|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مشاهير شعراء إيران الناطقين بلغة الضاد ـــ زين العابدين محبّي * لا رَيبَ في أنّ العلاقات الأدبيّة بين المجتمعات والشعوب المختلفة تُعدُّ ظاهرةً طبيعيةً، بل حتميةً في كثيرٍ من الأحيان، وهي تشير إلى مقدار التواصل والتفاعل بين هذه المجتمعات تأثراً وتأثيراً بها، تُغني تجاربها وتُثري مواهبها، ومن الطبيعيّ أن تكون وراء نشوء تلك العلاقات أسبابٌ عدّةٌ، وفي مقدّمة ذلك سببان أساسيان هما: أوّلاً: التجاورُ الجغرافيّ. ثانياً: التطوّرُ الإبداعيّ الذي من شأنه استدعاءُ الآخر لتمثل تجربته والإفادة منها. وهذان السببان نتلمَّسهما في العلاقات الأدبية بين المجتمع العربيِّ والإيرانيّ، ويُضافُ إليهما أسبابٌ عديدةٌ أخرى منها أسبابٌ اقتصاديّةٌ وأخرى دينيةٌ وثالثةٌ اجتماعيةٌ، وهكذا. دور الإسلام في الثقافة الإيرانية: ولاشكَّ أن اعتناق العرب والإيرانيين للدِّين الإسلاميِّ وحَّد هويَّتهم الرُّوحية والنفسية، وكان لسيادة القرآن الكريم ولغته المباركة الأثر الكبير في تعارف الأمتين واقترابهما، بل ووحدتهما في أحيان وظروفٍ كثيرةٍ. إنَّ هذا الانفعال والتفاعل بين الأمتين كلتيهما لم يلغ خصوصية الأديب الإيراني أو العربي خصوصاً فيما يتعلّق بأسلوب التَّعاطي مع مفردات الحياة والكون، وطريقة الإفادة من القيم الموروثة من الأمتين، أو طريقة استلهام القيم والمضامين الجديدة التي أنشأها الإسلام وقرّرتها مناهج شريعته المباركة. هذه الخصوصية كانت عامل إثراءٍ أساسيّ لكلٍّ من الثقافتين في تأثير إحداهما بالأخرى. فإذا كان التأمّل الذهنيُّ الفلسفيّ من خصائص الثقافة الإيرانية، فإنَّ الثقافة العربية أفادت من هذا المنحى كثيراً ونستطيع تلمّس ذلك في شعر العرب وأدبهم من خلال ملامح كثيرة تُظهر التأثّر بهذا المنحى، وكذلك الحال فيما يتعلّقُ بتأثير الثقافة العربية في أختها الإيرانية في كثيرٍ من الخصائص والسمات التي تميزت بها، لاسيما بعد أن هذّبها القرآن الكريم والنصوص الدِّينية المباركة كخطب الرسول e ونهج البلاغة لأمير المؤمنين علي u وأدب الدعاء؛ وفي مقدّمة ذلك الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين u، حيث وجدنا لهذا الأدب الرّاقي أثراً عظيماً على حياة الإيرانيين الثقافية عامّةً، والأدبيّة والشعريّة خاصّةً. آثارُ آداب اللغة العربيّة على الأمة الإيرانية: لقد سادت اللّغة العربيّةُ لقرونٍ طويلةٍ في إيران، إذ كانت اللّغة "الرسمية" لهم، فهي لغة الدواوين السلطانية وهي لغة الحكّام، كما هي لغة الثقافة الرسمية إن صح التعبير، وكانت حواضر المجتمع الإيراني كأصفهان وخراسان والري وغيرها تعتمد العربيّة لغةً أساسيةً، وقد أُلِّفت كُتبٌ ونظمت دواوينُ بهذه اللّغة المباركة، وخير مثالٍ على ذلك الشَّيخ الرئيس ابن سينا، فهذا الرجل الذي ولد بأفشنة من قرى بخارى، نجدهُ قد كتب أكثر مؤلّفاته وأهمَّها باللغة العربية ولم تكن لغته الأُمَّ، وقد سُئل أحد علماء أصفهان عن سبب كتابة مؤلَّفاته باللغة العربية فأجاب لأنَّها لغة القرآن فهي أشرفُ اللُّغات، ثم طلب منه أن يكتب بهذه اللغة ولكن بصورة مبسطةٍ كي يفهمها عامةُ النَّاس، فلم يوافقهم على طلبهم وقال: أنا لا أستطيع أن أكتب إلاَّ بهذا الأسلوب، وهم الذين يجب عليهم أن يتعلَّموا كي يفهموا ما أكتبه في هذه المؤلفات. ومن هنا كان تأثير الأدب العربيِّ على الأمّة الإيرانية كبيراً، كما كان إبداع الإيرانيين في لغة العرب وثقافتهم كبيراً أيضاً؛ حيث أبدع الإيرانيون في وجوه النشاط الثقافيِّ العربيّ في الشعر والأدب فضلاً عن اللّغة والنحو والبلاغة والفلسفة والكلام، وغير ذلك من حقولٍ معرفيَّةٍ مُتعدِّدة تُشكِّل أبعاد الحضارة العربيّة الإسلامية. ولذا وجدنا المعجم اللّغوي الفارسيّ يزخر بالمفردات اللّغوية العربية، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى نجد حواضر الأمّة في بلاد العرب تزخر بالعلماء والأدباء والفنانين الإيرانيين، وإنّ كثيراً منهم كان يحملُ معه ثقافةً إيرانيةً، بل ولغته الإيرانية، ولذا نلاحظ دخول الكثير من المفردات الفارسية في المعجم اللّغوي العربيّ. ولعلّنا نستطيع أن نزعم أنّ أشد العلاقات الأدبيّة وثوقاً بين مجتمعين هي تلك العلاقات التّي قامت بين المجتمع الإيرانيّ والعربيّ؛ فهي علاقاتٌ وطيدةٌ وأصيلةٌ ومظاهرُ التأثر والتأثير فيها كبيرةٌ، كما أنّها ما زالت تنمو وتتلاقح عبر عصورٍ طويلةٍ، وهذا أمرٌ ربّما لا نجدُ نظيره في المجتمعات الأخرى، بحسب ما تدلّنا عليه الدراسات الأدبيّة المقارنة التي تختصُّ بهذا الموضوع. مشاهيرُ شعراء إيران الناطقين بلغة الضاد: ابتدأ التفكير في تأليف هذا الكتاب بعدما أُعيد طرحُ فكرة (حوار الحضارات) في عصرنا هذا، وكما هو معلومٌ إنَّ هذه الفكرة ذكرها القرآن الكريم في الكثير من الآيات المباركة، وقد حثَّ فيها أمم الأرض وشعوبها على الحوار والتعارف، ومن أبرز هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: )يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثّى وَجَعَلنَكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَكُم إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات: 13). فذكرت الآيةُ أنَّ الأُممَ والشعوبَ يُساوي بعضُهم بعضاً فلا اختلافَ بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره إلاَّ فيما ذُكِرَ في آخر الآية: ) إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَكُم( فاستجابةً لنداء القرآن الكريم، وإحياءً لفكرة حوار الحضارات، وإسهاماً في إبراز أثر التفاعل بين الأُمّتين العربيّة والإيرانيّة أحببتُ أن يكون هذا الكتاب حواراً وتعارفاً بين الحضارة العربيّة والإيرانية، وحاولنا من خلاله أن نسهم في إبراز أثر التفاعل بين الأُمّتين العربيّة والإيرانية. وكانت الفكرة هي أن نجمع فيه نصوصاً شعريّةً لشعراء إيرانيين كتبوا باللّغة العربية ووقع الاختيارُ على هؤلاء الشُّعراء، وهم: 1 ـــ ابن سينا (375 ـــ 428هـ). 2 ـــ عمر الخيّام (... ـــ 515 هـ). 3 ـــ الطُّغرائي (453 ـــ 515 هـ). 4 ـــ جلال الدين الرومي (604 ـــ 672 هـ). 5 ـــ سعدي الشيرازي (... ـــ 691 هـ). 6 ـــ ابن يمين (685 ـــ 769 هـ). 7 ـــ حافظ الشيرازي (... ـــ 791 هـ). 8 ـــ شمس المغربي (749 ـــ 809 هـ). 9 ـــ الفضوليّ (... ـــ 963 هـ). 10 ـــ الشيخ البهائيُّ (903 ـــ 1030 هـ). 11 ـــ الفيض الكاشاني (1007 ـــ 1091 هـ). ولكن قبل الشروع في تأليف هذا الكتاب كانت هناك عدَّة أمورٍ تتعلق بفكرته وعنوانه والأخرى بمحتواه وتأليفه وإخراجه. فمن النقاط التي قد تقع على فكرة الكتاب وعنوانه هي: أولاً: قد لا يجوز أن ينسب بعض هؤلاء الشعراء لإيران، كالبهائي وغيره.. ثانياً: لِمَ وقع الاختيار على هؤلاء الشُّعراء فقط؟ أمّا الجواب على الأمر الأول فهو: قد لا يجوز أن ينسب بعض هؤلاء الشعراء لإيران كالبهائي وغيره. فكما هو معلوم أنَّ الأصول "العرقية" لهؤلاء الشعراء مختلفةٌ ففيهم الفارسي كحافظ وسعدي، وفيهم التُّركي كالفضولي وفيهم العربي كالشيخ البهائي والطغرائي، وربّما فيهم غيرُ ذلك. وما يجمعُ هؤلاء كلّهم هو انحدارهم من أصلٍ ثقافيّ واحدٍ، هو الثّقافة الإيرانيّة، وإبداعُهم في تلك الثقافة وتأثيرهم الكبير فيها. ولهذا صحَّ أن يُصطلح عليهم بمشاهير شعراء إيران الناطقين بلغة الضَّاد. وأما الجواب على الأمر الثاني؛ فهناك أسباب عدة دعت إلى اختيار هؤلاء، من أهمِّها: 1 ـــ أن الشعراء الإيرانيين الذين نظموا بلغة الضَّاد لا يمكن إحصاؤهم بهذه البساطة، ويمكن إلقاء نظرةٍ على كتابٍ واحدٍ لنجد العشرات فيه ممَّن نظم بهذه اللغة، وهو كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) لعماد الدِّين الأصفهاني المتوفى سنة (597 هـ)، فقد ذكر فيه أكثر من مئةٍ وخمسين شاعراً ممّن نظم باللّغة العربيّة، وهذا العدد يمثِّلُ ـــ كما ذكر العماد ـــ فضلاء أهل أصفهان في المجلد الأول وفضلاء أهل خراسان وهراة في المجلد الثاني. فلا شكَّ أنَّ العدد سيصل إلى المئات لو أحصى الشعراء الآخرين من بقيّة المدن الإيرانيّة الأخرى فإذا هذا الأمر لو أريد لـه الإحصاء يحتاج إلى لجانٍ متخصَّصةٍ ومؤسساتٍ كبيرةٍ وهذا الأمر خارج عن إرادتنا. 2 ـــ إن هؤلاء الشعراء الذين وقع الاختيار عليهم هم من طليعة الشعراء الإيرانيين، ومن أبرز الوجوه العلميّة والأدبيّة التي أسهمت إسهاماً فاعلاً في إبداع الثّقافة الإيرانية، وهم ممّن نظموا شعراً باللّغة العربية، كما أنّ لجلّهم مؤلَّفاتٍ علميةً وأدبيةً أخرى كتبوها بلغة القرآن الكريم. ونلاحظُ أيضاً في هذا الجمع جُملة أمورٍ نشير إلى أهمِّها: 1 ـــ تعدّدُ مواهب هؤلاء الشعراء جميعاً، فلهم في حقول الثقافة ـــ غير الشعرية آثارٌ عدّة، منها الفقه، ومنها التفسير، ومنها الفلسفة، ومنها الطبّ، وغير ذلك من حقول العلم والمعرفة المتنوّعة، ونستطيع تلمّس ذلك من خلال الإطلاع على تراجم كلِّ واحدٍ منهم. 2 ـــ إنَ بعض هؤلاء الأدباء قد غلب عليه النظم بالفارسيّة كسعدي وحافظ في حين عرف الطغرائيّ بشعره العربي، أمّا الفضوليّ ـــ مثلاً ـــ فقد عرف شاعراً بالفارسية والتركية مع شعرٍ عربيّ غير ذائعٍ. 3 ـــ كما أنّنا نرى مسألةً مهمّةً في شعر هؤلاء الشعراء؛ وهي سيادة النزعة الفلسفية والعرفانية والحكميّة، مع إلمام بمواضيع متنوّعةٍ غيرها في بعض الأحيان. 4 ـــ وبقيت ملاحظةٌ مهمّةٌ وهي: أن هناك شعراً ملمَّعاً: وهو منظومةٌ شعريةٌ بلغتين، يكون البيت الأول منها مثلاً بالفارسية وتاليه بالعربية، والثالث بالفارسية والرابع كالثاني.. الخ، أو يكون الشطرُ الأول من البيت بالعربية والشطر الثاني بالفارسية، يليه البيت الثاني معكوساً، فيكون صدره بالفارسية وعجزه بالعربية.... وذكرنا هذه الملاحظة لأنَّ هناك عدة طرقٍ في عرض هذه الأشعار منها أن يذكر الشعر الملمّعُ كما هو في المتن ويشار في الهامش إلى معنى الصدر أو العجز الفارسيّ وأخرى أن يذكر المعنى باللغة العربية في المتن نثراً فيكون البيت جزءً منه منظوماً في الأصل عربياً والجزء الآخر ترجمةً نثريةً، ويذكر الأصل الفارسيّ في الهامش وأخرى نفس هذه الطريقة ولكن تنظم الترجمة النثرية شعراً. وبما أن هذا الكتاب وهو بهذا الحجم يعتبر تجربةً أولى في هذا المضمار ولم يكن لـه سابقٌ فلم نثبت على طريقةٍ معينةٍ في هذه الأشعار الملمّعة وإنَّما اتبعتُ فيها كلَّ تلك الطرق المتقدمة فهناك بعض الأشعار ذُكرت كما هي في الأصل في المتن مع الإشارة للترجمة العربية في الهامش وفي بعضها ذكرت الترجمة النثرية إلى جانب الأصل العربيّ، وبعضها ذكرت الترجمة نظماً كما هو الحال في أغلب قصائد حافظ شيرازي. ومن أهم الأغراض الشعرية التي تناولها هؤلاء الشعراء. 1 ـــ النزعةُ الفلسفية والحكمية والعرفانية: وعلى سبيل المثال قصيدة الشيخ الرئيس ابن سينا العينيّة المعروفة التي تتخذُ من النفس موضوعاً لها، وهي من أجمل القصائد الفلسفيّة؛ إذ عمد فيها ابن سينا إلى تصوير النفس وتشبيهها بـــ "الورقاء"، الأمر الذي أكسب معانيه الفلسفية بعداً عاطفيّاً أخاذاً أخرج فيه المعنى الفلسفيَّ من مداره الذهبيّ إلى مدارات العاطفة الشعريّة مع أداءٍ شعريٍّ أخّاذٍ يعتمد المفردات الموحية بدل الاصطلاحات الفلسفية المحدّدة، وقد أسهم هذا الأداء كله في بلورة فكرته الفلسفية:
وللكشفِ عن هذهِ النزعةِ في شِعرِ شمسِ الدينِ المغربيّ، قوله من قصيدةٍ:
ويقولُ منها:
ويعمدُ الشيخُ البهائيّ إلى استخدامِ ثقافته المنطقيّةِ في بعض ما نظم في هذا الاتجاه، كمثل قوله :
ولجلال الدين الرُّومي في الاتجاه العرفاني شعرٌ كثيرٌ يمثلُ النزعةَ إلى ذلك. ومنه قوله في قصيدةٍ عرفانيةٍ:
2 ـــ الحبُّ والمودّةُ والولاءُ للرسول e وأهل بيته: ومن المواضيع المهمة التي كتب بها شعراء إيران عبر التأريخ موضوع الولاء للرسول وأهل بيته عليه الصلاة والسلام. والبهائي في قصيدته التي سمّاها وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان يقول:
وقد ضمّن الكثير من شعراء إيران كلام الأئمة عليهم السلام في أشعارهم، ومن ذلك على سبيل المثال قول ابن سينا في نظمه لبعض ما ورد في نهج البلاغة:
3 ـــ المواعظُ والحكمُ والإرشادُ: أمّا شعرُ الحكمةِ فإنّ هذا الكتابَ قدّم نماذجَ كثيرةً منه، وإذا كان شعراءُ العرب قد دوّنوا حكمهم في أشعارهم من محض تجاربهم الشخصيّة، فإنَّ للبعد الفلسفي في ثقافة الشاعر الإيرانيّ دوراً كبيراً في الاهتمام بشعر الحكمة، حتّى نكاد نقرأ في الحكمة ملامح توجّه الشعراء نحو العرفان والتصوّف والزهد ومن أولئك الشعراء سعدي الشيرازي، ومن قوله :
وللشيخ البهائيّ حكمةٌ في الموت:
4 ـــ المديح والرثاء والفخر والغزل: ولَم يقفْ الشعراءُ عندَ حدودِ المواضيع العرفانيّةِ والحكميّةِ وما إليها ممّا يمكنُ وصفُها بالمواضيع الدينيّة، بل انطلقوا في أحيانٍ كثيرةٍ إلى مواضيع شعريّةٍ أخرى كالغزل والرثاء والمديح والفخر وما إليها من موضوعاتٍ قام الشعر العربيُّ عليها، ولقد أبدع بعض الشعراء الإيرانيون في ذلك أيّما إبداعٍ. ومن ذلك قصيدةُ الشاعر سعدي في رثاء المستعصم بالله وما جرى على بغداد وأهلها:
أمّا موضوع الغزل فإنّ لـه مساحةً كبيرةً من شعر الإيرانيين، وإذا كان بعض غزلهم يمكن وصفه بالعرفانيّ، فإنّ بعضه الآخر يمثِّل غزلاً عاطفيّاً كقول حافظ:
أمّا سعدي فقد احتلّ الغزلُ مساحةً كبيرةً من شعرهِ، ومن ذلك قصيدتُه الحائية ومطلعها:
ومنها:
أمّا الفخرُ فهو موضوعٌ يسترعي الانتباهَ عندَ هؤلاءِ الشعراءِ، فنراهُ يمتزجُ حيناً بنفسٍ صوفيٍّ، ونراه مرّة أخرى ينتمي إلى ذات الشاعر العربيّ المفعمة بالعزّة والإباء مع ازدراءٍ للواقع الاجتماعيِّ. وفي ذلك مثلاً أبياتُ الخيام الآتية التي يمتزجُ فيها الفخر بالتصوّف:
ونلاحظُ الفخرَ الذي يمثلُ الاتجاهَ الآخرَ الذي أشرنا إليه عند شعراءَ آخرينَ ومن أولئك الطغرائي في قصيدتهِ المعروفةِ بلاميّة العجم، وفيها يقولُ:
ومن أولئك الشعراءِ الشيخُ البهائيُّ، ومن شعرهِ في هذا الاتجاهِ قوله :
هذه نماذج للموضوعات التي طرقها الشعراء الإيرانيون في قصائدهم، وهي على العموم موضوعاتٌ إنسانيّةٌ ألِفها الشعرُ ودرج عليها شعراء العرب، مع خصوصيّاتٍ نتلمّسها في بعض المواضيع وفي مقدّمتها شعر العرفان. المستوى الفني: يلاحظ القارئ (المتخصص) لهذا الكتاب الذي حاولنا فيه إعطاء صورة موجزةٍ عن الشعر الإيرانيِّ عبر عصورٍ طويلةٍ (من القرن الرابع حتّى القرن الحادي عشر الهجرييّن) تفاوت المستوى الفنّي في شعر هؤلاء الأدباء المذكورين. ولهذا التفاوت أسبابٌ عديدةٌ، وفي مقدّمتها قدرة هؤلاء الشعراء المتفاوتة على نظم الشعر، واختلاف مستوى تمكّنهم من لغة العرب، واختلاف المستوى الإبداعيِّ لكلّ عصرٍ من العصور الشعريّة التي عاشها هؤلاء الشعراء، ولكن على العموم نستطيع تلمّس تجارب شعريّةٍ أصيلةٍ بلغت مستوىً فنيّاً عالياً، لاسيّما عند ابن سينا والطّغرائي وسعدي، من حيث بناء القصيدة، ومن حيث استخدام الألفاظ والتراكيب الموحية بغرض الشاعر والإفادة من سائر (التقنيّات الفنّية) للقصيدة العربيّة، وما إلى ذلك من استخدام ألوان المجازات والاستعارات والكناية وغيرها من الفنون البلاغيّة، بل ربّما وجدنا في بعض نماذج هذا الشعر إبداعاتٍ لا تقلُّ روعةً عن شعر كبار شعراء العربيّة كأبي تمّام والمتنبي والرضي وأبي العلاء وغيرهم، ومن ذلك هذه الصورة البلاغيّة الجميلة التي وردت في إحدى قصائد سعدي:
واقرأ هذه الأبيات من قصيدة تجري على هذا المنوال من سلاسة الأداء:
ويلاحظُ فيها عذوبةُ الألفاظِ وانسيابُ العباراتِ مع تخيّرٍ لذيذٍ لوزنها وقافيتها، وهو ما يمكن التعبيرُ عنه بالسهل الممتنع. ونلاحظُ كذلك التشبيه الآتي الذي ورد في أحد مقاطع ابن سينا الشعرية،
حيثُ شبّه النّفس بالزجاجة، والعلم بالسراج، والحكمة بالزيت فيعمد إلى لوازم تشبيهه، من حيث الاشتعال والانفعال فيرسم صورةً شعريةً توضّحُ تمام الإيضاح غايته في التأكيد على ضرورة تهذيب النفس بالعلم والحكمة. وممّا يجدرُ ملاحظته، أنّ بعض هؤلاء الشعراء اعتمد الأوزان التقليدية المعروفة عند العرب في كتابته للشعر كالطويل والخفيف وما إليها، في حين ورد الكثير من قصائد الشعراء الآخرين على إيقاع أوزان الموشحات وبعض الأوزان المستحدثة في الشعر العربيِّ في أحيانٍ أخرى، مع ملاحظة وجود حريّةٍ كبيرةٍ لبعض الشعراء في تغيير القوافي وحروف الرَّوي. هذه إلمامةٌ موجزةٌ وصورةٌ عابرةٌ عن أهمِّ الأغراض الشعرية التي تعرَّض لها هؤلاء الشعراء وعن مستوى شعرهم الفنيّ. وأُكرِّر هنا مرّةً أخرى أني أحببت أن يكون هذا الكتاب بمثابة حوارٍ حضاريٍ بين الحضارة العربية والإيرانية ودعوةً جادَّةً إلى سائر الباحثين العرب والإيرانيين لاكتشاف الصِّلات الأدبية العميقة التي تربطُ هاتين الحضارتين العظيمتين. وأنا لا أدعي الكمال في عملي هذا لأن النقص ملازمٌ للإنسان والكمال لله وحده، لأنَّ هذا العمل هو عبارةٌ عن موسوعةٍ وكي تأتي كاملةً لا بد أن تضمّ نخبةً من الشعراء الذين نظموا في اللّغتين، ويحتاج أيضاً إلى لجنةٍ جامعةٍ بين الثقافتين العربية والإيرانية. فأرجو من العليِّ القدير أن يكون هذا الكتاب مساهمةً موفقةً في هذا المجال، وأن يقيض من يكمل هذه البداية بتوفيقٍ ونجاحٍ. |