجع نفسه 108. (88) المرجع السابق 156 وراجع حاشية 60 من قبل، وانظر رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 45 و75. (89) رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 85 وانظر فيه 115. (90) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 195. (91) تاريخ الحكماء 162. (92) رباعيات الخيام ـــ التل 85 وانظر فيه 70. (93) رباعيات الخيام ـــ النجفي 126. (94) انظر رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 321. (95) رباعيات الخيام ـــ النجفي 79 وانظر فيه 88 و103. (96) نفسه 91. (97) نفسه 86 وانظر فيه 96 و115. (98) رباعيات الخيام ـــ التل 68. (99) كشف اللثام 25 ـــ 26. (100) انظر رباعيات الخيام ـــ التل ـــ 94 ـــ 101 و109 و131. (101) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 65. (102) نفسه 70. (103) انظر كشف اللثام 136 ـــ 140. (104) رباعيات الخيام ـــ النجفي ـــ 170. (105) نفسه 74. (106) نفسه 80. المصادر والمراجع 1 ـــ آثار البلاد وأخبار العباد ـــ القزويني ـــ دار صادر ـــ بيروت ـــ د/تا. 2 ـــ الأعلام ـــ الزركلي ـــ دار العلم للملايين ـــ بيروت ـــ 1979م. 3 ـــ إيليا أبو ماضي شاعر المهجر الأكبر ـــ شعر ودراسة ـــ زهير ميرزا ـــ نشر دار اليقظة العربية ـــ ومطبوعات المطبعة التعاونية اللبنانية ـــ بيروت ـــ ط 2 ـــ 1963م. 4 ـــ تاريخ الأدب العربي ـــ د. عمر فروخ ـــ دار العلم للملايين ـــ بيروت ـــ 1979م. 5 ـــ تاريخ الأدب الفارسي ـــ د. رضا زاده شفق ـــ ترجمة محمد موسى هنداوي ـــ دار الفكر العربي ـــ القاهرة ـــ 1947م. 6 ـــ تاريخ الأدب في إيران ـــ تأليف براون ـــ ترجمة د. إبراهيم أمين الشواربي ـــ ط دار السعادة ـــ مصر ـــ 1954م. 7 ـــ تاريخ البيهقي ـــ ترجمة يحيى الخشاب وصادق نشأت ـــ مكتبة الأنجلو مصرية ـــ 1956م. 8 ـــ تاريخ الحكماء (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) ـــ القفطي ـــ تصحيح محمد أمين الخانجي ـــ دار السعادة بمصر ـــ القاهرة ـــ 1326هـ. 9 ـــ جهار مقالة: (المقولات الأربع) ـــ أحمد بن عمر النظامي العروضي السمرقندي ـــ ترجمة د. عبد الوهاب عزام ويحيى الخشاب ـــ لجنة التأليف والنشر بالقاهرة ـــ 1949م. 10 ـــ ديوان طرفة بن العبد ـــ الأعلم الشنتمري ـــ تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقّال ـــ مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ـــ 1975م. 11 ـــ رباعيات حكيم خيّام نيشابوري ـــ محمد علي فروغي ـــ تهران ـــ 1344هـ.ش. 12 ـــ رباعيات الخيام ـــ أحمد رامي ـــ مكتبة غريب ـــ القاهرة ـــ 1924م. 13 ـــ رباعيات الخيام ـــ أحمد سليمان حجاب ـــ مكتبة الشعب ـــ القاهرة ـــ ط 4 ـــ 1982م. 14 ـــ رباعيات الخيام ـــ توفيق مفرّج ـــ القاهرة ـــ ط 1 ـــ 1947م. 15 ـــ رباعيات الخيام ـــ جميل صدقي الزهاوي ـــ مطبعة الفرات ـــ بغداد ـــ 1928م. 16 ـــ رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية ـــ د. عبد الحفيظ محمد حسن ـــ كلية دار العلوم ـــ جامعة القاهرة ـــ ط 1 ـــ 1989م. 17 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ أحمد الصافي النجفي ـــ دار طلاس ـــ دمشق ـــ ط 5 ـــ 1998م. 18 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ عَرار: مصطفى وهبي التل ـــ حققها واستخرج أصولها د. يوسف بكار ـــ مكتبة الرائد العلمية ـــ عمّان ـــ الأردن ـــ ط 2 ـــ 1999م. 19 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ محمد السباعي ـــ دار إحياء الكتب العربية ـــ مصر ـــ 1922م. 20 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ تعريب وديع البستاني ـــ مطبعة دار المعارف ـــ القاهرة ـــ 1912م. 21 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ ثلاثين لغة ـــ منشورات بريدة ـــ طهران ـــ 1344هـ.ش. 22 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ عشر لغات ـــ نشرها بارسا ـــ تهران ـــ 1369هـ.ش, وفيها ترجمة فتزجيرالد ـــ 1859م. 23 ـــ روائع من الشعر الفارسي ـــ ترجمة محمد الفراتي ـــ وزارة الثقافة ـــ دمشق ـــ 1383هـــ ـ1963م. 24 ـــ زبدة التواريخ (أخبار الأمراء والملوك السلجوقية) ـــ صدر الدين علي بن ناصر الحسيني ـــ تحقيق د. محمد نور الدين ـــ دار اقرأ ـــ بيروت ـــ ط 3 ـــ 1405هـ/1985م. 25 ـــ سفينة البحار ـــ عباس بن محمد رضا القمّي ـــ النجف ـــ 1355هـ. 26 ـــ شذرات الذهب في أخبار من ذهب ـــ لابن العماد الحنبلي ـــ تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ـــ دار الكتب العلمية ـــ بيروت ـــ 1998م. 28 ـــ صحيح مسلم ـــ شرح النووي ـــ دار إحياء التراث العربي ـــ بيروت ـــ لبنان ـــ ط3. 29 ـــ عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ـــ القزويني ـــ تحقيق فاروق سعد ـــ دار الآفاق الجديدة ـــ بيروت ـــ ط 5 ـــ 1983م. 30 ـــ عمر الخيام ـــ أحمد حامد الصراف ـــ مطبعة الشعب ـــ بغداد ـــ ط 2 ـــ 1949م. 31 ـــ فن التقطيع الشعري والقافية ـــ د. صفاء خلوصي ـــ مكتبة المثنى ـــ بغداد ـــ 1977م. 32 ـــ فنون الشعر الفارسي ـــ د. إسعاد عبد الهادي قنديل ـــ دار الأندلس ـــ بيروت ـــ 1402 هـ/1981م. 33 ـــ الكامل في التاريخ ـــ لابن الأثير ـــ دار صادر ودار بيروت ـــ د/تا. 34 ـــ كشف اللثام عن رباعيات عمر الخيام ـــ للعلامة أبو النصر مبَشر الطرازي الحسيني ـــ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـــ القاهرة ـــ ط 2 ـــ 1985م. 35 ـــ لسان العرب ـــ لابن منظور ـــ دار صادر ـــ بيروت ـ. 36 ـــ مختارات من الشعر الفارسي ـــ د. محمد غنيمي هلال ـــ الدار القومية للطباعة والنشر ـــ القاهرة ـــ 1965م. 37 ـــ مقام المعرفة: فلسفة العقل والمعنى ـــ حسن عجمي ـــ دار كتابات ـــ بيروت ـــ ط 1 ـــ 2004م. الدوريات: هناك أبحاث نشرت في الدوريات العربية؛ منها: 1 ـــ رباعيات الخيام ـــ كامل مصطفى الشيبي ـــ مجلة التراث الشعبي ـــ بغداد ـــ عدد 3 ـــ 1980م ـــ ص 23. 2 ـــ رباعيات عمر الخيام ـــ حسن كامل الصيرفي ـــ مجلة المقتطف ـــ القاهرة ـــ عدد 10 ـــ آذار/مارس ـــ 1947م ـــ ص 236. 3 ـــ عمر الخيام ـــ عيسى اسكندر المعلوف ـــ مجلة الهلال ـــ عدد 18. 4 ـــ عمر الخيام بين الحقيقة والأسطورة ـــ أحمد مصطفى الخطيب: أ ـــ مجلة الرسالة ـــ القاهرة ـــ عدد 976 ـــ آذار/ مارس ـــ 1952م ـــ ص 296. ب ـــ مجلة الاعتصام ـــ القاهرة ـــ عدد 7 ـــ آذار/مارس ـــ 1977م. 5 ـــ همسة الخيام ـــ أحمد خميس ـــ مجلة الهلال ـــ آذار/ مارس ـــ 1953م ـــ ص 38. 6 ـــ المادة بوصفها شراً عند أفلوطين ـــ د. سليمان الضاهر ـــ مجلة جامعة دمشق للآداب ـــ عدد 1 + 2 ـــ مجلة 19 ـــ 2003م. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||