مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 129 شتاء 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عقل في الأسر ـــ كيريل بوليتشوف* ـ ت.د.عمر ألتنجي

*إذا كنا نتكلّم عن الحظ السيئ فإن حظي ـــ أنا الأخطبوط العاقل ـــ خانني إلى درجة مأساوية مرعبة. أما إذا تكلمنا عن الحظ الجيد فمن الجائز جداً وصفي بالمحظوظ.‏

خانني حظي في التحليق الثاني، حينما أدركت أنني سأكون مجبراً على القيام بهبوط اضطراري. لقد حصل شيء للمحرك، لكنني لا أعرف ما هو. ولا يوجد ما هو أسوأ من محرك لا يعمل بشكل جيد، في حين يفصل بينك وبين كوكبك الأصلي حوالي نصف مجرّة.‏

وكنت محظوظاً حينما عرفت أن الجو المحيط بالكوكب الواقع تحتي مناسب للتنفس، وهذا ما منحني شيئاً من الأمل في أن أطير ثانية في الفضاء وأعود إلى أهلي، هذا بالطبع إن استطعت إصلاح المحرك.‏

كان واضحاً أن الجائحات شوّهت الكوكب غاية التشويه، والصدوع العميقة قلّبت أديمه، وارتفعت قمم جباله عالياً في الجو يغطيها برد فضائي.‏

لم يكن عندي وقت كافٍ لمتابعة الملاحظات التفصيلية، كان علي إيجاد موقع مناسب للهبوط بسرعة، وقد وجدته على سطح هضبة فسيحة. وفجأة توقّف المحرك عن العمل نهائياً، فيما كنت أتأهب للهبوط.‏

مررت بسرعة كنيزك فوق إقليم جبلي عديم الحياة، ثم دخلَت المركبة الجو الكثيف المحيط بالكوكب فتباطأت سرعة الهبوط، وها أنا ذا على سطح الكوكب أخيراً.‏

تطلّعْت من الكوّة، لم أرَ أي شيء يمكن أن يشكل خطراً. شغّلْت جميع الأجهزة المخصصة لدراسة الوسط الخارجي. وبعد وقت قصير كنت قد عرفت الكثير عن المكان الذي هبطت مركبتي فيه. لا توجد هنا حياة عاقلة، لكن الحياة غير العاقلة التي أحاطت بي كانت خطرة ومتعطشة لسفك الدماء، فجميع الكائنات في هذا العالم كانت في حالة حرب بعضها مع بعض، القوية كانت تفترس الضعيفة، والضعيفة كانت تقتنص الأضعف منها.‏

لم أستطع البقاء طويلاً بدون عمل. تسلحت بالصاعق وفتحت الباب. تبين أن الجو نتن جداً، ورائحته كريهة، ومع ذلك كان التنفس ممكناً.‏

تحركت ببطء وحذر، جاهداً أن يبقى جسم المركبة الأمين خلف ظهري طوال الوقت. وما أن أتممت خطوتين حتى اضطررت للتوقّف، فقد انبثق من الأرض رأس مستدير لدودوة كبيرة. كدتُ أستلّ الصاعق، لكن الرأس غاص فوراً في الأرض، وأنا رحت أراقب طويلاً باستغراب كيف كانت فلقات جسم الدودة زهرية اللون تخرج من الأرض وترتفع إلى الأعلى مثل قنطرة ثم تختفي ثانية في الأرض. لم تكن الدودة ضخمة جداً، كانت ربما بنصف طول قامتي. لكنني رأيت جزءاً منها فقط، لذلك بدت طويلة جداً ومخيفة.‏

وفجأة لاح فوقي ظل أسود. اندفعْتُ إلى الوراء والتصقت بمعدن المركبة الباردة. مخلوق طيّار ضخم يتلوى اندفع نحوي من أعلى. فتح شدقاً هائلاً فيه كثير من الأسنان الحادة، فاح منه نَفَس كريه الرائحة.‏

أخرجت الصاعق وغرزت عبوة ناسفة في حلق الوحش، فسقط جسمه الثقيل علي، ورحت أتدحرج على الأرض. وبعد وقت قصير شاهدت التنين الطائر يتلوى على الأرض في تشنجات ما قبل الموت. لم أتجرأ على الاقتراب من الغول، بل نهضت من على الأرض وأنا أرتجف من الخوف، ولاحظت فوراً أن طريقي إلى المركبة مقطوع.‏

اقترب مني وحش آخر ببطء. جسمه قذر أخضر قاتم اللون، وعيناه بارزتان بعيداً إلى الأمام، وله ملقطان هائلان قاتلان. نهض الوحش على قوائمه وفتح ملقطيه.‏

لم أرغب أن يكون دخولي هذا العالم موسوماً بالقتل وبالدم، إذ يوجد من ذلك هنا ما يكفي بدون تدخلي. تراجعت إلى الخلف، فأدار الوحش عينيه نحوي، أخافني، لكنه لم يندفع باتجاهي. حاولت أن أتحاشاه بحيث أعود تحت حماية مركبتي. لم يفارقني الشعور الكريه بالخطر القادم من الخلف. بدا أن العيون المتنبهة لساكني هذا المكان تتبعني خطوة خطوة.‏

ودون تحويل نظري عن الوحش قمت بخطوتين أخريين إلى الخلف، وهنا لمع شيء ما تحت قدمي. كان على الأرض شيء غريب مصنوع من المعدن. أقول "مصنوع" بما تحمله الكلمة من معنى، لأن أيدي الكائنات العاقلة فحسب كان باستطاعتها إكساب هذا المعدن الأبيض شكل اهليلج مدبب من طرفيه. كان الشيء مفلطحاً مصقول السطح بإتقان. الكائنات التي تقدمت إلى الأمام بعيداً في طريق الحضارة باستطاعتها وحدها التضلع هكذا في علم التعدين.‏

أمسكت بالشيء ورفعته عن الأرض، إنه ثقيل الوزن، تأسفت لأنني لا أستطيع حمله الآن إلى المركبة، فما زال الوحش جاحظ العينين واقفاً في الطريق إلى المركبة وهو يحرك كلاباته متوعداً.‏

وفي هذه اللحظة ألقى شيء متطاول عليّ ظلّه. كدت أظن أن هذا تنين آخر، فنظرت إلى الأعلى. كلا، هذا ليس بتنين. ربما استطعت أن أقسم أنني أرى سفينة فضاء، سفينة طائرة! إنها ضخمة، لا تقل حجماً عن مركبتي، وهي تتحرك ببطء. ويصعب علي تحديد ما يحركها. لكن انتظام شكلها، وتماسك أجزائها استبعدا تماماً أية إمكانية لاعتبار أنها ربما كانت كائناً حياً. ربما بحث عني شخص ما، ومن الممكن أنه لاحظ كيف خبطَت مركبتي على هذا الكوكب. مرّ وقت قصير، وها هم يبحثون عني. أما نواياهم فلا أعرف إن كانت خيّرة أم شريرة.‏

جمدت السفينة الطائرة فوقي تماماً. وشعر الوحش ذو الملاقط بشيء غير مناسب يدور حوله، فراح يتراجع ببطء نحو أدغال الأشجار العالية المتمايلة. لم أترك الشيء المعدني، فهو الدليل الثمين على الحياة العاقلة على هذا الكوكب.‏

تعلّقت سفينة الفضاء على الحدود العليا للغلاف الجوي. رفعتُ الشيء المعدني إلى الأعلى كي أجذب انتباههم إلي، وليكن ما يكون. كنت واثقاً أن على الكائنات العاقلة أن تكون ودودة.‏

انتبه إلي من كان على السفينة، فتدلى منها حبل إنقاذ، لمعت في نهايته آلة لربط الأشياء. إنهم يستدعونني إلى الأعلى. ماذا أفعل؟ فلنخاطر. ألقيت نظرة أخيرة على مركبتي، طوقت حبل الإنقاذ بأذرعي، دون أن أترك الشيء المعدني، وشددت حبل الإنقاذ ثلاث مرات، وهي إشارة بأنه يمكن رفعي. وأصبحت فوراً أرتفع إلى الأعلى بسرعة.‏

في القسم الأخير من الطريق راح حبل الإنقاذ يرتفع باندفاع. كان واضحاً أنني سأطير بعد قليل خارج حدود الغلاف الجوي. لكن لباس الفضاء بقي في مركبتي! حاولت الوثب عن حبل الإنقاذ، لكن خطافاً حاداً في نهايته غرز عميقاً في جسدي. بعد ثانية فقدت الوعي، وطرت في الفضاء الخالي. غولان هائلان مدّا أطرافهما باتجاهي...‏

*قال فَلوديا أودالوف بدهشة وهو يسحب صنارته: ــ من الذي قضم شصي؟.‏

أجابه صديقه ساشا غروبين، وهو هاوي صيد السمك أيضاً:‏

ـــ وما دخل الشص هنا؟ هل سمعت يوماً أن الأخطبوطات تعيش في بحيرتنا؟‏

صاح غروبين:‏

ـــ أعطني سطلاً، سطلاً مملوءاً بالماء! ماذا بك؟ ألا تفهم؟. لقد حققنا اكتشافاً كبيراً!‏

قال اودالوف مشككاً: ـــ ربما كانت الأخطبوطات تعيش هنا.‏

قال غروبين وهو ينتزع الأخطبوط من الصنارة: ـــ من أين؟ إنها تعيش في البحار والمحيطات فقط. سيكتبون الآن عنّا في مجلة العلوم.‏

رمى غروبين الأخطبوط في سطل الماء، فنزل بخمود إلى قاع السطل، في حين كان أحد مجسّاته ما زال يقبض على الشص الذي كان اودالوف قد ربطه بالخيط بشكل رديء.‏

قال اودالوف: ـــ ساشا، انزع منه الشص.‏

ــ ولماذا أنا؟.‏

ــ وماذا لو كان ساماً؟‏

ــ هكذا إذن! بالنسبة إليك سامّ، يعني، بالنسبة إلي، أليس ساماً؟‏

ــ حسناً، انزعه بشيء ما، فلم يعد لدي غيره.‏

تحرّك الأخطبوط في السطل، فقال غروبين: ـ آهـ لقد عادت إليه الحياة. ظننت أنه سينفق.‏

قال اودالوف بتأفف: ـ وما الفرق بالنسبة إليك؟‏

كان اودالوف قد وعد زوجته بإحضار سمك من نوع "الفرخ" من رحلة الصيد هذه، وحضّر لذلك شصاً خاصاً... قال لصديقه: ـ أعطني الشص، كن صديقاً، فربما نصطاد شيئاً آخر. يصعب علي أن أعود خالي الوفاض. لكن غروبين كان قد أخذ المجدافين وراح يجدف باتجاه الشاطئ.‏

*... وضعاني في أسطوانة معدنية مفتوحة من الأعلى. لكن الغلاف الجوي ينتهي عند حافتها العليا... وبذلك، فإن أية محاولة مني للخروج ستودي بي إلى الهلاك المحتم.‏

لم أستطع أن أغفر لنفسي ثقتي السريعة والحمقاء بالآخرين.‏

لقد تبيّن أن الكائنات العاقلة ـ التي كان بمقدورها بناء سفن الفضاء وتصنيع المعادن ـ غادرة وجائرة. وهم ـ كما يبدو ـ ليسوا على دراية بأفكار الإخاء الكوني. تلمست الصاعق. أستطيع على الأقل الدفاع عن نفسي...‏

من فوق حافة الأسطوانة بأن رأسي كروي لواحد من حارسيّ.‏

إنه هائل. حجم رأسه وحده أكبر من جسمي كله، بدون حساب الأطراف. من الواضح أن هذا الكائن يعيش في فضاء فارغ. وأنا مستعد للقسم أنه بدون لباس الفضاء! وهذا اكتشاف عظيم. فمن المعروف أنه لا يوجد كائن واحد ـ باستثناء الباكتيريا ـ يستطيع الحياة خارج الغلاف الجوي.‏

تأمّلني الغول طويلاً. وأخيراً رفعتُ اثنين من أذرعي بإشارة سلام، فاختفى الغول.‏

وفيما بعد ظهر رأس الغول ثانية. وفجأة غاصت في الغلاف الجوي كف دميمة ذات خمس زوائد. أدركت أن الغول يريد قتلي. أخرجت الصاعق بسرعة وأطلقت عياراً.‏

*صاح اودالوف: ـ آي، أي، آي! لقد صعقني بشحنة كهربائية.‏

قال غروبين: ـ لقد حذرتك.‏

انغرز القارب في الرمل، تخبّط الماء في السطل، وراح الأخطبوط يحرك جميع مجسّاته بانزعاج.‏

لمس غروبين السطل بحذر، فلم يشعر بأية صعقة كهربائية. ربما بدا لاودالوف أن شحنة صعقته من شدة خوفه.‏

سأل غروبين: ـ حسناً، هل ستبقى، أم ستذهب معي؟‏

أجاب اودالوف: ـ لعلّني سأبقى، سأحاول صيد سمك "الفرخ".‏

قال غروبين: ـ كما تريد. ثم تنكب حقيبة الظهر، وأخذ الصنارة بيده اليسرى، وحمل السطل باليمنى، وسار بتؤدة عبر الغابة باتجاه موقف الحافلة، جاهداً أن لا يطرطش الماء وأن لا يزعج الحيوان.‏

*سأرى هذه الرحلة في أحلام كابوسية، هذا إن قُدِّر لي عموماً أن أرى أحلاماً يوماً ما. اهتزّت الأسطوانة، فتدفقت حولي تيارات ماء عنيفة. التنفس صعب، وأنا مضطر إلى التمسّك بجدران الأسطوانة الملساء طوال الوقت حتى لا أنقلب. آه، لو تمكنت يوماً ما من العودة إلى وطني! أية إثارة ستُحْدثها أخباري عن العرق العاقل الجائر الذي يعيش على حدود الفضاء!‏

بلغ أسماعي دوي غامض، اهتزّ قاع الأسطوانة. أحسست بعد ذلك أن عدوي حمل الأسطوانة وبدأ يصعد شيئاً ما. وهنا بدأ اهتزاز أكثر هولاً من ذي قبل!‏

*أحد ركاب الحافلة ـ ويبدو أنه من معارف غروبين ـ سأله:‏

ــ ماذا تحمل؟ هل يُعقل أنك اصطدت ملء السطل سمكاً؟ دعني أرى.‏

جلس غروبين على مقعد خالٍ حاملاً السطل بيديه، بحيث يهتز أقل قدر ممكن.‏

قال: ـ أنظر.‏

قال المعرفة وهو ينظر في السطل: ـ لا أفهم شيئاً. ما هذا لديك؟‏

ـــ أخطبوط.‏

لم يفهم المعرفة: ـ ماذا؟‏

ـــ قلت: اصطدت أخطبوطاً.‏

قال المعرفة: ـ آ، آ، مفهوم، حيوان نادر... ولم يعُد يُعر اهتماماً أكبر للأخطبوط. حتى أن عروبين شعرَ باستياء.‏

ـــ هل رأيت أخطبوطاً من قبل؟‏

قال المعرفة: ـ في الصور فقط. ولم يحدث أن اصطدت واحداً.‏

قال غروبين: ـ ولن يحدث.‏

قال المعرفة وهو يفتح صحيفة: ـ ولماذا؟. أنت اليوم اصطدت وغداً، ربما أصطاد أنا. علماً أنني لست شديد الولع بصيد السمك.‏

فكّر غروبين: ـ " شيء يجنن. أنا أمسكت أخطبوطاً، وهو يقرأ جريدة. لو كنت اصطدت قرموطاً لكانت دهشته أكبر".‏

التفت راكب من المقعد الأمامي قائلاً: ـ هل تأخذه لأطفالك؟‏

إنه مثير للاهتمام بالنسبة للأطفال. أنا أحضرت لأطفالي زرزوراً منذ مدة قريبة. إنه طائر مثير للاهتمام.‏

تلفّظ غروبين بامتعاض: ـ يقارن! ذاك زرزور، وهذا أخطبوط.‏

قال شاب واقف بقربهم: ـ أنا رأيت أخطبوطاً، حتى أني أكلته. اشتريته من مخزن الأسماك حيث كان مجمداً مع أسماك الحبار.‏

أيده جاره إلى اليسار: آها، ومنها يصنعون المعلّبات.‏

قال غروبين لنفسه باستياء: ـ "يا لهم من بشر! ربما ما كانوا اندهشوا حتى ولو حملت تمساحاً".‏

لف الأخطبوط مجسّه ثم فلّه بعصبية. من الواضح أن الاهتزاز لم يرقْ له.‏

*من المخيف أن تعرف أن أحداثاً عنيفة تدور حولك لكنك لا تدرك مغزاها. تأرجحتُ وانهززت، وآلمتْ سمعي أصوات عالية من جميع الجهات. يبدو أن سكان هذا الكوكب حولي، وأنهم يناقشون أمراً ما بحيوية. ربما كانوا خائفين من حدوث اعتداء خارجي على كوكبهم. وأنا ليست لدي الإمكانية لأحكي لهم عن الأهداف السلمية لرحلتي الفضائية، وعن هبوطي الاضطراري على كوكبهم.‏

انقطع الدوي والهز والأصوات فيما بعد، وحُمِلْت ثانية إلى مكان ما. أصبح الهواء في سجني غير ملائم إطلاقاً للتنفس، وسأصبح قريباً في عداد الموتى. إن الموت يتهددني في كل خطوة على هذا الكوكب.‏

*كانت الشمس حارّة. تعكّر الماء في السطل، وفاحت منه رائحة كريهة. وضع غروبين السطل على الأرض وتطلّع إلى الحيوان. يبدو أن الأخطبوط ما زال يتحرك. توجد بئر، لحسن الحظ، في مكان ما هنا. وجدها غروبين وراح يصب ماء عذباً بارداً بكميات قليلة ولمدّة عشرين دقيقة، خشية أن يزكم الأخطبوط، فالمفروض ـ حسب معرفة غروبين ـ أن الأخطبوط يحب المياه الدافئة في البحار المدارية.‏

لم يدخل غروبين إلى بيته، بل قرّر المرور أولاً بالعجوز لوجكين الذي يعيش في الطابق الأعلى. وهكذا، صعد إلى الطابق الثاني ودق الجرس، وهو يشعر ببعض الوجل. كانت علاقة العجوز لوجكين بساشا غروبين جادة، لأن غروبين بالمقارنة مع عالِم الطبيعة شخصٌ سطحي وطائش.‏

نظر لوجكين إلى غروبين من فوق نظارته سائلاً: ماذا تريد؟‏

ـــ مررت أسأل إ، كان لديك حوض أسماك زائد.‏

ـــ وما حاجتك إلى حوض سمك؟‏

ـــ لقد اصطدت هنا شيئاً، ولا أعرف ماذا أفعل به.‏

أثار اهتمام غروبين أن يعرف ماذا سيقول لوجكين. ربما هو على الأقل ـ عالِم الطبيعة المشهور في المدينة ـ سيفهم غرابة ظهور أخطبوط في ضواحي المدينة البعيدة عن البحار.‏

طلب لوجكين حمل السطل إلى الضوء، وراح يتأمل الحيوان باهتمام. تأمله طويلاً. صمتَ. وانتظر غروبين بصبر بالغ.‏

وأخيراً تنهّد لوجكين، وقال بلطف:‏

ـــ نوع جديد على أقل تقدير.‏

ـــ كيف؟‏

ـــ نوع جديد من الأخطبوطات.‏

وترامت في صوت لوجكين نبرة احترام لزميل: ـ أنت محظوظ أيها الشاب. وحتى لو كان هذا طفرة، فإنه مع ذلك لقية عظيمة. إن لدى هذا الأخطبوط عشر أرجل! سأعطيك حوض سمك بالطبع. وبالمناسبة، أين حصلت عليه؟‏

ـــ اصطدته في بحيرتنا. علق بصنارتي الخالية.‏

ـــ وما هذا الشيء اللامع الذي يضمّه؟‏

ــ إنه يمسك بالشص الذي أضاعه اودالوف.‏

ـــ هم م. إليك ما ستفعله. الأفضل أن تتركه عندي، فعندك القط سيلتهمه.‏

ـــ وهل تأكل القطط الأخطبوطات؟. زد على ذلك أنه يصعق بالكهرباء. لقد صعق اودالوف، وأخافه حتى الموت.‏

ـــ م، نعم.‏

العجوز أعطى غروبين حوض سمك، فنزل غروبين إلى بيته في الطابق الأول.‏

*مهما يكن من أمر، يبدو أن الحظ يساعدني. وإذا كنت أفهم ما يحدث بشكل صحيح، فأنا أخضع لمراقبة العلماء. ومِن غير المستبعد حتى أنني وقعت في أيدي مختصين بالاتصال مع حضارات الكواكب الأخرى.‏

نقلوني من الأسطوانة العاتمة الخانقة إلى مكعب شفاف مملوء بالهواء العليل، لكنه على الرغم من هذا سجن. تحيط به مساحة واسعة، توجد فيها أشياء لا أعرفها. وبعيداً في الأسفل يتسكّع حيوان مخيف مغطى بشعر رمادي كثّ. يفتح فمه من حين لآخر، فتظهر أسنان حادّة ولسان أحمر. ينظر إلى سجني باهتمام واضح. ربما كان سجني مسكنَه من قبل، والحيوان يُظهر عدم الرضى لأنني أقمت فيه. ولربما أمروه بحراستي.‏

انشغل بدراستي ومحاولة الاتصال معي كائنان محليان. وأثار اهتمامي الأسلوب الذي يتبادلان المعلومات به: فم كل منهما كان تارة ينفتح وتارة ينغلق. أما أنا فقد وضعت نصب عيني المهمة الآتية:‏

علي أن أبيّن لهما أنني أتفوّق على ذكائهما، إنما بطريقة لا تجرح كرامتهما.‏

أنا جائع جداً.‏

يبدو أنهما تشاورا طويلاً، بعد ذلك اقترب من سجني واحد منهما وأدخل في الغلاف الجوي شيئاً طويلاً مسطحاً. هذه أول محاولة للاتصال، حتى أن وجهي احمرّ من هذه المفاجأة اللطيفة. فرِحت بإمكانية التعبير لهم أنني كائن عاقل كذلك، أمسكت الشيء الممدود لي بعزة نفس وشددته ثلاث مرات. سحبوا الشيء فوراً. فهل فهموا شيئاً أم لا؟ هذا ما بقي لغزاً بالنسبة إلي.‏

*سأل غروبين العجوز لوجكين الذي عرج عليه للسؤال عن أحوال الأخطبوط: ماذا تأكل الأخطبوطات؟‏

أجاب لوجكين: ـ إنها حيوانات مفترسة بشكل عام... ثم أضاف دونما سبب واضح: ـ وقد ذكر العالِم بريم في مؤلفاته أن الأخطبوط يغيّر لونه في حالة الاستثارة.‏

سأل غروبين: ـ هل نحاول استثارته؟‏

قال لوجكين بحزم: ـ هيا.‏

تناول غروبين مسطرة بلاستيكية ولمس الأخطبوط بها.‏

قال لوجكين بلهجة رسمية: لقد غيّر لونه إلى الأحمر. يتحدّث بريم عن إمكانية ظهور اللون الأحمر لدى الأخطبوط المستثار. إذاً، هذا الأخطبوط ليس نوعاً جديداً، بل مجرد مسخ.‏

ذهب غروبين إلى المطبخ، ثم عاد بقطعة من اللحم النيئ. هرول القط خلفه ظاناً أن اللحم له. لكن اللحمة طارت وسقطت في حوض السمك، فتلمّظ القط بحسرة.‏

*قطعة لحمية مدمّاة وشوهاء سقطت علي من الأعلى. ماذا يريدون مني؟ أم أنهم يريدون أن أتغذى بها؟. نعم، أنا جائع جداً، لكنْ خير لي أن أموت من الجوع من أن آكل لحم كائن مذبوح. وقد فعلت ما كان سيفعله في بلدي أي واحد من شعبي: أخذت القطعة اللحمية ورميتها بعيداً.‏

*صاح لوجكين: ـ ما أعجبك!. لم يأخذها، يعني شبعان... أما القط فقد التقط قطعة اللحم بلمح البصر وهرب بها إلى الزاوية.‏

قال لوجكين: ـ سيتوجب عليك الذهاب إلى مخزن السمك.‏

وافق غروبين: ـ سأسرع.‏

*خطر ببالي أن أي كائن عاقل يجب أن يعرف مبادئ الهندسة.‏

وجدت قطعة حجر مدببة، وخدشت بها على جدار سجني مثلثاً متساوي الساقين، لكن المثلث لم يُثر انتباههم. لم يخطر على بالي قبل الآن أن الاتصال يمكن أن يكون عملية معقدة إلى هذه الدرجة. وها أنا ذا كائن عاقل موجود أمام أعين ممثلي عرق عاقل آخر. نعم، بالطبع، الوسط الحياتي عندنا مختلف، ونحن نختلف في الحجم والمظهر الخارجي، وماذا في ذلك؟ لماذا أنا أفهم أنهم عاقلون وأحاول إقامة اتصال معهم؟ لماذا هم لا يلاحظون أنني كائن عاقل ويستمرون في إيلامي؟ لا، يجب فعل شيء، شيء ما، يجب إيجاد مخرج من هذا الموقف.‏

تحسست الجدران والأرضية. الجدران مصنوعة من مادة قابلة للكسر كما يبدو، أما الأرضية فهي من المعدن، وهذا ما أعطاني أملاً بالنجاة.‏

شغّلت الصاعق، وأطلقت شحنة على الأرضية أحدثت فيها ثقباً على الفور، سددت الثقب بواحد من أطرافي. غادر الذين يعذبونني، فكان علي الإسراع في العمل. وحينما ظهر سجّاني الرئيسي كنت قد صنعت ستة ثقوب، سددت كلاً منها بطرف. كان الكائن يحمل شيئاً ملفوفاً بمادة بيضاء، وضع اللفافة قرب سجني، فتحها، رأيت فيها كائناً كبير الشبه بذلك الذي هاجمني قرب سفينتي. انتزع السجان من الكائن قطعة كبيرة، ورماها لي...‏

*قال غروبين: ـ لا يأكل، ما العمل؟.. أما لوجكين الذي دخل في إثره فقال إنه سيكتب رسالة إلى أكاديمية العلوم. سيحضرون من كل بد، وسيأخذون الأخطبوط.‏

*سرعان ما خرج الجميع ثانية، ولم يبق سوى الكائن المغطى بشعر رمادي. إنه لم يعد يعرني أي اهتمام. أدخلت ستة من أطرافي في الثقوب، وبالأربعة الباقية أمسكت بالحواف العليا للمكعب. بذلت جهدي في إدخال أطرافي في الثقوب أبعد ما يمكن. رفعت نفسي قليلاً مع المكعب، واقتربت من الحافة...‏

اعتمدت على عنصر المفاجأة، وعلى ذاكرتي الجيدة. آمل أن أجد الطريق إلى مركبتي بدون متاعب. وما إن رأى الكائن الرمادي وثبتي حتى رمى بنفسه في رعب على جدار الغرفة محاولاً تسلقه.‏

اجتزت الممر الطويل، نزلت الدرجات الضخمة، خرجت إلى السهل المحاط من جميع الجهات بمساكن الغيلان. لكنني لم أكد أعبر نصف الطريق عبر السهل حتى ظهرت حولي الغيلان نفسها، فأدركت أنه لا مفرّ. الشيء الوحيد الذي تبقّى لي هو الانتحار. توقفت، سحبت أطرافي من ثوب أرضية المكعب، فراح الغلاف الجوي ينفد... كلا، لن أستسلم لهم حياً..‏

*كان اودالوف يتغدى حينما وصلت إلى أسماعه صيحات من الساحة. نهض من على الطاولة واقترب من النافذة ليرى ما يحدث, بدا له ما رآه مستحيلاً. في الساحة يركض حوض سمك، ومن تحته برزت مجسّات أخطبوط تتلألأ عيناه من خلال كتلة الماء في توعّد...‏

وصل غروبين إلى الأخطبوط راكضاً حينما لم يبق في الحوض من الماء سوى القليل.‏

صاح غروبين: ـ أعطوني ماء! سيموت بدون الماء!‏

وخلال بضعة لحظات ظهرت طناجر مليئة بالماء، وسطول، وطاسات.‏

واحد أحضر كأس ماء، وآخر جلب صحناً. أخذ غروبين أكبر سطل، وضع الأخطبوط فيه بحذر، ثم حمل السطل بيد، وبالأخرى حوض السمك...‏

..... أكتبُ هذه السطور على صفائح بلاستيكية بيد صُنعت خصيصاً من أجلي؛ وأتعمّد أن يكون الخط كبيراً كي يتمكن الأكاديمي بولوسوف الذي تصادقت معه، من قراءة ما أكتبه بدون عدسة مكبّرة...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244