مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 127 صيف 2006
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الإمام الخميني (ره) شاعراً ـــ غسان سليم عبد الأمير

قد يتراءى للقارئ العادي أن الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، بوصفه عالماً باحثاً ومحققاً، ناثر جيد، ولكن لا يُتوقع منه أن يكون شاعراً مجيداً أيضاً. ولكن الإمام (ره) كتب، إضافة إلى رسالته العلمية وبحوثه التي نال عليها درجة الاجتهاد، عدداً من الكتب؛ أهمها في مجال الحديث الشريف "شرح الأربعين حديثاً"، وفي شرح الأدعية وفضائلها بحثه في "شرح دعاء السحر" وفي العرفان، حاشيته على "شرح الفؤائد الرضوية"، والأخلاق، كـ"شرح حديث جنون العقل والجهل"، والفلسفة، كشرحه لكتاب "الأسفار الأربعة"، للفيلسوف الكبير صدر الدين الشيرازي، المعروف بـ "صدر المتأهلين"، وفي السياسة، ككتابه "الحكومة الإسلامية"، وفي علم الأصول، ككتابه "أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية"، وفي التفسير، كشروحه لبعض الآيات، ومن بينها كتابه في "تفسير سورة الحمد". ولست هنا في مجال تعداد كل كتاباته النثرية، فهي تتجاوز السبعين مؤلفاً يضيق بمجرد ذكرها هذا المقال المخصص لشعره. ولكن يكفي أن أذكر أن وصيته السياسية الدينية، التي خاطب بها الأجيال الحاضرة والقادمة، تعتبر حقاً آية في النثر الفني الجميل.

ولكن الخميني شاعراً لا يقل شأناً عن الخميني ناثراً...

إن الخميني (ره) الشاعر، شأنه شأن كبار شعراء التصوف الآخرين، يتغزل بالمحبوب ويرجو وصاله، وهو أيضاً يتغزل بالصفات الجسدية لمحبوبه، ولكن من الواضح تماماً أن هذا المحبوب هو صورة الرب تعالى، وأن التفاصيل الجسدية التي يجري التغزل بها إنما هي رموز مقصودة، وأن الأماكن التي يتردد ذكرها في أشعاره إنما يراد بها عالم اللاهوت.

إن متابعة مجموعاته الشعرية، مثل "كوز الحب"، "نبيذ العشق"، "نقطة العطف"، و"محرم السر"، والتي نشرت تباعاً من قبل مؤسسة تنظيم آثار المرحوم الإمام الخميني(ره)، تكشف الحجاب عن آثاره وأسراره القيّمة. كما بين ديوانه، الذي صدر أخيراً مع شروح للمصطلحات، الإيماءات التي أوردها الإمام الراحل في آثاره المنظومة.

فالصور العرفانية في شعر الإمام الخميني (ره) جديدة وحديثة العهد، تم نظمها في أواخر حياة الإمام وبعد قيام الثورة الإسلامية وزعامته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث كان مشغولاً بتغيير وجه الدولة ونُظُمها، وحين كان يدير معركة الدفاع عن الوطن أمام نظام صدام العدواني.

ولد الإمام الخميني (رحمة الله عليه) عام 1902 في خُمين، بالمحافظة المركزية، ابناً أصغر لأب كان الزعيم الديني لمدينته بعد عودته من إنهائه لدراساته الدينية في سامراء والنجف الأشرف في العراق، ولأم من عائلة دينية هي الأخرى كانت معروفة ومحترمة في خمين.

توفي والده ـ مقتولاً ـ في السنة ذاتها بأمر من بعض الإقطاعيين الرجعيين، فخلفه يتيماً في الشهر السادس من عمره.

درس دراساته الأولية على معلمين مختلفين قبل الالتحاق بمدرسة عصرية...

أما دراسة العلوم الإسلامية فقد بدأها على أخيه السيد مرتضى بسنديده أولاً لمدة ثلاث سنوات، ثم درس في أراك، مركز المحافظة المركزية، على الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (قدس الله سره)، مؤسس الحوزة العلمية الدينية في قم. وبعد أن أنهى الدراسة الحوزية الأولية في ست سنوات، انتقل إلى حلقة البحث عند الشيخ الحائري، وذلك للاستفادة من محاضراته.

إضافة للعلوم الحوزية، اهتم بالفلسفة والعرفان، كما أنه درس العلوم الحديثة، وخاصة نظرية داروين ونقدها، على الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني (قدس الله سره).

وعدا عن الدراسة والتدريس في الحوزة، ألف أول كتبه وهو ابن سبع وعشرين سنة، و كانت كل كتبه في المرحلة الأولى من التأليف هوامش وشروحاً على كتب العلماء من قبله.

تعتبر سنة 1944 مبدأ حياته السياسية العلنية، وذلك بنشر كتابه "كشف الأسرار"، الذي ينتقد فيه الـ "اجتياح" البريطاني ودور رضا خان فيه!

التقى الإمام الخميني مراجع العراق الذين أبعدوا بعد ثورة العشرين إلى إيران، و على رأسهم آية الله النائيني (ره)، صاحب النظرية الدينية لحركة المشروطة (الحركة المطالبة بالدستور في إيران). كما أنه شارك في نضال القادة الدينيين ضد نظام رضا شاه، لا سيما في اعتصام أصفهان سنة 1928.

كان مرجع زمانه الديني الكبير آية الله البروجردي (قدس الله سره الشريف) يعتمد على المرحوم الخميني كثيراً على رغم وجود شيوخ أكبر منه سناً في قم، ودليل ذلك ترك إدارة الحوزة له عند سفره (البروجردي) إلى مشهد لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وتكليفه بمعالجة النزاعات ما بين مجموعتين في قم وتخويله بالتصريح للصحافة بشأن الموضوع.

ومن المعروف أن الإمام الراحل سافر إلى قم، بعد انتصار الثورة، ليقيم فيها مدرساً وباحثاً و مرجع تقليد، إلا أن إلحاح المسؤولين وإصرارهم عليه حمله على العودة إلى طهران والإقامة فيها، ومنها قاد البلاد في حربها ضد العدوان الصدامي، في الحرب التي استمرت ثماني سنوات وكلفت شعبي إيران والعراق ما لا يقل عن مليون من خيرة شبابهما.

سيجد القارئ أن وصفه الجميل وتعابيره الآسرة ليس مُنطَلقُها ومنتهاها جمال الشكل ورقة الترنيم وعذوبة النغم واجتذاب القارئ أو السامع، بل السير إلى الله والسعي لرضاه.

هذه النغمة انبثقت من ذاتي

 

 

من روحي وقلبي ولساني وصوتي

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل(1)

وكأس الثمل هنا هي كأس العشق والحب حتى الفناء؛ إذ يطلب الإمام من سر الوجود أن يخفف تأثير هذه الكأس على العاشق، فالمعشوق هو الله!... الإمام الذي هو في الأصل رجل دين ومجتهد مقلد في المسائل الشرعية هو أيضاً أديب تصوف ودروشة وعرفان، ولهذا فهو يستعمل كلمات أهل الذكر وعبارات أرباب العرفان.

انظر أيها الحبيبُ في حال قلبي الناحل

 

 

وإلى روحي هذه المبتلاة المريضة

حتى متى تُغلقُ أمام وجهي باب وصالك

 

 

ألا يا روحي لا تَقْبَلْ إيذائي أكثر(2)

المعشوق عنده هو الوجود الأوحد، والخمرة التي يسكر منها هي خمرة العشق والشوق للوصول إليه، والحانة التي يرتادها ويحبها هي معبده الذي يخلو فيه إلى حبيبه، وأما الشيخ، شيخ الحانة، أو كاهن المعبد، فهو القطب الروحي الذي يقوده في طريق الحبيب، و"عارفه" هو المجنون، و"ليلاه" الله! وكوثره هو نهر الوجد الذي لا يرتوي الشارب العاشق منه بل يزداد عطشه ظمأ إلى ماء حياته الذي لا توصف عذوبته.

ألا إنني سأغدو ثملاً من خمرتك

 

 

ألا إنني سأسقط مغمياً عليّ بسببك

أنا هاربٌ من الوعي وسكرانٌ من السُكر([1])

 

 

لأغدو السعيد حقاً بعطيتك(3)

الرموز العرفانية والمصطلحات الشعرية

نظم الإمام الفقيد أشعاره في أغلب القوالب الشعرية كالرباعي، والمسمط، والقصيدة، والغزل، والقطعة،  والمثنوي، والترجيع بند[2]؛ مستعملاً المحسنات البلاغية الكلاسيكية كالإرداف، والاستثناء والاستدراك، والإيجاز والإيهام والتشبيه والتضاد والجناس والتلميح والتفويف؛ ومستفيداً من المصطلحات العرفانية كالخمر والساقي والسكارى والحانة والشيخ والخد والسالف والشفتين والخال والحاجب وإلى آخره... من كل ذلك يتبين لنا أن شعر الإمام الخميني هو نتيجة حالة استغراق ومولود الفناء في جلال وجمال حضرة الحق ونتيجة لشهود لقاء الحبيب.

أتى به إلى الحانة

 

 

لكي يتوب على يد الشيخ

ولكي لا يتكلم عن الحب من بعد

 

 

ويحيي قلبَه الدرويشُ(4)

ولأعماله المنظومة وجوه يمكن أن تصير مجال بحث في هذا المجال، من قبيل التعابير والمصطلحات والأسلوب والطريقة وتأثير الشعراء السابقين والعارفين المتقدمين وأمثال هذه الموضوعات التي يحتاج البحث المفصل لكل واحد منها إلى فرصة واسعة ليس هنا موضعها؛ ولكنني أحاول إلى حد ما الإشارة إليها وتبسيطها.. ومن هنا نكتفي، بحكم الضرورة، بالمرور الإجمالي والمراجعة العابرة في هذا الصدد.

إن التعابير والمصطلحات الواردة في أعمال الإمام الخميني هي ذاتها التي أوردها العارفون الشعراء والشعراء العارفون في أشعارهم. إن العارفين يبينون المعاني ـ التي وجدوها في أحوال المشاهدة والورود إلى القلب، واختبروها بتذوق حضور الـ "محبوب" ـ في قالب ألفاظ وفي صورة الرمز والاستعارة، لأن تلك المشاهدات والاكتشافات لا يحتويها بيان، وتلك المعاني لا تنطوي في كلام:

ألا يا أيها الساقي املأ كأسي من الشراب

 

 

فمن روحي تترشح شهوة الفضيحة

املأ كأسي من الشراب الذي يفني روحي

 

 

ويزيل نواة خداعي من الكونِ

ناولني من ذلك الشراب الذي يحررني من قيودي

 

 

ويمسك بزمامي محطّماً مقامي...(5)

الجدير بالذكر أن المرحوم الإمام الخميني يعتبر حتى العرفان النظري والاهتمام القلبي في ثنايا المباحث والمصطلحات حجاباً وسداً للطريق. وقد استعمل هذا المعنى مراراً في أعماله المنظومة والنثرية، حيث نرى العلم كالحجاب الغليظ، يحجب السالك عن العرفان حيث أنوار الجلال والجمال وكذلك كل غاية أنانية هي حجاب يجب تمزيقه، وذلك بالترويض والتقوى ومناجاة الباري تعالى والانقطاع التام إليه.

والآن، بعد هذه المقدمة، ننصرف إلى المرور العابر على منظومات الإمام.

استفاد الإمام الراحل في أعماله من مصطلحات العارفين والشامخين واستخدم تعابيرهم في شعره، وفي بعض الأحيان قصد بتلك المصطلحات مضامين ومعاني أخرى. ليس ميسوراً ولا مقدوراً، كما تقدمت الإشارة، شرح كل المصطلحات وتفسيرها في هذا المختصر، لذلك فنحن مضطرون إلى الاكتفاء بذكر بعض الأمثلة، كي يستفيد طالبو المعرفة ويفهموا أن المقصود من هذه التعابير ليس المعاني المحسوسة والمتعارف عليها وإنما لكل منها إشارة إلى حقيقة ما.

إن أحد المصطلحات التي أوردها أصحاب المعرفة في كلامهم هو "الخد"، الذي قالوا إن المراد به التجلي الجمالي لحضرة الحق، الذي هو السبب في إيجاد أعيان العالم وظهور الأسماء الإلهية. كما قالوا إن الخد هو اللطف الإلهي. ومن المصطلحات العرفانية الأخرى الـ "خال"، الذي قالوا إنه عبارة عن نقطة الوحدة الحقيقية، والمراد بها وحدة الذات. والمصطلح الآخر هو الـ "شفاه"، الذي قالوا إن المقصود به هو الكلام، وإشارة إلى "النفس الرحماني" الذي يفيض بوجوده على الأعيان، والـ "عين" إشارة إلى شهود الحق للأعيان والاستعدادات، ويعبر عنها الشهود بصفة "بصر".

والـ "سالف"، أيضاً، الذي قالوا إنه كناية عن مرتبة الإمكان للكليات والجزئيات والمعقولات والمحسوسات والأرواح والأجسام والجواهر والأعراض(6). يقول فخر الدين عراقي: "سالف الغيب هوية ليس لأحد من طريق إليها"(7). ويوضح الملا كاشاني: "السالف عبارة عن التجلي الإلهي في الإجبار، مثل مانع وقابض وقهار ومميت ومضل"(8). والـ "حاجب"، أيضاً، المراد منه الصفات الإلهية التي تحجب الذات، ويأخذ عامل الوجود من هذه الصفات رونقاً وبهاءً وجمالاً (9). والأهم من كل تلك المصطلحات مصطلح الخمر أو النبيذ، إذ أن المراد به غلبة العشق. "فالشراب عبارة عن الذوق والوجد والفرح، التي تدخل من تجلي المحبوب الحقيقي، في حين غلبة المحبة على قلب السالك تجعل السالك سكراناً لا يعي، لأن استيلاءه يتسبب في هدم قواعده العقلية ونقض معاقده الوهمية"(10).

حبك أقام مترلاً في قلبي المحطم

 

 

اتضح أنه كان معروفاً ولكنه جعلني غريباً عن هذا القلب

افتحي شفتيك كانفتاح الزهرة الفتية وأفْشِ

 

 

سر تلك النقطة التي جعلت عملي صعباً وقلبي مهموماً(11)

ولا يمكن للقارئ أن يقرأ قصيدة دون أن تلامس شغاف قلبه حرارة الحب التي تشع من هذه القصائد الوجدانية. فشعر الإمام الخميني (ره)، يتميز بقابلية على التحرك في آفاق الخيال والعرفان، وكذلك يجد المرء انتقاء الألفاظ التي يشعر بها وبإيقاعها الجميل والرنة الموزونة الموسيقية كأنها من أغاني الملائكة.

هنيئاً لذلك اليوم الذي أتحرر من هذا القفص

 

 

وأفرح بعد ذلك الحزن في فراق الحبيب

ألقي رأسي على قدمي المعشوق في خلوة العشق

 

 

أضع شفتي على شفتيك الحلوتين، وأصير فرهادَ([3])

وأسلك طريق الحانات وأصبح شيخاً([4])

 

 

ومن آهة شيخ الحانة، يتعمر قلبي (12)

أما بالنسبة لوصف الذات واستعمال كلمة "الأنا"، فنجد أن الإمام الخميني (ره) كان محتاطاً وحذراً في استعمال ضمير المتكلم. فالأنا يصبح قطرة في البحر، ويعود إلى "هو". الأنا عند الإمام هي درجة دون الوحدة الكلية، ومن يصل إليها فهو في طريق التوحد وأعلى درجاته أيضاً ولكن مع هذا لا يرى نفسه لائقاً بهذه الصفات. فالعارف الحق يفنى عند الله فناءً كلياً فلا يعود إلى الواحد الأحد....

لكن مع هذا لا يقصد الإمام ذم "الأنا" بالمطلق، لأن الأنا تدفع الإنسان إلى المعرفة والوصال والاعتراف بالعجز وتنفي الاستقلال والاستغناء.

حين أنظرُ أيها الأحباءُ جيداً بتفكُّر

 

 

أخرُجُ من قيد وجودي كلّهِ

ومكبّراً، مُكبّراً أوجّهُ وجهي نحو المحبوب

 

 

وأنزع عني خِرقتي([5]) وأنقلبُ درويشاً (13)

الأنا هي المانع والرادع في طريق السالك، اللذان يمنعانه من الوصول إلى العرفان وكذلك هي الكوة المؤدية إلى الدهشة، فالأنا مختصة للذات الأوحد.

خلواً من "أنت" و"أنا" و"سرٍّ" و"علن"([6])

 

 

أطلبُ عوناً لأيممَ وجهي نحو دير(14)

القوالب الشعرية في شعر الإمام الخميني (ره)

1ـ الرباعي: وهو يتشكل من بيتين تكون قوافي المصاريع الأول والثاني والرابع واحدة وأما تقفية المصراع الثالث فتكون اختيارية. والرباعي يكتب في إحدى زحافات بحر "الهزج"، ويتكون من 12 مقطعاً، ووزنه يعادل عبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله" ولـه غير هذا أحد عشر وزناً فرعياً، يرى بعض الباحثين أنها تولد 12 وزناً آخر فيكون مجموع أوزانه أربعة وعشرين. وموضوع الرباعي ليس محدداً بموضوع واحد. الذين كتبوا أشعارهم في هذا القالب هم أبو سعيد أبو الخير، عمر خيام، وأوحد الدين كرماني، والإمام الخميني أيضاً لديه 116 رباعية... ونقدم  أدناه نماذج من رباعيات الإمام الراحل:

1. الواله

إن لم أكن على رأس زقاقك، ما أفعل

 

 

إن لم أكن مولّهاً بوجهك، ما أفعل

يا روح العالم، إني أسير شعرة منك

 

 

إن لم أكن مقيداً بشعرك، ما أفعل(15)

2 . الدمية

لا يمكن رؤية وجهك بعينين كعينيّ

 

 

ولم يسمع أحد قط بأذنين كأذنيك

هذا الـ "نحن" وأنت سبب العمى والصمم

 

 

حطم هذا الصنم كي يتجلى لك الحبيب(16)

3. رسالة البلبل

قبلت ريحُ الربيع شفةَ الخضرة، بدلال

 

 

وهمست في أذن الشقائق، زهرةُ النسرين المعبأة أسراراً

أوصل البلبل من غصن الزهر رسالةً للعشاق

 

 

أن تعالوا إلى الحانة الحنيَّة على العشاق (17)

2ـ القطعة: عدد من الأبيات ذات الوزن والقافية الواحدة شرط أن لا يطبق هذا الأمر في البيت الأول وغالباً ما تترواح القطعة بين 3 أبيات إلى 12 بيتاً ويكون موضوعها أخلاقياً أو حكايةً أو مدحاً أو هجاءً أو تهنئة أو تعزية. ولكننا نرى بعض الشعراء كتبوا قطعة شعرية ببيتين أو خمسين بيتاً. وسهم الإمام الخميني 31 قطعة شعرية ذات مواصفات عالية. منها:

كأس العين

نهب وجهها، كالزهرة، وجودي

 

 

وزادت عينها السكرى سكري

أشعلت ناراً في روحي من غمزتها

 

 

ضيّعت تمردي ودناءتي

نشرت سالفيها المعقوصين ذواتي الثنايا

 

 

أحنت قامتي ومهارتي

عندئذ إذ ركضت نحوي بكوز الخمر

 

 

اقتلعت وجودي وأزالت سكري(18)

3ـ المثنوي: نوع من الشعر تكون كل الأبيات فيه ذات وزن واحد ولكن لمصراعي كل بيت قافية مستقلة. المثنوي يُنسب إلى كلمة "مثنى". لا يوجد تحديد أو شرط في تعداد أبيات المثنويات، ولذلك فأكثر الشعراء الملحميين والقصصيين أنشدوا أشعارهم في قالب المثنوي، كالفردوسي في الشاهنامه
(60 ألف بيت) وجلال الدين الرومي في ستة دفاتر أسماها "مثنوي معنوي"
(25 ألف بيت)، والإمام كتب عدداً من أشعاره في قالب المثنوي خص بها عائلته، نشر أحدها، ويخاطب فيه كنته فاطمة الطباطبائي، مرخماً اسمها إلى "فاطي"، أما اسم فاطمة فينصرف حصراً إلى فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم). و لا حاجة إلى القول بأن أحمد هو النبي محمد (ص)، والأحد هو الذات الإلهية، وكاتب الوحي هو الإمام علي (عليه السلام):

ابنتي

تطلب فاطي عن فاطمة حديثاً

 

 

انظر ماذا تريد من مثلي

ذلك الذي جلب له جبرائيل رسالة

 

 

يعرفُ حَكَمه منزلتَه

من غير أحمد، في جمع الرسل،

 

 

كاتب وحيه من جانب الأحد

يا ابنتي! ارفعي يديك عن قلبي،

 

 

ابحثي عن حبي في مائي وطيني(19)

4ـ القصيدة: والقصيدة في الأدب الفارسي تكون عادةً ما بين 15 إلى 150 بيتاً ولها مطلع ويأتي اسمها من أن الشاعر كان لديه قصد خاص من إنشادها. وموضوع القصيدة غالباً ما يكون حكمةً أو مديحاً أو مرثيةً أو مسائل اجتماعية وسياسية، ونادراً ما يندرج فيها الحب والتغزل. وأما إذا كان الشاعر ينوي المديح في قصيدة، فهو يصف الطبيعة أو يذكر المعشوق، وهذا هو "التشبيب" أو "التغزل". وقد كتب الإمام الخميني ثلاث قصائد بهذه المواصفات متأثراً بالأسلوب الخراساني، معشوقه فيها، أساساً، هو "صاحب الزمان": الإمام الثاني عشر، الغائب، عند الشيعة الإثني عشرية، (محمد بن الحسن)(ع)، كما في القصيدة التالية، التي يمدح فيها الشيخ عبد الكريم الحائري ـ مؤسس الحوزة العلمية في قم:

الانتظار (قصيدة ربيعية)

جاء الربيع فأمسى البستان موضع حسد الفردوس الأعلى

 

 

وتفتحت الأزهار في المرج كما وجه الحبيبة المدللة

بسطت الريحُ المنعشة للروح بساطَ الزمرد الذي لا يُعدُّ

 

 

ونشرت الغيومَ المفعمة عطاءً، خارج حد الدُر الثمين

من الأرجوان والياسمين صارت حاشية المرج كالأبريسم

 

 

ومن الأقحوان و"نسرين الكلاب" صار السفح حريراً صينياً

تأتي كل لحظة من اللاذن و"أنف العجل" رائحة منعشة للروح

 

 

ومن الفل والنعمان يهب في كل لحظة شميم عنبري

من "الياقوتية" والنرجس صارت الدنيا كالجنان

 

 

ومن السوسن والنسرين أصبحت الأرض كروضة الجنة

لكثرة الشقائق صار البستان أفضل من بستان إرم

 

 

ومن فيض الندى صار البستان موضع حسد المرسم الصيني

من القمري والحجل والعندليب تأتي نغمة الأرغن

 

 

ومن الخضيري والوقواق والزرزور يأتي لحن القيثارة الحقيقي

من الطيور النادرة يأتي كل لحظة صوت يأسر القلوب

 

 

ومن "بو المليح" تأتي كل آن نغمة تستقر في الفؤاد

يكون على الأغصان "القُليعي"، كل مساء كالمطربين

 

 

وكذلك "الكردينال" ككهان المعابد بصوت حزين

من جانب صوت البلابل، ومن جانب ورد وريحان وبان

 

 

ومن جهة نسيم عذب ومن تلك الجهة يجري الماء المعين

حلَّ موسم اللهو والطرب، انقضى وقت الكرب

 

 

اطلب كأس خمرة وردية اللون من فاتنة السالفين قمرية الجبين

قامتها كالسرو وبستان خديها بلون الأرجوان

 

 

رائحتها كرائحة الحبق وعيناها كورقتي ياسمين

كأن عينيها عينا الغزلان، وهدبها كالقوس

 

 

تتناثر العذوبة من فمها ورقتها متجلية من الجبين

وجهها كيوم وصالها، مثير للدنيا شارحٌ للقلب

 

 

شعرها كليل هجراني مضطرب مضفور معقوص

مع دمية بهذا الجمال ينبغي التمشي في البستان

 

 

بروح خلو من كل ألم وغم، وبقلب خلو من كل حزن وحقد

خاصةً الآن إذ، في العالم، ظهر مولودٌ علناً

 

 

حيث من ذاته الطاهرة امتزج الماء والتراب

تهيأ كل الأنبياء من أجل تكريمه

 

 

وانثنى ظهر الفلك السابع من أجل تعظيمه

الإمام المهدي المنتظر، سليل خير البشر

 

 

مخلوقات العالمين مطأطئو الرؤوس جميعاً على خوان إحسانه

القمرُ درة من ضيائه، والبدر بدرة من عطائه

 

 

ومن جوده البحرُ قطرة، والفلك خير قطاف زرعه

مرآةُ ذات الكبرياء مشكاة أنوار الهدى

 

 

هدف بعث الأنبياء، قصد خلق العالمين

أمره قضاء، حكمه قدر، حبه الجنان وبغضه سقر

 

 

يحلو تراب دربه إذا انزلق على سالف الحور العين

علموا جميعاً، أصحاب العلم والمعرفة، أرباب الإيمان واليقين

 

 

أن الكتاب كله فصل مختصر في مدحه

سلطان الدين، ملك الزمان، مالك رقاب الرجال والنساء

 

 

بأمر ذي المنن، كل ما هو خارج نطاق الأرض تحت تسلطه

ذاته بأمر العادل، صار منبع فيض البشر

 

 

حشد الملائكة كله رهين بقيد ألطافه

ذُكر حبه في الأمثال على أنه سفينة نوح، ولكن

 

 

لو لم يكن لطفه لكان نوح قرين الطوفان

لو لم يظهر في العالم وجوده الأقدس

 

 

لما اكتمل الدين الحق حتى يوم القيامة

خط الإله باسمه رقماً، منشور ختم الأوصياء

 

 

كما صار جدّه الأمجد خاتم المرسلين

نوح والخليل وأبو البشر، إدريس وداوود وابنه

 

 

يستمدون من غيم فيضه، ويستعينون بمنهج علمه

موسى والعصا في يده، يأمل أن يصير بوابه

 

 

وعيسى حاضرٌ للاقتداء في السماء الرابعة

يا سلطان حياتي، انظر برهةً كرماً

 

 

إلى الكفار المتسلطين والإسلام المستضعف

ناموس الإيمان في خطر، من حيلة عديمي الدين

 

 

ودم المسلمين مهدور من هجمة أعداء الدين

لو أن ذلك السلطان ظهر، وسيف حيدر([7]) في حزامه

 

 

وعمامة النبي على رأسه، ويد الله في كمِّه

لن يبقى من هؤلاء الملحدين في الدنيا ديَّار

 

 

ويأمن وجه الأرض من جور الظالمين وظلمهم

وأنا، وإن كنت خجلاً من فرط الإثم ومتألماً

 

 

لكنني مسرور لأن الحق مزج ترابي بمحبتك

خاصة الآن إذ نظمتُ مدحك من فيض الحق

 

 

بحيث ينهمر، من القلم على الورق، عسلٌ بدلاً من الحبر

حتى يصطاد مخلبُ الشاهين الطائرَ في الهواء

 

 

حتى يغضب الذئب في البراري، على الخراف

لتنفتح أبواب الظفر بوجه محبيك

 

 

وليقع على روح أعدائك بلاء ساحق

إلى أن تهب ريح النيروز كل سنة في البستان

 

 

إلى أن ينبعث من غيوم آذار الريحان والزهر إلى الأرض

ليكن الفصل، على رأس أعداء وجودك، كالخريف

 

 

وعلى محبيك ليكن كل شهر كشهر فروردين([8])

ليصر العالم من مقدمه خالياً من الجهل، مملوءاً بالعلم

 

 

كما صارت مدينة "قم" من مقدم الشيخ الأجلّ أمير الكبار[9]

سحاب العطاء، الفيض العميم، بحر السخاء، كنز النعيم

 

 

منجم الكرم، عبد الكريم، حامي المسلمين وملجأهم

كنز علم السلف، منبع فضل الخلف

 

 

أعطاه الله من الشرف بيده زمام الشرع والدين

في ظله اجتمع أعلام الدين من كل بلد

 

 

تقابل على ساحته الطلاب من كل وطن

زد، يا رب، عمره وعزته وجاهه وحرمته

 

 

كي يحيا بهمته مذهب خير المرسلين

امنحني نجاح الدرس والزهد بلا رياء

 

 

كي أصير بلطف الله، من العالمين العاملين(20)

وهذه القصيدة هي، كما يتضح، من نتاج شبابه أيام عصر التلمذة، وقد سلمت من مداهمات السافاك وسرقاته.

5ـ الغزل:

مجموعة أبيات كلها ذات وزن واحد وقافية واحدة. والبيت الأول أيضاً ـ وهو المطلع ـ يندرج في هذا المضمار. الغزل يشبه، إلى حد كبير، القصيدة ولكن تعداد أبياته من 6 أو 7 إلى 14 أو 15 بيتاً. ومضمون الغزل عموماً يكون الحب والتغزل ووصف الحالات النفسية والداخلية وأسرار الشاعر. والإمام الخميني كتب أكثر أشعاره في هذا القالب، إذ أن عدد غزلياته أكثر من 145 غزلاً، مقلداً فيها الأسلوب العراقي، وبالأخص الشاعر حافظ الشيرازي. وفيما يلي يجد القارئ أشهر قطعاته الغزلية:

العين المريضة

أسَرَني أيها الحبيب، خال شفتك

 

 

رأيت عينك المريضة فمرضتُ

فرغتُ من ذاتي وقرعتُ طبلَ "أنا الحق"

 

 

وكالحلاج صرتُ شارياً للمشنقة

ألقى غم المحبوب في روحي شرارةً

 

 

حتى زهقتُ وصرتُ عَلَمَ الأسواقِ

افتحوا لي بابَ الحانةِ ليلَ نهار

 

 

فقد مللتُ المسجدَ والمدرسة

خلعتُ لباسَ الزهدِ والرياءِ، وارتديتُ

 

 

خرقَةَ شيخ الخرائب، وتيقظتُ

واعظ المدينة عذّبني بنصائحه

 

 

فاستعنتُ بَنفَسِ المُرشِد([10]) المُفْعَم شراباً

فلأذكرْ معبد الأصنام
 

 

 

فقد صحوتُ على يدِ دمية الخمارةِ (21)

6ـ المسمّط: أشعار ذات وزن واحد ومتشكلة من عدد من المصاريع المتوالية ذات القافية الواحدة ولكن يتبعها مصراع واحد إضافي لـه قافية تختلف عن بقية المصاريع. والمسمط له أنواع: المثلث، والمربع، والمخمس، والمسدس، والمسبع. والإمام كتب ثلاثة مسمطات مخمّسة.

حديث القلب

في رأس زقاقكِ، يا من مسّكِ السكر، جننتُ

 

 

طردتُ العقل وارتبطتُ بالخمّارة

حول ذلك الشمع حارق الفؤاد، صرتُ كالفراشة

 

 

ومن أجل طيات شعرك صرت مشطاً

لمن أشكو ألم الفؤاد كي يصف لي دواء

 

 

أنا درويش، كانت الحانة مترلي

وجه المحبوبة ممتزج بطيني

 

 

من كل ملك العالم صارت حصتي الحانة

لينتكس الحق أمام باطلي

 

 

ليت الحانة تعطي هذا الظامئ صفاءً

لك البشرى، يا ساكنة بيت الأصنام

 

 

فالجليس الثمل في بيت النار العامر، هو أنتِ

خادم الصومعة مثير الفتنة أنتِ

 

 

والواقف على سرِ بيت الأصنام الغامض، هو أنتِ

فلربما أعطت تلك المليكة شيئاً للشحاذ

 

 

عندي سرٌّ مع دمية بائعة الخمر

حديثٌ يصل صوته إلى قلب السمع

 

 

قال شيخنا العارف: لا تذكر هذا الرمز!

فلا يتحمل العالَمان عبء الأمانة

 

 

فلتنعم يد القدر على شارب الخمر

يا وردة بستان الوفاء عالجي وجعي

 

 

صبي جرعة واجعليني عبداً غير مطيع

أخفي سر شربي عن الجميع

 

 

والتفتي إلى حال هذا الشريد

لتهب تلك المحبوبة سكناً

 

 

إن التذكار الذي في بيت الدراويش ذاك

لهو علاج ألم الدراويش العشاق

 

 

طائر القدس بواب لمترل القلب هذا

فحضرة روح القدس تنتظر الأوامر

 

 

كي يمنح درويش الخرابات إذناً

أزاح الستار عن أسرار الفؤادِ كاهنُ المعبد

 

 

وانكشفت، على العارفين، العقدة الخفية

ومن كرم الدراويش انفتح سر الوجود

 

 

فانهار الغم من ملء أحضانهم

فربما أعطت المحبوبة رداءً للفقير

 

 

وقع الكأس من يدي، أوصلي دواءً

لا أجد الطريق، أوصلي هداية

 

 

لو لم يكن ثمة وفاء فيك، أوصلي جفاء

مني أنا المهموم للشيخ أوصلي نداءً

 

 

لكي يعطي هذا الممسوس بالخمر مكاناً في الخمارة(22)

7ـ الترجيع بند: وهو عدد من بنود الأشعار أو سلاسلها لكل منها قافية واحدة وفي آخر كل بند بيت بالوزن نفسه بقافية متمايزة تتكرر في انتهاء كل سلسلة شعرية فتتوقف السلسلة لتبدأ سلسلة شعرية جديدة ذات قافية أخرى. ولكن تنقطع هذه السلسلة أيضاً بالبيت ذي الوزن والقافية المتميزين ذاتهما. والإمام له ترجيع بند واحد يقلد به الأسلوب الهندي، وفي أدناه ترجمة نصه:

نقطة عطف

 

افتحي الدن بوجه السكارى

 

 

وتنفّري من عُباّد الهوى

 

تقبلي مني رمز السكر

 

كما طفل صبور في المدرسة

كوني مسبغة الهدوء وردية الصفاء

 

كما سحاب الربيع في البستان

صيري تاريخ جماله

 

واسمعي خبر العندليب

ارفعي الكأس واقرئي على

 

المتأثرين بالخمر والمعسرين

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

 

 

 

 

أنا مرشد المدينة المعروف

 

 

أنا ملك وأحب الشحاذين

 

إني قائد حشد العشاق

 

أنا مطيع أمر الحبيبة غير الوفية

تجاوز المدينة اسمي وعاري

 

أنا لعبة البعيد والقريب

ثملٌ من قدح شراب خالص

 

بعيدٌ عن حضن حبيبتي الفاتنة

أنا باني دير العشاق

 

الخاسر، العارف المعدم

هذه النغمة انبثقت من ذاتي

 

من روحي وقلبي ولساني وصوتي

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

 

 

 

 

ثمة سرٌّ داخلَ كُمِّي

 

 

رمزٌ خارج عقلي وديني

 

في زمرة العشاق السكارى

 

متحررٌ من قيد عار السلام والعداء

أنا ضمن مجموعة طيور السماء

 

وكذلك في حلقة نمل الأرض

أنا هكذا في أعين العشاق

 

أنا هكذا في منظور السالكين

مُسلِّم القلب لوجه الحبيبة

 

تركتُ ورائي الجنة العليا

بغمزة من عين بهيّات السوالف

 

نافرٌ أنا من تدلل الحور العين

أتكلم بالغمز والإشارة

 

لأنني في جمع الأصنام المحبوبة

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

 

 

 

 

ارتفع من العاشق نداءٌ

 

 

يريد من صديقه يد المساعدة

 

أتى به إلى الحانة

 

لكي يتوب على يد الشيخ

ولكي لا يتكلم عن الحب من بعد

 

ويحيي قلبه الدرويشُ

إن لم تكن درويشيَّ الصفات

 

ستموت من بعده الحبيبة

ليست الحانة مكان افتخار

 

بل هي مكان إثم وطأطأة رؤوس

قولي بدلال لجمع الأحباب

 

بصوتٍ خافتٍ ولكن بشجاعة

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

 

 

 

 

 

 

 

أيها الصوت السماوي المسموع

 

 

يا رمز نداء الخلود

 

يا قمة جبل العشق والعاشق

 

ويا مرشد الظاهر والخفي

أيها التجلي الكامل لـ "أنا الحق"

 

في عرش العالم الرفيع

يا موسى الذي شهد الصعق في الحب

 

من تجلّي "طور" اللامكان

يا من ظهورك أصل الأشجار

 

في شعاع سرٍ سرمديٍ

اخبر العشق عن سر اللاهوت

 

في جمع الدراويش الفانين

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

 

 

 

 

يا صورة ابن آذر

 

 

الذي لم ير من اللوحة أفول الآلهة([11])

 

يا من صارت نار الفراق عليك برداً

 

والبرد والسلام ناراً

ارفع حجاب المحبوبة عن وجهها

 

أظهر وجهها كما وردٍ مرسوم

من الوجه زهريِّ السالف للمحبوبة

 

تنوّرت مدينة الدراويش

عندما تشعثت خصلات من سالفها

 

صار العالمان كالزهر العطر

على أذن قلب الدرويش وروحه

 

أعد القول بمئة لسان مكرراً

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من يد المُحب كأس الثمل

 

في حلقة السالكين الدراويش

 

 

 

العارفين الصبورين بعيدي النظر

 

ذوي صفات الرهبان حاملي الكؤوس

 

 

 

أولئك السكارى غير المبالين بأنفسهم

 

في جملة الزُهَّاد وشاربي الخمر

 

 

 

في هيئة العلماء وسيئي المذهب

 

في طريق الوصول إلى المحبوبة

 

 

 

أن يصير المرء غريباً عن تذوق الشهد أو اللدغ

 

أن يفرغ من الدنيا بكأس

 

 

 

في خلوة شُرّاب الخمر ممزقي الأفئدة

 

ليصرخ من العشق والسُكر

 

 

 

على طاهري القلوب الذين ماتوا مسبقاً

 

 

يا نقطة عطف سر الوجود

 

 

خذ من المُحب كأس الثمل (23)

 

أسلوب شعر الإمام وتأثير المتقدمين في أعماله

قسم المحققون وأصحاب الرأي الشعر الفارسي ـ وفق ضوابط ومعايير ـ إلى أدوار أربعة هي أدوار الأسلوب الخراساني، والعراقي، والهندي وعصر العودة. مع أن هذا التقسيم ليس بحدة المبادئ الرياضية، لكن له سمات تعين، على نحو عام، أسلوب الأعمال وطريقتها. يمكن القول، حسب هذه المعايير ذاتها، إن شعر الإمام الخميني من حيث الطريقة هو مكتوب وفق الأسلوب العراقي، وإنه قال الشعر بالسياق نفسه وانكب على متابعة واقتفاء كلام الأسلوب العراقي مقلداً سعدي وحافظ الشيرازيين... والمسألة الجديرة بالذكر هي أن في شعر الإمام كلمات وألفاظاً متأثرة بلغة اليوم والأدب المعاصر.

لا شك أن قيام الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني(ره) وانتصارها عام 1979 قد أثرا بشكل عميق في المجتمع الإيراني والفئة المثقفة منه، لا سيما الشعراء وسواهم، فظهرت مصطلحات وتعابير جديدة أهمها ثقافة الشهادة، والتي يتجلى رمزها في زهرة شقائق النعمان.

ومن الجدير بالذكر أن الإمام الخميني في فترة حياته (1902 ـ 1988) كتب أشعاراً كثيرة ولكن الكثير منها فقد خلال أسفاره أو مداهمات مأموري الأمن (السافاك) لبيته أيام تحضير انتفاضته الأولى على الظلم والطغيان الملكي عام 1963. وعلى الرغم من ذلك. لم يكن الإمام الراحل يباهي بشعره، وإنما كان يقلل من شأنه على الدوام:

لو أن الشاعر هو سعدي الشيرازي

 

 

فما نحوكُ أنا وأنت من كلام، ما هو إلا لهو ولعب(24)

مراجع البحث

1) ديوان الإمام الخميني(ره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(ره)، الطبعة السابعة عشرة، خريف 1998، ترجيع بند باسم "نقطه عطف"، ص 286.

2) المرجع ذاته، رباعي "در وصل"، ص 191.

3) المرجع ذاته، رباعي "مستي"، ص 229.

4) المرجع ذاته، ترجيع بند "نقطه عطف"، ص 288.

5) المرجع ذاته، غزل "حُسن ختام"، ص 40.

6) المرجع ذاته، "الديباجة" ص ص 22 إلى 25.

7) فرهنكَ ديوان إمام خميني(ره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره) ـ وحدة الآداب ـ الطبعة الثانية، شتاء 1995، نقلاً عن ديوان أشعار فخر الدين إبراهيم همداني، من شعراء القرن السابع الهجري.

8) المرجع ذاته نقلاً عن رسالة مشواق تأليف آية الله ملا محسن فيض كاشاني (1007 ـ 1091) هـ.ق.

9) ديوان الإمام، "الديباجة"، ص 25.

10) نقلاً عن رسالة مشواق لملا فيض كاشاني.

11) ديوان الإمام، غزل "صبح اميد" ص 81.

12) المرجع ذاته، غزل "خلوت عشاق" ص 159.

13) رباعي "ياران نظري"، ص 225.

14) المرجع ذاته، رباعي، "مدد نما"، ص 223.

15) المرجع ذاته، رباعي، "واله"، ص 224.

16) المرجع ذاته، رباعي، "بُت" ص 214.

17) المرجع ذاته، رباعي، "بيام بلبل"، ص 306.

18) المرجع ذاته، مثنوي، "دخترم!" ، ص 312.

19) المرجع ذاته، قطعة، "جام جشم"، ص 295.

20) المرجع ذاته، قصيدة "انتظار"، ص 258.

21) المرجع ذاته، غزل "جشم بيمار"، ص 142.

22) المرجع ذاته، مسمط "حديث دل"، ص 280.

23) المرجع ذاته، ترجيع بند "نقطه عطف"، ص 280.

24) المرجع ذاته، ص 3247.



([1]) هارب من الوعي لكي أرتاح من الآلام التي تعذبني حيث أنا صاح وأحسها. وأنا سكران من السكر، أي نشوان بالسكر الروحي العِلْويّ العذب.

([2] ) سنقوم بشرح القوالب الشعرية والاختلاف بين القصيدة والغزل لاحقاً.

([3]  ) في الأصل استعمل كلمة شيرين وصفاً للشفتين. وشيرين هي زوجة خسرو برويز الملك الساساني التي كانت مشهورة بجمالها. عشقها فرهاد الحجار، الذي كان الملك أمره بصنع حوض لها يملأ بحليب الماعز، تغتسل به، ولما عرف الملك بهيام فرهاد بزوجته أشاع نبأ موت شيرين كذباً فانتحر فرهاد من شدة الحزن.

([4] ) شيخ الحانة هو الذي سلك طريق العرفان وأمضى حياته في معرفة الذات بحيث يعرف كل أسرار الكون وطريق الوصال إلى "هو" المحبوب الأزلي.

([5] ) الخرقة: لباسٌ من مزقٍ مخيطة واحدتها بالأخرى يلبسها الصوفيون. جاء في مقدمة "نفحات الأنس" أن الصوفي كان إذا التزم تعاليم الصوفية وفق إرادة الشيخ وأوامره ونفذها بنجاح، يُعطى الخرقة. / عن: "صوفي و عارف جه مي كويند"، تأليف: جواد طهراني، ص : ي.

([6] ) حين يفنى الصوفي العارف في الله، ينتفي التفريق بينهما، يصبح هذا ذاك وذاك هذا. لا يعود ثمة أنا وأنت ما داما واحداً، وليس بينهما سر وعلن ما داما متحدين منصهرين.

([7]  ) يقصد الإمام علي ابن طالب

([8] ) أول شهر في التقويم الشمسي يبدأ مع النيروز (21 آذار فما بعده)

([9] ) هو الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم.

([10] ) في الأصل استعمل الشاعر كلمة "رند" وهي في الأصل الشخص الذي ارتقى درجات من المعرفة والعرفان وأصبح عارفاً فيها.

([11]  ) هي الآلهة التي أراد إبراهيم عبادتها لكنه انصرف عن ذلك عندما وجدها تأفل.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244