|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رؤيا ... وقصائد أخرى ـــ فيودور تيوتشيف ـ ت.أحمد ناصر ــ1ــ * ـ رؤيا ثمة ساعة، في الليل، ساعة الصمت الكوني، في ساعة المعجزة والأعاجيب تجري عربة الكون الرشيقة جهاراً في معبد السماوات. آنذاك يتكاثف الليل كهيولى فوق سطح الماء وحالة اللاوعي تضغط، كما الأطلس "1"، على اليابسة. والآلهة لا تقلق سوى الروح العذرية لربة الشعر وهي في أحلام النبوءة! 1829 ـ2ـ * ـ الهاجرة متكاسلة تتنفس الهاجرة السديمية؛ متكاسلاً يجري النهر، وفي سماء ملتهبة صافية، تذوب السحب بخمول. الوسن الحار يلف، كما الضباب، الطبيعة كلها؛ وحتى بان "2" الجبار يغفو بهدوء في مغارة نيمفي "3" 1830 ـ 3 ـ * ـ الجبال الثلجية هي ذي فترة الظهيرة تصب أشعتها العمودية ـ دخّن الجبلُ، بغاباته السوداء. في الأسفل، كمرآة فولاذية، تلتمع مزرقةً تيارات البحيرة. ومن فوق الأحجار البراقة، تحت القيظ، تجري الجداول مسرعة إلى أعماقها الأم. أثناء ذلك، في عتمة الهاجرة، يهجع عالمنا الأرضي خائر القوى وسنان، مشبعاً بترفٍ شذي. وفي الأعالي، كآلهة محبوبة، فوق الأرض الهامدة اللاهثة، تلهو القمم المتجلدة مع لازورد السماء الناري. 1830 ـ 4 ـ كما يلفّ المحيط اليابسة، حياتنا الدنيا محاطة بالأحلام، يحلّ الليل، يلطم عنصر الطبيعة شاطئه بأمواجٍ صاخبة صوته ذاك يضجرنا، يرجونا.. في المرسى، عاد القارب السحري إلى الحياة، المدّ يتسع، بسرعة يجرفنا إلى خضم الأمواج القاتمة. قبة السماء المشتعلة بالنجوم المجيدة تتطلع من الأعماق بشكل خفي ـ ونحن نسبح، تحيط بنا اللجة الملتهبة من مختلف الجهات. ـ 5 ـ * ـ السكينة مرت العاصفة ـ ما زالت السنديانة الباسقة، صريعة، "4" ملقاة على الأرض، وهي تدخن. الدخان الأزرق الرمادي يجري عبر خضرتها التي رطبتها العاصفة. ومنذ أمدٍ، في الغابة، تعالت أناشيد الطيور أكثر زخماً وامتلاءً، وقد غرز قوس قزح أحد طرفيه في القمم الخضراء. ـ 6 ـ * ـ مساء خريفي ثمة، في رونق الأمسيات الخريفية، بهاء سري لطيف: بريق ينذر بالغضب، رقاشة الأشجار، والحفيف الناعم والساجي لأوراقها الأرجوانية، لازوردية ضبابية ساكنة فوق أرض يتيمة حزينة، وكنبوءة بعواصف قادمة، تهبّ، بين الفينة والأخرى، رياح باردة عاصفة، إجحاف وإعياء ـ ابتسامة ذبول وديعة تغشي الجميع، هذا ما ندعوه، في جوهر عقلاني، عذابات الحشمة الإلهية. 1830 ـ 7 ـ * ـ الأوراق فلتنتصب أشجار الصنوبر والشوح طوال الشتاء، ولتنمْ ملتحفة الثلوج والزوابع. خضرتها العجفاء، كما إبر القنفذ، ومع أنها لا تصفرّ أبداً، لكنها طازجةً لا تكون مطلقاً. أما نحن، فمن سلالة خفيفة الروح، نزهر ونزهو، على الأغصان نقع ضيوفا فترة وجيزة. طوال الصيف البهي حافظنا على ملاحتنا تلاعبنا مع الأشعة، سبحنا في الندى!.. الأطيار كفت عن التغريد، عن التزهير كفت الأزاهير، وخيوط الشمس شحبت، غابت النسائم. علام إذاً سنبقى عبثاً نتعلق ونَصغَرُّ؟ إيهِ أيتها الرياح الجامحة بسرعة، هيّا انتزعينا عن الأغصان المضجرة! انتزعينا واجري، لا نريد المزيد من الانتظار، طيري إلينا، طيري! معك سنطير!.. 1830 ـ 8 ـ * ـ شيشرون "5" قال الخطيب الروماني، في خضم الزوابع والاضطرابات: "استيقظت متأخراً فداهمني ليل روما وأنا في الطريق "6" هكذا إذا! قد رأيت بكل إجلال وأنت تودع مجد روما، من فوق مرتفعات "الكابيتول" أفول نجمتها الدامية!.. سعيد ذاك الذي يزور العالم في دقائقه المصيرية ـ قد دعته آلهة الخير، نديما للمآدب، شاهدا لعروضهم العلوية، وقد ضموه إلى مجلس شوراهم، وراح بهمة، كقاطن للسماء، يعبّ من كأسهم الخلود. 1830 ـ 9 ـ كما يدخن ويحترق ملف الأوراق فوق الرماد الساخن، وكما تلتهم النيران المستترة الخرساء الأسطر والكلمات ـ كذا تحترق حياتي بمنتهى الحزن، تمضي دخاناً يوماً بعد يوم؛ هكذا أخبو بالتدريج وبرتابة لا تحتمل!.. إيه أيتها السماء حبذا لو تستعر هذه الشعلة بإرادتي ولو لمرة واحدة، لكنت سطعت وخبوت بلا عذاب، بلا ألم! ـ 10 ـ * ـ "7" Silentium اصمتْ، اخفِ واكظمْ مشاعرك وأحلامك ـ فلتنبعثْ في أعماقك، ولتمضِ بلا ضجة، كما النجوم في الليل ـ استمتع بها واصمت. أنّى للقلب الإفصاح عن نفسه؟ أنّى للآخر فهمك؟ أسيدرك علام تعيش؟ الفكرة المنطوقة بهتان. حين تفجّر الينابيع تعكرها ـ تغذَّ بها واصمتْ تعلم أن تحيا في ذاتك لا أكثر ـ في نفسك عالم كامل من الفكر السحرية؛ ستصعقها الضجة الخارجية، ستبددها الأشعة النهارية ـ اصغِ إلى صداحها واصمت. 1830 ـ 11 ـ * ـ = كولومبوس = "8" لك التاج، أيا كولومبوس! بشجاعة أتممت مخطط الأرض وأكملت أخيراً مسألة المصير، وبيدٍ ربانية نزعت الستارة ـ أخرجت وراءك للعالم، من ضبابية لا محدودة، عالماً جديداً، لا مرئياً، لم يكن بالحسبان. منذ أبد الآبدين وعبقرية الإنسان الحكيمة متصلة صلة دموية مع قوى الطبيعة المبدعة.. تقول العبقرية كلمة مقدسة ـ تتهيأ الطبيعة دائماً للاستجابة لصوتها الحبيب بعالم جديد 1844 ـ 12 ـ ما زالت أكابد أشواق الرغبة، ما زلت إليك أتوق بروحي ـ ما زلت، في غبش الذكريات، أتصيّد طيفك.. طيفك الحبيب الخالد أبداً أمامي، حيث ومتى أكون، راسخ، بعيد المنال، كنجمة في الليل تتلألأ في السماء. ـ 13 ـ * ـ = الشعر = وسط الرعود، عبر النيران، في حميّا الهيام، في خضم الخصومات العفوية والحادة يهبط الشعر إلينا من السماء ـ سماوياً إلى أبناء الأرض، في ألحاظه صفاء لازوردي، يصبُّ، فوق البحر المتمرد، الزيتَ الطهور. ـ 14 ـ تكتئب الغابة شبه العارية مُلفحةً بتباشير الرقاد.. على الأفنان ما يزال اليسير ـ اليسير من أوراقها الصيفية، يصدر حفيفه متلألئاً تبراً خريفيا. أرنو بتأثر بالغ إلى الشعاع الخاطف المنبلج بغتة من خلف الغمام غامراً الأشجار الرقشاء بأوراقها الشائخة الذاوية. كم هي محببة إلى النفس تلك "الذاوية"! أية فتنة فيها تسحرنا! عاشت، ازدهرت حينا، وها هي الآن خاوية، خامدة، تبتسم ابتسامتها الأخيرة. 1850 ـ 15 ـ ما دامت الهاجرة تنفث قيظها عبر النوافذ المشرعة، في هذا المعبد الصامت، حيث السكينة والظلام، وحيث يجوب العبق الزكي عبر الظلال الغبشة، في الظلمة الشفيفة، اللذيذة، الناعسة استرح واستغرق. هاهنا النافورة عصية على التعب، تغني في الزاوية ليل ـ نهار وتنثر بنداوة غير مرئية الظلمة البديعة. وفي وميض الغبش يهب هاهنا على الشاعر العاشق حلمٌ ناعمٌ، مسكونٌ بالهيام. 1850 ـ 16 ـ * ـ صوتان ـ 1 ـ تسلحوا بالشجاعة أيها الأصدقاء، واظبوا على النضال حتى لو كانت المعركة غير متكافئة والنضال لا أمل فيه! فوقكم، في الأعالي، تصمت النجوم، والأجداث تحتكم تصمت هي الأخرى. فلتتنعم الآلهة، في جبل الأولمب، خلودها منزّه عن الهموم، عن الأشغال. العمل والقلق قدر القلوب المائتة لا غير.. لا نصر لهم لهم النهاية لا أكثر. ـ 2ـ تسلحوا بالمروءة، ناضلوا، أيها الأصدقاء الشجعان، كانت المعركة ضارية كان النضال فوقكم محافل النجوم صامتة تحتكم أجداثٌ صماء ـ بكماء. فلتتطلعْ آلهة الأولمب بعيون حاسدة إلى نضال القلوب الثابتة، الصامدة. من سقط مدافعاً عن الحق قضاءً وقدرا هو مَن انتزع من أيديهم تاج النصر. 1850 ـ 17 ـ قبل أن تتبرّد من القيظ التمعت الليلة التموزية.. والسماء، فوق الأرض الكابية، اختلجت بالوميض مليئة بالزوابع.. كرموش ثقيلة اشتالت فوق الأرض، وعبر الوميض الصيفي الخاطف، راحت تشتعل بين حين وآخر حدقتان رهيبتان 1850 ـ 18 ـ ما أبهج لعلعة الزوابع الصيفية، حين تكدر العاصفة الرعدية لازوردَ السماء، دافعةً الغبار المتطاير نحو الأعالي، طاغية على الغيوم، ثم تكر، بغتة، برعونة وتهور على غابة البلوط، فتهتزّ كلها صاخبة بأوراقها العريضة! تنحني عمالقة الغابة، كأنها تحت عقبٍ خفي، وباضطراب تتذمر ذؤاباتها، كما لو أنها تتشاور فيما بينها ـ وعبر الاضطراب المفاجئ تُسمع زقزقة العصافير بلا انقطاع، وفي مكان ما تُقلِعُ الورقة الصفراء الأولى دائرةً حول نفسها، في الطريق.. 1851 ـ 19 ـ تنتصب الغابة مسحورة بالشتاء الساحر ـ تتألق ببهاء الحياة مزدانة بـ "دانتيلا" الثلوج الساكنة، الخرساء. تنتصب مسحورة ـ ليست ميتة ولا حية ـ مفتونة بحلم سحري، معصبة، مقيدة كلها بسلسلة وبرية ناعمة... ترميها شمس الشتاء بأشعتها المائلة ـ لا شيء يهتز فيها، لكنها بكاملها تومض وتبرق بجمال يبهر العيون. 1852 ـ 20 ـ ثمة في صلب الخريف، حينٌ قصير، لكنه بديع ـ نهاره يمضي كريستاليا، أماسيه لازوردية.. ثمة فراغ في كل مكان ـ حيث جال المنجل في الأرجاء، وتساقطت السنابل. أنّى تطلعت ـ رحابة شاسعة، خيط عنكبوت واهن يلتمع فوق إخدود فارغ. يخلو الجو، لم تعد تسمع زقزقة العصافير، عواصف الشتاء الأولى لم يئن أوانها بعد ـ ينسكب اللازورد نقياً، دافئاً فوق الحقول المستريحة.. 1857 ـ 21 ـ انظر كيف تخضوضر الغابة، مغمورة بأشعة الشمس الساطعة، منها كلها يفوح الترف ـ من كل غصن، كل ورقة! ندخل، نجلس فوق جذور الأشجار التي يرويها النبع ـ وقد روّحتْ عليه ظلالها ـ حيث يبربر في الظلمة الخرساء. فوقنا تهذي ذؤاباتها، وقد أثقلتْ بقيظ الهاجرة، ومن حين لآخر، من الأعالي يتناهى إلينا صوت عقاب.. 1857 ـ 22 ـ أحب "الحديقة القيصرية" أواخر الخريف، حيث تبدو في الغبش الهادئ مأخوذة بالنوم، وفوق زجاج البحيرة الكامد، في ترف مميز للسكينة، تحت ظلال ذلك الغبش، تهمد رؤى بيضاوية الأجنحة.. وعلى درجات قصور "كاترين" الأرجوانية تستلقي الظلال المعتمة الأمسيات أوائل أوكتوبر ـ تتعتم الحديقة كما في غابة من البلوط، وتحت النجوم تبرز من ظلمة الليل القبة الذهبية كوميض مجد غابر.. 1858 ـ 23 ـ عرفتها "9" مذ ذاك الأمد، أمد الأعوام الخارقة، قبل أن تغوص النجمة في السماء الزرقاء، قبيل بزوغ شعاع الصباحات الأولى.. كانت ما تزال مفعمة بذاك البهاء الناضر، وغبش السحر، حيث تتوضع قطرات الندى بشكل لا مرئي وغير مسموع فوق الأزهار.. آنذاك كانت حياتها كاملة مكملة، وكغريبة عن الوسط الأرضي، مضت، كما يخيل إليّ، واختفت كالنجمة في السماء 1861 ـ 24 ـ عشية الذكرى السنوية 4 آب 1864 "10" ها أنا ذا أتجول على امتداد الطريق الطويلة، في الضوء الخافت للنهار الآفل، ضاق صدري، تجمدت رجلاي.. صديقتي الحبيبة، هل ترينني؟ الظلمة تزداد وتزداد فوق الأرض ـ خبا الوميض الأخير للنهار.. هو ذا العالم حيث عشنا معاً، هل ترينني يا ملاكي؟ غداً يوم الصلاة والشجن، غداً ذكرى اليوم المميت، يا ملاكي، أي مكان لم تحلق روحانا إليه؟ هل ترينني، يا ملاكي؟ 1865 ـ 25 ـ مرة أخرى أطل على "النيفا"، من جديد، كما في الأيام الخوالي، أتطلع، كالحي، إلى تلك المياه الناعسة. ما من شراراتٍ في الزرقة السماوية، في فتنة شاحبة سكن كل شيء، وحده الألق القمري ينسال عبر "النيفا" المتأمل. في الحلم تراءى لي هذا، أم أرى حقيقة ما رأيناه معاً، ونحن أحياء، تحت هذا الضياء القمري؟ 1868 الحواشي (1) ـ أطلس: ابن لابتيوس ـ فوق الأساطير اليونانية ـ عاقبه زيوس بأن يقف ناحية الغرب من الأرض ويرفع السماوات على كتفيه. (2) ـ بان: في البدء كان في الميثولوجيا اليونانية هو إله القطعان وحامي الرعاة ثم أصبح إله الطبيعة كلها. (3) ـ نيمفي: الإلاهات المجسدة لقوى الطبيعة. (4) ـ بيرون: إله الرعود والبروق لدى قدماء الشعوب السلافية. (5) ـ شيشرون (106 ـ 43 ق.م): سياسي روماني، خطيب وفيلسوف. (6) ـ في هذه المقطوعة يعيد (تيوتشيف) صياغة كلمات شيشرون : "أشعر بالأسى إذ خُلقتُ في هذه الحياة، كمسافرٍ في الطريق متأخرٍ بعض الشيء، وقبل نهاية الطريق، وقعتُ في ليلة حكومية". لعل هذه القصيدة كتِبتْ تحت تأثير ثورة تموز في فرنسا عام 1830. (7) ـ باللاتينية: صمت، سكون. (8) ـ هذه القصيدة ترجمة بتصرف لمقطوعة شيللر (كولومبوس). (9) ـ لعل المعنية، هنا، حبيبة الشاعر المدعوة (دينيسيفا). (10) ـ 4 آب ـ هو يوم وفاة (دينيسيفا) محبوبة الشاعر (تيوبشيف). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |