مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 127 صيف 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حافظ الشيرازي لسان الغيب وترجمان الأسرار ـــ د.عبد الكريم اليافي

حافظ الشيرازي من أكبر شعراء إيران، بل من أكبر شعراء العالم، إنه ضمير الأمة الإيرانية، بل ضمير عشاق القيم العليا من خَيْرٍ وحبٍّ وجمال وعرفان. إنه ضمير عشّاق الكلمة الحلوة التي هي السحر الحلال، إنّه الملقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار، إنّه ما يزال يتغنّى بشعره، على بعد العهد، الإيرانيون والأتراك والهنود والماليزيون وسكان ما وراء النهر، ويترنّم بترجمات أشعاره مع الإعجاب طائفة كبيرة من مستشرقين ومحبّي الشعر العربي والشعر الصوفي. كان دليل الشاعر الألماني الشهير "غوته"، بل هو دليل كل شاعر ناشئ ينشد الخير والحبّ والجمال ويتطلّع إلى أسمى آفاق الإجادة والإبداع.

الشاعر وأسرته

هو شمس الدين محمّد المعروف بخواجه حافظ الشيرازي. تاريخ ولادته على أفضل تقدير عام 726هـ/1325م. ووفاته على أفضل تقدير أيضاً فـي عام 791هـ/1388 أو 1389م. وعلى هذا يكون قد عاش نحواً من خمس وستين سنة. وتزيِّن حياته زهاء ثلاثة أرباع القرن الثامن الهجري والقرن الرابع عشر الميلادي.

وإذا كانت المدن ترسّخ وجودها على الأرض بالاتّساع والعمران واستمرار البقاء فإنّ بعضها يؤكّد خلوده فـي غمار الزمان بأبنائه العظام. ولا شك أن شيراز تدين بشهرتها الواسعة الآبدة لعلمائها الكبار وعارفيها الفضلاء، ولكنّها تدين بشهرتها خاصّة لولديها الشاعرين العظيمين سعدي فـي القرن السابع الهجري وحافظ فـي القرن الثامن الهجري. ولإبنها العالم العارف صدر الدين الشيرازي فـي القرن العاشر الهجري.

ولد حافظ فـي هذه المدينة من أب كان يشتغل بالتجارة. وكان حافظ أصغر أولاده الثلاثة. وتُوفِّيَ الوالد وتفرّق الإخوة. وبقي الابن الصغير شمس الدين محمّد مع والدته فـي شيراز. وتذكر الموسوعة الإسلامية نقلاً أنه كانت لـه أخت أيضاً.

اشتغل حافظ فيما يروى حين كان صغيراً أجير خباز. فكان يفيق فـي غلس الليل ليقوم بعمله حتى الفجر. فإذا فرغ اشتغل بالعبادة، ثم انصرف إلى حلقات بعض العلماء والأعلام فـي مدينته يأخذ عنهم علوم عصره، شأن الفتيان الذين تفتّحت قلوبهم وبصائرهم على محبة العلم والتفقه فيه.

ثقافة الشاعر

أقبل حافظ خاصة على دراسة علوم الدين واللغة العربية والفارسية وبرع فـي ذلك كلّه وحفظ القرآن الكريم وهو فتى فَوُصِف بالحافظ حتى غدا هذا الوصف لقباً لـه شُهِرَ به وتَمَسَّكَ هو به حتى جعله اسماً لـه يُزْهى به. بل كان يعزو الفضل فـي لطف شعره وسحر بيانه إلى ما يرمز إليه هذا اللقب أو الاسم.

وله بيت من الشعر الفارسي يفيد هذا المعنى:

ما رأيت ألطف من شعرك يا حافظ
   

 

بالقرآن الذي يكنّه صدرك

وقد أجاد اللغة العربية إجادة تامّة واطّلع على التآليف العربية التي كانت ميسّرة ورائجة فـي بلده شيراز.

درس “الكشاف عن حقائق التنزيل” لأبي القاسم جار الله محمود الزمخشري (متوفى عام 538) و “المصباح” فـي النحو للإمام ناصر بن عبدالسيّد المطرزي (متوفى 610)، “وطوالع الأنوار” فـي الحكمة والتوحيد للقاضي عبدالله عمر البيضاوي (متوفى 658)، و “مفتاح العلوم” فـي البلاغة وسائر العلوم للعلامة سراج الدين يوسف أبي يعقوب السكاكي (متوفى 626).

ونلاحظ أن هؤلاء العلماء المؤلفين جميعهم من إيران وخوارزم. وأحدهم وهو البيضاوي أبو الخير ناصر الدين عبدالله بن عمر نسبته إلى البيضاء، وهي مدينة بإقليم فارس قريبة من شيراز، تدعى اليوم تل بيضا، اسمها عربي مفرد فـي فارس، دعاها بهذا الاسم الجنود العرب الذين عسكروا فيها بعد أن حصنوها حين حاصروا اصطخر زمن الفتح الإسلامي. وكانت قلعتها تستبين من بُعد ويرى بياضها. وهي تقع فـي شرق الوادي الجميل شعب بوّان.

وإنما توافرت كتب أولئك المؤلفين بفضل انتشار الوراقة ولقرب العهد بها وتدريس الكتب جيلاً بعد جيل. هذا، ويتسلسل التعليم والرواية عن العلماء والإجازات التي تُخرّج الطلاب النُّبهاء متواصلة فـي تلك الحضارة الواسعة لشرف العلم والعلماء فيها.

وقد نشأ حافظ وشُهِرَ بعلمه واطلاعه على العلوم العربية والآداب العربية والفارسية وسُمِّي معلماً فـي مدرسة شيراز. وهو قد أحبّ مدينته حبَّ سَلَفِه سعدي لها. ولكنّه لم يقم – على خلاف سعدي – بأسفار طويلة ما عدا سفراً قصيراً إلى بندر هرمز وسفراً آخر إلى مدينة يزد وزيارة لقبر علي الرضا(ع) فـي مشهد. وقضى سائر عمره فـي شيراز التي تملّى أرضها وسماءها، وكان طوال حياته هزارها، الذي تَغَذّى جناها وسلسالها وغَنّى جمالها أجمل غناء. وقد دُفِنَ فيها وغدا ضريحه مزار الناس ومرتاد المعجبين بشعره وغزله.

مدينة شيراز

شيراز مدينة بُنِيَتْ أو جُدِّدت فـي أثناء خلافة عبد الملك بن مروان وأثناء حكم الحجّاج بن يوسف الثقفي للعراق. يُروى أنّ أوّل من بناها محمد بن يوسف أخو الحجّاج، ولاّه أخوه على إقليم فارس فَبَنى هذه المدينة، كما يروى أنّ محمد بن القاسم بن أبي عقيل وهو ابن عم الحجّاج هو الذي بناها.

كانت معسكراً للمسلمين لما حاصروا مدينة “اصطخر”. ثم جدّد حكامها عمارتها وغدت مدينة إسلامية كالدرّة فـي إقليم فارس وورثت مجد العاصمة القديمة “اصطخر”. وقد ازدهرت فـي القرن الرابع الهجري حين اتخذها البويهيون مستقراً لهم وقاعدة لملكهم فـي فارس. وبلغت فـي زمن عضد الدولة “فنّاخسرو” بن ركن الدولة شأواً عظيماً من العمران. وقد قصدها أبو الطيب المتنبي حين أرسل إليه بعد وفادته على ابن العميد عَضُدُ الدولة يستزيره، فحظي عنده وفاز ببعض أمانيه ومدحه بمدائح خالدة، منها قصيدته التي يصف فيها شِعْب بوّان، وقد مَرّ به فـي طريقه إليه.

ثم أُهملت شيراز وفقدت مكانتها حين انتقلت السلطة السياسيّة إلى البقاع الشمالية من إيران. ولكنها مع ذلك بقيت وما زالت حتى الآن كالحديقة الغنّاء الحافلة بالرياض والورود ولاسيما الورد الجوري الذي هو صنو الورد البلدي أي الورد الدمشقي الذي سارت شهرته فـي العالم أجمع. والنعت الجوري نسبة إلى مدينة جور القريبة من شيراز. وهي التي بدّل اسمها عضد الدولة فجعله “فيروزآباد”.

نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء فـي كلّ فن، وكذلك جماعة من الزهّاد والصوفيّة أشهرهم أبو عبدالله محمّد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية إذ ذاك. ولكثرة الصوفية والزهّاد فيها دُعِيَتْ “برج الأولياء” كما أنه نبغ فيها بعد حين صدر الدين الشيرازي الملقب “ملاّ صدرا” الذي انتهى العرفان إليه.

تغنّى بشيراز سعدي الشيرازي فـي القرن السابع الهجري، ثمّ تغنّى بها حافظ فـي القرن الثامن الهجري كما ذكرنا آنفاً. وقد بلغ تغنّيه بها غاية الرقة والعذوبة. وهي عنده فـي التشبيه كالخال على خدّ الأقاليم السبعة.

ابن بطوطة يزور شيراز ويصف محاسنها

ربما كان من الطريف ومن المفيد أن نستجلي بعض محاسن شيراز فـي زمن حافظ نفسه. فلقد عاصره ابن بطوطة (703/1304 – 779/1377) وزار فـي ثنايا رحلته الطويلة شيراز، دخلها فـي سنة 727. (كان حافظ يحبو أو طفق يمشي فـي العام الأول من عمره). يقول فيها:

“وهي مدينة أصيلة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر. لها البساتين المونقة والأنهار المتدفقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة، متقنة المباني، عجيبة الترتيب. وأهل كلّ صناعة فـي سوقها لا يخالطهم غيرهم. وأهلها حسان الصور، نظاف الملابس. وليس فـي الشرق بلدة تداني مدينة دمشق فـي حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلا شيراز. وهي فـي بسيط من الأرض تحفّ بها البساتين من جميع الجهات. وتشقّها خمسة أنهار أحدها المعروف بركن آباد (تغنّى به حافظ). وهو عذب الماء، شديد البرودة فـي الصيف، سخن فـي الشتاء، فينبعث من عين فـي سفح جبل هناك يُسَمى القُلَيْعة. ومسجدها الأعظم يُسمّى بالمسجد العتيق. وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناءً. وصحنه متّسع مفروش بالمرمر. ويغسل فـي أوان الحرّ كلّ ليلة. ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كلَّ عشيّة، ويصلّون به المغرب والعشاء. وبشماله باب يعرف بباب حسن يفضي إلى سوق الفاكهة، وهي من أبدع الأسواق. وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق.

وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصاً نساءها. وهلن يلبسن الخفاف ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهنّ شيء، ولهن الصدقات والإيثار. ومن غريب حالهن أنهنّ يجتمعن لسماع الواعظ فـي كلّ يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم. فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يروّحن بها عن أنفسهن من شدّة الحر. ولم أر النساء فـي مثل عددهن فـي بلدة من البلاد”.

 ويشيد الرّحالة ببعض المشاهد التي رآها فـي شيراز كمشهد أحمد بن موسى أخي علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، ومشهد الإمام الوليّ أبي عبدالله بن خفيف، كما يشير إلى ضريح الشاعر الكبير سعدي فيها.

لقد قابل ابن بطوطة بين شيراز عاصمة ولاية فارس إذ ذاك ودمشق عاصمة بلاد الشام فـي حسن الأسواق والبساتين والأنهار ولاسيما بين سوق الفاكهة فـي الأولى وباب البريد فـي الثانية. وتلك مظاهر تتبدّل مع الزمان فـي التنظيم وشكل العمران. ولكنه أغفل منظراً طبيعياً مشتركاً يضمّ الاثنين وهو دائم وسافرٌ للعيان وهو أن كلتيهما مستلقية على سفح جبل. أما شيراز فعلى سفح جبل (الله أكبر). وأما دمشق فعلى سفح جبل قاسيون. ويروى أن تسمية جبل شيراز كذلك أن طائفة من الأولياء والصوفية لمّا قدموا إليها وأطلّوا من أحد شعاب الجبل راعهم المنظر فهتفوا جميعاً: الله أكبر.

الصروف الصعبة العاصفة

على أن محاسن شيراز تعرّضت فـي القرن الثامن الهجري لعواصف سياسية وحروب داخلية دامية.

ذاك أنه لما انقرض مغول إيران أو الإيلخانيون عمد بعض القادة والولاة إلى إعلان استقلالهم فـي ولايات إيران، فنشأت فيها دويلات محليّة مستبدّة تقيم حكمها على أساس روابط الأسرة فكانت تتنافس وتتطاحن وبقيت كذلك حتى فاجأها “تيمورلنك” فـي نهاية القرن الثامن بغزواته وفتوحاته المدمّرة.

حوصرت هذه المدينة فـي زمن حافظ نحو خمس مرّات وتداول حكمها الأمراء والملوك من تلك الأسر فكانت الحياة الاجتماعية فيها بين مدٍّ وجزر، وشدة ويسر، تتعرض حيناً لوابل من الدماء وتزخر تارة بالمحافل والأعياد. تتراخى العادات والأعراف فيها طوراً، ويسودها التقشّف والزهادة طوراً آخر، وتتلاطم فيها السلطات تلاطم الأمواج فـي البحر المزبد. ولم يكن هذا البحر سوى صحراء إيران وهضابها وسهولها وواحاتها.

أما حافظ فشقّ طريقه فـي قرض الشعر ولمع فيه عَلَماً مجلّياً. وكان يراقب صروف الحياة دون أن يتورّط فـي تيّاراتها ولا فـي أحداثها المفاجئة. فلا تجد فـي شعره إلا إشارات خاطفة تزيد فـي بيان براعته وجمال قريضه. ويجهد شرّاح ديوانه فـي تعيين من تشير إليه من ملوك، وما تلمح به من حوادث أو وقائع.

وقد شهد وهو فـي ريعان شبابه كيف استولى “أبو إسحاق إينجو” على شيراز مرّة ثانية سنة 743 لبث حاكماً لها عشر سنوات حتى 754. ويروى أن هذا السلطان كان شاعراً، وكان محبّاً للعلم، وكان كريماً فتح أبوابه للناس جميعاً من شريف ووضيع وفقير ورفيع، وكان يميل إلى اللهو والسلم والحياة الرخيّة.

وقد تمكن “مبارزالدين محمد” مؤسس دولة المظفريين أن يهزم أبا إسحاق حين داهمه على أبواب شيراز، ففرّ إلى أصفهان واحتمى بها حتى سنة 758 حين وقع أسيراً فـي أيدي آل المظفر فسيق إلى شيراز التي حكمها من قبل فأُعدم فـي ميدانها. وأدرج مبارز الدين شيراز وأصفهان فـي عداد مملكته.

واتّسم حكم “مبارز الدين” فـي شيراز بالقسوة وشدة التمسّك بالدين والزهد والورع. وقد ائتمر عليه أبناؤه فقبضوا عليه سنة 759 وسملوا عينيه وتوزعوا مملكته بينهم فكان إقليم فارس الذي عاصمته شيراز من نصيب ابنه الشاه شجاع. وقد أشار حافظ فـي مقطوعة لـه إلى هذه الحادثة. فهو يحذّر المرء من الركون إلى الدنيا وصروفها، وينوه بالملك الغازي القويّ مبارز الدين، ثم يقول ما معناه:

              سَمَلَ عينيه من كان ينير لـه الدنيا إذا وقعت عيناه عليه.

والمشهور أن الشاه شجاعاً كان على خلاف مع أبيه، رفع الحظر عن الحانات وأباح للناس سبل اللهو. وقد خلفه على شيراز ابنه زين العابدين. لكن أبناء الشاه شجاع تطاحنوا ومازالوا يتطاحنون حتى غشيهم صليل السيوف فـي جيش “تيمور”. فأبادهم جميعاً.

ذيوع شهرة حافظ وشعره باللغة العربية

شهر حافظ بديوانه الذي ترجم إلى حوالى سبع وعشرين لغة. فيه نحو سبعمائة قطعة من الشعر. منها ما يقرب من خمسمائة مصوغة فـي هذا الضرب من الشعر الفارسي الذي يدعى بالغزل. وقد طارت شهرة غزلـه فـي الآفاق داخل إيران وخارجها حتى إن الشاعر الألماني الشهير “غوته” تأثّر به تأثراً كبيراً وعدّه أحد الأعمدة التي قام عليها صرح الآداب العالمية ونظر إليه على أنه دليله الروحيّ فـي الشعر.

هذا وقسم من أشعاره ملمّع أي ورد بعض أبياته الغزلية بالعربية. وقد نسب إليه شعر بالعربية قليل ولكنه لا يرتفع إلى مستوى شعره بالفارسية. والذي نظنّه أن الشعر الذي نظمه بالعربية ينبغي أن يكون أكثر من الذي وصل إلينا نظراً لتضلّع حافظ من هذه اللغة ومعرفة آدابها معرفة عميقة. وربما ضاع هذا القسم فـي المحن وفي غبار الزمن.

وقد أطلق الشاعر “عبدالرحمن جامي” (817/1414 – 898/1492) فـي كتابه “نفحات الأنس” على حافظ لقب “لسان الغيب وترجمان الأسرار” وفسّره بأن صاحب هذا اللقب كشف عن كثير من الأسرار الغيبية والمعاني الحقيقية التي التفّت بألبسة المجاز، وهي مع ذلك خالية من التكلُّف والاضطراب. وهذا كلّه يدلّ على أن أشعار حافظ كانت تهزّ الناس وتطربهم أيّما طرب، وتبعث فـي نفوسهم نشوة عميقة.

إن التمكن من الثقافتين العربية والفارسية أفاد حافظاً فـي قريضه وبلاغته وقد أشار فـي غزليته رقم /28/ إلى استفادته من البلاغة العربية بما معناه:

“ليس من الأدب التمدّح وإظهار الفضل أمام الحبيب. ولهذا فلساني صامت، ولكنّ فمي حافل ببلاغة العرب..”.

هذا وربما كان القارئ الكريم يودّ أن يطّلع على بعض ما وصل إلينا من شعره العربيّ فنحن نثبت لـه هذه القطعة:

ألم يأنِ للأحباب أن يترحّموا

 

وللناقضينَ العهدَ أن يتندّموا؟

ألم يأتِهم أنباءُ من بات بعدَهم

 

وفي قلبه نارُ الأسى تتضرّمُ؟

فيا ليتَ قومي يعلمونَ بما جرى

 

على مُرْتَجٍ منهم فيعْفوا ويرحموا

حكى الدّمعُ منّي ما الجوانحُ أضْمرتْ

 

فيا عجباً من صامتٍ يتكلمُ!

أتى موسمُ النَيْروزِ واخْضَرت الرُّبى

 

ورقّقَ خمرٌ، والندامى ترنموا

بني عمّنا جودوا عَلَيْنا بجُرعةٍ

 

وللْفَضلِ أسبابٌ بها يُتَوسَّمُ

شهورٌ بها الأوطارُ تُقضى من الصِبا

 

وفي شأنِنا عيشُ الربيعِ مُحَرَّمُ

أيا من علا كلّ السلاطينِ سطوةً

 

ترحّمْ – جزاكَ اللهُ – فالخيرُ مَغْنَمُ

لكلٍّ من الخُلاّنِ ذُخْرٌ ونِعْمَة

 

وللحافظِ المسكينِ فقرٌ ومَغرَمُ

وها أنذا أختار بعض الأبيات العربيّة التي وردت فـي قصيدة ملمّعة :

سليمى منذ حلّت بالعراق

 

ألاقي من نواها ما ألاقي

ربيعُ العمر فـي مرعى حِماكم

 

حماك الله يا عهد التلاقي

مضت فرصُ الوصال وما شعرنا

 

وإنّي الآن فـي عين الفراق

نهاني الشيب عن وصل العذارى

 

سوى تقبيل وجه واعتناق

دموعي بعدكم لا تَحقِروها

 

فكم بحرٍ تجمّع من سواقي

*        *        *          *

الشرق بلاد النور والسمو والحب والانفتاح والتفاؤل والتواصل. يصل النور إلى بلاد الشرق أول ما يصل إلى الأرض ثم ينتقل منها إلى الغرب وبقية أنحاء العالم.

فـي بلاد الشرق نشأت الديانات السماوية السامية وسعت أن تحدّ من غطرسة الإنسان وطغيانه.

فيها نشأت أول أبجدية فـي تاريخ العالم فكانت أهم مرحلة فـي الحضارة الإنسانية حين يسّرت الكتابة وتسجيل المعارف وخزنها كما سهّلت بذلك التواصل والتعارف وتبادل المعرفة بين الشعوب. لقد نهض البطل السوري قدموس كما يدعوه اليونان وحمل تلك الأبجدية إلى بلاد اليونان ومنها انتشرت إلى بلاد العالم.

لقد أشاد اليونان القدماء ولا سيما أرسطو طاليس بعبقرية أبناء الشرق وذكائهم ومهاراتهم. كان ذكاء الفينيقيين وعبقرياتهم وتجاراتهم سلاماً وتضامناً وتعارفاً فـي تاريخ العالم. لقد أنشؤوا فيما أنشؤوا مركزاً لهم فـي جزيرة كوثير اليونانية، كما أنشؤوا قرطاجنة فـي شمالي تونس للتجارة والحضارة. كلمة كوثير تذكرنا بالجذر العربي وهو الكثرة وكانت مشهورة بالجمال والتحضّر والرفاهية وكثرة المتاع. وقد ترجمناها بالكوثرة حين تكلمنا عليها عرضاً فـي بحوثنا فـي علم الجمال.

كلمة Orientation فـي اللغات الأجنبية معناها الاتجاه أو التوجيه نحو الشرق ومعناها أيضاً التوجيه الرشيد السديد.

ليس هنا مجال للإفاضة فـي المآثر الإنسانية النورانية الشرقية. ولكني أقتصر على مثال حديث رائع يرد لمحاً فـي تاريخ الأدب المقارن يدلّ على التواصل العميق والمحبّة والتفاؤل والانفتاح بين الشرق والغرب يجب أن نؤكده وأمثاله حتى نتعرف الأخوّة الإنسانية وتقدير الأدباء والمفكرين الكبار بعضهم لبعض فـي أي مكان وهو قصة الشاعر والكاتب الكبير الألماني الحديث “يوهان غوته” (1749 – 1832) وحافظ الشيرازي الإيراني (1325 – 1389). بينهما أكثر من أربعة قرون. وهذا دليل على أن الإبداع والمعرفة والاقتباس نسب خالد على مدى الأيام والأعوام.

حافظ والشاعر الألماني الكبير "يوهان غوته"

اهتم "غوته" فـي صباه بالآداب الشرقية عربية وهندية وفارسية مستجيباً للنزعة الرومنسية التي غدت تستفيض فـي فنون أوروبّة. وقد اطّلع على القرآن الكريم مترجماً وأعجب به. وازدادت عنايته بالأدب العربيّ فقرأ المعلّقات فـي ترجمة “جونز” اللاتينية وترجم هو قطعة من معلقة امرئ القيس. ثم حاول أن يتعلم اللغة العربية ولكن لم يصل فـي تعلّمها إلاّ إلى الإلمام ببعض ألفاظها وقواعدها وبكتابة حروفها.

كذلك أعجب كل الإعجاب بالأدب الفارسي فقرأ قصة “ليلى ومجنون” التي نظمها الشاعر الفارسي “نظامي كنجوي” فـي ترجمتها اللاتينية. وبقي إعجابه بكنوز الشرق إعجاب الطُّلَعَة الباحث عن الغذاء الروحي من مختلف المصادر حتى 7 حزيران 1814. أما فـي هذا التاريخ فنجد دفتر يومياته يحمل على إحدى صفحاته هذين اللفظين: ديوان حافظ.

 وكان المستشرق الدبلوماسي "يوسف هَمِر" قبل حين نشر ترجمة ألمانية لـه. ولم يكد يطلع "غوته" على هذا الديوان حتى فجّر هذا الاطلاع مكامن جديدة للإبداع فـي شاعريته، وانتهى هذا الإعجاب إلى امتزاج روحي قوي يستلهم الشاعر الألماني فيه من أنوار عبقرية حافظ وغدا ينظم القصائد اللطيفة البديعة التي ضمّها فـي ديوان كتبَ هو نفسه عنوانه باللغة العربية: “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” وأصبح الشعر ينبعث من فيه كما يندفع الصداح الساحر من حنجرة العندليب.

إن هذا التحوّل لم يقتصر على الاستلهام واقتفاء الأثر والائتمام بالهَدْيِ والطريقة، بل كأن ديوان حافظ بما فيه من شاعرية أصيلة قد نفح “يوهان” بحيوّية جديدة ورَدَّه إلى شَرْخٍ من الشباب وإلى نضارة من التفاؤل والحبّ، فغدا يشارك حافظاً فـي مشاعره ومواجيده وإبداعه.

نجد “غوته” فـي ربيع سنة 1815 وهو فـي سن الخامسة والستين وقد بدأ يشكو من مرض النقرس راكباً عربته وقاصداً مدينة “فسبادن” ذات المياه المعدنية وهو يشعر أن نفسه قد امتلأت بألحان الشعر العذبة وكأنه يخاطب نفسه قائلاً: “لقد اشتعل رأسك شيباً. ومع ذلك أمامك أن تحبّ” وحقاً نزلَ ضيفاً على أسرة من أصدقائه فأحب بينهم “ماريان فون فلمر” وبادلته حبّاً بحبّ.

أهدى إليها الكتاب الثامن من ديوانه. ذلك الديوان قسمان: شعر ونثر. أما النثر فهو تعليقات وضعها الشاعر نفسه إيضاحاً لمقاصد الديوان، وهي خاصة بتاريخ الآداب العربية والفارسية وغيرها من الآداب الشرقية. وأما الشعر فبناه الشاعر على اثني عشر كتاباً أو كتيباً. وهي كتاب المُغنّي وكتاب حافظ وكتاب العشق وكتاب التفكير وكتاب الغضب وكتاب الحكمة وكتاب “تيمور” وكتاب “زليخا” وكتاب الساقي وكتاب الأمثال وكتاب البارسي وكتاب الخلد. وقد وضع الشاعر عنوانات هذه الكتب باللغة الفارسية وتحتها ترجمتها الألمانية.

قصائد هذا الديوان فيض من الإلهام ولون من ألوان الانسجام والحب والحنان وبوحٌ بمشاعر المؤلف الكامنة. وقد أخذت “ماريان” فيه لقب “زليخا” التي تغنّى بها حافظ.

ولم يقصّر “غوته” فـي تمجيد أستاذه حافظ وبيان تأثيره فيه. فقد وسم أحد كتب الديوان باسمه وهو “حافظ نامه” أي كتاب حافظ. القصيدة الأولى فيه بعنوان لقب وهي نوع من الحوار بارع يتصوره الشاعر بينه وبين حافظ. يسأل الشاعر حافظاً عن سبب تلقيبه بحافظ ويجيبه بأنه يحفظ فـي ذاكرته القوية المحظوظة التراث المقدس وهو القرآن الكريم صحيحاً غير محرّف. ويخاطبه “غوته” بأنه يسير على خطاه وينهج نهجه فهو قد تمثل أيضاً الكتاب المقدس المسيحي وانطبع قلبه انطباع صورة “السيّد” على المنديل المبارك. فهما فـي هاتين المأثرتين شبيهان كل الشبه. إنهما “توأمان” حافظ الأسبق و “غوته” الأحدث.

وفي كلام “غوته” وذكره المنديل المبارك إشارة إلى انطباع وجه المسيح على ثوب “فيرونيكا” الأبيض وهي التي مسحت وجه المسيح وهو يصعد الجبل بقماش أبيض فانطبعت عليه صورة وجه السيّد.

وتوكيداً لفضل حافظ يقول “غوته” فـي القطعة الشعرية بعنوان “محاكاة” رقم 7: من كتاب حافظ نفسه: “وكما أن الشرارة قادرة على أن تحرق مدينة السلطان

إذا سار اللهب وأنتج بنفسه الريح

فاشتعل من ريح نفسه، حتى إذا ما انطفأ

اختفى فـي أعلى السماء

كذلك احترق بلهيبك الخالد

قلب ألماني قد أشعتَ فيه القوة من جديد”.

لقد أعلن “غوته” فـي (المجلة الشرقية) سنة 1816 برقم 48 ص189 أن كتاب حافظ (حافظ نامه) فـي ديوانه يعرب عن الصلة التي تربط بين الشاعر الألماني والشاعر الفارسي ونعت “غوته” حافظاً بأنه لا يستطيع أن يبلغ شأوه ولا أن يلحق به.

نعم لم يلحق “غوته” بحافظ ولم يبلغ شأوه ولكنه اتخذه إماماً فـي الشعر واستلهم منه طائفة لا بأس بها من قصائده وسار على غراره ونهج نهجه.

على أن السمة الغالبة أيضاً فـي الديوان هي الرغبة فـي التحرر والتحول أو الهجرة التي تتضمن التغير من حال إلى حال أفضل وأسمى. “لغوته” قطعة من أجمل الشعر الألماني بعنوان “الحنين السعيد” رقم 17 فـي الكتاب الأول، كتاب المغنّي، يضرب الشاعر فيها مثلاً كثيراً ما استعمله الشعراء الفرس لهذا التحوّل وهو احتراق الفراشة (إي النفس الإنسانية) عاشقة النور بالنور نفسه لتصبح هي نفسها نوراً. (وقد نقلنا القطعة إلى العربية وأثبتناها فـي ديواننا “حصاد الظلال”، فـي كتاب المغنّي أيضاً قبل هذه القطعة قطعة أخرى بارعة ومؤثرة بعنوان “الخاطر الحر” رقم3 يصور الشاعر نفسه بصورة رحّالة يريد أن يجوب الشرق ومختلف الآفاق يستهلها بقولـه:

“دعوني وحيداً أقيم على سرج جوادي

وأقيموا أنتم ما شئتم فـي دياركم ومضارب خيامكم

أما أنا فسأجوب من الأنحاء قاصيها على صهوة فرسي

فَرحاً مسروراً لا يعلو على قلنسوتي غير نجوم السماء..”

يمكن أن يذهب بنا الظنّ أيضاً (كما هي طبيعة الشعر البليغ” إلى أن الشاعر يرمز هنا بنجوم السماء إلى ملوك الشعر الفارسي أمثال “نظامي كنجوي” و”فريد الدين العطار” و”جلال الدين الرومي” و”عبد الرحمن جامي” و”حافظ الشيرازي” وأمثالهم. ليس فوق قلنسوته سوى أولئك النجوم.

عاش حافظ كما ذكرنا آنفاً، فـي عصر مضطرب، عصر “تيمور”، وعاش “غوته” مثله فـي عصر مضطرب، عصر “نابليون بونابرت”، ولم يَحُلْ اضطرابُ عصريهما دون إيراق موهبة كليهما أجمل إيراق واكتمال شاعرّيتهما أروع اكتمال لتتفتّحا بأبهى الورود والأزاهير، وتنفحا بأزكى الشذا وأرقّ العبير.

هذا العبير وذاك الشذا أغاريد حبٍّ وتفاؤل، ورسائل سلام وتواصل، تصدر هي وأمثالها عن قيثارات الإنسان الراقي الفاضل المحب للإنسان والعريق فـي الحضارة وحلو البيان. إنها خالدة على مدى الزمان، وتعاقب الأجيال والحدثان.

أسرار الإبداع فـي شاعرية حافظ الشيرازي

من الصعب على الباحث أن يمسك بأسرار كشف علمي يدرسه، أو إلهام شعري يتأمله، ولكنه يستطيع أن يوضح تلك الأسرار ما تسنى لـه الإيضاح. ومن الصعب أيضاً أن يتلمس الباحث عبقرية الشاعر إذا كان غير مختص بلغة الشاعر وآداب قومه، ولكن هاتين الصعوبتين قد يجدهما الداني القريب كما يجدهما القاصي البعيد، وقديماً قيل: “شدة القرب حجاب”. وقد يرى البعيد ما لا يراه القريب، ولكنا نقول أيضاً شدة البعد غياب، وقد يرى القريب ما لا يراه البعيد، وفرق كبير بين أن تحس خفقات قلب الحبيب وهو بين يديك وعلى وسادتك وأن تتصور تلك الخفقات مجرد تصور، وكذلك فرق كبير بين أن تقرأ الشاعر فـي لغته فتسمع هواجس نفسه وأن تقرأه فـي ترجماته فتغيب عنك تلك الهواجس الخفية. ومع ذلك فربما يتاح لنا مع قربنا من حافظ فـي ترجماته وبعدنا عنه فـي لغته الأصلية أن نحاكيه لماماً وليس دائماً ولو فـي شأن من الشؤون، أوليس هو الملقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار؟.. فلا يعوزنا بحافز حبه وعاصف الإعجاب بعبقريته أن نتكلم على إبداعه وأن نترجم أسرار هذا الإبداع إلى العربية حتى للمختصين بدراسة هذا الشاعر العظيم..

إن الشعر كبقية الفنون يتألف من عناصر عدة متباينة. وعناصره هي: الألفاظ والإيقاع والوزن والقافية والنغم الذي ينساب بين ذلك كله والمعاني المختلفة حقيقية ومجازية ورمزية، والإيحاءات التي تواكب المعاني وتحفّ بها والتي تطلق الفكر في آفاق شتى، ثم يأتي فوق ذلك كله ائتلاف تلك العناصر المتعددة والتحامها في صيغة مُثْلى عليا متقنة الأداء رائعة التأثير، لا يمكن تصور صيغة أعلى منها في موضوعها المفرد الذي يضم تلك العناصر ضمّ الأمّ لولدها الوحيد..

والباحثون في شعر حافظ متفقون جميعاً على عذوبة ألفاظه وبعده عن الكلمات النابية والعبارات الواهية، ويجمعون على ما في هذا الشعر من إيقاع مؤثر ينجذب إليه القلب ويطرب لـه السمع وتهش لـه النفس، إذ يصور نزعاتها الحسية والعلوية معاً، وتبتهج به الروح إذ يحلق بها في جوّ من الأحلام والآمال والحرية والصفاء والإبداع، هذا كله ينوه به علماء اللغة الفارسية وجهابذة الأدب الفارسي.

أما نحن فنريد أن نعالج بعضاً من معانيه التي نزعم أن التفنن في سبكها وفي تلوينها من أسرار إبداعه. هذه الأسرار قد لا يدركها الحساد الشانئون فيلخصونها في جملة من الأغراض المتكررة المتباينة، وذلك على مثال ما يروى من أن سلطان شيراز شاه شجاع كان ينظم الشعر ويريد أن تبلغ أشعاره ما بلغته أشعار حافظ من الشهرة وبعد الصيت وكمال الصنعة وإحسان الأداء، فاستدعاه يوماً وانتقد غزلياته قائلاً: “ إن واحدة من غزلياتك لا تجري على نهج واحد من أولها إلى آخرها، بل إننا نجد في الغزل الواحد بعض الأبيات في وصف الخمرة وبعضها في التصوف والباقي في التغزل بالحبيب، وهذا التلون والتنوع في أغراض الغزل لا يجيزهما البلغاء والفصحاء”. وقد صعب على حافظ أن يشرح لـه أسرار صناعته، ومن المعلوم أن الشعراء يقولون أشياء جميلة دون أن يدركوا كيف يقولونها كما قرر قديماً سقراط زعيم فلاسفة اليونان، فلم يجد حافظ ما يرد به على الشاه شجاع خيراً من أن يوافقه على ما ذهب إليه، وأن يختم عبارته بلون من الثقة بالنفس والسخرية اللاذعة فقال: “ إن ما قاله مولاي هو عين الصدق ومحض الصواب. ومع ذلك فإن أشعار حافظ يتردد إنشادها في الآفاق على حين لا تتجاوز أقوال غيره من الشعراء أبواب شيراز”.

وعندنا أن هذا التفنن في مختلف الأغراض في غزلية واحدة، يحكي صياغة جوهرة من الماس فريدة، فهي تعرض ألواناً من العواطف الجميلة كما يعرض الموشور البلوري ألوان الطيف السبعة حين يجتازه النور الأبيض. ألوان الطيف هذه تبهج البصر كما تبهج تلك الأغراض الفنية المصوغة صوغاً متقناً وملهماً حاسة السمع العقلية الفنية، فتطرب الفكر بإحكامها وإتقانها على مثال الموسيقى البوليفونية الجميلة الممتعة. ثم إن هناك أموراً أخرى لا بد من جلائها لبيان ذلك الإبداع. ذلك أن شعر حافظ يختلف دارسوه وشراحه في حقيقة مقاصده أكان يريد بالخمرة بنت الكرم وبالأحباء بنات شيراز الشهيرات بالجـمال والإغراء ذوات العيون السود السابية والثغور النقية والقدود المائسة وضفائر الشعر المسبلة على الكتفين والحديث الناعم والشذا الفاغم، أم يريد معاني روحانية ومجالي ربانية يحار فـي تأملها الدرويش الصوفي، ويغرق فـي لألائها فكر الشاعر الحكيم؟.. أو كان حافظ يلازم حقاً خمارات المجوس وأديرتهم، أم كان يرمز بها إلى الظواهر المادية التي كان يتجاوز أشكالها وسقاتها وراحها إلى ما وراء ذلك من بيانات مثالية عالية؟.. إن ذلك الإبهام يسبغ على أشعار حافظ صفة الرمز. وللرمز الشعري الملائم للطبع مزايا كثيرة: منها أن الرموز متصلة بالحالة النفسية التي يريد الشاعر أن يصورها أو يوحي بها أو يشير إليها. ذلك أن معاني الألفاظ الحقيقية تحيط بالفكرة وتحصرها وتحدها، ولكن المعاني الرمزية تطلق الفكر في جو من التأمل وتحمله على براقها في رحلات بعيدة، وتتيح لـه أن يكشف عن رؤى بديعة تتنوع حسب طبعه وميوله وثقافته وسريرته... وهذا ما يجعل السامع أو القارئ يشعر بجذل لذيذ خفي حين يتوهم أنه يشارك الشاعر في تحري تلك الرؤى الطريفة وفي تبصّرها. إن الوضوح التام يحرم الفكر من غبطة الحزْر التدريجي، أما الإيحاء والغموض فهما الغاية المنشودة وهما السر المخامر للرمز. الوضوح التام يجعل الفكر يقف عند رؤية المرء سطح البحر، ولكن الرمز يحفزه على الغوص في أعماق اللجج لالتقاط اللآلئ. الوضوح التام ينظر أيضاً في صفحة القبة الزرقاء في النهار فيراها حقاً بلونها السماوي اللازوردي، ولكن الرمز ينظر إليها في ليلة صافية فيجعل الفكر يُشدَه بتأمل نجومها وكواكبها وبروجها، ويحاول السفر بعيداً في أجوائها الساحرة الشاسعة.

ثم إن هذا الذي قدمناه لا يكفي، بل نزيد أن الحب والوجد والكأس والشراب والحبيب والربيع والخضرة والرياحين كلها أمور يميل إليها الطبع ويأنس بها القلب وتستلذها الفطرة الإنسانية، ولهذا قرنها الشعراء منذ القديم بأشياء مستحبة وملذوذة أو شبهوها بها، فالوجد يشبه النشوة، والحب يشبه السُّكْر، والشراب بحسب ألوانه يذكر بالورد أو الياقوت ورائحة التفاح أحياناً وغيرها. كما أنّهم شبهوا وجه الحبيب بالقمر أو الشمس وثغره بالدر وقوامه بالغصن وشذاه بالعبير، وما إلى ذلك من صور شعرية فاتنة، كما أن الربيع يحكي شباب العمر، وتكاد الخضرة والبساتين والرياحين تمثل الجنان. وقد نستعمل في علم البيان المشبه به مكان المشبه فتلك هي الاستعارة والمجاز ويضاف إلى ذلك الكناية والتورية والتلميح وما إلى ذلك من وسائل التعبير التي تضفي ستاراً على المقصود الحقيقي، ولكنها تلمح به أو تشف عنه، وذلك هو جوهر الرمز الشعري. ولكن هذا رمز ندعوه من الدرجة الأولى، فإذا صعدنا درجة أعلى واعتمدنا تلك الاستعارات لا لأجل ما تدل عليه في عالم الواقع من حبيب إنساني وخمر مادية وكأس بلورية، ولا ما تحاكيه في عالم الشعر من شمس أو قمر أو ورد أو عقيق أو لازورد، بل لتشير إلى معالم علوية كالحب الإلهي والنشوة بهذا الحب، وكحنين النفس إلى القيم العليا مشابهاً لعشق الفراشة للنور، ثم التغني بالضياع وخلع العذار في هذا العشق السامي، فإن ذلك رمز ندعوه من الدرجة الثانية، وهو أكثر عمقاً وأشد شفوفاً عن أبعاد متعددة الأغراض وعن عوالم متفاوتة الصور كالعالم المادي والعالم الشاعري والعالم الروحاني، منظمة ومرتبة على مستويات ثلاثة وما إلى ذلك من آفاق واسعة حرة مستجيبة للتأويل وغنية بالصور والأحلام.

وربما عمد الشاعر إلى مثل هذا الرمز المتعدد الدرجات، ولكنه لا يأتي بالشعر العجاب، ذلك أن المهم لا حشد المعاني ولا لطافة الألفاظ ولا حساب الوزن والإيقاع، ولا غيرها من العناصر، وإنما المهم تأليف ذلك كله تأليفاً معجزاً مبتكراً بديعاً لا يعلو عليه تأليف في موضوعه ولا تستطيع أن تناله يد بالتغيير والتبديل، وهذا هو سر الإلهام وحقيقة الإبداع، وهذا ما نظن أن حافظاً قد بلغ الأوج فيه والاحتفاظ به. لم يكن أحد يدرك إذ ذاك أن ذلك الصبي الخباز سوف يصنع بشعره أطيب أصناف الحلوى الحسية والروحية ليقدمها إلى العالم أجمع. ويضاف إلى ذلك أن لسان الغيب كما أصبح يدعى إذ ذاك، لم يقبع في برج عاجي ولا كان بعيداً عما يجري في مجتمعه ويقع بمدينته من ضغوط اجتماعية ومن عنف ومحن وطوارئ محزنة، فكان في شعره يعمد إلى التلميح في الحين بعد الحين، ويشير ولو من بعيد إلى تلك الظروف الاجتماعية، حتى إن شراحه يجهدون في إرجاع كل تلميح إلى حادث مسمى، ولا غرو في ذلك فقد كان ذا قلب إنساني بكل ما في لفظ الإنساني من معنى شريف وخلق سام، فهو يكره التزلف ويبغض النفاق والرياء ويندد بالاستبداد وينوه بالحرية والنقاء، فقلبه عامر بحب بلده شيراز برج الأولياء وبحب غيدها، طافح بحب أمته بل بحب الإنسانية كلها، وهو إذا ظهر بشعره بمظهر الماجن المستخفِّ بالعرف فلكي ينكر التعصب وينادي بالحرية الفكرية والمعاشية، ويجذب الأنظار نحو الفقراء والدراويش ويتمشى مع عواطفهم. أوليس ينكر على الشعراء انسياقهم في مظاهر الترف بلاطائل ولا فائدة وهم لا يبالون فقر الفقراء ولا حاجة المحتاجين؟! ومن المعلوم أنه كان متمكناً من العلوم العربية ومن العلوم الدينية حتى إنه كان يدرّس تفسير الكشاف فـي مدرسة شيراز، ويحشيّ عليه إلى جانب حفظه القرآن، وهو يدرك تماماً جمال بيتي أبي نواس فـي قطعته الفنية المشهورة:

تدار علينا الراح في عسجدية

 

حبتهـا بأنـواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها

 

مها تدّريها بالقسيّ الفوارس

فهو لا يمر بهما دون تعليق، ولا نجده ينكر على الماجن شرابه ولكنه يندد بهذه الكأس العسجدية التي لا لزوم لها في السكر، إذ يستطيع الماجن أن يحتسي الراح في كوب بسيط وأن يوزع الذهب في تلك الكأس العسجدية على الفقراء:

أيها المحتسي بكأس ابن هاني

 

 

بنت كرم كمثل لعل مـذاب

أفلا جدت بالنضار على من

 

ألصق الدهر أنفه بالتراب

على حد ترجمة الشاعر السوري محمد الفراتي لهذين البيتين.

وهو أيضاً يندد بأصحاب القصور الذين أعماهم الغنى المادي عن الغنى الروحي، فإذا هم عاشوا في قصور مشيدة، فالدراويش أغنى منهم روحياً إذ يبيتون في قصر الكون ويتملكون ما فيه تملكاً روحياً حين يعون ما فيه من جمال ومحاسن ومجالي* لاتنفد، ذلك أن التملك المادي وهم، إذ لا نملك على وجه البسيطة شيئاً عند التحقيق. وهكذا حين يتغنى الشعراء الدراويش أمثال حافظ بجمال الحبيب وسحره يشعرون بغناهم الروحي، إذ يتملكون الأشياء تملكاً ممتعاً آخر غير التملك المادي، فهم، إذ يتغنون بجمال الحبيب، يستطيعون أن يقدموا لـه هدايا سنية مما يتملكونه من الكون  فيهبون لـه أشهر البلاد وأوسعها مثل “سمرقند” و”بخارى” بل يستطيعون أن يهبوا لـه أكثر من ذلك. وهنا لا بد من الوقوف عند هذه النادرة: عاش حافظ ليرى “تيمورلنك” يدخل مدينته شيراز سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ويروى أن “تيمورلنك” لما دخل المدينة وكان قد قرأ شعر حافظ وأعجب به، استدعاه إليه ولامه على بيت في غزليته ذات الرقم (3) وكانوا يتغزلون بالجمال الهجين التركي الشيرازي، ومعنى البيت: “لو أن ذلك التركي الشيرازي يأخذ قلوبنا بإشارة من يده لوهبت لـه كُرْمى خاله الأسود سمرقند وبخارى“.

قال “تيمورلنك”: “ إني أخضعت أكثر الربع المسكون بحد السيف وأنت تهب سمرقند وبخارى وهما موطناي لخال أسود على وجنة تركي شيرازي”.

ولكن الشاعر أراد أن يحول نظر الفاتح الشكس عن غناه الروحي الذي يعتد به إلى حالته المادية المزرية في الفقر والدروشة فأجابه: “ بسبب هباتي الخاطئة هذه تجدني يا مولاي أقضي حياتي فيما أنا فيه من عُدْم ومسكنة”.

هذا وقد قالت العرب قديماً: من ألّف فقد استهدف، أي من ألف كتاباً أو شعراً أو غيرهما عرّض تأليفه للنقد. وقد انتقد حافظ حين بدأ غزلية لـه ملمعة بأحد بيتي شعر ضاعا في سواد الكتب العربية ولا يكاد يعرفهما المختصون بالأدب العربي منسوبين إلى يزيد بن معاوية وهذان البيتان هما:

أنا المسموم ما عنديَ

 

ترياق ولا راقي

أدر كأساً وناولها

 

ألا يا أيها الساقي

ويدافع الشاعر الفارسي أهلي شيراز عن حافظ في هذا الاستهلال فيقول ما معناه: “ رأيت حافظاً في المنام ذات ليلة فقلت لـه: يا فريداً في فضلك وعلمك كيف استحللت شعر يزيد بن معاوية وأبحت لنفسك استخدامه مع مالك من فضل وكـمال، لا حد لهما؟ قال حافظ: ألم تعرف السر بعد؟... أليست مكاسب الكافر حلالاً للمسلم؟! ومع ذلك فإن أديباً وشاعراً آخر هو الكاتبي النيسابوري لم يقبل هذا العذر ورآه واهياً فكتب ما معناه: “إني لأعجب كثيراً من تصرف خواجه حافظ ويعجز عقلي عن فهمه، إذ ما هي الحكمة التي رآها في شعر يزيد فأوردها في ديوانه الأول، حتى لو فرضنا أن مكاسب الكافر حلال للمسلم ولم نعارض في ذلك الشأن لعددنا عيباً كبيراً في الأسد أن يخطف اللقمة من فم الكلب”.

إن هذه اللقمة من فم الكلب تحولت بكيمياء الفن إلى حلية ذهبية ساحرة حين تناولها ترجمان ا لأسرار واستهل بها غزليته الفاخرة الملمعة. وهذا شأن الصوفية يأخذون كل ما يجدونه في عالم الواقـع ويقلبون معدنه الخسيس إلى معدن شريف. أولسنا نذكر كيف كان ينادي البقال: يا سعتر بري، فقلبه الصوفي إلى: اسع تربري؟! وشاعت تلك الغزلية بذلك الاستهلال العربي البسيط القوي الإيقاع عند جميع من شدا شيئاً من اللغة الفارسية والتركية والعربية والأردية وغيرها.... وأذكر مصادفتي لكاتب تركي حديث في استامبول منذ ثلاث سنين لا يعرف العربية، فما إن رأيته حتى ابتدرني بهذا الاستهلال وهو يعرف أني عربي. وكذلك شاعت في طاجكستان وأفغانستان وغيرهما من البلدان. ولقد هزني إيقاع هذا البيت لما سمعته في أرض غير عربية، وبقي يعتمل في نفسي حتى هذه المناسبة في إحياء ذكرى حافظ فدفعني هذا الإيقاع اليوم إلى أن أجاري مؤلف الغزلية الرائعة بروحه وأفكاره، لعلي أجلو صوراً من براعته وأغراضه لا تبدو على حقيقتها في الترجمات العربية. وقد خرجت عن شروط الغزل الفارسي، فتجاوزت عدد الأبيات التي ينبغي أن تـتراوح عادة بين الثـمانية والخمسـة والعشرين، ولعل روح حافظ الفنية التي ترفرف بيننا الآن راضية عن صناعتي هذه.

ألا يا أيها الساقي

 

أدر كأساً وناولها

وأغرق مشكلات العيـ

 

ـش فـي الصهبا وأبطلها

إذا ضاقت بك الدنيا

 

بورد الكأس جمِّلها

ودعنى أنا والحسنا

 

مع الصهبا أغازلها

وإن ناءت بك الأوزا

 

ر للرحمن أوكلها

فيا ربّي على الفقرا

 

ء سحب العفو أسبلها

ملأت قلوبهم عشقا

 

حيارى فـي الهوى بُلْها

*  *  *

دجا الدهر وما زلنا

 

على فُلْك الهوى نسري

ونحمل راية العشا

 

ق من عصر إلى عصر

ومن قطب إلى قطب

 

ومن قطر إلى قطر

دعاة الحب فـي الدنيا

 

وفي الأخرى وفي الحشر

سكارى منذ أن كنا

 

بلا كأس ولا خمر

أتتنا نشوة الصهبا

 

ء قبل القطف والعصر

سرى تأثيرها فـي الرو

 

ح مثل النور فـي الفجر

فجدِّد نشوة سلفت

 

ونفسك لا تحمِّلها

*  *  *

ألا يا أيها الدرويش حسـ

 

ـبك كوبك الملآن

وزهدك فـي حطام العيـ

 

ـش والرحمة والرضوان

فلا تحفل بما قالوا

 

وما يجري ولا ما كان

فكم حلّ على شيرا

 

ز من بغي ومن طغيان

وزال البغي والباغي

 

وغاب الملك والسلطان

ولكن بقي النسريـ

 

ـن والنرجس والريحان

أليست هذه دار

 

ك برج العلم والعرفان

صلاتك حينما ليلى

 

تجيء إليك أجِّلها

*  *  *

تؤاخذني على عاري

 

ومجدي هو فـي عاري

وما عاري سوى حبي

 

وصهبائي وقيثاري

وتهيامي بذات الشـ

 

ـفة الحمراء كالنار

وما داري زوايا النسـ

 

ـك بل حانة خمار

أنا السكران لكني

 

أرجي رحمة الباري

يدارون الملوك وأنـ

 

ـت ربات البها داري

لباسهم الرياء وأنـ

 

ـت من ثوب الريا عاري

ذنوبك أيها العاصي

 

بماء التوبة اغسلها

*  *  *

عجيب أمر هذا الشعـ

 

ـر طفل عمره ليله

يطوف العالم المعمور

 

يقطع وعره سهله

ويمضي خالداً فـي كـ

 

ـل قلب ملهباً شعله

وكم من علة يأسو

 

وكم ينقع من غله

كأن الله قد ألقى

 

على تكوينه ظله

فيا وجدي إلى ثغر الـ

 

ـحبيب كأنه فله

ويا ظمأي إلى الصهبا

 

ء تمسح لا عجي كله

فهيا يا شقيق الرو

 

ح نحو الحان ندخلها

*  *  *

خلاف الأهل أضناني

 

وأبليس هو الجاني

وما شان بهاء العيـ

 

ـش إلا الحاسد الشاني

وما أحلى تلاقي الأهـ

 

ـل فـي حب وإحسان

فيا للشمل ضموه

 

لندفع كل عدوان

أليس المسجد الأقصى

 

أسير قطيع ذؤبان

ألا إن سلام الأر

 

ض نيروزي وبستاني

فيا رحمن كن معنا

 

وبارك صلح إخواني

ويا رباه رحماك

 

عقود الصلح أكملها

*  *  *

أدر كأساً وناولها

 

ألا يا أيها الساقي

حميّا الكأس والمحبو

 

ب زادا نار أشواقي

أنا المجنون يا ليلى

 

أنا المسقي والساقي

أنا كأسي وصهبائي

 

أنا سمّي وترياقي

شرابي ما به صحو

 

جنوني ما لـه راقي

جذوري فـي الثرى تمضي

 

وجذعي سامق راقي

وتلك الشمس ميقاتي

 

وهذي الأرض أوراقي

وأكتب بالشعاع الحلـ

 

ـو ألحاني وأذواقي

إذا أفنتني الأيا

 

م شعري خالد باقي

تحياتك يا يافي

 

إلى شيراز أرسلها

هنالك بيت أسرا

 

رك للعشاق فصّلها

مزاياك التي فـي القلب

 

ويحك لا تبدّلها

متى ما تلق من تهوى

 

دع الدنيا وأهملها

*  *  *

 



* يصح إثبات الياء هنا لأنها صيغة منتهى الجموع.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244