|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحضارة والثقافة والشعر والمرأة في حوار مع طاهرة صفار زاده ـــ سودابه أميني* طاهرة صفّار زادة، شاعرة وكاتبة وباحثة ومترجمة، ولدت بمدينة سيرجان الإيرانية عام 1936، في أسرة متوسطة ذات خلفية صوفية. تعلمت قراءة القرآن وتجويده في مكتب المحلة، وهي في السادسة من العمر. وبعد إنهاء دراستها الابتدائية والثانوية في كرمان، دخلت الجامعة في طهران لتتخرج منها بعد سنوات بشهادة ليسانس أدب إنجليزي. عملت في بادئ الأمر مترجمة في شركة البترول الوطنية، إلاَّ أنها اضطرت إلى ترك العمل على أثر محاضرة ألقتها على أبناء العمال. غادرت إيران إلى بريطانيا ثم إلى أمريكا لمواصلة الدراسة فحصلت هناك على MFA، وهي شهادة مستقلة تمنح للكتاب والفنانين الذين ينوون التدريس في الجامعة. وتعادل شهادة الدكتوراه. ورغم أن نشاطاتها السياسية خارج إيران كانت بمثابة عائق كبير يحول دون تعيينها في إيران، لكنها استطاعت أن تحصل على موافقة بتعيينها أستاذة في قسم اللغات الأجنبية في الجامعة الوطنية (الشهيد بهشتي حالياً) وذلك لعدم وجود أساتذة متخصصين في مجال الترجمة والنقد الأدبي آنذاك. وعلى صعيد النشر، نجحت صفّار زادة في تقديم لغة شعرية جديدة وأسلوب شعري متميّز، أثار الكثير من النقاش في بادئ الأمر، ولأنّ النظام الشاهنشاهي الحاكم لم يكن يحبذ شعر المقاومة الممزوج بالسخرية من السياسة وأصحابها، لذلك فصلت من الجامعة عام 1976 بتهمة كتابة شعر المقاومة الدينية. في أيام العزلة والتفرغ وملازمة البيت، وظفت الدكتورة صفّار زادة جلّ وقتها لدراسة القرآن وتفسيره. فكان حصيلة ذلك ديوان "السفر الخامس" الذي صدر عام 1977 وتكرر طبعه ثلاث مرات خلال شهرين وبما يزيد عن ثلاثين ألف نسخة، وفاز بجائزة كتاب العام. وفي بداية الحركة الإسلامية بادرت وبدعم من بعض الكتّاب الإسلاميين المعروفين، بتشييد مركز يدعى "المركز الثقافي للنهضة الإسلامية". فترعرع في هذا المركز خلال فترة مسئوليتها نحو 300 من هواة الفن والأدب في حقول السينما، والتصوير، والرسم، والخط، والشعر، والقصة. وقد أصبح هؤلاء فيما بعد مسؤولين ثقافيين وفنيين في الجمهورية الإسلامية. اختيرت بعد انتصار الثورة الإسلامية رئيسة لجامعة الشهيد بهشتي وعميدة كلية الآداب في هذه الجامعة. وقدّمت خلال هذه الفترة مشروع إعادة تأهيل المدرّسين. في عام 1980، وفي أعقاب نشرها للعديد من المقالات التي وجهت فيها النقد لطريقة تعليم اللغات الأجنبية في إيران، دعتها لجنة الثورة الثقافية لتولي مسؤولية برمجة دراسات اللغات الأجنبية لجامعات إيران وانهمكت في الإشراف على هذا المشروع لما يقرب من 16 عاماً، أمضت اثني عشر عاماً منها في تنقيح النصوص العلمية للكتب اللغوية حتى بلغ مجموع الكتب التي نقحتها 36 كتاباً. قدمت الدكتور صفار زادة للمجتمع الأدبي والعلمي أفكاراً وآراء قيّمة في مضمار النقد الأدبي، ونقد الترجمة والترجمة التخصصية، وقد حظي بعضها بتأييد المفكرين الأجانب، ففي مهرجان داكا الدولي لعام 1988، انتخبت كأحد الأعضاء الخمسة المؤسسين للجمعية الآسيوية للترجمة. وانتخبت في عام 1992 أستاذةً نموذجية من قبل وزارة العلوم والتعليم العالي في إيران. وحصلت عام 2001 على لقب "خادمة القرآن" بعد ترجمتها للقرآن الكريم المسماة بـ "القرآن الحكيم". وخلال فترة تعاونها مع المجمع العلمي للغة الفارسية والأدب الفارسي، تمت المصادقة على مشروعها "القواميس المتخصصة". الذي رسمته وفق القواعد العلمية الجديدة لينتفع به أهل العلم والثقافة. في كتابها "ترجمة المفاهيم الأساسية في القرآن الكريم" أشارت إلى إشكالية مهمة تكررت في كل الترجمات الفارسية والإنجليزية الموجودة، وتمثلت في عدم ترجمة أسماء الله (الأسماء الحسنى) وفقاً لمتطلبات الآيات القرآنية التي وردت فيها مما قلل من الفائدة والجمال في تلك الترجمات. ترجمت الدكتورة طاهرة صفّار زاده القرآن الكريم إلى اللغتين الفارسية والإنجليزية. وقد صدر لها الآن تسع مجاميع شعرية وثلاثة من الكتب النقدية والعشرات من المقالات والحوارات العلمية والاجتماعية. سلسلة الحوار التقت الشاعرة صفار زاده في بيتها في شمال مدينة طهران فكان هذا الحوار. * سؤال تقليدي جداً جداً: هل الشعر بالنسبة لك وسيلة أم غاية؟ ** ليس غاية لأنني لا أؤمن بالفن التجريدي (الفن للفن). وكلمة "الوسيلة" غير معبّرة عن وظيفة الشعر. يقول نيما يوشيج: الشعر فاكهة الوجود. وهذا تعبير صائب، بيد أن فاعلية الشعر أعلى من ذلك بكثير. الشعر مهذّب وبنّاء. يهذّب الشاعر والمتلقّي على السواء. ففي خضم البناء والتشييد، تتفاعل عملية التهذيب، وفي خضم عملية التهذيب تتجلى القيم، إيجابيها وسلبيها، وهذا هو مغزى البناء. هنا تتراكم القيم والطاقات السامية والمنحطة لتتكاثف وتظهر. وبالتالي، فكما أصنع الشعر، يصنعني الشعر، بدوره، وكما يتلقى القارئ الشعر، يتلقى الشعر القارئ. أي أنه يستولي على القارئ ليهذبه ويبنيه ويحرره. * وأنت بوصفك شاعرة تلوذين بالشعر للبناء والابتناء؟ ** مفردة "تلوذين" توحي بالفرار والهزيمة، وعندها ستكون الكحول والمخدرات والانتحار ملاذاً أنسب، لا ألوذ بالشعر، إنما أعايش الشعر، فمعرفة الشعر فرعي ومهنتي وتخصصي. * في حوارات سابقة لك، أسميت شعرك بـ "شعر الرنين"، وربما كان عنوان كتاب "رنين في الدلتا" مستلهماً من هذه التسمية. هل بالإمكان الإدلاء بمزيد من الإيضاح حول "شعر الرنين"؟ وهل الرنين في شعرك بديل عن الوزن؟ ** المعنى اللغوي للرنين هو صوت النواقيس، أما المعنى الاستعاري الذي استقيته أنا فهو الانعكاس الواسع للمعنى أو أبعاد المعنى التي تترامى كأنها النواقيس التي تقرع فتحرك الأذهان وتوقظ النيام. والرنين يتكون من الشعر نتيجة تعاقب التلقي ودوامه من مرحلة إلى أخرى. وإذا نظرنا للشعر من منظار شمولي، أي أخذناه بعمومه وتمامه، فإن كل جزء من أجزائه مهما صغر لن يشذ عن هذا التعاقب. النقطة الأخرى هي أن الشعر الذي ينسجه الرنين والإيقاظ، يتعارض طبيعةً مع رتابة الأوزان وتخديرها، ولذا فالوزن لن يعود ضرورياً أساساً في مثل هذا الشعر. وإذا صادف أن كان مموسقاً فإن هذه الموسيقى والأوزان غير مقصودة، وتلعب عكس دور الأوزان الدارجة. * تطالعنا في منجزك الشعري ثقافة الشرق وعرفانه بكثرة، ومع ذلك استخدمت في بعض قصائدك كلمات أجنبية. ** لم يكن هذا عن سابق إصرار، إنما أملته عليّ الضرورة. وجلال الدين المولوي (والمسمّى بالرومي) حينما ينتهل من القرآن، إنما يستخدم اللغة العربية وهي لغة أجنبية. صحيح أني شرقية، ولكن يجب أن يتعاطى الشرقي مع الثقافات والتطورات الأخرى في العالم. لقد تقاربت قضايا الإنسان في العالم المعاصر، وأضحت قضايا غيرنا من الشعوب قضايانا. إن قصيدة "السفر الأول" وقصيدة "رحلة زمزم" التي تطالعون فيها مفردات أجنبية، نظرة إنسان شرقي يحدّق في عوالم أجنبية.. عوالم رآها وعرفها وراح يتدبر في نقاط اشتراكه وافتراقه معها. فأنا لا أستطيع طبعاً مسخ "شارات" الهندي، و"ليندولف" الألماني، و"ديغول" الفرنسي إلى شابور وبرويز وداريوش. المسألة المهمة أن الثقافة الأصلية للشاعر لا تتقوض بالتلاقح والتعاطي مع سائر الثقافات، إنما تنمو وتزدهر بذلك، وتتقدم نحو الأمام. * ذكرت سابقاً أنك غيرت نسق التشبيه والاستعارة في الشعر المعاصر. حبّذا مثالاً واضحاً لهذه الفكرة. ** أبرز سمات شعري هي النزعة إلى الواقع، وتحاشي الغموض والتعقيد والدقائق المصطنعة على أن الاهتمام بالواقع يجب أن لا يقعد الشاعر عن التحليق في سماوات الخيال، وإلاّ كان إنتاجه تقارير ومقالات توثيقية. حينما تحدّث ديغول عن حرية ولاية كيبك، طردت الحكومة الكندية ضيفها في الليلة نفسها، وشيّع ديغول حقيبته إلى سلّم الطائرة. لذا نلفي في الصورة التالية من قصيدة "السفر الأول": قذفوا حقيبته من حائط المساء إلى نهار طويل طويل... فهنا العناصر الواقعية لتقرير تاريخي هي في الوقت نفسه تشكّل تشابيه واستعارات أدبية. فالصور الاستعارية لخصام النهار والمساء (وهي رموز كثيرة الاستعمال) تبدو هنا جديدة مختلفة، كما تضمنت الأبيات إطراءً لفارس من فرسان الحرية من دون إيراد مفردة الحرية. * لا يلاحظ القارئ في أشعارك فوارز أو نقاطاً أو غيرها من علامات الإملاء، حتى أمست هذه الحالة من خصوصيات قصائدك. ** في الشعر الذي يركز شاعره على تعاقب الأفكار وتدافعها وترابطاتها الداخلية، تقيد هذه العلامات النسق الداخلي السيّال للأسطر الشعرية، وتعيق تدفقها وجزالتها. * هذه الإجابة تدفعنا كي نسأل: لأي الشرائح تكتبين الشعر؟ ** لا معنى للشرائح عندي. مخاطبو شعري هم أنتم وكل الأحياء. والأحياء هنا بالمفهوم الديكارتي للكلمة.. كل من يفكر ويرى للشعر قيمته المميزة كأحد عناصر الحياة. * والتركيز الأكبر في شعرك على الأفكار ** وطبعاً ينبغي عدم فصل الفكرة عن الشعور، فهما متلاصقان وثيقا الصلة جداً في الإنسان المتسامي يؤثران في بعضهما ويتحدان أحياناً. أريد القول إن الإنسان المتسامي لا يثيره المبتذل ولا يحرك مشاعره. بعبارة أخرى: أفكاره تتدخل في مشاعره وتشذبها. أما نفوذ الأفكار إلى الشعر فيعود إلى نمط حياة الفرد وتجاربه وتصوراته. إن انتصار الطور الشعوري وتدفق الهواجس والكلمات العاطفية الشخصية، من سمات سن المراهقة وقلة التجارب. الكل يمرون بهذه الفترة.. وقد مررت بها كغيري، إلاّ أن البعض ينجحون في مواصلتها إلى آخر أعمارهم، فيبقى كلامهم عواطفياً منفلتاً! * ما معنى حوار الحضارات من وجهة نظركم؟ ** من الضروري في بادئ الأمر دراسة مفهوم التحضر الذي يتناقض مع مفهوم التوحش. وأعتقد أنّ قصة مقتل هابيل على يد أخيه قابيل، التي أوردها الله دليلاً على ضرورة سيادة القانون في المجتمعات البشرية، بداية التقنين الحضاري. ففي الآية (32) من سورة المائدة قال الله تعالى بعد تحدثه عن الندم الذي حلّ بقابيل (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قَتَلَ نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً(. إنّ فرض التقنين على جميع أصعدة حياة الناس، منبعث عن علم الله تعالى الواسع بنفس الإنسان: فصراع النفس الأمارة مع النفس المطمئنة والذي رمز إليه قابيل وهابيل، واستتباب الأمن، ومعايشة حالة السلام، أمور تعتمد على الانصياع للقانون والعمل به. وعليه فالخضوع لقانون معايشة الأمن والسلام، أمارة من أمارات الحضارة. * ما هو دور الشعر في حوار الحضارات؟ ** أي شعر؟ أي شاعر؟ فلابد من اتضاح الإجابة على هذا السؤال، إذ إنّ بعض الشعر لا يلعب أي دور مفيد أو إيجابي في أي جانب من هذه الحياة الواسعة سواء على صعيد هذا الموضوع أو موضوع آخر. غير أنّ الشعر الذي يسلط الضوء على الحق والحقائق، ويقارع الجور والباطل، يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في سيادة وترسيخ العدل والإنسانية بالمعنى الصحيح. * يمثل الشطر الشعري "بنو آدم، أعضاء جسم واحد"، الوجه الأكثر عالمية في الشعر الفارسي، فهل يمكن إطلاق هذه الصفة على الأدب الفارسي؟ ** لا، ليس على جميع ألوانه. ولكن الجاذبية الوحيدة التي لا تنكر والتي جعلت أدبنا الكلاسيكي عالمياً وقيّماً، كامنة في إشراقه وحكمته وإشادته بالعقل، والتي استقاها هذا الأدب من القرآن المجيد. شعر سعدي هذا مستشف من مضمون الآية 30 من سورة الروم. فالعالمية كامنة في عالمية خلق الفطرة الإنسانية. فالله تعالى يقول: (فطرة الله التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله(. ومعنى هذا أنهم في الخلق، من جوهر واحد، أي من جوهر التوحيد الذي نفخ في أعماق الروح. أو بتعبير آخر: روح الإنسان محيطة بهذا الجوهر ومستوعبة له. تعلق الروح بالله الواحد وحبها له، يمثل أعظم ما يشترك فيه الناس على صعيد الخلقة، والمنطلق الأساسي للثقافة الإنسانية. فحتى في العصور البدائية والمجتمعات غير المدنية، وخلال الفترة التي كان الإنسان فيها يستوطن الكهوف، بل وحتى بين الوثنيين، نجد الإنسان ملتصقاً بمبدأ ما ومرتبطاً به، كما نجد أنّ ثقافة كل فئة وجماعة وقبيلة، تدور حول شمعة العقيدة الدينية، المتبلورة عن النزعة الفطرية. فحينما يدور الحديث عن حضارة قوم أو أمة ما، يراد بها آثارها ووسائل وضروريات حياتها التي قامت على الثقافة المتبلورة عن العقائد الدينية، والتي تولى التاريخ مهمة تسجيلها وحفظها. * يبدو أنكم تميزون بين الثقافة والحضارة؟ ** الحضارة تأخذ أحياناً المعنى المضاد للتوحش، وتتصل ضمن هذا الإطار بالثقافة الدينية. وتعدّ في أحيان أخرى مجرد منشأ مادي، وتأخذ طابع الآلة في حياة الإنسان. والاختراعات والاكتشافات التي يعبّر عنها بالحضارة والمدنية، إنما هي جزء من ضروريات الحياة، ووسائل الاتصال. وأسلوب الحياة المدنية، أو أنها عامل تدمير وتسلط، وهي بمجموعها مجرد وسائل وأدوات. سعادة الإنسان تكمن في الالتزام بالسلوك القائم على أساس الفطرة والذي يتضمن النزعة القانونية في حياته الاجتماعية الداخلية والخارجية، لأنّ الفطرة التوحيدية حينما تتعزز بالمعنى والمعارف، تنزع نحو الخير والصلاح والسلام. جان جاك روسو حينما يقول ـ حتى بدون علمه بالمفهوم الديني ـ "الإنسان صالح بذاته، والمجتمع يجرّه إلى الفساد"، إنما ينبئ عن النزعة نحو "الخير المطلق". غير أنَّ الإنسان ليس مجرد رأس ويد وقدم وجسم، إنما روحه هي التي تمثل عامل الخير وتحثه على فعل الخير. أما الذهن فهو الواسطة لنشر التعليم ذي الطابع السلبي، والفساد، فضلاً عن كونه واسطة لكسب المعلومات والتعاليم السليمة. فالروح منصاعة للأمر الإلهي وليست في متناول التأثيرات السلبية: (قل الروح من أمر ربّي(. * ما هي العقبات التي تعترض طريق حوار الحضارات؟ ** يعدّ عدم التفاهم حول طبيعة مفردة "الحضارة" من أهم العقبات في هذا الطريق. فالقاموس الغربي يعتبر الشخص المتحضر (Civilized) هو ذلك الإنسان المثقف ذو الفكر النيّر الفاهم. ونحن أيضاً حينما نقول "هذا إنسان متحضر"، نقصد أنه إنسان مؤدب يراعي قواعد الأدب ولا يفعل الشر. أي يستشف من صفة المتحضر، حضور الإنسانية والأمن. وإلى هنا، لا يوجد أي اختلاف، غير أنه ومنذ النهضة الأوروبية ولا سيما في القرن العشرين، أخذت مفردة (Civilized) ـ و ـ التي كان يراد بها "الحضارة" فيما سبق تطلق على معنى فرعي وهو التطور العلمي والصناعي (Technological advancement). فكما تعلمون أدى تطرف الكنسية في العصر الوسيط إلى تطرف آخر تمثل في تأسيس فكرة فصل الدين عن العلم. وبعد توسع هذا المعنى في الغرب، أصبحت صناعة الآلات الحديثة والتقدم التكنولوجي وظهور أكثر الصناعات تطوراً والتي أخذت في مجملها طابع الآلة القاتلة، عاملاً لفرض الهيمنة الرأسمالية، واستخدام لغة القوة وانتهاك القوانين وممارسة الأعمال الاستبدادية في التعامل مع الشعوب الفقيرة. فحرّف الكلام عن موضعه ـ حسب التعبير القرآني ـ ولحقت بالبشرية خسائر وأضرار فادحة. ولا ريب في أنّ هذه السلوكيات لا تعدّ تحضراً ولا تمت إلى الحضارة بصلة عند أهل العقل والحكمة، بل وينظرون إليها كأمارات للتخلف والرجعية. * يبدو أنّ حوار الحضارات قد أخذ طابعاً سياسياً، وهناك تجاهل للثقافات على هذا الصعيد. إذن فما العمل من أجل الحوار بين الحضارات الشرقية والغربية؟ ** على العكس، فقد أفيد من دور الحضارة في إيجاد العلاقات والتفاهمات السياسية. ولا أعتقد أنّ صاحب مشروع حوار الحضارات المحترم قد اقترح الاستغراق في الحضارات. فهذا مجرد تذكير، ولا ينبغي الشعور بالقلق إزاء مسؤولية التحول في الخلقة بأسرها. فأنا أعتقد شخصياً أن الله تعالى فضلاً عن إيجاده للاختلافات الظاهرية بين الشعوب، جعل من النزعات الفطرية عاملاً للتعارف فيما بينها أيضاً، واتخذ من التقوى معياراً لتقويم الناس فأصبح أتقاهم، هو الأكرم عند الله تعالى. ومن المحتمل ـ على أية حال ـ أن يندفع بعض الناس من خلال هذا المشروع المعنوي نحو إعادة النظر في أنفسهم والسعي لإصلاحها. وفي خضم الأزمة التي صنعها الماديون العلمانيون للإنسان في هذا اليوم، ليس من السهل الحيلولة دون تمرغ الكثيرين في وحل الفساد والانحراف. * هل بمقدور الشعر الوطني أن يكون عالمياً؟ ** هناك صعوبة أكبر أمام الشعر الوطني لاكتساب الطابع العالمي بالقياس إلى القصة والفيلم، وذلك لاتسامه بعنصر الإيجاز، وهي الصبغة التي يصطبغ بها الشعر عادة، اللهم إلاَّ عند الأمم التي تشترك فيما بينها بجذور ثقافية. فالشعر الوطني أو المحلي لديه إشارات محلية، ويعبّر عن أصالته من خلال حفظ التقاليد الوطنية والقومية. أضف إلى ذلك أنّ الشروح والحواشي غير كافية لتسليط الضوء على المفاهيم والمصطلحات المنبثقة من أعماق الأصالة المحلية. * هل هناك تطور في شعر المرأة الإيرانية، وهل يتميز عن شعر الرجل؟ ** المعيار في التقويم على صعيد الفن ـ لاسيما الفن الشعري ـ هو الفكرة المتميزة، والقابلة للإبداع، ومدى التأثير، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل. * على ضوء الطابع الخيالي للشعر، وعالم المرأة الطافح بالخيال، لماذا نرى الشاعرات أقل عدداً من الشعراء؟ ** الخيال وعاء تمتزج فيه الفكرة، والشعور، والمعلومات، والمحفوظات، والبراعة. ولذلك لا فائدة ترجى من هذا الوعاء إذا كان فارغاً. وعليك ألاّ تقلقي لقلة العدد. فالمهم في الفن هو الكيف لا الكم. مضافاً إلى ذلك إن الاتصالات والمشاورات الأدبية بين الشعراء أكثر مما هي بين الشاعرات. كما أن براعتهم في الاقتباس، مدعمة بالممارسة التاريخية. * كيف هي مكانة شعر المرأة الإيرانية بين شعر نساء العالم؟ ** لا بد أن تثار على هذا الصعيد سلسلة من المقارنات الثقافية. إذ ليس بالإمكان قياس المرأة الآسيوية بالمرأة الغربية. وحينما نتحدث عن العمومية، من الواضح تجاهل التفاوت القائم بين نساء العالم وظروف حياتهن. ويمكن القول على أية حال بأنّ شعر المرأة الغربية يتطرق إلى الأوضاع الاجتماعية عموماً، في حين يتميز شعر نساء هذا الجانب من العالم بالنزعة الباطنية وينحو عادةً منحىً عاطفياً وشخصياً. * في الماضي، كان للشعراء الإيرانيين دور في الشعر والأدب العربي، أما اليوم فيبدو أن ثمة قطيعة أو عدم تواصل بين الجانبين. ما هي الأسباب برأيك؟ ** هذه القطيعة مشهودة حتى داخل نطاق الأدب الفارسي.. أي أن شعرنا المعاصر من حيث رؤاه الفلسفية ونزعته العقلية وتراثه المضموني لا يعد وثيق الصلة بالشعر الفارسي القديم. إن عظماء كجلال الدين المولوي وسعدي وحافظ كانوا يتنفسون من أوكسجين القرآن الذي منَّ الله به عليهم، وقد خلدت إبداعاتهم كأرقى ما يكون الخلود. إن الرؤية التوحيدية التي حملها القرآن الكريم أهدت للمسلمين ثقافة مشتركة، الأمر الذي تمخض عن لغة شعرية مشتركة استمرت لقرون عديدة. وكان الشعراء الإيرانيون والعرب يستلهمون مضامين قصائدهم من آيات القرآن الكريم، وتتجلى البنى الإبداعية والمتانة البلاغية لكل منهم بحسب موهبته. ثم تحول هذا التفاهم إلى عامل وئام واحترام متبادل، وتأثيرات متقابلة، وإشاعة تنافس تطوري رصين في ميادين الأدب. أما في الوقت الراهن فإن هيمنة المنحى العلمي بعد عصر النهضة ترك بصماته على الأوساط الأدبية في العالم الإسلامي. * بمعنى أن الشعراء انحازوا إلى فصل الدين عن الفن؟ ** حصل هذا بصورة تدريجية. وطبعاً يستشف أن المضامين الوعظية قيلت على أحسن وجه، في حين أن الرؤية الكونية جوهر بوسعه النفوذ إلى موضوعات ومضامين مختلفة. في أيامنا هذه وضمن حدود معرفتي بالشعر العربي المعاصر، لاسيما الشعر الفلسطيني، قلما نلاحظ إشارات واستلهامات قرآنية. وكذا الحال بالنسبة للشعر الإيراني المعاصر. وثمة طبعاً استثناءات قليلة زاوجت بين الحكمة والمضامين اليومية وحرية التعبير عن الرأي، مقتربةً بذلك من غايات الشعر وأهدافه. * ألم يكن للشعر الحديث دور في توسيع هذه الهوة؟ ** ينبغي أن لا ينظر للتجديد الشعري كضوء أخضر للانقطاع عن الهوية الثقافية. إنما يجب اعتبار تحرر الشعر الحديث من العروض ثورة فنية ـ إنسانية تخولـه ـ أي الشعر ـ أن يلعب دوراً أكثر شجاعة كمنافح عن الحرية والحق والمجتمع. فالشعر الحديث غير مكبّل بعدد التفعيلات والقافية والروي و... لذلك يتيح للشاعر استخداماً أفضل للنزعة الواقعية والفكرية من أجل ملامسة الجراح الإنسانية والصدع بها. ولأن الهدف الرئيس لهذه الثورة الثقافية لم يكن واضحاً للأسف، انزلق البعض تحت طائلتها إلى مهاوي الذات وهمومها الضيقة، فملأت التأوّهات العاطفية الشخصية والتصورات السوريالية صفحات المجلات والجرائد الأدبية في شرق العالم وغربه. وبالطبع كان للمترجمين غير الضالعين في الشعر والأدب إسهام ملحوظ في عولمة هذه الفوضى عن طريق ترجماتهم الحرفية، حتى بلغ الأمر أن الفعل مثلاً إذا جيء به نتيجة ركاكة الترجمة في أول الجملة (خلافاً لبنية اللغة الفارسية) يتحول هذا الخطأ بعد أيام إلى واحدة من سمات الشعر الحديث، فتنظم القصائد على منواله. ومن ناحية، ينبغي عدم الاستهانة بظاهرة الفقر الفني الذي منينا به جرّاء سطوة الانترنيت والفضائيات وباقي وسائل الاتصال التي صرفت جمهور الشعر عن الكتب والدواوين، وشغلت الشعراء الشباب عن قراءات هم أحوج ما يكونون إليها. * ما الذي ينبغي فعله برأيك من أجل إعادة الأواصر بين الشعر في إيران والعالم العربي إلى ما كانت عليه في الماضي؟ ** العودة إلى الرؤية التوحيدية، والتضامن في طلب العدالة ومناهضة الجور، وهذه هي أرسخ التعاليم القرآنية.. إنها سياقات عملية يمكن أن تكون نافعة جداً لتواصل الأوساط الفنية المسلمة مع بعضها. وطبعاً تدفع الفطرة الإلهية التي جعلها الله قدراً مشتركاً بين كافة البشر، إلى النهوض من أجل الحق ومناهضة الباطل على نحو غير إرادي. فالخطوات التي يبادر إليها العلمانيون دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني مثلاً، تنطلق من هذا المنطلق الفطري. ولكن للإجابة الدقيقة عن سؤالكم، يجب القول أن التدبر في المفاهيم القرآنية يساعد على تشخيص المنطق الإلهي، ويعلّم الإنسان فن العقلانية، وهذه هي المرتكزات الرئيسة لرؤية كونية إسلامية قادرة على توثيق الصلات الروحية بين الفنانين المسلمين. أعتقد أن احترام قصائد الشاعر وأفكاره والتزامه، ناجم عن احترام قسم الله بالقلم. وهذا الاحترام المقدس خير ما يحضّ الشاعر الإيراني والعربي على توطيد الوشائج المعنوية بينهما، وتبادل الهدايا الفنية والأدبية. * ـ رحلة حبّ في الصباح رآني الكناس آتية بضفائري المضطربة والمبتلة من سلالم النهر وكان الفجر خفياً مرة أخرى عائدة أنا من نهاية وادي التفاح وسلالم النهر الذاهبة وهذا هو التسكع بعينه الذهاب التجول والعودة والنظر والنظر ثانية الذهاب يلتحق بالطريق والبقاء بالجمود في الأزقة الأولى للحركة رأيت يد القديم العادل تربت على كتفي الأيسر فقبّلتها وسيجرّ بي عطر القبلة وراءه. في الصباح رآني الكنّاس آخذة معي رسالة إلى مالكَ (الأشتر) سلمت عليه فأجابني بمثلها وقال: سلام على الأجواء الغائمة السلام على الجميع إلا على بائع السلام. كنت ذاهبة صوب بيت مالك فصادفتني أزقة الضيق الثابتة وغبرة النجوم الرادعة كان يأتي إلى الأسماع صوت هسهسة الجياد صوت تمتمة موزع الماء وصوت تبت يدا... لقد سلبوا الشجر سلبوا الروضة سلبوا الأذن سلبوا الأقراط لكنهم لم يقدروا أن يسلبوا جدّ جدّي الحبّ أنا خارجة عن سيطرة الفودكا وداخلة في سيطرة اليقظة هم قد أشاعوا السيطرة العدوانية والسيطرة العدوانية كانت مصير دارنا مصير سكانها الشرفاء. ذلك الفاتح الذي أتى بجبل النور إلى المتحف أتى بالليل إلى مدينتي أنا قد أوصيت ساكني الدار وأصحابها الجدد أن يتلفظوا بمساء الخير وإلا سيقوم النزاع بين السكان يجب التلفظ بمساء الخير لأمي المرأة ذات الثوب القشيب فأنا أحب من الأبيض والوردي والأزرق خليطها أحبّ لون اللا لون اللون الكامل للموتِ. الأشجار صفراء ولا عجب في ذلك فالفصل ربيع. وفي أصفهان رأيت شجرةً معوجةً ولكنها كانت خضراء ونامية قرب تلة الأفغان كنا أنا وأنت مليوناً والأفغان كانواسبعة آلاف أو ثمانية فأخذونا أنا وأنت وقتلونا والآن قد عدنا ثانيةً ونريد أن نلتقط صورةً تذكاريةً على التلة التي متنا عليها. أنا من أهل مذهب المستفسرين هل الإسكندر انتزع أم أنت سلّمته هل الشاري ابتاع أم أنت بعت إياه..". * ـ نبأ تلك السنين شرفة داري لها مساحة قبر من الشمس والتراب أنا جالسة في مساحة القبر هذه وأنتظر كي تصبح يد عابر امتداداً ليدي وتفتح قفل الباب. صدى حذاء مرهق ورنين الجرس الحاد يأتي من أسفل السلّم كأن ضيفاً قادماً ليقول لنا اليوم أيضاً مازال الجوّ غائماً وما زالت الأجواء يباباً! في هذا السكون المطعم بالصمت يكرّر الأحبّاء حرب السلالم بعذاب هذا النبأ لسنين طوال: اليوم أيضاً: ما زال الجوّ غائماً. * ـ تذكار آخر الورود تعرفك الأنهار تعرفك الجوار تعرفك والأشجار ذوات القوائم الورقية تعرفك جيوبكِ مليئة بالتذكارات مليئة بجشع الأيدي والطيور التي صارت طوابع أنت لست في حال تنجبين بها المرايا فلقد ولدتِ في يوم ما في إطار نافذة دائرة الدخان يعرفكِ النسكافيه تعرفك دقات الساعة تعرفك ابقي في هذه الزاوية ابقي في هذا البرد الأسود ابقي هنا حيث أنت ابتعدي عن الشموس الحارقة لذاتها الشموس ستوقع بوحدتكِ في فخاخها الشموس ستمنحكِ ظلاً الظل ستسحقه السيارات الظل سيدوسه الناس بأرجلهم الناس الذين يعرفونكِ والناس الذي لا يعرفونكِ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |