مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 129 شتاء 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

على الفرات ـــ هراتشيا كوتشار* ـ ت.نوفل نيوف

إلى ابنتي نونيه‏

مرت سنوات كثيرة على ذلك، ووقعت حوادث كثيرة، رهيبة عاصفة. كان ثمة سنوات انحطاط، ونهضة، وموت وبعث..‏

لذلك فإن ما أريد أن أرويه لكم، يبدو لي مغرقاً في القدم..‏

كان عمري يوم ذاك خمس عشر سنة.. قبل نصف قرن. منذ ذلك التاريخ، وأينما حللت، سواء في وطني، أو في الغربة تحت سقف أسرتي المريح، أو في الخنادق الباردة، الرطبة، في النوم أو في اليقظة، لم أنس أبداً تلك الدقائق الرهيبة على جسر الفرات، وتلك الفتاة آستغيك. فوجهها النوراني ما يزال أمامي حتى الآن، يتبدد تارة في غلالة غبش نائية، وطوراً يقترب منوراً بنجمة صغيرة. إنها معي دائماً كلها، في أفكاري وفي روحي.‏

وكلما تقدم بي العمر أسمع صوتها بمزيد من الوضوح، ويخفق قلبي المضني في صدري باضطراب متصاعد.‏

لقد اجتزت كثيراً من المحن في حياتي. حاربت في جبال بارتوغ وفي أراكس، وفي حقول سردار آباد، وفي مدرعة "القائد فارتان"، ثم قاتلت على شواطئ الدانوب والفولغا ووصلت مع قطعتي العسكرية إلى نهر أودير. خضت المعارك حيثما كان لابد من الذود عن شرف الإنسان وحياته، اصطليت جحيم الحرب، إلا أنني لم أتمكن من إخماد ضميري القلق.‏

سأتحدث الآن عما حدث فوق الجسر، على الفرات، يوم كان عمري خمس عشرة سنة..‏

ساقونا كالبهائم في وادٍ عميق، ساقونا قطيعاً ضخماً من المسنين والمسنات، والفتيان والفتيات، والأولاد والبنات والنساء اللاتي كن يحملن رضعاً يزعقون ويبكون ويسكتون، ويموتون على أذرع أمهاتهم أيضاً.‏

كان عددنا كبيراً، مئات من الناس، ولكن هذا العدد كان يتناقص في الطريق.. بغتة كانت تنطلق من الوديان الضيقة عصابات مسلحة تنقض علينا مزمجرة كالوحوش. كانوا يمسكون بالفتيات الجميلات فيجرونهن ويجردونهن من الثياب والأحذية، ويفتشون المسنين ويسلبونهم آخر ما لديهم من مال مخبأ في ثيابهم، وكانوا يذبحون ويقطعون من يقاوم، ثم يهربون بغتة مثلما ينقضون. هكذا تقصف العاصفة في السماء فتشق الأرض حارقة كل شيء بلمح البصر وتغيب...‏

عقب كل غارة من تلك الغارات كان العساكر الذين يسوقوننا يزدادون غضباً، فتئز سياطهم مفرقعة في الهواء، وتلسع كالأفاعي أجسادنا شبه العارية. كنا نسير مجتمعين، متراصين، حفاة، بأرجل مثقلة بالكدمات، ووجوه دامية مزرقة، يضنينا الجوع، منهكين متورمين، يهدنا التعب، نخلف وراءنا أجساد أقربائنا الذين يموتون، وآثار الدم على الأحجار العارية، ومزقا ونتفاً من ثيابنا على أغصان الشجيرات.‏

كان الوادي عميقاً، تعلوه قبة السماء الزرقاء، تسبح فيها غيوم بيضاء، صغيرة. وعالياً فوقنا كان ربنا الله يستوي على عرشه في مكان شاهق الارتفاع. تخيلته ذهنياً، ورحت أنتظر دقيقة إثر دقيقة أن يبصرنا. كلا، لم يكن يرانا.‏

أز سوط عمر أومباشي، فيما اثنان من مساعديه، شاكيا السلاح، يتدلى من خصر كل منهما خنجر، يتقدمانه على حصانيهما، أحدهما عن يميننا، والآخر عن يسارنا، بينما يتبعنا عمر أومباشي، بصحبة مساعدين آخرين.‏

كان عمر يلقي الرعب في قلوب مساعديه أيضاً بشاربيه المعقوفين، وعينه اليسرى العوراء، والندبة التي خلفتها على حاجبه رصاصة أو خنجر، وأسنانه الصفراء المتفرقة. كان يزعق عليهم إذا خفت قوة لسعات سياطهم على رؤوسنا وظهورنا، فيجأر، وينفجر غضباً وهو يعطي أوامره، ويندفع نحو المتأخرين بحصانه المسعور الذي لا يخاف الأشباح، فتدوسهم، وتضعضعهم حوافره بحدواتها الحديدية.‏

لم نكن نعرف إلى أين يسوقوننا. ولم نكن نعرف لماذا انقلب كل شيء رأساً على عقب.‏

كانت ساقاي تنضحان بالألم، وكانت توجعني الجروح في يديّ وكفيّ الداميتين، ولكنني تحملت، دون أن أنسى لحظة واحدة أن علي أن أساعد آستغيك، وهي في ثياب صبي مهلهلة، حليقة الرأس إلا من غرة كبيرة على جبينها، تسير بجانبي منهكة، تتكئ أحياناً على كتفي الموجوعة. وتماسكت، بل وشعرت بدفق من القوة في جسمي المثقل بالجروح، وبانبعاث الأمل من جديد في روحي الضالة، المتمردة ضد احتجاب العدالة عنا.‏

كانت آستغيك تسير بجانبي متكئة على كتفي. لم يكن ذلك حلماً. كان واقعاً حقيقياً. وقبل يومين كانت آستغيك حلماً، حلماً أزرق، شفافاً، كانت غيمة بيضاء، قوس قزح متعدد الألوان، مغرياً، ساحراً، أركض وراءه، ولا أستطيع اللحاق به... وهاهي تسير الآن منهكة إلى جانبي، بخفين ممزقين، قذرة، بعينين حمراوين، منتفختين. كل ذلك يبدو لي شيئاً لا يصدق!‏

كيف حدث ذلك؟ من يجيب؟ أي مجنون يستطيع أن يعد بالخلاص؟ من يعيد لنا الأمس، قريتنا، بيوت آبائنا، ما بقي وراء سبعة جبال وسبعة وديان؟ صخور على اليمين، وصخور على اليسار. وبين تلك الصخور قريتنا الصغيرة. شد ما كنا نظنها منيعة. فحتى جباة الضرائب الأتراك كانوا يتهيبون النزول إلى قريتنا في الوادي. أما الآن فلم يبق لقريتنا من وجود. لقد نهبوها وأحرقوها. كانت البيوت تحترق، وبصخب تتداعى على الناس أعمدة سقوفها سوداء من دخان المواقد. فيأخذون الفارين منها أسرى، ويقودونهم عبر الحقول، والوديان، والجبال، والفجاج، لا نعرف لماذا وإلى أين.‏

ـ أريد ماء، قليلاً من الماء، ـ تهمس آستغيك، بعد أن تتوقف دقيقة، وترتمي على كتفي. فإذا ما تحركت سقطت، وأطلق عمر الأعور عليها النار، لتبقى على الطريق جثة أخرى، طعاماً للكواسر.‏

تبعث السياط صفيراً وأزيزاً فوق رؤوس من يسير خلفنا، فيطوقوننا ملتصقين بنا، ليحموا آستغيك التي لم يبق بيننا من أقراننا سواها. لقد ألبسوها ثياب صبي، وأعياها التعب، فتغيرت حتى غدت تبدو ولداً.‏

ـ امشي يا طفلتي، امشي! أفديك بنفسي يا آستغيك. ـ يهمس العجوز أوهان بصوت كأنه أتٍ من القبر، وهو يسير وراءنا يحمينا بصدره. نظرت إليه، كان الدم يسيل من جبينه على صدغيه الناتئين، مختلطاً بلحيته البيضاء كالثلج. ولكنه كان يسير مرفوع الرأس، طويل القامة، ضامراً، ترفرف لحيته مثل راية دامية.‏

ـ سيري يا خورين. سيري يا ضوئي!‏

الشفتان المطبقتان ألماً لا ترتعشان. والعينان كأنهما تجمدتا.‏

والعجوز أوهان صامت. إنها روحه التي تتحدث معنا، وهي بعد حية في هذا الجسد الخامد ذي الأعوام المئة. إنها تريد مساندتنا على دروب الموت الرهيبة، هذه الدروب التي لا بداية لها ولا نهاية.‏

ـ لقد ابتلانا الله بمحنة أيها الأطفال، فاصبروا وسيرو..‏

تعبت يد عمر أومباشي وبح صوته. وقد أخذ يجلد الآن بيده اليسرى ويسب، غير أنه لم يعد من سبيل إلى استيضاح كلامه الآن. أطلق سوطه صفيراً، وهو ينهال على رأس أوهان المكشوف، فيسيل على جبينه خيط دم جديد، وتتورم عينه اليمنى، فيبرز نتوء ليلكي تحت حاجبه.‏

ارحمهم يا عمر أومباشي، إن الله ينظر إليك من عليائه، ـ يقول مساعده بصوت خفيض.‏

نمشي دون أن نلتفت إليهما. فنحن نميز جلادينا بأصواتهم، وضربات السياط.‏

ـ يشهد الله أنني سأقتلك أنت يا أمزو، ـ يجيب أومباشي بصوت مبحوح.‏

ـ انظر إلى السماء يا عمر أومباشي، ـ بخوف يردد العسكري المسمى أمزو.‏

يخفق السوط مفرقعاً فوق الصفوف الأمامية، يطلق ابن السابعة فاهان زعيقاً يقطع نياط القلب. ومرة أخرى تلقف الجدة صالبي المنهكة حفيدها على يديها، وتمضي مترنحة. إنها، أم هذه العائلة الكبيرة العريقة، أنقذت وريث العائلة الوحيد، وقادته معها. والجدة صالبي هزيلة الجسم المنهكة حفيدها على يديها، وتمضي مترنحة. إنها أم هذه العائلة الكبيرة العريقة، أنقذت وريث العائلة الوحيد، وقادته معها. والجدة صالبي هزيلة الجسم، تسير مع أوهان الصغير في مقدمة الجماعة، كأنها الجمل الفحل، يتمايل ذات اليمين، وذات الشمال رأسها الكبير، الملفوف بالخروق، وهي تتمتم بالدعاء، متمسكة بالأمل.‏

هكذا في طرفة عين تحطمت حياتنا، وتداعت. كانت قريتنا عالماً كاملاً بالنسبة لنا، فبقيت في الفج العميق، بين سبعة جبال وسبعة وديان، تحيط بها الصخور من اليمين ومن اليسار. وتحجب عنها الأفق من جميع الجهات. عليك أن تخرج من الفج إلى ظهر الجبل، كي ترى بعيداً أرضاً سهلية، يكللها دخان أزرق، وفي الجهة المقابلة ذرى بيضاء عالية، تتدفق منها في الربيع سيول عارمة، تخترق الوديان الصخرية وقريتنا، فتجرف معها جواميس ضخمة كالأفيال. إذ يقصف فوق فجنا رعد مدوٍ، فيتردد صداه، متكسراً في الجبل والوديان، والوهاد، وينشق البرق عن صاعقة تفلق الأرض الصخرية بقوة عملاقة. كان الرعب يسيطر على الناس، فيغلقون أبوابهم، ويسدون الطاقات في سطوح البيوت.. وما إن تهدأ العاصفة، وينجلي في سماء الفج قوس قزح، قوسنا الساحر، حتى يخيل للرائي، وكأنه لم ينجل بهذا الحسن والبهاء فوق أي قرية غير قريتنا في الوجود. ونركض عندئذ إلى البيدر، نجمع الفطور، ونهبط عميقاً في الوادي، نقطف أعشاباً مختلفة تؤكل، مما ينمو بوفرة على مدارج سفوحه.‏

يكفي أن أغمض عيني، لأتخيل الأمس نابضاً بالحياة، فأرى المغارات الرطبة في فجنا، وأعشاش النسور في شقوق الصخور، واسمع صياحها، مثلما أسمع في زرقة المساء العالية غناء الغرانيق الحلو، وهي عائدة من البلاد الدافئة، تشعر برائحة النعناع الجبلي الحادة، وبالأريج الرقيق، ينبعث من البنفسج، والورود البرية.‏

كانت قريتنا صغيرة، ولكنها تبدو لنا عالماً لا متناهياً، كان وسيبقى خالداً إلى أبد الآبدين، شأنه شأن الطبيعة المهيبة المحيطة به. وكان يخيل أن العائلات الكبيرة والصغيرة ستعيش أبداً بطقوسها وعاداتها الأبوية العتيقة، من أعراس، وعماد وفصح، وأعياد صعود، وظهور السيد المسيح.‏

مشيت بصعوبة، مترنحاً، أسند آستغيك. اختلطت اليقظة بالهذيان، فرأيت وجه أمي وعينيها السوداوين، الدامعتين.. كان الكبار يرتدون ثيابهم في غسق الفجر، بينما تكون جدتي قد لبست ثيابها قبل وقت طويل وركعت على كربتيها، ميممة وجهها نحو الشرق، تتمتم بكلمات صلاتها اليومية: "أبانا الذي في السماء، فليتقدس اسمك، وليقترب ملكوتك...."‏

كنت أعرف عن ظهر قلب كلمات صلاتها، وبوسعي أن أعيدها وراءها، إلا أنني تصنعت النوم، علهم ينسونني اليوم، فلا يرسلونني لأسوق الثيران إلى الحراثة... ثمة من فتح طاقة السطح، فتساقطت النجوم في بيتنا. ومع طراوة الصباح، اقتحمت بيتنا رائحة خبز أخرج من التنور لتوه، أعده أحد الجيران لغريب لديه، ثم طاف بالبيوت قبل الفجر، وألقى بالخبز من طاقة السطح في كل بيت.. سمعت صليل سلاسل محراثنا، وخوار الجواميس، وهي تساق من الحظيرة، والحديث الخافت بين أبي وعمي.‏

إنهم لم ينسوا أن يوقظوني. فشرعت أدعك عيني، وأنا أسرع بارتداء ثيابي. أخذني أبي من يدي، وأركبني على ظهر جاموس شرس. كانت برودة الصباح تصفع وجهي، بينما النجوم تكبو، وتنطفئ في السماء، ولم يبق إلا نجمة وحيدة، تتوهج ساطعة، عرفت بسببها أننا سائرون إلى الحقل العالي. كان ذلك الحقل الكبير في الجهة التي تتوهج فوقها تلك النجمة تماماً، بالقرب من المرج الأخضر، الفسيح. كان نورها مسلطاً على عيني مباشرة، يطرد منهما النعاس. وقبل طلوع الشمس، شددنا المحراث إلى الجواميس، فترامى صوت السكة رناناً، عبر الحقول الآخذة بالاستيقاظ، وعبر المروج الندية، والسفوح الصخرية. كان المغني عمي. وكانت السكة بالنسبة لنا أغنية، وصلاة، ودعاء، وقسماً...‏

أحقاً كان ذلك حقيقة كله؟ أم ربما هو حلم؟.. حلم سعيد لا يعود.‏

رأيت جباة الضرائب الأتراك المسلمين، وهم يأخذون عن بيدرنا قمحنا الأحمر، الطازج. كانت تهبط إلى وادينا حشود من الحميديين، فينصبون خيامهم، ويمكثون هناك أسابيع. يذبحون الأغنام، والعجول يومياً، فتتصاعد مع الدخان رائحة اللحم المشوي على النار. كانت الوهدة تمتلئ بصهيل الخيول، وصليل أسلحة العسكر، وهم يتدربون. وبعد قرابة أسبوعين، ينسحب فوج، ليحل محله فوج آخر. وثانية يتصاعد في الوادي دخان النيران، وصليل الأسلحة وضجيجها...‏

كان يخيم علينا في القرية تلك الأيام صمت مقبض، يزحف ثقيلاً كالرصاص، ويرتمي حجراً على نفوس الكبار والصغار، فيقفلون جميع الأبواب من الداخل، ويغلقون طاقات السطوح قبل حلول الظلام... وكان الكبار يتحدثون همساً، ويهدأ الأطفال متوجسين شراً، حتى ليخيل أن البهائم تجمدت في حظائرها وزرائبها، فلا ثغاء، ولا خوار..‏

ثم تخلو القرية من جباة الضرائب، ومن أفواج الحميديين(1)، تخلو منهم الوحدة، والسفح المقابل. فقد كانوا يظهرون معاً، ويختفون معاً. وعندئذ يروق الهواء كما عقب عاصفة رهيبة، ويحلو لنا أن نتنفس بملء حريتنا. وتهبط السكينة على قريتنا. ففي النهار تبتسم الشمس ببشاشة، وفي الليل تمتلئ السماء بنجوم كبيرة، ساطعة، يخيل أنها لم تكن موجودة أمس، وأول أمس، وقبل أسبوع، ولم تظهر إلا اليوم في قبة السماء الزرقاء حتى السواد.‏

وقت الغروب ترن نواقيس كنيستنا الصغيرة، المتخفية على حافة الوادي، تحت صخرة عظيمة، فنذهب مع الكبار لنصلي لله المنعم القدير خالق الناس والحيوانات، والجبال والغابات، والوحوش والزواحف، خالق كل ما هو حي وجماد على الأرض. غير أن أكثر ما كان يجذبنا إلى هناك هو الفتاة الأعجوبة التي كانت تظهر فجأة، من حيث لا ندري، على كرسي الوعظ الصغير في كنيستنا، فترتل المزامير لوجه الله، ميممة نظرتها الحزينة، المفعمة بصبوة الإيمان، نحو السماء، ويبعث نور عينيها المشعتين الأمل، والخلاص في نفوس الناس.‏

أيام ظهورها في الكنيسة كان الناس يتهادون من القرى القريبة والبعيدة، كباراً وصغاراً، وعجائز طاعنات في السن، وشيوخ سيميون ذوي اللحى الشيباء.‏

كانت مكللة بالأسود من رأسها إلى قدميها تلك الفتاة ذات البشرة الشقراء الشفافة. تتطلع نظرتها إلى الأعلى، وشفتاها الملائكيتان ترتعشان، وصوتها الرقيق يرن رخيماً تحت قبة الكنيسة الصغيرة، ويندغم بنفوس الناس الملهمة، مع عبق البخور، ودخان المباخر.‏

كان العجوز أوهان يتقدم الجميع. بالقرب من مصطبة المذبح، يصوب نظرته الغائبة إلى وجه الفتاة الطفل، متمتماً بكلمات الدعاء، و هو يرسم شارة الصليب، ويركع على ركبتيه ليقبل الأرض. كان يسجد هكذا لاصقاً جبينه بالأرض، منصتاً لملاك أرسله الله ليبشر بالأمل، والحرية. ويزداد صوت الفتاة رنيناً، وإلهاماً، يزداد قوة، وتترقرق الدموع في عينيها.‏

من كانت تلك الفتاة الغامضة؟ عبر أي طريق كانت تهبط إلى كرسي الوعظ في كنيستنا الصغيرة، ثم ترتفع ثانية، مخلفة للناس صورتها، والأمل، والإيمان بالخلاص العجيب من جميع الآلام وألوان العذاب؟ ولماذا اختارت قريتنا مكاناً لظهوراتها؟‏

لم نكن نعرف شيئاً من ذلك، فيزداد خيالنا التهاباً، في دخان البخور المتصاعد.‏

بقي ذلك كله خلف سبعة جبال وسبعة وديان، وتبدد مثلما يتبدد الغبش الصباحي الأزرق في وادينا، حين تشرق الشمس من وراء جبل نيمروت.‏

هاهم الآن يسوقوننا كالقطيع، عبر أدغال من قصب، كالسكاكين الحادة، يلسع أقدامنا الحافية، وركبنا العارية. كنا منهكين، نكاد لا نتمالك الوقوف على أرجلنا، ولكننا نحاول ألا نسقط، ونحن نشد على شفاهنا بقوة، لكي لا تفارقنا الروح، لكي لا تغادر الجسد المضنى.‏

ما يزال العجوز أوهان يحمي آستغيك بصدره، خشية أن يكتشفوا تحت ثياب الصبي الممزقة جسد الفتاة الهش. ولكن لا إنه الآن لا يفكر بذلك، لقد مر ذلك الخطر إذ لشد ما تغيرت آستغيك.‏

هوذا العجوز يغطينا جميعاً ليمنع عنا الخطر في هذا العالم، ولو للحظة، للحظة واحدة فقط.‏

أطلق عمر الأعور زعقة. لم تعد شتائمه وأوامره تصل إلى سمعنا ووعينا. يرد عليه العسكريان، السائران في المقدمة، وكذلك الفارسان على يمينه ويساره، ونلحظ كيف تبطئ الصفوف الأمامية خطواتها، وتسقط على الأرض، تلتصق بها. لقد تكرم جلادونا باستراحة. هاهم يقتعدون الأحجار، ويضعون البنادق على ركبهم، ويلقون أعنة الخيول على أكتافهم. إنه يطوقوننا، لكي لا يخطر الهرب على بال أحد. ولكن من يستطيع أن يهرب؟ فالألم يهد أرجلنا وأجسامنا.‏

الشمس حارقة. والذباب يحط على الوجوه المتورمة، والجروح. وغير بعيد عنا، وراء القصب، يترامى خرير ماء. إنه الصيف. خرير ماء يجري من الجبال إلى الحقول مخترقاً الوادي كله. يحبو حفيد الجدة صالبي نحو أدغال القصب، ويغريه خرير الماء.‏

ـ فاغانيك ، فاغانيك، تناديه الجدة بصوت ضعيف.‏

دوت طلقة من بندقية عمر، فتجمد فاغانيك، زعقت الجدة ماري كطير ذبيح. ينزل أومباشي بندقيته، ويضعها بين رجليه. وبعد ثانية يتململ فاغانيك، ويحبو إلى الأمام مرة أخرى.‏

خرير الماء مثل الموت، لا يقهر..‏

ـ لك الحمد يا الله، يهمس العجوز أوهان ـ الحمد لك لأنك أنقذت هذا الطفل البريء إذ سلبت الطاغية نور عينيه...‏

رفع عمر البندقية من جديد، ولكن عسكرياً وقف أمامه:‏

ـ انظر إلى السماء يا أومباشي....‏

يترامى خرير الماء، مثل رنين صاف ينبعث من ناقوس صغير.‏

يختبئ فاغانيك.‏

ـ صبراً أيها الصبي، أفديك بنفسي يا نجيمتي.. ـ يهمس العجوز.‏

لقد أغمضت عينه اليسرى، فيما تزداد اليمنى ورماً، محتقنة بلون قرمزي تحت حاجبه المشقوق. وها هو مرة أخرى يتمتم بالدعاء، منحنياً إلى الأرض، مثلما كان يفعل هناك، أمام كرسي الوعظ في كنيستنا الصغيرة.‏

هاأنا أغمض عيني، فيخيل إلي أنني أسمع خلجات الحروف في نشيد الفتاة الغامضة.. ينطلق ذلك النشيد من تحت قباب كنيستنا، ويطير في أعقابنا، ليدركنا هنا، وينطفئ مختلطاً بخرير الجدول.‏

انكشف هذا السر متأخراً.. فذات مرة اشترى لي أبي ثياباً جديدة، وقال إنه سيأخذني إلى المعلم ساهات، ليعلمني الكتابة والقراءة. كان يحكي أن المعلم ساهاك جاء من ايتشميادزين التي تلقى فيها العلم. كان يتمتع بصوت طيب رخيم، وكان يحب الغناء. يغني في الأعياد والأعراس وحين يصاحب تلاميذه إلى النزهات. كانوا يتوافدون من جميع القرى المجاورة، ليستمعوا إليه. وها صوته الآن، بعد خمسين عاماً، يتردد في سمعي:‏

"أين تمضي أيها الغرنوق؟ قل لي،‏

إنما صوتك أقوى من كلامك.‏

أفلا تحمل يا غرنوق من أهلي‏

ولو بعض سلام في جناحك؟"‏

بل وكيف كان يغني "أنتوني"(2)‏

كيف كان يغني هذه الأغنية!‏

إن قلبي مثل تلك البيوت المدمرة....‏

إذن، كان على المعلم أن يعلمني القراءة، والكتابة، والغناء. لقد كنت على قدر من الاضطراب حرمني النوم. وفي الصباح الباكر أخذني والدي من يدي، وقادني إلى المعلم. يبدو أنه كان في انتظارنا. كان جالساً إلى جانبه ابن له يكبرني بسنتين، أو بثلاث سنوات، يرتدي سترة حمراء، وسروالاً أحمر، وصندلاً أحمر، وعلى رأسه طاقية زرقاء. كنت أراه لأول مرة.‏

وكان يقال إن ابن المعلم لا يخرج من البيت، يقرأ ليل نهار. كان الصبي ساحر الجمال، أشقر، أزرق العينين، ناري الشعر، وكانت بسمته تشع دفئاً.‏

حين عرف المعلم ساهاك أنني لا أعرف الحروف، داعب رأسي، وربت على خدي، قائلاً:‏

ـ سنفعل هكذا يا هيرونيك. في البداية سيعلمك آرام الحروف في البيت، وبعدئذ تأتيني إلى المدرسة، حسناً؟‏

ألقى ابن المعلم عليّ نظرة طيبة، وابتسم لي برقة.‏

بدأت أتعلم بحماسة، وكنت دائماً أتخيل الحروف الأرمنية، وعيني آرام المتقدتين آنذاك. كنت مفتوناً تماماً بسحر آرام، وكنت مستعداً لكل شيء كرمى له. فلو أنه يأمرني بالانكباب على الدراسة، لا في النهار فقط، بل وفي الليل، لسهرت الليل بطوله، أراجع الأبجدية. ولو أراد أن ألقي بنفسي عن صخرة في الوادي، لنفذت ذلك دون تردد. كان الجلوس بقربه، وتلبية ما يمليه من واجبات، والاستماع إلى صوته، والنظر ـ مجرد النظر إلى وجهه ـ نعيماً بالنسبة لي.‏

ولكن هاهي جيوش عبد الحميد تنتشر على الطرف المقابل من الوادي مرة أخرى، فتلف قريتنا سكينة ثقيلة، متوترة. لقد كرروا نهب العجول والأغنام من حظائرنا وزرائبنا، وراحوا يشوونها على النيران، ويطبخونها في قدور نحاسية كبيرة.‏

لزمت القرية الصمت، ونهضت مبكراً على جري عادتي، فغسلت وجهي، وسرحت شعري، وتأبطت كتابي، استعداداً للسير إلى المعلم. لا تذهب اليوم يا هيرونيك، ابق في البيت ـ قالت أمي وهي تنظر إلي بتوسل، إلا أنني لم أطعها، وخرجت راكضاً، فقد كان آرام بانتظاري.‏

غير أنه لم يكن في البيت.‏

ـ أنا من سيعلمك الآن يا هيرونيك ـ قال المعلم ساهاك برقة ـ فقد سافر آرام إلى روسيا.‏

ارتبكت، ووقفت كالمسمر. حتى إنني لم أسأل، متى سافر، ولماذا؟‏

ـ لقد سافر إلى إتشمايادزين ـ أضاف المعلم ـ إلى المدرسة الدينية... اجلس يا هيرونيك وافتح الكتاب...‏

منذ ذلك اليوم وأنا كمن جردوه من لسانه. لقد اختفت حماستي للدروس. ولم يسعفني ترغيب المعلم، ولا ترهيب الأب بأن يرسلني إلى الجبال راعياً. إذ كنت راغباً من تلقاء نفسي بالهرب إلى الجبال. فبعد رحيل آرام لم أعد أذكر ما تعلمته بالأمس، وكنت في الغد أنسى ما تعلمته اليوم.‏

كنت أرتدي ثيابي، فأنسى أن أزررها، ولا أنظف حذائي، لا أتمشط بل ولا أوضب بيدي شعري العنيد. كل ما كنت أفعله من قبل كان كرمى لآرام.‏

هكذا انقضت شهور. وذات مرة، قبل الغروب، تعالى رنين نواقيس كنيستنا بعد صمت طويل. كان ذلك يوم ظهور العذراء المقدسة. وصلت راكضاً، فوجدت الكنيسة تغص بالناس. وفي المقدمة، بالقرب من كرسي الوعظ، لاحت لحية العجوز أوهان الثلجية البياض. ظهرت الفتاة على كرسي الوعظ فأحنى الجميع رؤوسهم، وشرعوا يرسمون شارة الصليب.‏

نظرت إلى الحشد، كم كان في تَيْن العينين من طيبة، وبراءة، ورقة إلهية، وشفقة، ورحمة! لكأنها هبطت لتوها من السماء، كي تخفف على الأحياء في الأرض عذاباتهم وآلامهم.‏

كانت عاقدة يديها على صدرها، رافعة عينيها إلى السماء، وارتعشت شفتاها:‏

ـ رحماك يا ربنا...‏

خفق قلبي، ودبت رعشة في جسدي. نظرت إليها مسحوراً، ناسياً العالم كله ونفسي. شرعت تغني. شد ما كان صوتها أليفاً، حميماً، صافياً، رخيماً، وغير أرضي. كانت نظرتها مشرقة بنور سماوي، وجسمها الرشيق مدثراً بثوب راهب رقيق أسود. تجمد الجميع كأحجار، وهم ينصتون إليها.‏

كانوا قد نسوا كل شيء: المصيبة، والأهوال، وغارات الحميديين وجباة الأتاوات...‏

لقد ارتقى الناس بنفوسهم إلى السماء.‏

راحت تغني، وذراعاها مبسوطتان نحو الأعالي، تغمض عينيها تارة، وتفتحهما تارة. كانت تنظر من خلال شقوق النوافذ الضيقة إلى زرقة السماء الصافية، تتوسل العون والخلاص. صورتها غير الأرضية، وأصابعها البراقة كالشموع، ونظرتها الضبابية، وشفتاها الورديتان، الراعشتان، كل ذلك كان واعداً من له أذنان ليسمع، ومن له روح ليصدق، ومن له قلب ليأمل.‏

وقفت دون حراك حابساً أنفاسي. وخيل إلي أنها تتمنى للجميع الطمأنينة، والسلام، وتنظر إلي، مكورة عينيها الزرقاوين، فيما صفحتا أنفها الرقيقتان تختلجان... أصابني الرعب، وأغمضت عيني، خشية أن أنظر إليها. وبلمح البصر تبدلت صورة الراهبة فرأيتها في سترة صفراء، وسروال مشمشي، مرتخ على صندل أحمر، وشعرها ناري، ملموم تحت قبعة.. العينان الشفتان الصوت!.. كل شي متطابق. أفتح عيني، فإذا بها تنظر إلي أيضاً! يتمزق قلبي، فأخفي وجهي في كفي، وتنطلق صرخة من صدري، أبكي، أنشج...‏

يخرجونني من الكنيسة. أهذي الليل كله. وفي الصباح أرى، بالقرب من سريري، أبي والمعلم ساهاك. والعبرات تخنقني..‏

ـ هورينيك، مالك تبكي يا ولدي؟ ـ يسألني أبي.‏

لا أستطيع التغلب على دموعي، ويسألني المعلم ساهاك، لماذا أبكي.‏

يعرفان كل شيء، ويسألان.‏

لقد عرفت الفتاة التي تغني في الكنيسة فبكيت، لأنني خدعت أيام كنت أذهب إلى الدروس عند آرام، دون أن أعرف أن آستغيك هي ابنة المعلم. بكيت لأنني خدعت بالقول إنه سافر إلى روسيا، بكيت لانكشاف سر "العذراء المقدسة". لم يعد في مقدورهم الآن أن يخفوا عني. يعترف المعلم ساهاك، ويأخذ عهداً مني بحفظ السر.‏

بعد أسبوع قرعت الأجراس من جديد، داعية إلى الصلاة.‏

كان ذلك أيضاً يوم ظهور العذراء المقدسة. إلا أنها بدت لي الآن نجمة تشعشع بعيدا، فلا يصلني منها إلا وميض، فيما تظل هي بعيدة، لا تنال.‏

.. ويتهيأ لي أن هذه الطرق المغسولة بالدم، هؤلاء العساكر المتوحشون الذين يسوقوننا، والفتاة المنهكة التي تتجرجر إلى جانبي ـ وكانت حتى الأمس بعيدة المبتغى ـ كل ذلك حلم، حلم كابوسي لا يقظة منه.‏

هاهم مرة أخرى يسوقوننا عبر أدغال القصب. ليس صحيحاً أن أقول إنهم يسوقوننا كالقطيع، كلا! فالبهائم لا تتلقى الضرب، أو تسام العذاب على هذا النحو، بل يخاطبونها بكلمات رقيقة، يربتون عليها، لتسرع خطاها إلى المراعي الوفيرة، حيث النعيم والسكينة. أما نحن فنساق، لا نعلم إلى أين.‏

انتهى دغل القصب. يستدير العسكر بجيادهم، ويمضون صعداً، عبر سفح الوادي، وها نحن الآن نرى السائرين في المقدمة بكامل قاماتهم، نرى الأسمال الملطخة بالدم على ظهورهم، وقذالاتهم المنتفخة، وأرجلهم الممزقة...‏

وفجأة تظهر في أعلى السفح، عند طرف الوادي في زرقة السماء، قبة من حجر. وكلما تقدمنا في صعودنا، ازدادت ارتفاعاً في السماء... إننا نزحف، فنعثر، ونسقط، تتشبث أيدينا الواهنة بالأحجار، والشجيرات ساعين إلى الأعلى، حيث يمتد العالم الواسع، والحقول المشمسة، والآفاق الوضاءة.‏

وها قد طالعتنا، بكامل بهائها، كنيسة مشيدة بأحجار من نار، يتوهج كل حجر منها تحت أشعة الشمس الساطعة. وعلى إفريز القبة، حطت حمامات رمادية الأجنحة، تهدل وتناغي، وهي تنظر إلينا باستغراب.‏

ظهيرة هادئة. السماء والأرض ساكنتان. وبعيداً، وسط الحقل، يمتد شريط فضي، يترقرق جارياً من الشرق إلى الغرب، نهر الفرات، نهرنا أراتسان الذي يصل إلى هنا من حقول باغراياند، مستقبلاً في طريقه الجداول الصغيرة والكبيرة، مغيراً اسمه في هذه الأماكن، أما القمة الثلجية فهي جبل سبيان الأبدي.. في السماء اللازوردية، الشفافة، يسبح الحمام، جاهلاً ما يدور على الأرض من شرور.‏

وفجأة أطلق عمر الأعور النار، فهوت حمامة، بخفة ريشة، عن إفريز القبة، وسقطت قرب جدار الكنيسة، تلألأت قطرات دمها القاني على العشب المخملي. وهاأنا، بعد مضي نصف قرن، أرى دم تلك الحمامة الآن..‏

ورغم وحشية صراخ الأعور عمر أومباشي، رغم صفير سوطه، وهو ينهال على ظهورنا، فإننا تحركنا ببطء، وأبصارنا معلقة بالكنيسة ذات القبة الحجرية المدورة. خيل إلينا أن معجزة ستقع بين لحظة ولحظة، أن الكنيسة ستعمي الجلادين، وتشل أيديهم وأرجلهم، وتسلبهم عقولهم. ثم تطفو رغوة على شفاههم، وقد جنوا، وراحوا يتعذبون، ويجأرون كالوحوش الجريحة. أما نحن، فنتخلص من مخالب الغربان، ونعود كالطيور الحرة، إلى بيوتنا، لنجد أهلنا وذوينا، فنلاطفهم، ونؤانسهم.. ويعود المعلم ساهاك إلى القرية. وعلى كرسي الوعظ في كنيستنا، تظهر الفتاة المعجزة أمام الناس. ويهطل وابل من المطر، فيتدفق الماء قوياً في وادينا، ثم ينتصب فوقنا قوس قزحنا الجميل، الكبير، بألوانه السبعة.‏

كنا نقترب من الكنيسة، ولم يبق إلا القليل، لنمر بالقرب من جدرانها الساطعة، وإذا بالعجوز أوهان ينفصل عنا فجأة، وبخطوات سريعة، مذهلة الخفة، يدنو من باب الكنيسة، فيخر على ركبتيه، ويبدأ يصلي، ناطقاً حروف كل كلمة بوضوح، وهو يرتل بصوته المتهدج، العجوز:‏

ـ أيتها الكنيسة المقدسة، ها أنا أقدم نفسي قرباناً لأحجارك وبلاط بابك.. فأنقذي هذه الأرواح الفتية البريئة.. قرباناً لك، ولعظمتك...‏

حدث ذلك كله بقدر من السرعة والمباغتة، جعل العسكر وعمر أومباشي نفسه يتوقفون لحظة، كالمسحورين. وكالأحجار تجمد حشدنا أيضاً.‏

أنهى العجوز أوهان صلاته، فقبل الأرض، ورفع رأسه صوب قبة الكنيسة، باسطاً يديه نحو السماء، متضرعاً:‏

ـ أغثنا أيها العادل الرحيم، يا من ترى كل شيء، أغثنا!...‏

ما يزال حتى الآن ماثلاً أمام عيني، ذلك النصب التذكاري للعذابات والآلام، هكذا هو محفور في روحي، يعجز عن تحطيمه أي شيء، لا الزمن ولا الشمس، لا الريح ولا المطر، ولا العواصف ولا شيء.‏

مرت لحظة الذهول، وصحا جلادونا. نحن أيضاً ثبنا إلى رشدنا فأحسسنا بجلال هذه الدقائق التي أنعشت أرواحنا الخامدة، بجلال كل الرعب الذي هزنا.‏

انفجر عمر أومباشي، فلسع حصانه، واستل سيفه المعقوف من غمده، وتهيأ للانقضاض على العجوز، وهو يصلي. إلا أن الحصان لم يتحرك، وتشبثت حوافره بالأرض. وعبثاً راح عمر يوجه اللسعات والصفعات للحصان، فقد ظل ثابتاً كالجماد. خيم علينا الذهول.‏

وها مفاجأة جديدة. إذ بوثبة واحدة، أوقف مساعد عمر حصانه بالقرب من الخيال الأعور، وتمتم له بصوت مرتجف، مفعم بالرعب:‏

ـ إياك أن تمسه يا أومباشي.. إنه يناجي الله. تجمد السيف المعقوف بيد عمر في الهواء.‏

ـ انقلع ـ فح أومباشي ـ سأقتلك بدلاً منه يا أمزو!‏

انخطف لون الكردي أمزو، فابيض لونه.‏

ـ انظر إلى السماء يا أومباشي، إن الله يرى...‏

لم يكن العجوز أوهان يسمع أو يرى من ذلك شيئاً. حقاً لقد ارتقت روحه إلى السماء، وكان يناجي الله الذي لم يخالجه الشك بوجوده أبداً، وظل مؤمناً بحسابه العادل حتى وهو يرى الأتراك يعذبون أهله ويقتلونهم جميعاً، ولم يبق من عائلته الكبيرة غيره. كان آخر آماله ومقدساته في عالم الخطيئة هذا متجسداً في استغيك، ومن أجلها توجه بدعائه إلى السماء العادلة، كي تنقذ "الأرواح البريئة".‏

تجمد السيف المعقوف بيد عمر في الهواء، وبريقه الأزرق يتلألأ فوق رأس أمزو.‏

طارت عن الإفريز حمامتان، ثم تبعتهما ثالثة. حطت إحداهما على كتف العجوز، وهو يصلي، بينما حطت الأخريان على العشب، قريباً من الحمامة المقتولة.‏

أنزل عمر سيفه، وأعاده إلى غمده ببطء. همس أمزو بكلمات كأن عمر لم يسمعها جيداً، فأرخى العنان، ونظر بعينه الوحيدة، ببرودة ولا مبالاة إلى الحمامة التي ناغت زميلتها الميتة، وإلى أوهان العجوز، وظهره الممزق ضرباً، فيما رأسه راقد على البلاط الأملس، عند مدخل الكنيسة.‏

أطرق الجلاد مفكراً.‏

وتجمد الأعور عمر أومباشي طويلاً في وقفته هذه، مثلما تجمد سيفه المسلول، قبل دقيقة في الهواء الصافي.‏

كان جسم أوهان العجوز بلا حراك، ظهره مقوس، وجبينه ملتصق بالأرض المبلطة.‏

التصقت آستغيك بكتفي، وراحت تردد "المزامير" همساً. فسرحت نظري، أجيله في الحقول البعيدة، وشريط الفرات الرقراق، وقمة سيبان الثلجية البياض تارة، وجسد أوهان المطروح أمام الكنيسة طوراً.‏

هبطت على العالم سكينة لا نهائية.‏

شد عمر أومباشي الزمام، واستدار بالحصان نحونا. كان وجه عمر الأعور مقلوب الملامح، ينطق بالرعب. وكان التجويف الباقي مكان عينه المشوهة شبيهاً بهوة مظلمة، مرعبة. فيم كان يفكر في تلك اللحظة؟ يصعب القول. أفرط في إطالة النظر إلينا هكذا، وفجأة صرخ، وجأر، ملوحاً في الهواء بسوطه القاتم، كأفعى سوداء، فاندس حفيد الجدة صالبي بين الحشد خائفاًً، وحميت آستغيك بظهري.‏

انطلقنا، ونحن نتلفت وراءنا، إلى جسم العجوز، وقد التصق وجهه ببلاط أرض الكنيسة.‏

ـ أطلق النار على رأسه، واتبعنا! ـ صرخ عمر أومباشي.‏

ـ إنه ميت ـ رد أمزو، بعد أن هز العجوز من كتفه مرة أخرى ـ ميت...‏

تهاوت آستغيك على كتفي، وتقصف شيء ما في أعماق قلبي.‏

قبل قليل كنا نسير إلى الموت حشداً واحداً، ولكننا كنا نسير تحت حماية إنسان كبير الروح. وها قد تيتمنا الآن.‏

ها قد تيتمنا الآن.‏

عادوا يسوقوننا من جديد، بعد أن هدأ الجلادون. فإما أنهم تعبوا، وإما أن تأنيب الضمير الذي خلفه موت العجوز أوهان أثر في نفوسهم الشريرة.‏

كنا نلوذ بالصمت نحن أيضاً، فلا تنهدات ولا أنين. كثيراً ما رأينا الموت، إلا أننا، هذه المرة، كنا قد نسينا قدرنا المحتوم، ومشينا كأننا في تشييع جنازة. فقد مات العجوز أوهان الذي يخيل أنه كان دائماً، ومنذ بدء الخليقة، يرافق الأجيال ساعة المحن...‏

كان قلبي يتمزق، ولكنني تمالكت نفسي، وجاهدت كي أبعد الشبح.. تارة يقف عند كنيستنا، وبلحيته البيضاء الجليلة على صدره، يستمع إلى "مزامير" الفتاة المعجزة، وتارة يسير بجانبنا، يحمينا بصدره، وطوراً يخر على ركبتيه، فوق الجرف، عند الكنيسة، "يناجي الله".‏

كانت تمتد أمامنا حقول فسيحة، ووديان تغطيها الزهور، ومروج خضراء، ومستنقعات مجللة بغلالة دخان شفاف، أزرق. وفي الفضاء تغرد قبرات، وتفر من تحت أقدامنا طيور السمان والفري. كان الجز مفعماً بعبق العسل والنعناع البري.‏

كنت أرى ذلك كله، أحسه بينما يجول في خاطري ذلك العالم الذي يغادرنا، ويختفي، ويموت. وكانت تنفصل عن ذلك العالم الكبير، الغارب، وجوه، وتنتعش مشاهد.. ذلك هو بيت المعلم ساهاك. وآرام جالس على البساط، في سترته الحمراء وطاقيته الزرقاء، يبتسم لي بعينيه الشهلاوين العجيبتين. وأنا لا أعرف أنه بنت، لا أعرف أنه آستغيك. وها هو يوم ظهور القديسة العذراء. إنها تظهر في كنيستنا بثوب راهبة أسود. ترفع وجهها الملهم نحو السماء، وتنشد بحرارة. إنها قديسة هبطت من السماء للتو، ولم تتبدد الغيمة عند قدميها بعد. وأنا أعرف أن تلك القديسة هي آرام.‏

إلا أن كل شيء يتشابك في ذهني الآن، فيختلط آرام وآستغيك في واحد. يختلطان وينفصلان، ثم يختلطان وينفصلان من جديد. وهذه التي تسير إلى جانبي، كأنها ليست آستغيك، بل فتاة ثالثة، حقيقية، ملموسة كثوبها المهلهل، وخفيها الممزقين في قدميها.‏

لقد مرت الأحلام، وزال الغموض، وبقي الواقع الفظ الخشن. والعجوز أوهان هو آخر الأحلام...‏

أسمع صوتاً ما... ثمة من ينطق اسمي، يتحدث معي.‏

ـ هورين.... أفق يا هورين!...‏

ومرة أخرى:‏

ـ أفق!.. اقبض على يدي يا هورين...‏

إنها آستغيك. ابتعدت عنها بضع خطوات. إنها تترنح، تخطو بصعوبة، وتوشك على السقوط، إن لم أسندها.‏

تستند آستغيك على كتفي من جديد، وبعد صمت قصير، تسألني بجدية تامة:‏

ـ الحياة أم الموت يا هورين؟‏

أتخدر متعجباً.. أحقاً أخذت تفقد عقلها؟‏

صوت...‏

إنه صوت آرام، عندما كان يعلمني الكتابة الأرمنية. إنه صوت آستغيك الحزين، حين كانت تظهر في ثوب قديسة راهبة.‏

"الحياة أم الموت؟..."‏

بوسعنا أن نموت، ولكن هل بوسعنا أن ننجو من الموت، حتى ولو أردنا؟...‏

مشينا ببطء صامتين عبر المروج وتخبطت أقدامنا في المستنقعات، فكنا نقتلعها منها بصعوبة. لم يعد عمر أومباشي يصرخ، أو يسبب أو ينهال علينا بالضرب. ولم يعد حصانه الأشقر يصهل كسابق عهده، أو يدق الأرض بحوافره، وكفت نظراته عن التطلع بعيداً إلى الحقول المترامية، الواسعة.‏

"الحياة أم الموت؟..."‏

هل كانت آستغيك تنتظر جواباً على سؤالها، أم كانت تسائل روحها، إرادتها، قلبها الذي ربما كانت ما تزال في أعماقه ومضة أمل خافته، وبعض شرارة إيمان دافئة.‏

كانت الشمس تدنو من الغروب، والجبال تلقي ظلالها العملاقة على الحقول والوديان. كانت ذراها تلتهب، كأنها نيران حقيقية، كبيرة. وكانت السماء على مدى رحابتها حمراء قانية.‏

اقتربنا من قرية منهوبة أحرقت هاهي بيوتها الأولى.. ثمة قطان أشعثان، يموءان على سطح مستو، أخضر. وبالقرب من الحظيرة عجلة هزيلة، تنظر إلينا، وتخور شاكية. كيف كتبت لها النجاة في هذه القرية المنهوبة؟ استمرت وقتاً طويلاً تطلق خواراً مديداً، كأنها تنادي صويحبات لها، سرقن، أو ذبحن.‏

كانت تنتشر في جو القرية رائحة كريهة، تشتعل بقايا أعمدة سقوف البيوت، تترمد الثياب الرثة، وتتفسخ، وتنتن الجثث المبعثرة، والعظام المتفحمة. لم أنظر إلى جثث القتلى المطروحة في الطرق القريبة من البيوت تحت الشمس الحارقة.‏

ما تزال العجلة تخور وتخور.‏

أطلق الجنديان، السائران في المقدمة النار عليها، فسقطت أمام باب الحظيرة، المفتوح على مصراعيه، وتخبطت طويلاً، وهي تضرب رأسها بالهيكل المتفحم.‏

دفعوا بنا إلى الحظيرة، لنبيت فيها الليلة. يحل غسق المساء، ويلف الظلام الأرض شيئاً فشيئاً. يجر العسكر الأخشاب المتفحمة فيلقونها وراء الباب، ويسندونها بالأحجار.‏

نتساقط على الأرض، كأننا نهبط قبراً عميقاً، مظلماً. لقد بقي العالم الحي في الجانب الآخر، وها نحن في عالم الموتى.‏

أحكمت إغماض عيني، محاولاً أن أغفو، ولكني لم أستطع. كان جسمي كله ينبض بالألم. نخر حصان عمر وراء الباب، وانقضى بعض الوقت، وأنا ما أزال أطلب النوم. تعالت في الباحة أصوات الشرر من نار يبدو أنها كبيرة جداً. كان وميض لهيبها يصلنا، مخترقاً شقوق الأخشاب والأحجار. وما لبثنا أن بلغتنا رائحة لحم يشوى على النار.‏

هل كان ذلك مجرد ليل عبر في حياتنا، أم كان دهراً كاملاً من الكوابيس؟ خيل إلي أن الشمس لن تشرق أبداً، وأن العالم غرق إلى الأبد في ظلام دامس.‏

في الليل قصف الرعد، وأطلقت الأرض دوياً وهديراً، ثم صبت السماء وابلاً من المطر، ففاضت الأنهار.‏

تسرب البرق عبر الطاقات في السطح، فأضاء الحظيرة الطويلة.‏

وللحظة واحدة رأيت الجدة صالبي، كانت تصلي، ويداها مبسوطتان إلى الأعلى. ثم رأيت آستغيك. كانت مستلقية على ظهرها، يداها معقودتان تحت رأسها، وهي تغط في نوم عميق، بالغ الهدوء، ولا تسمع رعد السماء، ولا اهتزاز الأرض.‏

استمر الرعد والبرق حتى الصباح، فأزاحوا الأخشاب والأحجار من وراء الباب، وأخرجونا من الحظيرة.‏

لقد هاج العالم الذي كان بالأمس وضاءً ودافئاً، فانقلب بارداً متجهماً ورطباً. واندفعت في أزقة القرية سيول عكرة من مياه الأمطار، جارفة أكوام الوسخ والأخشاب والجثث..‏

وبصرف النظر عن الجو الملبد بالغيوم، كانت آستغيك اليوم منتعشة بل وبدت مرحة، تمشي بخطوات واثقة، رشيقة، ولا تتكئ على كتفي.‏

رأيت في ضوء البرق وجهها، وعينيها الحالمتين، وجبينها الوضاء الذي تدلت عليه خصلات شعرها الذهبي، كأنها ألسنة اللهب. ما الذي حدث في الليل؟‏

كانت تسير الآن إلى جانبي، بوجهها الملهم، تلك الفتاة التي كانت تظهر معجزة على كرسي الوعظ في كنيستنا، "وتصعد إلى السماء"، فتمنح الناس الأمل، والإيمان، وعجيب الأحلام. رأيت أيضاً تَيْن العينين المتقدتين نفسيهما، المفعمتين حزناً، و الحكمة الأثيرية نفسها في نظرتها الألقة.‏

وكلما نظرت إليها، كانت موجة دافئة من الإجلال تغمر قلبي، رغم أن جسدي الممزق كان ينضح ألماً، ورأسي يتصدع، ويؤلمني ما في قدمي من جروح مبللة بماء المطر البارد.‏

وحين كنت أبطئ الخطو، كانت آستغيك تشجعني، وتقنعني بألا أقنط، وبأن أستجمع آخر قواي، وأتابع السير.‏

انسدت الآفاق أمامنا، ولم تعد قمم الجبال تظهر وراء الظلمة الرمادية وكانت الحقول غارقة بمياه الأمطار التي لم تتوقف عن التدفق طوال الليل.‏

راحت آستغيك تهمس، مرددة كلمات العجوز أوهان:‏

ـ امش يا عيرونيك، امش، إن الله يمتحننا، فلتصبر...‏

لقد أخذت على عاتقها مهمة الشفيعة والمواسية.‏

ـ لا تبك يا فاغانيك، لا تبك يا أخي الصغير، سنصل قريباً، ما إن نتخطى هذه الهضبة.. تنطق هذه الكلمات المواسية، الرقيقة، وهي تأخذ الطفل من بين ذراعي الجدة صالبي.‏

"ولكن إلى أين سنصل؟ وأي هضبة تلك؟"‏

أي أمل ذلك الذي حل في روح آستغيك، وأي نور تسرب إلى أفكارها من تلك السماء الملبدة بالغيوم؟‏

كان الرعد يقصف، والسماء تنشق، فتردد الجبال والوديان الصدى بآلاف الأصوات. وكانت كل ومضة برق تكشف عن مروج، ووديان غارقة بالماء سرعان ما يغمرها ظلام دامس.‏

أما نحن، فكنا نغذ السير.. وحيوية الصباح لا تغادر آستغيك، فقد كانت تفيض نشاطاً. لكأن البرق والرعد كانا يروقان لها، ويبعثان في نفسها مزيداً من الحيوية والطاقة. شيء غامض كان يعتمل في داخلها.. ثم تكشف لي السر فيما بعد، عندما تكلمت هامسة:‏

ـ لقد رأيت الليلة حلماً جميلاً يا هورين.. كان حلاً طيباً.. فقد كتبت لنا الحياة يا هورين..‏

سألتها:‏

ـ ماذا رأيت؟‏

ـ رأيت غيوماً بيضاء ووردية. رأيت حصاناً نارياً أحمر، وعليه سرج ذهبي.. كان حلماً طيباً يا هورين. فالحصان هو الحلم المنشود!..‏

تخلفنا عن الجماعة التي في مقدمة القافلة، مأخوذين بالحلم السعيد الذي رأته آستغيك. وأز سوط عمر، وهو يلسع ظهر الفتاة بقوة. أطلقت آستغيك صرخة موجزة، ورأيتها تسقط بوجهها على الأرض الموحلة.‏

انحنيت فوقها، وإذا بضربة السوط الثانية تصيب رأسي، ثم أعقبتها أخرى وأخرى.. خيل إلي، وكأن ضربات السوط بروق، وهي تشق كتفي ورأسي ووجهي.. كانت تحرقني.‏

ثبت إلى رشدي، بعد أن أخذتني الجدة صالبي من يدي، ومضت بي خلف المجموعة.‏

ـ أين آستغيك يا صالبي؟ ـ قلت فأغلقت صالبي بيدها فمي الدامي.‏

ـ امش يا بني، امش!..‏

ـ أين آستغيك؟ ـ صحت كالمحموم.‏

ـ تتقدمنا ومعها فاغان.. اصمت، ولا تنطق اسمها..‏

شرع الظلام الدامس يصبح حليباً يهبط من الجبال، وينتشر في الحقول والوديان، ويلف سفوح الجبال والفجاج، ويغطي الممرات الضيقة بين الصخور والتجاويف والقرى المنهوبة والطرق الدامية.‏

أسرع خطاي لألحق بآستغيك، فأراها وتراني أسرع لتراني دامياً من رأسي إلى قدمي ولا أسقط، لا أموت، أظل حياً...‏

أدركت الجدة صالبي قصدي، فلم تترك يدي.‏

ـ هورين، يبدو أن الكلاب شموا رائحة الفتاة.‏

حدث شيء ما خلال الدقائق التي أغمي علي فيها. لقد خفنا أن يتبين عمر الأعور حقيقة هذا "الصبي الأشقر"، ذي الثياب المهلهلة.‏

ـ كف يا هورين...‏

كان المطر يتناثر رذاذاً خفيفاً، رتيباً لا ينتهي، يتدلى في الجو غشاءً رفيقاً رمادي الزرقة، يسد أمامنا الآفاق.‏

لم نكن نعرف، إلى أين نساق، ولا أين يبدأ أو ينتهي العالم، مثلما لم نكن نعرف مصيرنا القاسي، التعيس.‏

توقفت الصفوف الأمامية، تنادي الجنود تملك السعار عمر أومباشي، وهو يهمز حصانه ويسوطه، ويطلق أقذع الشتائم. فانكمش حشد المعذبين، وتراص حتى غدا جسماً واحداً أنهكته الآلام والضرب.‏

كان الضباب يتبدد تارة،ويتكاثف تارة، فيما المطر يتساقط قطرة قطرة على وجوهنا المتورمة، وعيوننا المكدرة.‏

لم نكن نسير، بل نتدحرج كتلة.. لماذا؟.. إلى أين؟...‏

تبدد الضباب الحليبي، الكثيف دقيقة، فلاح النهر أمامنا، يتماوج رماداً، هادراً، يتلاطم بشواطئه الخضراء، ثم يصطدم بالصخور، متساقطاً في هاوية. وأمامنا تماماً، نهض جسر مقوس فوق النهر. كان علينا أن نسلكه، للعبور إلى الضفة الأخرى التي يبدأ منها السفح الجبلي الأخضر.‏

راحوا يركلوننا، ويدفعوننا نحو الجسر، وهم يلهبون جلودنا بالسياط، ويخزوننا بالخناجر والسيوف المعقوفة، فينطلق من أرواحنا المنطفئة ما يسبق الموت من صراخ وعويل وأنين.. دخلنا الجسر يعانق بعضنا بعضاً بجهد جهيد. همست آستغيك، وهي تلتصق بي:‏

ـ اتركني يا هورين، اتركني... خذ فاغانيك، وانقله إلى الضفة الأخرى.. لم أفهمها.‏

أضيء الجسر للحظة. وساقت الريح آخر بقايا الضباب، عابرة بها فوقنا. وتحت الجسر ظهرت هوة هائلة، مليئة بغبار رمادي. بليل. وعندئذ وقعت تلك الحادثة على الجسر، القديم القائم على الفرات.‏

انسلخت آستغيك عن الحشد، واستندت بظهرها إلى الحاجز الحجري فوق الجسر، وخلعت الطاقية، رافعة رأسها إلى السماء. ارتعشت شفتاها الشاحبتان، ورن صوتها بحزن...‏

في اللحظة الأولى لم يفهم أي منا، أو من العسكر، ماذا حدث. فقد تجمدنا جميعاً، كالأحجار، بفعل المفاجأة، والذهول، لقد نسينا أين نحن، هل على الجسر المدثر بالظلام، الجسر الذي يرعد النهر تحته هائجاً، أم في الكنيسة المضاءة بالشموع، المفعمة بعبق الطيوب والبخور، أم في أرض الجرائم والضحايا والآلام، أم في أعالي السماوات؟...‏

كان الجلادون والأسرى مذهولين، فيما صوت الفتاة الصافي، الشفاف، يملأ قلوبنا، وينداح عبر الحقول، والجبال البليلة، وفوق مياه الفرات الهائجة.‏

تطلعت آستغيك بعينيها الكبيرتين، المفعمتين بحزن، يفوق حزن البشر، نحو السماء، فبكت، وناحت. كانت الأصوات تتسلخ من قلبها الحار، ترتعد على شفتيها، وتنطلق في الآفاق. وكان يخيل أن العالم يسمع مذهولاً هذا الصوت المستغيث، المتضرع من أجل الحب، والإخاء والشفقة. تحجرنا واقفين على الجسر، مطأطئي الرؤوس، ننصت ناسين مصيرنا المأساوي، وآلامنا الجسدية، ودنو الموت. تجمد جلادونا أيضاً. كانوا ينظرون إلى آستغيك بصمت مطبق، وهم يستمعون إليها، كأنهم وحوش مسحورة. أحنى الحصان الجميل رأسه، مغمضاً عينيه الكئيبتين، متجمداً تحت خياله عمر...‏

هدأت الأرض والحجارة، والجبال والنهر. ولعل الأيل أيضاً تجمد على صخرته، في أعلى السفح، والعشب في فمه، وهو رافع رأسه، بعينيه الصافيتين، الدامعتين. وربما تكون الوحوش قد انسلت خارجة من أوكارها الرطبة، والعظاءات الهلعة أخرجت رؤوسها من شقوق الصخور.. وكل شيء، كل شيء، الحجارة والنباتات، والحي والجماد، قد أصغى إلى هذه الأغنية عن المصاب الفادح، الجلل، الذي رزئ به هؤلاء الناس.‏

تكاثف الضباب، وتعاظم المطر.‏

شدني أحدهم من كمي، وهمس بشيء في أذني. ولكنني لم أتمكن من الثوب إلى رشدي. فقد غلب الذهول إحساسي بالواقع. وهاهي آستغيك تتحول من جديد إلى حلم وتغدو منيعة، بعيدة، لا أرضية.‏

شرع الجميع يشدونني من كمي، ويهمسون لي بكلمات.‏

التفت، وأنا أستعيد رشدي شيئاً فشيئاً. رأيت الجدة صالبي، أم العائلة الكبيرة، كانت هي التي تقول لي:‏

ـ خذ فاغنيك، وامض إلى الجبال.. يا هورين!...‏

فهمت، وانصعت لإرادة الجدة صالبي. أخذت فاغانيك من يده، ومضيت أشق الضباب، عبر الجسر، إلى الضفة المقابلة. كنت ما أزال مذهولاً، أمشي ببطء، كالمسرنم، لا ألحظ العسكر، وأنا أمر بهم.‏

لم ينتبهوا إلي. أرخى الكردي أمزو العنان، وحجب عينيه بكفيه، أما العسكري الآخر، فوضع رأسه على السرج، وراح ينظر ببرودة إلى مياه الفرات السريعة الجريان. كنت أمسك فاغانيك من يده، وأنا اصعد الجبل. وفجأة لحظت أن هناك أناساً يسيرون أمامي، عبر الضباب.‏

كانت آستغيك مستمرة في الغناء، فيما المسنون والفتيان، الأمهات والأطفال، أخوتي وأخواتي، يسيرون إلى جسر الحرية هنا.‏

توقفت مع فاغانيك على الجسر العالي، خلف صخرة ضخمة. لم أكن قادراً على تحويل نظري عن الجسر، عن آستغيك.‏

وفجأة غمر النور المكان. تبددت الغيوم الثقيلة، والضباب الكثيف. وأطلت الشمس.‏

كانت باقية على الجسر زمرة صغيرة من الكسالى، تحيط بآستغيك، وهي تغني، رافعة يديها نحو الشمس المنبثقة من وراء السحب...‏

انقطعت الأغنية. استرد عمر الأعور رشده، وأدرك ما حدث فاستيقظ الوحش فيه من جديد. علا صوته بالصراخ والجئير، فساط حصانه.‏

ترجل عسكريان عن جواديهما، فأعطيا الأزمة لعسكري ثالث، واندفعا صوب آستغيك، ولحظة كانا على وشك الإمساك بها، استدارت الفتاة بحدة، وألقت بنفسها عن السور الحجري، يتقدمها رأسها إلى لجة النهر الهادرة.‏

كورت عيني، وخيل إلي أنني أسمع صوت انشقاق الماء. كان جسمي كله يرتعد، وأسمع قلبي يدق داخل صدري بجنون.. كان ضميري يعذبني. وسمعت أصوات طلقات، ثم أخرى.. فأخرى. وسرعان ما همد كل شيء. تخدر الناس والطبيعة. صمت الكون.‏

حين فتحت عيني، رأيت على الجسر جثة بشرية، وأشرق في السماء قوس قزح كبير. خطر لي أنه جاء إلى هنا من قريتنا لينظر إلينا، قوس قزحنا، بألوانه السبعة، قوس قزح الغالي الحميم.‏

(1 ) رجال السلطان العثماني عبد الحميد.‏

(2 ) بالأرمنية تعني: الشريد، من لا بيت له.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244