مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 129 شتاء 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لعبة البليارد مسرحية في ثلاث جولات ـــ فلاديمير غوباريف ـ ترجمة: عدنان جاموس

الشخصيات:‏

الأول: رجل يبدو في متوسط العمر، شبه أصلع.‏

الثاني: كهل يناهز الستين، ذو شعر بني فاتح كثيف.‏

الأخرس.‏

عازف الكمان: يظهر تبعاً لرغبة القارئ أو المشاهد.‏

الجولة الأولى‏

(صالة واسعة. عدد من النوافذ المسدلة الستائر. أريكة وكنبتان في الزاوية. طاولة صغيرة وضع عليها مصباح كهربائي. بوفيه صفت على رفوفها كؤوس وأقداح وطقم شاي؛ إلى جانبها بار. علق على الجدار بين نافذتين لوح أردوازي، وإلى جانبه طباشير وإسفنجة. تنصب وسط الصالة طاولة بليارد عصرية مزودة بجهاز لتقديم الكرات، على الجدار رفوف وضعت عليها عصي اللعب".‏

يدخل الأخرس، يشعل النور ويزيل الغطاء عن طاولة البليارد، ويمد يده إلى المصباح المعلق فوق الطاولة، ويعبث فيه قليلاً ثم يشعله.‏

(يظهر في المدخل "الأول" و"الثاني")‏

الثاني: (ناظراً حواليه) غرفة غريبة، أهي لك؟‏

الأول: بعض الأحيان أشعر برغبة في الانفراد بنفسي، هنا عزلة تامة، الحرس يبقى دائماً تحت.‏

الثاني: لاحظت ذلك. وهذا؟ (يؤمئ برأسه إلى الأخرس)‏

الأول: إنه معي منذ اثنتي عشرة سنة. منذ أن كنت في الجنوب. أنا بدأت هناك... لا يتكلم منذ الطفولة. مصاب في حنجرته، في حباله الصوتية.. أرسلته إلى إيطاليا منذ ثلاث سنوات وأجروا لـه عملية هناك، ولكنها لم تنجح، لكنه يسمع بشكل جيد. (للأخرس) شكراً. يمكنك الانصراف. سأناديك عند اللزوم.‏

(الأخرس يخرج)‏

الثاني: أنت أدهشتني... أظن أن آخر مرة تحادثنا فيها كانت في السنة الماضية.. حتى إنني لم أكن أعرف هل نتحادث بصيغة "المفرد" أم بصيغة "الجمع"!‏

الأول: نسيت على ما يبدو. لقد اتصلت بك هاتفياً مرتين في الصيف، ثم تحادثت مع زوجتك عندما كنت مسافراً إلى أميركا اللاتينية، وقد احتفلت هناك بعيد ميلادك. كنت أريد أن أهنئك.‏

الثاني: احتفلنا في السفارة مع عدد محدود من الأشخاص. السفير وبعض العاملين في مجمع "دنيا الأطفال"، تحدثوا عن أشياء كثيرة مثيرة للاهتمام؛ وتحدثوا عنك أيضاً تنبؤوا لك بمستقبل عريض..‏

الأول: السفير؟ لا... لا أذكره.. لم نتقابل.‏

الثاني: كان يعمل عندك في النقابات، ولكن ليس لمدة طويلة. رأساً أخذوه إلى موسكو. في أحد المؤتمرات أنت أعجبته فتذكرك..‏

الأول: وأنت، ألم تنسَ كيف كنا نلعب البلياردو؟‏

الثاني: في الإجازة؟ سنة أربع وسبعين على ما أذكر؟ في مصح مجلس الوزراء؟‏

الأول: سنة ست وسبعين.. في "سوتشي"... لكن ذاك البلياردو باعوه.. قبضوا مبلغاً كبيراً، شخص من "تبليسي" لم يضن بالمال.. ربما يلعب عليه الآن بعض عرابي المافيا.‏

الثاني: (يمرر يده على جوخ طاولة البلياردو) وهذا أيضاً ليس سيئاً، من يدري ربما ينتظره المصير نفسه! على كل أنت لم تقم بدعوتي من أجل استرجاع الذكريات.. دعنا ندخل إلى صلب الموضوع مباشرة، لا أحب اللف والدوران.. أوضح. نحن طبعاً لم نجتمع لنتكلم على الصداقة القديمة.‏

الأول: ولم لا؟ أنا لا أنسى أصدقائي القدامى، الجو خانق بعض الشيء..‏

(يقترب من النافذة، يزيح الستائر ويفتح الدرفتين، يتناهى من الشارع لحن حداد).‏

الثاني: ليس مناسباً... هناك حزن.. وغداً الدفن، ونحن أنفسنا أعلنا الحداد، والآن هذا.. (يومئ برأسه إلى طاولة البلياردو).‏

الأول: اعتدنا. كل عام أن ندفن.. واحداً إثر آخر..‏

الثاني: قريباً لن يعود الجدار(1) يكفي.. على كل أعدت لنا مقابر أخرى.‏

الأول: لم كل هذا التجهم؟!‏

الثاني: كان شخصاً طيباً، لا يؤذي أحداً، بل كان حساساً حتى...‏

الأول: الذين حوله كلهم سفلة، وبالتالي فهو نفسه...‏

الثاني: عبثاً تقول هذا، كان يجب أن يعيش بهناء ويفسح المجال للآخرين، ولك ولي، أليس كذلك؟‏

الأول: لا تخف، هنا لن يرصدوك.‏

الثاني: الشعب في حداد، ونحن ندحرج الكرات...‏

الأول: مكان مأمون.. هل تشرب؟‏

الثاني: ولكن أنت... أنت (يفتش عن الكلمة المناسبة) من مضطهدي، أعني من خصوم هذا الأمر.. سمعت هذا بأذني أكثر من مرة..‏

الأول: النبيذ الجيد لم أرفضه قط، لكني لا أحب المشروبات القوية، ترخي البدن كثيراً، وصباحاً تشعر أنك لست على ما يرام.. ثقل في الرأس والقدمين.‏

الثاني: من المؤسف أنك لست من "سيبيريا"! عندنا الأمر يختلف.. أنا أفضل المشروب الأقوى؛ الفودكا، أو على الأقل الويسكي، إذا توفر طبعاً... هيا نترحم، كما يقولون، على هذا الإنسان الطيب.‏

الأول: الآن سنتدبر الأمر (يقرع جرساً فيظهر الأخرس) ويسكي، والنبيذ الذي أشربه.‏

(الأخرس يختفي)‏

الثاني: هل نبدأ؟ (يومئ برأسه إلى طاولة البلياردو) جولة واحدة ـ بسيطة؛ أم نباشر رأساً بالجد؟‏

الأول: (يخلع جاكيته ويتناول العصا) لنلعب أولاً ونر كيف ستسير الأمور، ومن ثم نقرر، أنا أتطير: فإذا خسرت سنؤجل حديثنا الجدي إلى مرة أخرى.‏

الثاني: أنت دائماً تربح. طبيعتك هكذا...‏

(يدخل الأخرس. يضع زجاجتين على الطاولة الصغيرة، يملأ قدحاً بالنبيذ وآخر بالويسكي).‏

على روحه الآثمة (يشرب قدحه دفعة واحدة) وليكن التراب طرياً تحته. (يتناول العصا).‏

الأول: (ينضد الكرات على شكل هرم) بالنسبة إليه كل الأمور الآن عنده سواء، ولكن بالنسبة إلينا (يضع كرة) هل تبدأ أنت؟ أم أبدأ أنا؟‏

الثاني: سيان.‏

الأول: إذاً أبدأ أنا (يضرب الهرم) يدي أصبحت ضعيفة.. ثلاث كرات جاهز دفعة واحدة.. (يقترب من الطاولة الصغيرة، يرفع القدح، ينظر إلى النبيذ أمام النور، ويرشف رشفة) (والثاني يدخل كرتين) مقدام... يدك قوية بالفعل.. سمعت عنها كثيراً.‏

الثاني: من التقارير؟‏

الأول: عصرنا عصر المعلومات.‏

الثاني: (يقترب من النافذة ويفرد الستائر) هذه الموسيقا ترهق النفس.‏

الأول: يظل الدم الذي يجري في عروقنا دماً شرقياً. نصلي للأوثان، وحتى الدفن لا نعرف كيف نقوم به كما ينبغي، لماذا الحداد ثلاثة أيام!! لن يبكيه أحد، اللهم إلا أقرب أقربائه... شخص هرم، ومن الطبيعي أن يموت.. ونحن نحاول أن نجعل من هذا مأساة.. فإذا به يبدو مهزلة.‏

الثاني: أنت، كما يبدو، حقود.‏

الأول: لا، بل صاحٍ.‏

الثاني: (مبتسماً) إذاً لنشرب قدحاً، آخر، موافق؟ فلنقل نخب الحياة! (يرفعان قدحيهما ويدقان أحدهما بالآخر، يشرب الثاني قدحه دفعة واحدة بينما يرشف الأول قليلاً من الخمرة بشفتيه)‏

الأول: الآن أنا جاهز للمعركة (يقترب من طاولة البلياردو) سأحاول أن أدفع كرتي إلى الوسط.‏

الثاني: كرة صعبة.‏

الأول: أحاول ألا أسير في أيسر الطرق (يسدد) غداً ستجري الانتخابات. قرروا أن يكون الاجتماع موسعاً، ليس على نطاق ضيق، بل على نطاق أوسع.‏

الثاني: ولهذا طلبوا مني أن أبقى...‏

الأول: (يضرب فتسقط الكرة في الجيب) ضربة جيدة.. الاجتماع على نطاق ضيق لا يجدي، لا يستطيعون الاتفاق.. سأجرب الآن أن أضرب إلى الزاوية...‏

الثاني: هذه الكرة أسهل.. ما الذي حصل لهم؟‏

الأول: تعلموا من الدروس السابقة، البلاد ضحكت آنئذ، ألم تلاحظ ذلك؟!‏

الثاني: انتشرت نكات كثيرة...‏

الأول: كل واحد يريدها لنفسه، ولكنهم جميعاً تجاوزوا السبعين ويدركون أن لا أحد منهم لديه حظ في النجاح، الشعب هذه المرة لن يتقبل.‏

الثاني: كل ما هنالك أن نكات جديدة ستنتشر.‏

الأول: أكيد.. رسائل فظيعة تصل إلى اللجنة المركزية، والحكومة تقف على شفا الهاوية.... أليس كذلك؟‏

الثاني: إن لم يكن أسوأ.‏

الأول: الآن لا يجوز أن نخطئ، في المرة الماضية عينوا خادماً في منصب رئيس الوزراء، فأصبحوا هم أنفسهم خدماً.. كفى! (يضرب، فتسقط الكرة في الجيب) أصبحنا متعادلين.‏

الثاني: أهنئك. من المعروف أنك لست لاعباً ضعيفاً.‏

الأول: أخطاء.. أخطاء.. السنوات الماضية منسوجة من الأخطاء.‏

الثاني: ولماذا ظللت صامتاً؟ كنت ترى وتصمت؟ أنت، على كل حال، قريب جداً من العرش، نحن في الأطراف، أما أنت فقريب.‏

الأول: أقرب بقليل فقط.. الهوة واسعة جداً بين موقعي الحالي والقمة، والهوة بالنسبة إليك أوسع ـ لا يمكنك تجاوزها بقفزة واحدة!‏

الثاني: أرى هذا بوضوح لا يقل عما تراه به... وأنا، على كل، لست بهذا الوارد.‏

الأول: أيعقل أنك قررت أن تظل هكذا حتى التقاعد؟ لا يزال بينك وبين التقاعد وقت طويل.. وربما لن يمتد بك العمر إليه.‏

الثاني: سأحارب بعد، لدي خبرة العمل في الورشة والمصنع، وفي اللجنة التنفيذية لمجلس نواب المحافظة بحيث إنني في أسوأ الأحوال لن أظل بدون عمل. ثم إنني أحمل شهادة مهندس، ولن أضيع.‏

الأول: قل هذا لزملائك في الخدمة! أنت مغرور يا صديقي، مغرور، تعتبر أنك لا تزال في بداية السلم، وتصعد إلى الأعلى بعناد، ولن تتوقف.‏

الثاني: أحب العمل وأتقنه، ولا أرغب في إخفاء هذا.‏

الأول: ولماذا تخفيه؟! الغرور لدى الرجال منقبة، هل تعرف متى أدركت هذا؟ منذ أن كنت طالباً في المعهد، آنذاك حدثت لي قصة.. وقعت في حب فتاة، حمراء الشعر، مفعمة بالحيوية، قلت لها رأساً، دون مقدمات: تعالي نتصادق، فضحكت وقالت: لا... أنت من الطلاب الوسط.. وفعلاً، أنا لم أكن مجتهداً آنذاك.‏

الثاني: أشك في هذا.‏

الأول: (مبتسماً) خطايا الطفولة.. على العموم، قبيل نهاية العام أصبحت من المتفوقين، فأخذت تلك الفتاة تهتم بي، ولكنني كنت قد فقدت الرغبة في مصادقتها، بدأت أمارس لعبة كرة القدم.‏

الثاني: الصداقة مفهوم معقد.. (يلعب) هيأت لك كرة للأسف.‏

الأول: سأدخلها، لن أراعيك (يدخل الكرة).‏

الثاني: الحزم مطلوب في الحياة وفي السياسة.‏

الأول: وهل يمكن فصل إحداهما عن الأخرى؟! في رأيي حياتنا بحد ذاتها سياسة.‏

الثاني: حتى ونحن نلعب البلياردو؟‏

الأول: طبعاً.‏

(تسمع من الشارع موسيقا حداد)‏

الثاني: الشعب حزين ونحن ندحرج الكرات.‏

الأول: لقد قلنا في كلمتنا للشعب إننا سنرد على موت الزعيم بالاندفاع في العمل، سخافة، نرد على الموت بالعمل.. في أحد المصحات قرروا: بما أننا نستجم فإننا سنرد على الموت بالاندفاع في الاستجمام... نعم.. هكذا!‏

الثاني: ومع ذلك يجب أن نذهب إلى هناك، إلى منصة التسجية، سيلاحظون غيابنا، ويمكن أن.. على كلٍّ آن الأوان لإنهاء الجولة، لننتقل إلى الجد. لماذا دعوتني؟ أنت شخص مكار بعض الشيء، وهذا أمر اصبح معروفاً! هادئ، لا تلفت إليك الأنظار، لكنك داهية.‏

الأول: (يخرج من جيب جاكيته شريط كاسيت ويقترب من آلة التسجيل) إلى الجد... فليكن.. إلى الجد اسمع: هذا الشريط سجل منذ شهر.. في الفيلا.. أنت تعرف أية فيلا، اجتمع هناك ثلاثة أشخاص ليكتبوا الخطاب الذي سيلقى في عيد أكتوبر.. وبعد العشاء استرسلوا في الحديث..‏

الثاني: المساعدون؟‏

الأول: أقرب الناس إليه...‏

الثاني: أنت شخص مجازف! تسجيل حديثهم يا أخ يتطلب جرأة، مجازف حقاً..‏

الأول: هل تخاف أن تسمع؟‏

الثاني: لن يحصل خير إذا عرفوا. ومن الذي يرغب في أن يضع رأسه على المقصلة؟ وهؤلاء أناس حازمون، يبطشون رأساً، ولا أعرف...‏

الأول: الآن لم تعد هناك فرصة للتراجع. اسمع! الشريط كان عندي، وأنا وأنت كنا مجتمعين معاً، فحتى لو أنكرت أنك سمعته لن يصدقوك!‏

الثاني: مصيدة إذاً...‏

الأول: إنهم يتحدثون فيه عنك أيضاً، وعني!! أليس هذا مثيراً للاهتمام؟!‏

الثاني: (يملأ القدح ويعبه بنهم) هيا..‏

الأول: (يشغل المسجلة) في البداية الكلام غير مفهوم تماماً، على العموم الحديث يدور حول أعضاء المكتب السياسي، أولئك الذين يقفون هناك منذ مدة طويلة...‏

أصوات: (على الشريط)‏

ـ لن يبقى طويلاً، ناظم القلب لم يعد يساعده، يجب أن نتصرف.‏

ـ بالضبط، كما قلت أنا: حان الوقت لإحالة جماعتك على التقاعد في أقرب فرصة. الجيش واللجنة: قضية جدية، نحن بحاجة إليهما وإلا تزعزع الوضع...‏

ـ والبقية؟.. خمسة فقط يجب أخذهم بالحسبان، فكل واحد منهم يطمح إلى شغل المنصب الأول...‏

ـ من أين لهم؟ هرمون!‏

ـ لا تقل هذا، نهم يطمحون، يتزاحمون على الخلافة، ويحاولون التقرب ما أمكن من الرئيس.. هؤلاء تجب مراقبتهم لئلا ـ لا سمح الله ـ يسمّي أحداً منهم!‏

ـ لا يمكنه بدوننا، فهو لم يعد قادراً حتى على القراءة.. يجب أن نوحي إليه بالأسماء: نرشح الشباب، أنت، أنا، هو..‏

ـ هل تضع عينك على منصب رئيس الوزراء؟..‏

ـ لا.. هذا المنصب لك، أنا في الجيش.‏

ـ إيه، إيه، القسمة فيما بعد، الآن يجب أن ينشأ فراغ، ويجري توديع الشيوخ إلى التقاعد بالمراسم المعتادة: نجوم على الصدر واحتفالات شعبية.‏

ـ حالة الرئيس تقلقني، يزداد ضعفاً ساعة بعد ساعة.‏

الثاني: (يومئ برأسه إلى الشريط) يا سلام! استرسلوا في الحديث، الأوغاد!‏

الأول: كن حذراً، إنهم يمسكون بأيديهم كل شيء. كل الخيوط، الجهاز كله.‏

الثاني: كل واحد منهم لا يساوي فلساً ويطمح إلى القيادة.‏

الأول: السلطة بأيديهم، وهذا أخطر، ويطمح إلى القيادة.‏

أصوات: (على الشريط) ـ: البني غبي! سيفعل كل ما نقوله له.‏

ـ : اعطه زجاجة وامرأة وكفى...‏

الثاني: أوغاد!‏

الأول: هل عرفت رأيهم فيك؟‏

الثاني: وأنت سعيد بهذا!.. هؤلاء السفلة.. بيدي هاتين... (يملأ قدحه ويفرغه في فمه) لنتابع الاستماع.‏

الأول: والآن عني أنا.‏

أصوات: (على الشريط) ـ : هذا الشخص لا يعجبني، يوافق مع الجميع، داهية..‏

ـ: لن يتنطع، لأنه ضعيف! زوجته مسيطرة عليه، تحت الكندرة..‏

(صوت ضحك) ـ: لا يزال غراً.. في وقت ما كان الرئيس معجباً به.. وهو الذي قربه.. إنه ليس غبياً، ولكنه سيسير وراءنا..‏

ـ: هيا نشرب كأساً أخرى ونفترق، غداً يجب أن ننتهي من كتابة هذا الهراء. العجوز ينتظر...‏

الأول: (يوقف المسجلة) هذه هي الأحاديث التي تدور أحياناً في الفيلات الحكومية، أليست مثيرة للاهتمام؟‏

الثاني: ولماذا لا يذاع هذا التسجيل في الراديو المركزي؟!؟ لتسمعه البلاد كلها، ولتعرف القصة وما فيها، أي: أيها الشعب الكريم، استمع كيف يقتسمون السلطة التي يمارسونها عليك!!‏

الأول: الشعب لا دخل لـه في هذا، هؤلاء الناس الصغار لا علاقة لهم به.‏

الثاني: إذاً يجب أن يسمع الأعضاء الباقون هذا التسجيل، أعتقد أنهم سيصفون الحساب معهم، واليوم لا غداً!‏

الأول: سمعوه؛ ولذلك.. اليوم مساء بعد الدفن سيتقرر كل شيء..‏

الثاني: آه، هكذا الأمر إذاً كان عليك أن تقول لي هذا، أي أنك تريد أن تحذرني، وأنك مكلف بإبلاغي! بينما أنت رحت تحيط القضية بهالة من السرية: البلياردو، والويسكي، والصداقة القديمة.. أنا إنسان صريح: هؤلاء السفلة بيدي هاتين سأحطمهم! لن أبقي أحداً منهم يتنفس الهواء.‏

الأول: إذاً اتفقنا.. دعنا مع ذلك نكمل الجولة!‏

الثاني: قلبي غير مطمئن، يجب أن نذهب إلى هناك... (يتناهى من الشارع لحن حداد).‏

الأول: الرئيس لم يعد بحاجة إلى مراسم شرف، لقد حصل في حياته على كل ما كان يريده. سترته من كثرة الأوسمة أصبحت ثقيلة إلى درجة أنه لم يعد قادراً على حملها.‏

الثاني: مع أنه كان في البداية هادئاً ومتواضعاً، أذكر كيف كان في تلك السنوات.‏

الأول: ليس كل واحد قادراً على تحمل عبء المجد والشهرة، لا أعرف سوى واحد بمقدوره ذلك.‏

الثاني: لعله أنت؟!‏

الأول: إنه سقراط، إذا لم تكن قصته أسطورة، اضرب، الكرة جاهزة تماماً، الدين يحلو بوفائه.‏

الثاني: (يتناول العصا) سأدخلها طبعاً، أنا أيضاً أحب الكرات الجاهزة.. آه، يالهم من أوباش! هذا ما يستحقونه.. في الظاهر يبدون مثقفين، دمثين! أنا لم أثق قط بهؤلاء الفلاسفة، علماء السياسية، الخبراء بالشؤون الأمريكية.. يعكرون الماء ويصطادون السمك بأنفسهم، ويحرصون دائماً على اصطياد الحفش والسلمون(2)، يالهم من أوباش!..‏

الأول: القضية ليست فيهم وحدهم. فهم مجرد صور.‏

الثاني: صور لمن؟‏

الأول: لما يحدث.‏

الثاني: أنا راض، الوضع القائم يناسبني تماماً.‏

الأول: أنت تحسد على مسيرتك في ارتقاء المناصب، في الثلاثين أصبحت مسؤول المكتب الإيديولوجي، وفي الخامسة والثلاثين سكرتيراً، وفي الأربعين السكرتير الأول لإحدى أكبر اللجان المنطقية في لحزب، سرعة فضائية حقاً.‏

الثاني: اشتغلت بضمير هذا هو كل شيء.‏

الأول: وهل تراني أدينك؟ أبداً.. فقط أقول إنك تحسد على هذا. وعلى كل لا تنسَ المساعدة، كان هناك من يرعاك..‏

الثاني: أذكر هذا، وأذكرك، وأعرف أنك كنت تدعمني، ولولا هذا لما جئت إلى هنا.. في مثل هذا اليوم يجب أن يكون كل منا على مرأى من الجميع، أما أنا، فكما ترى، لبيتك من أول دعوة.‏

الأول: أقدر هذا.‏

الثاني: إذاً قل لهم إني معهم! أما هؤلاء السفلة، أشباه المثقفين، فبيدي هاتين.. أنا من "البروليتاريا"، وأستطيع أن أفعل هذا. فليثقوا بي، ولينطلوا على هذا المستقبل، كما كانوا في الماضي، ألا نسرع؟‏

الأول: يجب مع ذلك أن ننهي الجولة.. كيف زوجتك وأولادك؟‏

الثاني: البنت تزوجت، تريد أن تستقل بحياتها، تتلهف لترك البيت.‏

الأول: سنساعد، في الشهر القادم، سنسلم بناية جديدة، التصميم فنلندي على ما أعتقد، شقق على أعلى مستوى، سنساعد.‏

الثاني: اعتادت الرحابة، نشأت في السهوب على كل حال.‏

الأول: آه، أيها الأبناء، أيها الأبناء! نحن نحمل العبء كله على كاهلنا، وهم يريدون كل شيء جاهزاً، ودائماً على أعلى مستوى!‏

الثاني: وفي سبيل من إذاً كنا نكافح؟! في سبيل أولادنا طبعاً، فنحن لم نعد بحاجة إلى شيء...‏

الأول: وَلِمَ نلغي أنفسنا؟ سنحارب بعد! ابنتي أيضاً لها طموحاتها. إنها تنهي الآن دراستها الجامعية، وتطلب أن تسافر بعد ذلك إلى الخارج للتدريب، في كمبردج أو أكسفورد، ولن أستطيع ـ طبعاً ـ رفض طلبها.‏

الثاني: أسرتك كلها مثقفة، أنت دافعت عن أطروحة الترشيح للدكتوراه في الوقت المناسب؛ على ما أظن عندما كنت أنا أقود اللجنة المنطقية؟ وها أنت الآن دكتور: كلمة رنانة. أنا لم أفطن لهذا الأمر، وظللت طوال الوقت أركض وراء المعدن وخطط الحبوب، فالعلم كان عندي ضعيفاً بعض الشيء، أكاديميان فقط، والاثنان منفيان، منشقان. على العموم حاولت مرة أن أزور أحدهما لأتحدث معه ودياً، ولكنه أغلق الباب في وجهي: أي لا أريد لقاءك، ولن أقدم على هذا. لم يمد لي يده! مثقف دعي...‏

الأول: هذا الصنف من الناس يجب أن نحسب حسابه، الأفضل أن تعاملهم بالجزرة لا بالعصا، مما يؤسف لـه أن رئيسنا الراحل لم يكن يدرك هذا. أو بالأحرى ليس هو بل أنصاره.. كانوا يحسدون ذوي المواهب، لذلك كانوا يحاولون إذلالهم، مع أنه يكفي أن تلاطفهم لا أكثر.. كنت قرأت كتيباً عن ميرخولد(3)، مذكرات مثيرة للاهتمام. في إحدى الأمسيات بعد العرض الأول لإحدى مسرحياته صفق لـه الجمهور وحياه بحرارة وأخرجه من الصالة محمولاً على الأكف.. وفي الصباح نشرت إحدى الصحف تعليقاً على الحفلة. فأمر العم "جو"(4) بمهاجمة المسرحية... وما إن حلت الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى انعقد الاجتماع، وإذا بأولئك الذين كانوا يصفقون في تلك الأمسية لميرخولد يهاجمونه ويسعون لتدمره.‏

الثاني: كلهم مأجورون ـ تفو! هه ـ مرة أخرى كره جاهزة، سأضربها (يدخل الكرة) الآن تعادلنا، أربع مقابل أربع، معنى ذلك أنني مازلت قادراً على منازلتك نداً لند.‏

الأول: لم ألعب منذ مدة طويلة، البلياردو يحتاج إلى خبرة.. إذاً "ندا لندٍ"؟ في هذه الحالة أقترح اللعبة التالية.. هل لك في كأس أخرى (يشربان) أوه! كيف صعدت إلى الرأس! لم أكن معتاداً.. إذاً أقترح اللعبة الآتية: من يربح هذه الجولة يكن البادئ...‏

الثاني: لم أفهم.‏

الأول: مساءً ستجري الانتخابات، وأتوقع أن يكون الصراع عنيفاً، ولن يتم الاتفاق في المرحلة الأولى، فهذه المجموعة (يضع راحة كفه على صدره) ستحاول ترشيح رجلها.. أنت تعرف من هو.. وسيكون الجواب: إنه مريض، ويشتبه بأنه مريض بسرطان الرئة، وهو على كل حال لن يعيش طويلاً، شهرين أو ثلاثة.. وللأسف هذه هي الحقيقة فعلاً، فَلِمَ انتخابه إذاً؟ والآخرون لا يطمعون حتى الآن في إشغال المنصب الأول... وهكذا ينشأ مأزق.. وهنا يجري اقتراح مرشح آخر، من الجيش أو من وزارة الخارجية.. ولكن الأعمار هناك أيضاً قد تجاوزت الحدود، ومرة أخرى يجري سؤال الأطباء، وتأتي قائمة كاملة: تصلب الشرايين، عدم انتظام القلب، نقص تروية.. وبشكل عام مأزق مستحكم.. وهنا بالذات ينبغي على أحدنا، أنا أو أنت، أن يرشح نفسه..‏

الثاني: أنا لا أجد مسوغاً لترشيح نفسي.‏

الأول: لا تتعجل! أنا أقترحك...‏

الثاني: عبثاً، لن أنجح، لن يدعموني، أنا لست من جماعتهم، لا من هؤلاء ولا من أولئك.‏

الأول: وأنا أيضاً، ولذلك فالاحتمال وارد، لأن مثل هذا الحل يرضي الطرفين، وهم سيعولون على نفوذهم، وبعدئذ.. بعد الانتخاب..‏

الثاني: اللعبة مغرية، ولكنني لن أنجح (يفكر) أو... يمكن؟ ولكن.. لا‏

الأول: الاحتمال وارد، ولكن ضعيف بالطبع، فشهرتك بين الجماهير لا تزال محدودة، وهذه حجة وجيهة.‏

الثاني: داهية! كنت أنظر فلا أراك إلا مسافراً في طول البلاد وعرضها، تلقي الخطب في المصانع والمعاهد، ووصلت حتى إلى المزارع، قرأت عن هذا في الصحف.‏

الأول: يجب استشارة الشعب، ولذلك كنت أسافر.‏

الثاني: داهية.. يعني إما أن ترشحني أو أرشحك.. داهية! إنك تعرف حق المعرفة أنني لن أنجح.. إذاً يجب علي أن أرشحك أنت.‏

الأول: هذا هو الحل الثاني.. طبعاً إذا فزت أنا بهذه الجولة (يدخل كرة)، خمس مقابل أربع.. حظي يرجح..‏

الثاني: (يدخل كرة) ضربة ليست سيئة، صحيح؟ الحظوظ تساوت!‏

الأول: هل كنت تخدعني؟ كنت تتمرن في المدة الأخيرة؟‏

الثاني: كل يوم أحد، في "الفيلا" توجد طاولة مثل هذه. لعبة تهدئ الأعصاب، كنت أتسلى. إذاً حظوظك هي الأرجح؟‏

الأول: لن أخفي عنك: نعم، ثم إن عندك نقيصة أخرى، أنت أصغر الجميع سناً.‏

الثاني: أصغر منك بتسعة أشهر فقط.‏

الأول: هذا غير مهم، بيوم واحد أو بسنة، على العموم سيقولون إن الخبرة قليلة.‏

الثاني: على الأرجح، ولكن أجبني الآن: لماذا علي أن أرشحك؟ فنحن لسنا صديقين، ولا حتى صاحبين..‏

الأول: وهذا بالذات هو الجيد في الأمر.. لن نثير الشبهات، يعني: أنت موضوعي.‏

الثاني: وما هي حاجتي إلى ذلك؟‏

الأول: من أجل الفوز لابد من اللعب، هل يناسبك وضعك الحالي؟ أم أنك تسعى للعيش بهدوء حتى التقاعد؟‏

الثاني: أكمل.. اشرح فكرتك.‏

الأول: بعد ستة أشهر سيعقد المؤتمر، وستكون مداخلتك فيه عنيفة وعاطفية، على العموم بالأسلوب الذي تتقنه، تدين الماضي والجمود في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وفي الحزب، وفوراً ستسمو فوق الجميع.‏

الثاني: وفوقك؟‏

الأول: وفوقي إذا كنت سأستمر في الخط السابق!‏

الثاني: وبعد ذلك؟‏

الأول: أنا لست عراف "دلفي".‏

الثاني: ما معنى هذا؟ تعرف أنني لم أتعلم في الجامعات..‏

الأول: من الصعب القول ماذا سيحدث في المستقبل. ما أقترحه ببساطة هو الخروج من المستنقع، وانتشال الآخرين منه. هذه فرصتنا الوحيدة، وإذا لم ننتهزها ساءت الأمور أكثر، الجديد سيحاول أن يتخلص من الشهود، وأين سنجد أنفسنا عندئذ؟ لا الرب ولا الشيطان يمكنهما أن يقولا لنا، فمن الغباء ألا ننتهز هذه الفرصة.‏

الثاني: (يعود إلى الطاولة) لنتابع اللعب! سأحاول من الجانبين إلى الجيب الأوسط.. إذا لم أنجح سأوافق (يضرب الكرة ويخفق في إيصالها إلى الجيب) أؤمن بالتطير على الرغم من كل شيء! أنا موافق، سأرشحك، هذا مثير للاهتمام حتى... لا سيما أنني على الأقل لن أخسر شيئاً.‏

الأول: شكراً، كنت واثقاً من أنك ستنظر إلى اقتراحي بتعقل.‏

الثاني: حان وقت الذهاب، يمكن أن يلاحظوا غيابنا.‏

الأول: ربما.. ولكن ألا نكمل اللعبة؟‏

الثاني: دعنا منها! أنت ربحت الجولة الأولى.. أنا سأذهب أولاً.‏

(يظهر الأخرس عند الباب ويرافق الثاني لتوديعه)‏

الأول: مع السلامة( يتابع اللعب).‏

(يعود الأخرس ويقترب من طاولة البلياردو، ويشد إليه المصباح ويخرج من هناك شريط تسجيل يناوله للأول).‏

ـ ظلام ـ‏

الجولة الثانية‏

(الأخرس يجلس قبالة التلفاز، يدخن ويشاهد "نشرة الأخبار". يرن الهاتف، يرفع الأخرس السماعة ويصغي، ثم يشعل النور،ويزيح الستائر، ويفتح النوافذ ـ تسمع ضجة الشارع ـ .‏

يخرج الأخرس، تتناهى إلى الأسماع أصوات تهتف "عاشت الحرية" "يسقط الحزب الشيوعي السوفيتي" "نريد محاكمة ستالين!" "أيها الراديكاليون، اخرجوا إلى المعركة الأولى والأخيرة" "عاشت الفوضوية!".‏

يعود الأخرس حاملاً باحتراس قارورة صغيرة، يشمها ويضعها على الطاولة الصغيرة، ثم يجذب المصباح إليه ويضع شريطاً في المسجلة، ويتفقد الكرات، ويدهن العصي بالطباشير، يدخل "الأول" بخطاً ثابتة، يحيي الأخرس بإشارة من يده ويقترب من النافذة، تعلو أصوات صفارات سيارات الشرطة وتطغى على الهتافات تظهر على الشاشة صورة "الأول" ويسمع صوته).‏

الصوت: إننا نبدأ السير في طريق شاقة، أجل، أجل، مرحلة شاقة جداً من حياتنا علينا أن نعيشها. ولكننا أيها الرفاق، ثوريون! وأية ثورة لا تتطلب تضحيات؟!! إنني أثق بكم يا جنود الثورة!‏

الأول: (بصوت خافت وهو مستغرق في التفكير) حماسي بعض الشيء، لا يجب رفع الصوت.. بهدوء أكثر.. لو كان الصوت أخفض قليلاً لكان رد الفعل أفضل.‏

الصوت: والآن بعض الكلمات عن الوضع الحالي...‏

الأول: رسمي أكثر من اللزوم.. غير معبر.‏

الصوت: كما تعرفون، لقد بدأنا "إعادة بناء" عميقة للمجتمع كله. ورثنا تركة ثقيلة: الاقتصاد منهار، وثائر التنمية هبطت بشدة، الصعيد الاجتماعي مهمل.‏

الأول: الطرح كان يجب أن يكون أبسط وأقرب إلى الفهم.‏

الصوت: الخطة لا تنفذ، عدد المشاريع غير المنجزة يزداد، ما يسمى "مشاريع المدى الطويل"...‏

الأول: يا إلهي.. مثل أسلوب سلفي... كليشيهات كليشيهات! (يتناول زجاجة ويسكي، يملأ قدحاً ويشرب) يجب أن أغير المساعد، كهل ومبتذل.. يلزمني شخص أصغر سناً.‏

الصوت: إذا لم ننهمك، نحن وأنتم، في العمل بشكل ملموس؛ وإذا أغرقنا تلك العمليات التي بدأت عندنا بالكلام، وإذا أضعناها بالاجتماعات الفارغة، فإن "إعادة البناء" عندنا لن تنطلق أيها الرفاق!‏

الأول: لا بأس. (للأخرس) هل أحضرتها؟‏

(الأخرس يشير إلى القارورة)‏

(الأول يتنشقها) رائحة اللوز السحرية (للأخرس) أشكرك.‏

(يفتح خزانة صغيرة فيها أدوية ويضع القارورة فيها)‏

الصوت: والآن أيها الرفاق يجب أن أشاطركم مصاباً أليماً، إنها مأساتي الشخصية، ولكنني لا أستطيع أن أصمت عنها، لأن القضية ليست فيّ أنا ولا في مشاعري ولا في الألم الذي أعانيه، بل هي أكبر من ذلك بكثير، إنها قضية الثقة بالأصدقاء، وبكل من حمل على كاهله عبء زمننا الثقيل...‏

الأول: لا باس، بصراحة وإخلاص، لا بأس.‏

(يدخل الثاني. يتوقف قرب الباب وينظر إلى الشاشة دون أن يلاحظه الأول أو الأخرس).‏

الصوت: اسمحوا لي أن أقرأ مقطعاً من رسالة موجهة لنا جميعاً، على الرغم من أنها معنونة باسمي، يقول كاتبها: (يظهر على الشاشة وجه الثاني مكبراً) "لقد صعدت على قمة السلطة، وعن طريق الدسائس والشطارة تحصل على ما تريد: تنحي الذين لا ترضى عنهم والذين لا يوافقون معك، لقد تحولت إلى زعيم لا يأبه بآراء الآخرين، ومعنى ذلك أنك غداً ستصبح ديكتاتوراً؛ أنت أفسدت مجتمعنا، دفعت به إلى مستنقع وحول، وبالتالي سيتطلب الأمر غداً استخدام الرشاشات لحفظ النظام.." هنا أتوقف عن القراءة لأن الحديث بعد هذا يمس زوجتي وأعتبر أن من غير اللائق التلفظ به من فوق هذا المنبر. (يظهر على الشاشة أشخاص مختلفون وترتفع هتافات تقول "يا للعار!" "فليصعد إلى المنبر ليوضح موقفه" "هذه إهانة". وأنا أيضاً هذا رأيي أيها الرفاق، ليعبر بنفسه عن كل آرائه بصراحة وصدق، كما هو متبع عندنا الآن..‏

الأول: عاطفي.‏

الثاني: (بحدة): وغد!‏

الأول: (ملاحظاً الثاني) لماذا أنت عاطفي إلى هذه الدرجة؟ يجب أن تكون أهدأ أيها الصديق، اهدأ.‏

(الأخرس يتراجع حتى الباب ويتوارى خلفه)‏

الثاني: جيد لقد ذهب، الآن أستطيع أن أقول كل شيء.. هل تفهم؟ كل شيء!‏

الأول: في أثناء دراستي الجامعية تدربت على الملاكمة.‏

الثاني: (يومئ برأسه إلى الشاشة) هل عرض هذا الشريط في التلفزيون؟‏

الأول: لم يعرض بعد.. لا يزال شريط فيديو.. وعلينا أن نقرر معاً: هل نعرضه في التلفزيون أم لا؟ ولذلك استدعيتك.‏

الثاني: منتهى الصفاقة!‏

الأول: أو منتهى التعقل.. لننظر ماذا بعد!‏

الثاني: أنت تعرف تماماً ماذا بعد!‏

الأول: يجب أن ننظر من جانب، في غمرة المعركة لا تستطيع دائماً أن تقوم الأحداث بشكل صحيح. التفاصيل يمكن أن تحجب الشيء الرئيس، وفي السياسة يجب أن تكون صاحياً، هل تشرب؟‏

الثاني: (بفتور) صب.‏

الأول: (يشغل الفيديو) لننظر ماذا يحدث بعد.‏

الثاني: سادية.‏

الأول: لا، بل أريد التحديد: مظلوم أم مضحك؟ الشعب دائماً يدافع عن المظلومين ويسخر من المهرجين، وليس من السهل دائماً تمييز الحد.‏

الثاني: كم أرغب في أن أنهال عليك ضرباً.‏

الأول: مرة أخرى لا أنصحك بهذا (يتخذ وضع من يتهيأ للملاكمة) أم نجرب كما في الطفولة؟ أنا نشأت بين الزعران، كل يوم كنا نتشاجر: إما بسبب الحمام، أو بسبب البنات. في البداية كانوا يضربونني، ولكن بعد ذلك ـ بعد أن تدربت على الملاكمة ـ بدؤوا يخافون.. على كل لا تزال أمامك فرصة. (يومئ برأسه إلى البليارد) وراء هذه الطاولة القوى متكافئة، أعرف أنك في الأشهر الأخيرة كنت تتمرن.‏

صوت الثاني: (واضح على الشاشة أنه في حيرة) كل شيء كان مفاجئاً بالنسبة لي. رسالة خاصة.. ثم الآن..‏

صوت الأول: كل لحظة في حياتنا ملك للناس الذين نكدح من أجلهم!‏

صوت الثاني: بما أن الأمر هكذا فإنني سأقول كل شيء! كل شيء!نعم، أنا أرى أن جواً غير طبيعي ينشأ في أوساط قيادتنا، سلطة أكبر من هائلة تتركز في يدي شخص واحد، وهذه خطوة نحو الماضي، نحو تلك الديكتاتورية التي كانت عندنا منذ عهد قريب، والتي لا تزال تتطلب علنية تامة.. أنا أرى أن من الضروري الحد من سلطة الشخص الواحد، ولكنني لا أزال أصطدم أكثر فأكثر بظاهرة الزعاموية.‏

الأول: مصطلح لا بأس به مناسب.. حتى الآن كل شيء على ما يرام، تابع...‏

صوت الثاني: (بنبرة حماسية) نحن لم نبدأ الثورة لكي يصبح أحدنا زعيماً من جديد! لا، إن نضالنا وحياتنا ملك للشعب، ولذلك علينا أن ننظر إلى كل من يسير في الطليعة عبر عدسة مكبرة، لا ينبغي أن نمطرهم بالأوسمة والامتيازات، بل علينا أن نجبرهم على العمل أكثر من الآخرين بمرات، وفي هذا تتجلى الميزة الوحيدة للسائرين في المقدمة! ولهذا فإن محاسبة كل منهم يجب أن تجري دون رحمة! أنا انتهيت..‏

الأول: (يوقف الفيديو) إنهم لم يفهموا (صفير وهتافات: "يسقط" "يا للعار!")‏

الثاني: وأنا أيضاً، ما حاجتك إلى هذا؟ لست أنا الخائن، بل أنت! أنت؟ لو لم أكن أنا موجوداً أين كان يمكن أن نفتش عنك؟ ثلاثة أصوات فقط قررت مصيرك، ثلاثة، وأحدها صوتي أنا! وهكذا تجازيني الآن على الخير وعلى الإخلاص؟! هكذا؟! ما الذي تضمره؟.. أعترف أن أشياء كثيرة قد أنجزت بشكل صحيح وبمهارة، اقصد إزاحتك للشيوخ كلهم في وقت واحد، وبناء على رغبتهم الخاصة تقاعدوا، لم يستطع أحد منهم أن يرفض.. لا.. هناك واحد استطاع، ولكنه طوال حياته كان مجنوناً، أما الآخرون فابتعدوا بإرادتهم.‏

الأول: كانوا يأملون بمعاشات عالية، وجرايات خاصة، وفيلات خاصة، وهم، بالمناسبة، حصلوا عليها..‏

الثاني: تدفع الحساب كاملاً، والآن برأيك حان دوري، أليس كذلك؟ ولكنك بحاجة إلي! أحقاً أنك لا تدرك أن الشباب آتون، وهؤلاء أسنانهم حادة، وهممهم عالية، وسيلتهمونك التهاماً.. فلماذا تعمد إلى ضرب أنصارك؟ لماذا؟‏

الأول: (بهدوء) هل نلعب جولة؟‏

الثاني: دائماً هكذا.. ولا أعرف ماذا يدور في رأسك! داهية! لماذا أنت بحاجة إلى حياتي؟ لماذا؟‏

الأول: هل تعرف بم أحلم؟ بالهدوء.. أتذكر سلفنا. كان على العموم، إنساناً طيباً، طاعناً في السن، وأصيب مرتين بالسكتة الدماغية.. ألم يكن عليه أن يعتزل ويذهب ليتسلى مع أولاد أحفاده ويعيش في هدوء، ماذا كان يريد أكثر؟! ولكن لا، هذا قليل: كان يريد المجد والأوسمة والتعظيم.. هيا نبدأ الجولة، آمل أن تفوز أنت.‏

الثاني: (عابساً) الآن. لقد اضطربت. أحس بوخزة في القلب؛ ألا يوجد هنا فاليدول أو شيء مشابه؟‏

الأول: (مقترباً من الصيدلية الصغيرة) هنا يوجد كل شيء، هذه القارورة تحتوي على "قطرة" مهدئة.. هل يكفي خمس عشرة نقطة؟ لكن إياك أن تخطئها، القارورة التي لها رائحة اللوز: خمس نقاط منها وينتهي كل شيء! أترى هذه الحياة: خمس عشرة نقطة تحفظها، وخمس تنهيها.‏

الثاني: سأصب بنفسي (يتشممإحدى القوارير، ثم قارورة أخرى) فعلاً رائحة اللوز.. لم هذه القارورة هنا؟‏

الأول: الروائح كالناس لابد أن تكون مختلفة، ولا يجوز أن نخطئ فيها،‏

الثاني: في هذه الحالة أنا تحسنت.. هل نبدأ (يومئ برأسه إلى البليارد) ما هو ثمن الجولة اليوم؟ المرة الماضية أنت فزت، للأسف..‏

الأول: سأضرب.. (يلعب) ما الثمن؟ لنلعب لمجرد التسلية، لماذا ينبغي بالضرورة أن نراهن على شيء ما؟‏

الثاني: يبدو لي أنك لا تستطيع إلا هكذا..‏

الأول: (مستغرباً) حقاً؟ في هذه الحالة دعنا نتفق على أنه إذا ربحت أنت يبقى الشريط (يومئ إلى الفيديو) لنا نحن فقط، أي لحلقة ضيقة من المطلعين، أما إذا خسرت، فإنه سيعرض على الجمهور.‏

الثاني: ماذا، هل جننت؟!!‏

الأول: لماذا؟ من المعروف أن الناس يهتمون بما يجري "فوق"، أليس كذلك؟ ألم تكن أنت نفسك تكرر هذا عدة مرات في النهار.. أي بعبارة أخرى: العلنية التامة والشاملة.‏

الثاني: غباء.‏

الأول: (يومئ برأسه إلى الكرات) دورك.. يمكنك أن تصيب كرتين جاهزتين دفعة واحدة.. غباء؟! ولكن أنت بالذات لا تعترف بالسيارة الخاصة، وتذهب إلى العمل في الباص، عفواً ليس كل يوم، بل فعلت هذا مرتين فقط.. بينما الناس يظنون أنك تفعل هذا كل يوم، ويظنون أن زوجتك تذهب لتتسوق حاملة "الشبكة" مع أنها لم تفعل هذا سوى مرتين أيضاً، لا عفواً، ثلاث مرات.. في حين أن السيارة الخاصة تقوم تحت جنح الظلام بنقل المواد التموينية من المستودع الخاص.. لكن الناس لا ينبغي لهم أن يعرفوا هذا: ما الداعي لإزعاجهم؟‏

الثاني: (يدخل كرتين) وعن هذا أيضاً قدموا لك تقريراً.. كسب الشعبية لـه ثمنه، أترى كم أنا صريح معك.. كسب الشعبية..‏

الأول: (ضاحكاً) ألا يبدو لك أن ما يجري بيننا يشبه ما يجري في... المطابخ المشتركة!‏

الثاني: (بحدة) لا أعرف، لم أعش في أبنية جماعية.‏

الأول: أنا عشت في صباي، وفي شقق مشتركة أيضاً.‏

الثاني: (منفجراً) ألم تسأم من التهريج؟ هذا النوع من "الجزويتية" قل: ماذا تريد مني؟ لم تمثل هذه الكوميديا؟ سواء في الاجتماع أو الآن! (يرمي عصا البليارد بغضب).‏

الأول: ستكسرها، خسارة، أعصابك تنهار...‏

الثاني: "جزويتي"! (يترع كأساً بالويسكي ويعبها دفعة واحد).‏

الأول: يجب أن تقلع عن هذه العادة (يومئ برأسه إلى الكأس) إنك تسيء الاستعمال، وهذا سيئ حتى في اللحظات الحاسمة لا تستطيع ضبط نفسك.‏

الثاني: هذا شأني، الآن لم يبق لي إلا هذا.‏

الأول: لقد قلت هذا أكثر مرة، وكل مرة كنت تربح (يومئ إلى الطاولة) مرة أخرى كرة جاهزة.. محظوظ.‏

الثاني: فلتذهب إلى.. (يضبط أعصابه) هل ستجيبني أم لا؟‏

الأول: (بهدوء) طبعاً سأجيبك. لهذا دعوتك إلى هنا.‏

الثاني: (مستعيداً هدوءه) في البداية السوط وبعد ذلك الجزرة.‏

الأول: (مبتسماً) أو على الأصح: فرق تسد (يومئ إلى البليارد) الجولة لم تنته، دورك.‏

الثاني: أحياناً أحتار، لا أعرف ما الذي ستخترعه غداً من الصعب جداً التنبؤ بسلوكك وتوقع تصرفاتك، مثل الزئبق: لا تستطيع أن تجزر بأي اتجاه سيسيل.‏

الأول: العب بثقة أكبر؛ فعلى كل ضربة يتوقف الكثير.. بالمناسبة اطلعت على التقرير الطبي، أنت لم تصب بنوبة قلبية كما تزعم، بل كنت في حالة سكر شديد لا أكثر، أليس كذلك؟‏

الثاني: (بفتور) كذلك أو ليس كذلك، أية أهمية لهذا؟ كما تقول لهم أنت يكتبون!‏

الأول: الحقيقة غالية علي.‏

الثاني: نعم، شربت قليلاً. أتظن أنني لم أكن خائفاً؟ طبعاً أنت يسهل عليك الحكم، فقد كنت تقف جانباً، مع المشاهدين، أليس مخيفاً أن تعتلي المنبر وتقول للجميع إن العقدين المنصرمين قد ذهبا هباءً، وإننا لم نعش كما كان ينبغي، وأعتقد أنك نفسك قد خفت، فقدمتني أنا إلى خط النار.‏

الأول: جعلت منك بطلاً.. البلاد كلها أخذت تتحدث عنك بصفتك جريئاً وحازماً.‏

الثاني: أقول لك بصدق إنني حتى الآن لم أستطع أن أفهم، على الرغم من مرور وقت طويل، لم كلفتني هذه المهمة آنذاك.‏

الأول: (مبتسماً) رجوتك.‏

الثاني: نعم، رجوتني، ولا أكتمك: كنت أعتقد أنك تدفعني إلى خط النار، وترميني أمامهم ليمزقوني، وأنك قد جبنت..‏

الأول: لم يكن باستطاعتي، أمر سيئ أن تلقي بالمسؤولية عن كل شيء على سلفك عندما تصبح أنت على رأس السلطة .‏

الثاني: أعتقد أنك على حق، ولكنني آنذاك لم أدرك هذا و.. خفت.. ولذلك شربت كأساً لأستجمع شجاعتي.‏

الأول: (ضاحكاً) أبلغوني أنك لا تستطيع أن تتحرك، وأنك مستلق في الفراش، فهمت رأساً أنك جبنت، الأطباء قالوا: دعوه ينم نصف ساعة وبعد ذلك سيكون بمقدوره أن ينهض، ويخطب أيضاً، واضطررنا إلى تمديد الاستراحة.. وها أنت ترى كيف أتت النتيجة ممتازة، تجاوزت خمس درجات بقفزة واحدة، وصلت مباشرة إلى موقف اللاعب الحر، كسبت الشهرة والشعبية وحب الجميع بثمن لا بأس به للدعم، أليس كذلك؟‏

الثاني: ولكن لم وضعتني على خط النار اليوم؟ لماذا؟‏

الأول: بدأت تشوش علي. مرتين تنقلت بالباص، زوجتك تتسوق بنفسها، تقف بالدور...‏

الثاني: وماذا في ذلك؟‏

الأول: لن تستطيع أن تخدعني! هل تعتقد حقاً أنني لا أفهمك؟ أتريد الصدق؟‏

الثاني: من فضلك.. وإن كان هذا ليس من طبعك..‏

الأول: أنا لا أتهكم، أنت قائد سيئ، أو بتعبير أدق: سيئ جداً لا تفهم الناس، تشعر أنك أعلى منهم، ليس بمقدورك إلا إصدار الأوامر، ثم إنك لا تقوم تصرفاتك بنظرة ناقدة.. تعطي الكثير من الوعود ولا تنفذ شيئاً منها.. تثور حولك ضجة قوية لأنك تظهر بمظهر الديمقراطي.. أظن أن سلوكك هذا وتلك الرسالة السخيفة التي وجهتها إلي ليسا إلا محاولة لتفادي الفشل، وهذا واضح للكثيرين، ولكن حدسك لم يخنك: يجب اتهام الآخرين، وأنا في المقدمة، وعندئذ ذنبك يتحمله غيرك. فكرة لا بأس بها لكنها سطحية.‏

الثاني: هذا غير صحيح!‏

الأول: أنت الآن لست في اجتماع جماهيري، فلماذا تحاول أن تتكتم؟! أنا لا أقول إن الفكرة سيئة؛ بالعكس خطوة لا بأس بها سياسياً، بل لا بأس بها على الإطلاق، ولكنها بالنسبة لي ليست مفيدة، ولذلك فقد رددت بضربة.‏

الثاني: ضربة مخالفة لأصول اللعبة!‏

الأول: ضربة وقائية، الأوهام خطرة، والغرور أيضاً، أفهم سبب استيائك: لابد أنك ناقشت الأمر مع زوجتك أكثر من مرة، وربما قالت لك: لقد وصل هو إلى هناك، وأنت كان بإمكانك.. لا.. لم يكن بإمكانك يا عزيزي! لم يكن بإمكانك! أنت كنت تحتقر الشيوخ، وهؤلاء كانوا أقوياء، لم يكن بالإمكان التغلب عليهم بالمجابهة المباشرة، بل كان يجب إسقاطهم على مراحل: واحد إثر آخر دون تعجل، بتأليب بعضهم على بعض، وهذا عمل دقيق وضروري، ولكن ليس هناك طريقة أخرى، لو توليته أنت لاحترقت رأساً.. هل ترى كم أنا صريح معك، لأنني كنت أعتبرك صديقاً.‏

الثاني: كنت؟!‏

الأول: كل شيء يتوقف على نتيجة الجولة، اربح.. الضربة لك، إياك أن تخطئ.‏

الثاني: (يدخل الكرة) تمام!‏

الأول: فرصك تتزايد، تابع.‏

الثاني: ألعب وكأني مغمض العينين، كالفأر مع القط، ومع قط كهل ومحنك.‏

الأول: أشكرك على هذا الإطراء! وبالمناسبة أنا لا أطيق القطط، أفضل الكلاب، كلاب الصيد.‏

الثاني: سمعنا بهذا، سمعنا.. (بتهكم) يقولون إنك كنت تخرج إلى الصيد مع كل واحد من "السابقين" تسايره وتتملقه وتسليه.. لم تترك واحداً من الشيوخ إلا وخرجت معه، وكنت تحبهم جميعاً..‏

الأول: وماذا يقولون أيضاً؟‏

الثاني: أشياء كثيرة، سمعت من النكات حتى الآن نحو عشرين نكتة.‏

الأول: ألا تحكيها لي؟.. على كل ذاكرتك كانت دائماً ضعيفة، النكات دليل الشعبية، وعدم وجودها يدل على أن السياسي لا يثير اهتمام الشعب هكذا الأمر يا عزيزي.. عن الشيوخ والصيد.. موضوع طريف، أقول لك أكثر: من قبل لم أكن أطيق الصيد بتاتاً، وعندما كان أحد والديّ يذبح دجاجة، كان يغمى عليّ.. ولكن فيما بعد اضطررت إلى أن أتغلب على نفسي، فأصبحت أحب الصيد وأجيد التسديد، وأستميل الصيادين المهرة. وكيف يمكن غير ذلك إذا كان رؤساؤنا وزعماؤنا السابقون مولعين بهذه الهواية؟ وفي منطقتي ثمة بقعة من أفضل البقاع للصيد؟.. كنت أسليهم وأصطاد معهم، وأحياناً أتملقهم، فقد نشأت لديهم حاجة فيزيولوجية إلى التملق.. وفي الوقت نفسه كنت أركز انتباهي لأدرس كل واحد منهم وأعرف نقاط ضعفه، ولذلك تراهم تركوا مناصبهم هكذا: بالإجماع، ودون تذمر، ولاحظ أنهم لم يتنحّوا بعد صراع، بل بسرور تقريباً، وكأنهم يقولون إننا قد أزحنا عبئاً عن كاهلهم... إزعال الشيوخ إثم... أما الصيد فقد تركته.. لم يبق لـه لزوم الآن.‏

الثاني: لم يبق إلاّ البلياردو؟‏

الأول: هذه عادة مستحكمة.. ثم إنه يتيح لك إمكانية التفكير، جوخ أخضر وفوقه كرات مذهبة.. كل مرة تنشأ في الذهن مختلف التداعيات.. أحياناً يخيل إليّ أن الكرة كوكب، ودقّة الضربة تحدد المكان الذي سيطير إليه.. أو أن الكرة ذرة، والكرات معاً هي الكون.. انظر‏

(يشير إلى الطاولة) هذه: الأرض؛ وهذه: الزهرة، وهذه: المريخ؛ وهذه: المشتري.. والآن ستتطاير كلها إلى مختلف الجهات، وكل هذا لأنك تأمرها بذلك..‏

الثاني: هراء!‏

الأول: لا تقل هذا؛ في اليابان توجد حديقة تُسمى حديقة الأحجار، تجلس بجانب الأحجار وتنظر إليها فتحس كأنك تبحر في المحيط أو تجول في الكون..‏

الثاني: ولكن أنت لم تزر اليابان..‏

الأول: سنزورها أنت وأنا، لقد حذرتك: ثمن كل ضربة غالٍ جداً.‏

الثاني: لم أعد أبالي، لقد خسرت أكثر من جولة..‏

الأول: في البلياردو، كما في الحياة، المجاهيل كثيرة جداً. حدث لي مرة أن أنقذت جولة ميئوساً منها؛ كانت النتيجة 7 إلى 5 في صالح خصمي، وضربت فأدخلت ثلاث كرات دفعة واحدة. شيء لا يصدق! نحن الاثنان ذهلنا.‏

في الحقيقة لم يحدث لي مثل هذا سوى مرة واحدة ؛جرب فأنت أيضاً يجب أن يحالفك الحظ!‏

الثاني: كما اليوم؟.. عندما كان أنصارك الإمعات يقدمون مداخلاتهم كنت أنظر إليك. أية تعابير عن الظفر كانت ترتسم على وجهك! أو إن هذا ما خيلّ إليّ؟ كنتَ تستمتع، فالكلاب تطارد الأرنب، وهو لم يعد يجد مكاناً يختبئ فيه، لقد أنشبوا فيه أنيابهم، وأنت تزهو بنشوة الظفر...‏

الأول: حقاً؟‏

الثاني: لماذا تلعب معي لعبة الأوراق المستورة؟ أنا، للأسف، قد خسرت.. نعم، إن تصرفاتك وأفكارك لا تعجبني. أنت انحرفت جانباً وخنت كل ما ناضلنا من أجله سنين طويلة. أنت جررتنا إلى الهاوية، جررتنا كلنا! ولذلك أرى أنك يجب أن تذهب.‏

الأول: قلتَها في النهاية.‏

الثاني: ولماذا أخفي الآن ما أضمره؟ أنت الذي فزت ووجهت الضربة الأولى. أتظن أنني لا أدرك أن اجتماع اليوم ليس وليد المصادفة؟ لقد قررت أن تدمرني، وأعترف أنك قد أنجزت هذا بمهارة فائقة.. ولا داعي للمراوغة فأنا أعلم أن الشريط المسجل قد أرسل إلى محطة التلفزيون... فزتُ أم لم أفز؛ هذا ليس مهماً.‏

الأول: يسرني أنك وصلت بنفسك إلى هذا الاستنتاج.. الآن استراح ضميري. (يقترب من الهاتف ويدير القرص) نعم، نعم، هذا أنا.. أذيعوا التقرير عن اجتماع اليوم بالتلفزيون.. طبعاً بالكامل، دون حذف.. لا ينبغي أن يكون عندنا أسرار نخفيها عن الشعب! لماذا على غير العادة؟! العلنية ليست مجرد كلمة جميلة، بل هي واقع. أذيعوا التقرير، إلى اللقاء! (للثاني) قرارك صحيح. (يضحك) لقد أزحت بهذا صخرة عن صدري.‏

(الثاني يلزم الصمت. الأول يشعل التلفاز. المذيع: "نقطع برامجنا لنذيع عليكم "نشرة أخبار خاصة").‏

الثاني: وغد!‏

الأول: (يطفئ التلفاز) البقية تعرفها..‏

الثاني: لا، أشعله! تلذذ يا مصاص الدماء (يذرع الصالة ذهاباً وإياباً) لقد كنت أثق به. كان صديقي.. إنه "يهوذا"!‏

الأول: (بهدوء) لا تستهتر.. من الأحسن لك أن تتذكر طفولتك، منذ فجر حياتك، هل تذكر؟ أنا منذ صباي كنت واثقاً بأنني سأصبح قبطان سفينة، وأقود شراعي حول رأس "هورن"(5)، وستضرب الأمواج متن سفينتي، ويتصدع الصاري و ينهار، وأنا أقف على منصة القبطان، وأرى كيف يومض خلف جدار العاصفة أول أشعة الشمس.. لا أحد يلاحظها غيري، البحارة يبدؤون بالتمرد، وأنا أرى سكون العاصفة، وجزراً خضراً حيث تنمو نباتات عجيبة، ونحن المتعبين المرهقين من الصراع مع قوى الطبيعة نستجمع فلول قوانا ونجر أنفسنا نحو الشاطئ الرملي، ونستلقي هناك طويلاً طويلاً إلى أن نستعيد قوانا..‏

الثاني: مجنون.. مدسوس.. خائن (يصب ويسكي في الكأس).‏

الأول: (بلا مبالاة) صب لي نبيذاً، ولكن إياك أن تسول لك نفسك تسميمه. أنت الآن لديك الاستعداد لذلك.. القارورة التي تفوح منها رائحة اللوز موجودة إلى اليسار (يجلس على الكنبة ويغمض عينيه). (الثاني ينظر وقد بدا عليه عدم الفهم) أم أنك كنت تحلم بشيء آخر؟ بالبيت القديم الذي بناه الأجداد من جذوع الأشجار في طرف الغابة، قرب البحيرة.. هل تذكر كيف تفوح رائحة العشب المحشوش حديثاً؟ وفي الصباح الباكر، عند انبلاج الفجر، تسرع إلى القارب وتجدف نحو الجزء العريض الهادئ من النهر حيث تلعب أسماك الشبوط وتضرب أسماك الفرخ التي تظل في بحث دائب عن الغذاء حتى شروق الشمس، وأنت تسرع لملاقاة القاع، وتسحب الأسماك واحدة إثر أخرى لأنها اليوم في حالة نهم.‏

الثاني: هراء! هذا غير ممكن! (يقترب من التلفاز ويشعله، لا يسمع صوت ولكن يظهر البرنامج نفسه: ينظر إلى "الأول" بحَيْرة).‏

الأول: (يجلس مغمض العينين) كنا نحلم بأشياء مختلفة تماماً، كنا نحلم بحياة رائعة وهادئة، ونحلم بالعواصف والسفن، وبالنساء الجميلات، وبالأطفال ذوي الشعور الفاتحة الذين سينجب كل واحد منا الكثيرين منهم، صبياناً وبنات، خمسة وخمساً... وما الذي حصلنا عليه بدل ذلك؟ خطابات واجتماعات، خطابات واجتماعات.. نسب مئوية، براغٍِ، صامولات، صواريخ، قنابل ذرية، حوادث قطارات، إضرابات الراديكاليين.. رأس "هورن" تحول إلى غرفة مكتب، الفجر عند البحيرة: إلى استقبال الوفود؛ والأطفال: إلى مراسيم عن تنظيم ولادتهم وحمايتهم (ينهض بعنف، يطفئ التلفاز). أحقاً لا ترغب في العودة إلى الطفولة، إلى حلمك، وفي نهاية المطاف، إلى الحياة السوية؟‏

الثاني: (بتجهّم) أشكرك على أنك تساعدني لتحقيق ذلك! الآن لم يبق لي سوى تربية أحفادي..‏

الأول: ضعيف! أنت لم تحلم قط برأس هورن، وبالعواصف والجزر الخضر..‏

الثاني: أنا كنت أعمل، عشت بدون أب، وكان عليّ أن أعيل الأسرة. أمي كانت مريضة، وحتى الآن عليّ أن أطعم سبعة أفواه... لم يكن لدي وقت للحكايات..‏

الأول: لا تقلق؛ سنؤمن لك ما تحتاجه أنت والآخرون.‏

الثاني: شكراً على الصدقة؛ يمكنني الاستغناء عنها!‏

الأول: هيا صارع.. لقد طلبت كأس نبيذ يكفي أن تضيف إليه قطرات من القارورة التي إلى اليسار وينتهي الأمر. يهوذا سيسقط، والعدالة ستنتصر...‏

الثاني: تسخر (يسكت، ثم يقترب من المنضدة الصغيرة بحزم، ويصب النبيذ، ويتناول القارورة بحركة استعراضية، ويفرغها في النبيذ).‏

الأول: (مبتسماً) برافو. خطوة حازمة.‏

الثاني: أعرف أنك لن تشر به أبداً... ماذا في ذهنك بعد؟‏

الأول: (يقترب من الكأس وينظر إليها قرب النور) الحياة والموت ـ لحظة واحدة تفصل بينهما. حركة واحدة وإذا بك تتجاوز الخط الفاصل وتصبح عاجزاً عن العودة.. (للثاني) ماذا تعتقد: هل توجد هناك حياة أخرى، حياة لا تتكرر، حياة أبدية؟ يخيل إليّ أحياناً أنها موجودة. وإلاّ فلماذا حياتنا الحالية؟ أيعقل أن يكون المؤمنون على خطأ طوال هذه القرون؟ هم، وليس نحن؟‏

الثاني: لا تكن غبياً.‏

الأول: والإحساس اللذيذ بالحرية والطمأنينة، هذا الإحساس الذي يسري مباشرة في الجسم ولا يعود يفارقه، إن هذا لا يحدث إلاّ في حالة الحب الذي تنسى فيه نفسك، والرائع بالتالي، وإلى جانبك تضطجع امرأة معبودة ومرتوية، وتحس هي أيضاً بالاطمئنان، فأنت أعطيتها كل ما تستطيع إعطاءه، وهي سعيدة..‏

الثاني: (بحيرة) هل جننت؟‏

الأول: (من غير أن يلقي إليه بالاً) هل وجدت الوقت لتحب كما كنت تحلم؟ ولو مرة واحدة فقط تلك الفتاة نفسها التي ومضت في سماء صباك ولم تترك سوى ذكرياتي، وهذه الذكريات تهز كيانك كله، وقد ظللت تأمل أن تراها في كل فتاة تصادفها، ولكن عبثاً.. وما جدوى كل ما تبقى، ومن الذي يحتاج إلى حياتك، وإلى نضالك، وإليك ذاتك؟ مجرد أوهام وآمال فارغة، وكلمات لا معنى لها. (يتأمل الكأس).‏

الثاني: (بقلق) أعتقد أنك لست في وعيك.. غريب.. اعطني الكأس لأفرغها.. نبيذ جديد..‏

الأول: هل تجبن؟ هل كان بمقدورك أن تشربها لو...؟‏

الثاني: وما الداعي؟ هذه أمور لا مزاح فيها... هكذا لا يجوز!‏

الأول: تعلم، أيها الجبان (يشرب الكأس بضع يده على قلبه ويقع)‏

(يدخل الأخرس راكضاً، ينحني فوق "الأول" يضع أذنه على صدره).‏

الثاني: (مرتبكاً) غباء.. هو بنفسه.. لا أفهم (يتراجع نحو الباب) هذا فظيع.. أخذ الكأس وشربها.. من هو بحاجة إلى هذا السم!! (الأخرس يشهر مسدساً ويصوبه نحو "الثاني" ويشير إليه أن يرفع يديه. "الثاني" لا يقاوم) أنا لست مذنباً... لم أكن أريد.. الآن لا تستطيع أن تبرهن على هذا لأحد..سيلقون بي في السجن يا لـه من وغد، وقع رأساً.. يا إلهي.. ليتني شربتها أنا.. ظننت أنه مزاح.. أنه يتسلى.. دائماً كان يمزح.. ومن الذي جلب هذه القارورة؟ آه يا إلهي، يا إلهي... (الأخرس يأمر "الثاني" بأن يدير وجهه للجدار يفتشه) لم أضمر لـه شراً قط.. كان صديقي.. هو بنفسه، بنفسه، بنفسه.. أنت رأيت هذا.. هو بنفسه (يبكي) لماذا يعاكسني الحظ هكذا؟ لماذا؟‏

("الأول" ينهض. ينفض ملابسه، يجلس على الكنبة، يشير إلى الأخرس أن يخرج، يتوارى الأخرس خلف الباب).‏

الأول: كفى‍!‏

الثاني: (يلتفت فيرى "الأول" جالساً) أنت.. أنت.. أنت..‏

الأول: نعم، أنا حيّ! مستحضر ذو تأثير نفسي عادي يوقف النشاط لمدة دقيقتين، اختراع أميركي. إحدى الشركات عرضته علينا على أساس أنه يصلح لتفريق المتظاهرين، أظن أنه ينبغي أن نوقع العقد فعاليته مضمونه.‏

الثاني: (يقعد على الأرض متهاوياً) لا.. هذا يتجاوز كل الحدود..‏

الأول: ألم تكن تشارك في نشاط فرق الهواة الفنية؟ في أيامنا كل مدرسة كان فيها حلقة تمثيل، أنا مثلت ثلاث سنوات، وشاركت في مسرحيات تشيخوف..‏

الثاني: يكفي، لم أعد أحتمل! سأذهب إلى الريف أكمل حياتي كيفما كان.. هذا فوق مقدرتي..‏

الأول: كنت واثقاً بأنك قادر على كل شيء، ولم أخطئ، ولذلك فإن الريف والمعاش التقاعدي وما شابه ذلك ـ كله ملغى!‏

الثاني: (بأمل) معنى ذلك أن الشريط لم يعرض في التلفزيون.‏

الأول: لماذا؟ لقد عرض. وهذه بداية طريق جديد لك! هل تفهم؟ جديد مبدئياً، ومن شأنه أن يوصلك إلى قمة السلطة! هل تفهم؟ إلى القمة! لا إلى قمتي أنا بالطبع، فهي مشغولة، بل إلى قمة مجاورة.. معاً تقريباً..‏

الثاني: لا أفهم!‏

الأول: يا إلهي! الأمر بسيط جداً. من أنت الآن؟ مظلوم، معتدى عليك من قبلنا نحن القادة! أنت الآن شاة بيضاء في قطيع رمادي، أنت مذل ومهان.. فماذا بقي للشعب أن يفعله؟ الإشفاق عليك، ومعنى ذلك: النضال من أجل المهان.. وقريباً ستصبح بطلاً قومياً، ستصبح.. إذا وقفت ضدي.. إذا أخذت تنتقدني، وتفضحني، وتحاربني..‏

الثاني: وما حاجتك إلى هذا؟‏

الأول: هذا الذي تحتاج إليه أنت، يحتاج إليه غرورك وطبيعتك.‏

الثاني: وأنت؟‏

الأول: عندنا لم توجد معارضة قط، كنا ندافع عن الجيد جداً كبديل عن الجيد، كنا نحارب الأشباح.. في حين أن الإله والشيطان يعيشان دائماً جنباً إلى جنب والإنسان بينهما، ولذلك هو بين يسر وعسر، وفرح وحزن، وهو في النهاية يولد ويموت.. وإذا كنا نحيي المجتمع من جديد فعلينا أن نضعه أمام خيار، والخيار في حالتنا هذه: أنا وأنت.‏

الثاني: لك دور الإله، ولي دور الشيطان؟‏

الأول: هذا لا يمكن قوله إلاّ في النهاية.. أما الآن ـ فوداعاً! نحن لا نملك الحق في اللقاء.‏

("الثاني" يهم بأن يقول شيئاً، ولكنه يغير رأيه، يبتعد ببطء يظهر الأخرس عند الباب). (للأخرس)‏

أريد أن أسمع الشريط.. يبدو لي أننا ارتكبنا هفوة في مكان ما، وهذه الغلطة يمكن أن تكلفنا غالباً..‏

(الأخرس يشد المصباح إليه ويخرج الشريط منه، ويقترب من آلة التسجيل ويشغلها).‏

ظلام‏

الجولة الثانية‏

(يصلّ القفل ويفتح الباب مصدراً صريراً. يدخل "الأول" إلى الصالة وينظر حواليه، يرى زر الكهرباء. يشعل المصابيح. المقاعد مجلله بأغطية. إن المنظر يوحي بأن المكان لم يزره أحد منذ مدة طويلة).‏

الأول: الإهمال والغبار في كل مكان (يحاول إزاحة الستائر ويفلح بعد جهد، يفتح النافذة فيتدفق إلى صالة البلياردو ضجيج الجماهير) ولا تجد مكاناً تتوارى فيه، العالم فقد عقله.. ولكن لماذا؟ لماذا؟ من الآن فصاعداً لن أكف عن توجيه هذا السؤال.. كم أرغب في التدخين الآن.. منذ كم سنة تركته؟ ست عشرة سنة كاملة.. وكأن هذا كان البارحة.. لا.. فعلاً منذ ست عشرة سنة، وبالذات في تلك السنة التي بدأت فيها الصراع والصعود... ومن كان يظن! جندي عادي.. واحد من آلاف.. والآن في القمة، ست عشرة سنة. ولكن ربما لم يكن ينبغي أن أبدأ أصلاً؟!‏

(يدخل الأخرس ينظر "الأول" إلى الساعة)‏

لقد أتيتُ باكراً، نهارك مبارك أيها الصديق، اعذرني.. لم أتمكن من إبلاغك سلفاً.. الظروف.. أردت أن أختلي بنفسي.. لا تقلق. كل شيء على ما يرام..‏

(يقترب الأخرس من الطاولة، يشد المصباح إليه ويتناول شريط التسجيل)‏

لا داعي لهذا، لم يعد أحد بحاجة إلى هذه التسجيلات الآن. بالمناسبة، هناك خلل في الأجهزة، فالأصوات على الشريط الأخير كانت سيئة، وهناك طقطقة، على العموم يجب تبديل الأجهزة.. ولكن الآن لا داعي للتسجيل.. حتى ولو للتاريخ.. فكل شيء يذاع بالتلفزيون، والصحف تنشر كل شيء.. حتى أكثر أفكارنا سرية أصبحت معروفة؛ كل شيء تغير الآن.. منذ متى لم نتقابل؟ منذ ستة أو سبعة أشهر؟ الوقت يطير طيراناً.. من مؤتمر عام إلى مؤتمر مرحلي، ومن زيارة إلى زيارة، ومن اجتماع خطابي إلى آخر.. لا ننتهي من مناسبة إلاّ لننتظر مناسبة أخرى. حتى أصبح الواحد منا لا يعيش من الاثنين إلى الأحد، بل من حدث إلى آخر... ثم إن علينا أن ننتظر ما سيقوله صديقنا المشترك. مرة يعضّ هنا ومرة هناك.. لم يُبْقِفي جسمنا عضواً واحداً سليماً، لم يدع أمراً إلاّ ودسّ أنفه فيه.. هل نلعب؟ إنه الآن يتمتع بالحماية، الجماهير تستقبله كقديس، لا يجد الوقت الكافي لتوقيع اسمه على دفاتر المعجبين ـ شعبية واسعة.. لكنه لا يعرف أن الشهرة ضارة، ففي البداية تدغدغ مشاعرك وترضي غرورك، ولكن فيما بعد تمرّغك في الوحل (يرتب الكرات) أبدأ. ويمكن أن أبدأ أنا (الأخرس يضرب هرم الكرات ويبددها) ضربة قوية. من الواضح أنك أستاذ.. أما نحن فمجرد هواة، لسنا محترفين. على الأقل هذا ما يراه خصومنا ويتحدثون عنه في كل مكان، ولكن أي هواة نحن إذا كنا قد فعلنا كل هذا في البلد؟! فأينما وجّهت بصرك تشاهد أشياء لا تكاد تعرفها.. (يضحك) أحياناً أفكر: ربما كان كل هذا عبثاً؟ "إعادة البناء" و"التفكير الجديد"، ومصير العالم والإنسانية الجديد؟ صديقنا تأخر.. أي نعم.. معه حق. ففي الأشهر الأخيرة لا يتحدثون إلا عنه؛ يقولون ها قد ظهر عندنا أخيراً منقذ! إنه ذكي ووسيم وبسيط، وقد جمع حوله فريق عمل رائعاً.. من حسن حظك أنك لا تمارس السياسة فهي كالعقاب الإلهي للإنسان.. أوه.. ضربة لا بأس بها مرة أخرى أخسر، يا للأسف.. لا، لا، لست بحاجة إلى كرات جاهزة، فهي تفسد لذة اللعب. (يبتعد عن الطاولة، يملأ الكأس لنفسه ويشرب) لا تنظر إلي هذه النظرة الملأى بالإدانة! نعم، نعم، أنا أذنبت، ومستعد أن أضع رأسي على المقصلة وأقول: اعدموني (يقترب من الطاولة ويجمع الكرات) (ينظر الأخرس إليه نظرة تنم على عدم الفهم) لنلعب بشكل آخر، من البداية، إذا أدخلت أنا كرة أتحدث عما هو جيد، وإذا أدخلت أنت أتحدث عن الأخطاء، وهكذا دواليك ـ حتى الكرة الأخيرة، وبعد ذلك نحسب ونحدد الكفة الراجحة اتفقنا؟ لنبدأ... (الأخرس يدخل كرة من أول ضربة) إيه، هذه ليست البداية الأفضل... إذاً... عن الكحول. لقد بدأت مكافحته كفاحاً لا هوادة فيه، في جميع الاتجاهات، لأن البلاد كانت مخمورة و على جميع المستويات، من أي متشرد وحتى الأمين العام، كلهم كانوا يشربون، ولكن بأشكال مختلفة: الصغار وراء البوابة، ونحن في البوفيهات الخاصة، ولم يكن أحد يعرف في الحقيقة من كان يشرب أكثر.. وعلى كل ليس هذا هو المهم، بل المهم هو أن الجميع كانوا يشربون على حساب الدولة وقد بدأت أنا هذه المعركة... الطوابير الطويلة في محال البيع؛ صنع الخمور في البيوت سراً؛ قطع أشجار الكرمة..‏

نعم.. نعم، كل هذا كان يحدث. هل خسرت؟ لا.. سمعت ما يكفي من النكات عني، ولكن على الأقل لم يعد المسؤولون يشربون على حساب الدولة، أصبحوا الآن يدفعون، اعتادوا، الهيبة لم تجدِ نفعاً؟ هذا صحيح.. عادوا يشربون من جديد؟ أيضاً صحيح، وأنت ترى أنني أنا ذاتي بدأت أشرب.. من الشعور بالكآبة.. الجميع يزعمون أنني ارتكبت خطأ .. ولكن عبثاً وحتى صديقنا المشترك يتحدث عن هذا في كل الاجتماعات الخطابية، ويصفقون لـه ويشيدون به، لأنه، كما يدّعون شخص مبدئي، ويهتم بالناس البسطاء، علماً بأنه هو نفسه كان بإمكانه أن يتفوق في هذا المجال: نصف ليتر كان يشر به دفعة واحدة بدون أن يرف لـه جفن! وأي روسي لا يحب الشرب؟! هل وفيت بمتطلبات كرتك الأولى؟ نعم؟ جيد. جاء دوري الآن.. (يضرب) لم أصب... شيء مؤسف... ولكن كرتك أيضاً تنحرف.. معنى هذا أن أخطائي لا تتوالى، بل تتناوب مع أخطائك هذه الجاهزة، سأدخلها على أية حال (تسقط الكرة في الجيب) والآن، ما الذي استطعت أن أنجزه؟؟ لعل الأهم هو أنني منحت الناس الشعور بالحرية، أي تكلموا وتصرفوا وفكروا كما تشاؤون؛ ولكن ضمن حدود القانون من فضلكم. ومن هنا بدأ كل شيء! في البداية عفروا الماضي بالتراب، ثم ما لبثوا أن لطخوه بالوحل... وعلى كل لا يهمّ، فهو يستحق هذا من نواحٍ عديدة... ولكنهم الآن وصلوا إليّ.. لقد أصبح الناس أكثر حرية وانطلاقاً، خرجوا من الصف الذي وقفوا فيه وقفة "الاستعداد" سنين طويلة. وكلمة "الحرية" الحلوة تبقى حلوة حتى لو تبّلوها بالحنظل، كالسلطة عندما يتبّلونها بالفلفل... لعبك الآن.. أرجو ألا تخطئ (الأخرس يدخل كرة) شكراً... هل الندم ألذ حقاً؟ أن تخطئ ثم تندم.. خطيئتي الثانية: أنني أخرجت المارد من القمقم.. (يدخل الثاني بدون أن يلاحظ اللاعبان) أخرجته ولم أستطع التوصل إلى معرفة الكلمة السرية التي تجعله طوع امري، وكنت أعوّل على مساعدته، ولكن تبيّن أنه أشرس عدوّ لي.‏

الثاني: غير صحيح.‏

الأول: عجيب! كيف أمكنك الوصول إلى هنا بدون أن يلاحظك أحد؟!‏

الثاني: ظننتُ أن الحرس سيبلغك، عندك شبان نشطون بلحظة واحدة أبعدوا رجالي... ولكني أرسلتهم إلى المطار.‏

الأول: أنا بدون حراسة، غريب (الأخرس يتراجع نحو الباب) على كل (يومئ برأسه إلى الأخرس) هو يعرف شغله. أنتظرك من وقت طويل.‏

الثاني: الشعب لم يدعني أذهب، أحاطوا بي ورجوني أن أوضح لهم بعض الأمور، وخاصة فيما يتعلق بإضرابات عمال المناجم وبأخطائك الأخيرة، واضطررت إلى إلقاء خطاب..‏

الأول: مرة أخرى عن ما فيا الكرملين؟‏

الثاني: لا، لا، هذه الاسطوانة انتهينا منها! لم تعد فعالة! الشكوك أثيرت وهذا يكفي. أتعرف ما يقوله عمال المناجم في مثل هذه الحالة: الطبقة استنزفت ولم يعد يخرج منها سوى تربة فارغة..‏

الأول: لا أذكر أنك عملت في المناجم!‏

الثاني: زرتها منذ مدة قريبة، عمال المناجم، يا أخ، هم طبقتنا العاملة، إنهم يحسّون الحقيقة بنفوسهم، ولا يصدقون إلاّ من هو منهم.‏

الأول: وأنت أصبحت منهم؟!‏

الثاني: ليس بعد، ولكنني أقف إلى جانبهم، سواء في العمل أو خلف المتاريس.‏

الأول: كلام جديد، وهل يصدقونك؟‏

الثاني: أكثر مما يصدقونك؛ آسف... فأنا مضطر إلى إغضابك، وذلكن لأنني الآن أقول الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة.‏

الأول: أية حقيقة؟‏

الثاني: عليك أنت أن تكتشف، فأنت عندنا من الفلاسفة.‏

الأول: (بامتعاض) هلاّ انتهينا؟ أنا الآن ألعب جولة مثيرة، إذا أصبت أتحدث عن إنجازاتي، وإذا خسرت عن الأخطاء.‏

الثاني: مثيرة فعلاً، ولكن دعنا نلعب بشكل آخر. إذا أصبت أنت نتحدث عن نجاحاتك، وإذا أصبت أنا تتفضل أنت بالحديث عن أخطائك، ففي رأيي تكدس منها ما فيه الكفاية، أليس كذلك؟‏

الأول: ماذا تقصد؟‏

الثاني: عملياً كل شيء‍! الآن كل كلمة من كلماتك وكل خطوة من خطواتك خطأ. يعني يمكن القول إنك مضطر إلى العيش في عالم مضاد، ولا تستطيع الانتقال إلى عالمنا نحن الخطاة.‏

الأول: لنرَ.. اللعب لك أيها الزميل! ولكني مع ذلك أريد أن أسأل عن أمر ما رأساً: أحقاً أنك تصدق ما يقال في كل اجتماع خطابي من أنني أقبض رشاوى وأشكل حولي ما فيا؟‏

الثاني: هراء، طبعاً، ولكن الآخرين كانوا يقبضون. اللصوص يروق لهم هذا فهو يبرر لهم سلوكهم بشكل ما، أي: لسنا وحدنا في هذا، بل الكبار في الأعلى يفعلون الشيء نفسه.. أما الناس البسطاء فيرغبون في رؤية ما ليس لديهم مثله، الإنسان اخترع ثقب الباب خصيصاً ليتلصص من خلاله أحياناً.‏

الأول: ولكن هناك مدناً، بل هناك بلاد بأكملها ليس فيها أقفال؛ فالناس هناك لم يعتادوا إغلاق أبوابهم.‏

الثاني: أنت تحلق فوق السحاب ـ نحن نعيش في بلد مختلف. الناس عندنا الآن يعملون على تركيب قفل ثانٍ وربما ثالث على أبواب شققهم، وإلا سرقوهم.‏

الأول: وما لزوم إشاعة الخوف؟!‏

الثاني: إنه يسري في البلاد كلها. في المدن والقرى، وفي نفوس الناس. الخوف على الأبناء وعلى النفس، والخوف على الماضي، وعلى المستقبل. الخوف أمام المسؤول، والخوف من عابر السبيل، إنه في كل مكان. رمادي، لزج، منتشر في كل الزوايا... أنا أحاول أن أتغلب عليه؛ بل إنني في هذا أضرب من نفسي مثلاً للآخرين.‏

الأول: ولهذا اتخذت لنفسك حرساً خاصاً؟!‏

الثاني: وهل كنت تريدني أن أثق بأجهزتك؟! إنها مخلصة لك. فهي الوحيدة التي لم تمسها. قلبت كل شيء، وغيرت كل شيء، ولكنك لم تمس الجيش ولا هيئة أمن الدولة. وهذا واضح للجميع.‏

الأول: إن السلطة، أيا كانت، لا تقوم إلاّ على هذين الجهازين. بدونهما لا توجد سلطة على العموم، بل مجرد حديث عن السلطة.‏

الثاني: (متضاحكاً) أنا لم أدخل كرةً بعد وأنت بدأت تتحدث عن أخطائك.. يجب أن تراعي قواعد اللعبة، فأنت الذي اقترحتها، لماذا تفرّط بالمبادئ، آ؟‏

الأول: اللعب لك... ("الثاني" يضرب بقوة فتندفع الكرة وتسقط في الجيب مصدرةً صوتاً قوياً) والآن تابع.‏

الثاني: دورك؛ اعترفْ بأخطائك.‏

الأول: أخطائي؟ لا شك في أن أحدها هو أنت! لم أقدّر إمكاناتك حق قدرها، وأعترف بصدق أنني لم أكن أتوقع أنك ستستفيد بشكل رائع من تلك الفرص القليلة التي بقيت لك، لقد نهضت من تحت الرماد كما يقولون.‏

الثاني: كان "التفكير القديم" هو الذي يعمل عندك. طوال الوقت تتحدث عن "التفكير الجديد"، بينما ظللت أنت نفسك أسير الماضي. آن الأوان منذ وقت بعيد للتخلص منه، وليس عليك سوى أن تنظر حواليك بانتباه أكبر.‏

الأول: لم أراع تلك الحقيقة القديمة قدم العالم: العشب الروسي يتعاطف دائماً مع الضعفاء والمظلومين.‏

الثاني: الملاحظة ليست دقيقة تماماً مع "المظلومين" نعم، ولكن مع "الضعفاء" فإن الناس يشفقون عليهم لا أكثر، ومع مرور الوقت ينصرفون عنهم وينسونهم. لكن الشعب يقف كالطود دفاعاً عن المظلومين إذا لم يستسلموا وبدؤوا النضال، وعندئذ يصبح من المستحيل قهرهم!‏

الأول: أنا نفسي الذي دفعتك إلى هذا..‏

الثاني: أعترف لك بهذا الجميل، ولكنك لم تأخذ بالحسبان أن من سلك طريق الحرب لم يعد لـه عنها عودة (يبتسم) أنا منذ الصغر أحببت "فينيمور كوبر"(6) وأولعت بقراءة رواياته.. وأنت لم تكن تعرف هذا.. المعلومات عن الخصم يجب أن تكون كاملة.‏

الأول: أنا لا أعتبرك خصماً.‏

الثاني: وهذا أيضاً من أخطائك، وفي هذه الحالة سأؤكد ما قلته بإدخال كرة أخرى تفضل (يدخل كرة) قلت وفعلتُ.‏

الأول: محظوظ.. أنا لا يحالفني التوفيق حتى الآن.‏

الثاني: انتظر حتى أهيئ لك كرة سهلة. ولكن ربما كان انتظارك غير مجدٍ، لقد أخذت أستوعب هذا العلم ـ أعني السياسة ـ شيئاً فشيئاً. أهم شيء: الهجوم الضاغط,.‏

الأول: وعدم الشفقة، لقد خبرت هذا بنفسي.‏

الثاني: تعني موضوع الرشاوى؟ قضية تافهة، لا تلق إليها بالاً. في السياسة اللون الأسود هو الأكثر شعبية. الألوان الباهتة لا لزوم لها، كرّر مئة مرة: شرير، شرير، شرير، فإذا بهم يصدقونك!‏

الأول: الكذب ـ عاجلاً أو آجلاً ـ سينفضح.‏

الثاني: (متضاحكاً) في أكثر الأحيان: آجلاً، أنت على حق. لكن خطيئة هذا كان في الماضي البعيد في تلك الأوقات التي كنتَ فيها تفعل ما تريد حتى معي، وكنت أنا أركض خلفك كالجرد وبعينين مغمضتين.‏

(يسدد "الأول" بحرص ويدخل كرةً، ينظر إلى "الثاني" نظرة متسائلة) ومع ذلك فأنت شخص متميز! لا يسعني إلا أن أنحني أمامك وأحسدك على شجاعتك ورباطة جأشك ودهائك، يمكنني القول، ولكن بالمعنى الجيد للكلمة، وأعتقد أنك قد دخلت التاريخ كشخصية بارزة، إذ لم يكن بمقدور أحد أن يتصور أنّ من الممكن خلال سنتين أو ثلاث قلبَ كل شيء رأساً على عقب! لقد جعلتنا جميعاً ننظر إلى أنفسنا من جانب، وجعلتنا نرى الوحل الذي نتمرغ فيه! لم يبق فينا أي شيء إنساني، كنا نبدو مخلوقات مشوهة ، في العالم كله كانوا يخشوننا، وكانوا محقين في هذا: فقراء، في ثياب رثة، ولكن بحوزتهم قنابل نووية، وأنت جعلتنا ننظر إلى أنفسنا، ونرى أن كل ما هو إنساني غريب عنا.. وأريت كل المخلوقات المشوهة التي تحيط بك ـ وأنا منهم ـ أن الحياة هكذا لا تجوز.. كان لديّ صديق، وكنت أقسم على إخلاصي لـه هكذا: "إذا أرسلوك يوماً إلى المعتقل، ثم عدتَ بعد أن قضيت مدة سجنك هناك، فإنك ستجد دائماً في منزلي حماماً دافئاً وفراشاً نظيفاً وكأس فودكا، تدق الباب فأفتحه لك على مصراعيه بدون أن أسألك عن شيء".. ويمكنني أن أقول الآن هذا لك، لأنك جعلتنا ننهض من وضعية الماشين على أربع، وأن ننتصب بكامل قاماتنا ونشعر بأننا بشر..‏

الأول: أشكرك.‏

الثاني: لا تستعجل. اللعب لي الآن (يدخل كرةً ببراعة) هل ترى كيف ازدادت مهارتي؟ خلال نصف السنة الذي لم نتقابل فيه كنت أتدرب بانتظام: كنت أعلم أنني سأخوض جولة البلياردو هذه معك.. عد إلى الواقع، لا تنسَ أن التملق يضعف الإنسان فيصبح عاجزاً، والآن أنا أنتظر منك اعترافاً جديداً بالندم.‏

الأول: أنا غير نادم..‏

الثاني: الاعتراف بالأخطاء الذاتية ـ هل تعتبر هذا أمراً طبيعياً؟ شيء طريف، إن هذا بعيد عن طباعك.‏

الأول: أخطاء، أخطاء... شروط سخيفة للعب.‏

الثاني: أنت الذي اقترحتها وأنا قبلتها.‏

الأول: وهل هي أخطاء؟ إنه ببساطة زلزال، وليس لأحد ذنب فيه... جاء الوقت الذي أصبحت الأرض فيه مضطرة إلى أن تفرغ شحنتها. كانت صابرة: وكانت الطاقة تتجمع في داخلها، والآن انبثقت هذه الطاقة إلى الخارج، وكل ما هو مبني على ظهر الأرض يتعرض لاختبار المتانة. المباني الكرتونية تنهار حيث لا يوجد اسمنت، والأحجار تتحول إلى حطام والجدران تتداعى..‏

الثاني: وتحت الأنقاض يهلك الناس، الكبار والصغار، المرضى والأصحاء.‏

الأول: من استطاع أن يهرب بقي حياً.‏

الثاني: ترى أليس لهذا أخرج الكثيرون من البلاد في الماضي؟‏

الأول: أنا حاولت إرجاعهم.‏

الثاني: الذي يأتي إلى أنقاض؟‏

الأول: (يلقي بعصا البليارد) كفى، هذه اللعبة ليست لي.‏

الثاني: أعصابك، أعصابك، ربما حان الوقت فعلاً لإنهاء اللعبة؟‏

الأول: هل تشعر بأنك انتصرت؟‏

الثاني: هذا هو الواقع؛ قليل من الجهد وتصبح في عداد الماضي، لم يبق لك أية فرصة.. لا أجادل لا أجادل.. ليس ذنبك، بل هي بالأحرى مصيبتك. ربما كان ظهورك مبكراً جداً ـ فالكثيرون لم يفهموا ما تريد وآخرون لم يتقبلوه، فعبء الماضي ثقيل جداً، وهو يضغط على كل واحد منا. وربما كانت مهمتك قد أنجزت، وأنت لم تعد لازماً الآن. ابق في الذاكرة، وهذا يكفيك، أم أنه قليل؟‏

الأول: يبدو لي أحياناً أنني وإياك لا نزال في بداية الطريق، ألا يستأهل الأمر أن نتابع السير معاً؟‏

الثاني: كثيرون لن يفهموا هذا. نحن دخلنا في صراع: أنت ضدي وأنا ضدك. أحدنا يجب أن يخون، أن ينتقل إلى الجانب الآخر، وهذا غير ممكن. على الأقل بالنسبة لي. أنا أهنت. وآنئذ لم أفكر في أنه سيأتي وقت نسير فيه معاً، وإلا لكنتَ تركتَ لنا فرصة للتحالف، لكن المجد أدار رأسك، إنه يسيطر علينا جميعاً، وأنت لم تصمد.. لا تجادل: أنا أيضاً لم أستطع، ولذا فإنني مضطر إلى المضي حتى النهاية، ولكن وحدي. أنت دعوتني اليوم بالذات لنعقد مثل هذا التحالف؟ لنتصالح؟ أليس كذلك؟‏

الأول: كذلك، أردت أن أقول لك إنني خسرت.‏

الثاني: هذا واضح لكل إنسان، وليس لنا فقط.‏

الأول: أنا أريد أن أنسحب، ولكن علي أن أعرف ماذا سيحدث غداً؛ ما الذي ستفعله؟ ماذا تريد أن تفعل؟‏

الثاني: أريد قبل كل شيء أن أشرب معك نخب الماضي، وربما أن أودعك.‏

فأنت لن تنتقل إلى صفوف فريقي؟ صحيح؟ هذا سيكون مذلاً لك. أليس كذلك؟ ولكن ربما كان لهذه الخطوة ما يبررها؟ ألن تستطيع الإقدام عليها؟‏

الأول: لا.‏

الثاني: معنى ذلك أنه لا يبقى لديك سوى مخرج واحد.‏

الأول: هل تظن؟‏

الثاني: وأنت تعرفه، واحد وحيد! أوه إنها نشوة السلطة، كالخمرة الفتية، كالمرأة الرائعة المشتهاة، كأول شعاع شمس بعد ظلام طويل... السلطة لا يفارقونها بل يألفونها، يحاولون أن يتآخوا معها إلى آخر العمر.. لا, من المستحيل التخلي عنها طوعاً، فليس من أحد فعل هذا في وقت من الأوقات على مدى تاريخ البشرية كله! أفلا يمكنك أن تكون أنت أول من يُقْدم على ذلك؟‏

الأول: لا.‏

الثاني: كلمات... كلمات... كلمات... ونحن ننطقها على نحو آليّ تقريباً؛ واحدة، ثانية، ثالثة... ويولد الكذب، كذب كبير وصغير... لماذا لا تولد الحقيقة إلا بصعوبة وفي حالات نادرة؟ بينما الكذب يندفع اندفاعاً إلى الظهور، أنا أيضاً لم أكن لأفارق السلطة أبداً! كنت سأعض عليها بنواجذي، ولن أفلتها من يدي، كنت سأتلذذ بها... فما الذي يمكن أن يكون أروع من السلطة؟!‏

الأول: الموهبة.‏

الثاني: وهذه أيضاً سلطة! تسيطر بها على الناس والطبيعة والسماء والأرض، على كل شيء! ولو لم يكن هناك إله لاخترعه الإنسان بالضرورة، لأنه لا بد من أن يكون هناك من يسيطر على العالم أجمع، وإلا فقدت الإنسانية معناها.‏

الأول: غباء، تفكير طفولي، صبيانية.‏

الثاني: (بإعياء) أشعر بفزع شديد... وخاصة وسط الجمهور، الكل يهتف ويحيّي ويبتهج، وأنا أعرف أنه في مكان ما يقف شخص مستعد لقتلي، وهاهو يزر عينه ويسدد، ولم يبق سوى الضغط على الزناد.‏

الأول: هذا اضطراب بنفسي.‏

الثاني: (متهانفاً) حقاً إنني أعرف هذا الرجل، وأعرف اسمه وعنوانه ووضعه العائلي والاجتماعي، أعرف الكثير جداً عنه.‏

الأول: ويجب أن تعالج أعصابك.‏

الثاني: (مبتسماً) أترى؟ إنك لم تهتم حتى بمعرفة هذا الشخص، ولماذا تهتم! فأنت تعرفه حق المعرفة.‏

الأول: هذا شطط!‏

الثاني: وهذا الشخص هو أنت!‏

الأول: (بهدوء) أنا انتقلت من تلك الشقة.‏

الثاني: (بِحَيْرة) أية شقة؟‏

الأول: التي تعرف عنوانها. لو أنك قلت مثل هذا الكلام، أعني عن موتك، قبل الآن، ربما كنت وافقتك، هل حقاً تعتقد أن القتل على هذه الدرجة من الصعوبة؟ حتى قتلك أنت على الرغم من الحرس الشخصي و الخاص؟ سذاجة! يكفي فقط إصدار الأمر، لـه مثلاً (يومئ إلى الأخرس). دائماً يوجد أشخاص مستعدون لإزاحة أي كان، كل شيء يتوقف على الثمن... هذه الازدواجية تعيش في داخلنا: التوق إلى الحياة، والتوق إلى الموت، إنهما يعيشان معاً، يغذي أحدهما الآخر... ولذلك فإن الخير لا يلد الخير فقط، بل الشر أيضاً... أنا أقول للناس: عيشوا عيشة أفضل، وهم يسعون للإثراء، ولكن بجانبهم من يستولي على كل ما يكسبون: الدولة أو العصابات، هذا لا يهم؛ فما الفرق بين أن يذهب ما تكسبه بكدّك إلى هذه الجهة أو تلك؟! ربما لو لم يكن هناك شر لما كان هناك خير، والصعوبة تكمن في تحقيق التوازن بينهما... الآن أنا توصلت إلى تحقيق هذا التوازن، ولذلك فإن موتك يضرني، لأنه سيؤدي إلى ظهور شر جديد، ولن يكون باستطاعتي مجابهته.‏

الثاني: يعني ملاك الخير وملاك الشر.‏

الأول: موافق على هذا التصنيف، ولكن الشيء الوحيد الذي لا أعرفه هو: من أين أنت؟ ومن أين أنا؟‏

الثاني: أنت وضعت نفسك موضع الرب. أعطيت نفسك حق محاكمة الناس.‏

الأول: وإذا كان هذا وهماً؟‏

الثاني: في هذه الجولة أنا الفائز؛ لقد رأيت ما الذي يحدث في الشارع؟ لا يوجد هناك أنصار لك، لا أحد تقريباً..‏

الأول: وإذا كان هذا وهماً؟‏

الثاني: هذا واقع! كما هو واقع أيضاً أنني وإياك يجب أن نكون بعد ساعة في المطار.‏

الأول: أعرف أننا سنطير معاً، وهاك رجائي الأول...‏

الثاني: رجاؤك أم أمرك؟‏

الأول: رجائي... علينا أن نثنيهم عن الإضراب؛ وإلا فإن موجة الاحتجاجات هذه ستجرفك وتجرفني وتجرف الجميع!‏

الثاني: (يُنشد) سنهدم عالم العنف من أساسه.. ثم...‏

الأول: (عابساً) نهدم الماضي؟ غباء، إنه موجود وكفى: يمكن إدانته، فضحه، بل يمكن محاولة نسيانه، ولكن هدمه؟! ما الداعي لمحاربة طواحين الهواء؟ حان لك أن تفكر بواقعيةٍ؛ الشعارات جيدة من أجل الجماهير، أما الحياة فتتطلب رأساً صاحياً ويَدَيْن ماهرتين.‏

الثاني: وحساباً دقيقاً، ومن المؤسف أن العواطف تعصف بك.‏

الأول: هل أُدخل كرة أخرى؟‏

الثاني: أسنتابع؟‏

الأول: (يومئ باتجاه الأخرس) العب معه. حتى الآن لم يوفق أحد في الفوز عليه، طبعاً إذا كان يريد هذا...‏

الثاني: ألن نتأخر؟‏

الأول: لدينا عشرون أو ثلاثون دقيقة، الطائرة خاصة. لن نقف بالدور لنسجل بطاقاتنا، اِعْتَدْ الامتيازات (للأخرس) العب معه بجدية.‏

الأخرس: هكذا يبدو.‏

("الأول" و"الثاني" تذهلهما المفاجأة، الأخرس يتناول العصا بهدوء ويرتب الكرات)‏

الثاني: (للأول) أنت.. أنت قلت إنه أخرس منذ الولادة.‏

(الأخرس يضرب هرم الكرات فتطير كرتان في وقت واحد إلى جيبين)‏

الأول: (للثاني) إنه عندي منذ اثنتي عشرة سنة، ولم ينطق بكلمة واحدة (للأخرس) ما معنى هذا؟‏

(الأخرس يتابع اللعب ويُدخل كرةً ثالثة. يهجم "الثاني" عليه ويمسك به، فيتخلص ذاك منه بسهولة).‏

الثاني: ما القصة؟ جاسوس، أليس كذلك؟ وغد!‏

(يرفع يده ليضربه فيمسك الأخرس بيدي "الثاني" ويلويهما إلى الخلف) إنك تؤلمني، دعني.‏

الأول: (يتهادى على الكنبة بإعياء) من يمكنه أن يصدق؟! من؟‏

(الأخرس يتابع اللعب بهدوء. يُدخل الكرات واحدةً إثرَ أخرى)‏

الثاني: فخ (للأول) أنت نصبت لي فخاً! إنني أشعر بهذا، سأفضحكم جميعاً أنت والجميع!‏

الأول: يبدو أنني خسرت..‏

الثاني: أنت؟ إنه كان يلعب معي، لم يتح لي الفرصة لأضرب ولو ضربة واحدة. انظر، انظر، إنه يُدخل الكرة العاشرة!‏

الأول: (مقهقهاً) مرحى لهم! كنت أريد أن أخادعهم، أن ألاطفهم، وأستميلهم..‏

الثاني: غباء. من هم هؤلاء؟ موقف سخيف.. سأستدعي حرسي.. حرسك كلهم مثله.. لم أثق بهم قط.. كنت أعرف أنهم مستعدون لفعل أي شيء.. (يرفع سماعة الهاتف ثم يهزها).‏

الأخرس: الهاتف مفصول.‏

الثاني: انظر أي ثرثار هو! أمثال هذا يجب اقتلاع ألسنتهم كي يصمتوا فعلاً! جواسيس.. (يركض نحو الباب) ليس لهم إلا القوة... القوة فقط.‏

الأخرس: اهدأ.‏

("الثاني" يفتح الباب. يقف هناك شخص يحمل رشاشاً)‏

الثاني: (يغلق الباب) فخ.. (للأول) لا تتظاهر بأنك لا تعرف شيئاً! قل: ماذا تريد؟ ما الذي تسعى إليه؟ سأخرج إلى الشعب وأقول لـه كل شيء، وهو الآن ـ وهذا أكيد ـ لن يغفر لك. أنت الآن لن تستطيع أن تفعل شيئاً بدون الجيش وأجهزة الأمن. طاغية!‏

الأول: (يملأ قدحاً) أتريد أن تشرب؟ يبدو أنه لم يبقَ لنا أي شيء آخر.‏

الثاني: سكير؟! أنا لم أصدقك قط، على الإطلاق! وأتأسف الآن لأنني لم أحاول أن أسحب الجيش من تحت سلطتك، لكنني سأفعل. على الرغم من كل ديمقراطيتك أنت في الحقيقة مستبد وطاغية! طاغية ومستبد!‏

الأول: اشرب أيها الديمقراطي... الويسكي الجيد يهدئ الأعصاب دائماً. (للأخرس) ومع ذلك من أنت؟‏

الأخرس: أنا الأخرس. العقيد الأخرس.‏

الأول: الجيش؟‏

الأخرس: الأمن؟‏

الأول: هذا أهون.‏

الأخرس: الأمن العسكري لمكافحة التجسس.‏

الأول: يعني: اتّحدا.‏

الأخرس: حسب رأيي: نعم.‏

الأول: (بإعياء) لم أكن أظن أن هذا سيحدث بمثل هذه السرعة.. هل تعمل في جهاز الأمن من مدة طويلة؟‏

الأخرس: دائماً.‏

الثاني: أنا أستشف كل شيء بوضوح: الناس والأحداث والمستقبل، ومع ذلك وقعت كالأعمى.‏

الأول: هل لديك أوامر؟‏

الأخرس: ستصدر بالتلفزيون.. بعد ست دقائق.‏

الثاني: وهناك أيضاً؟ الخونة والجواسيس والأشرار في كل مكان..‏

الأول: هذه هي بلادنا، الماضي توغّل في كل خلية, والدم يسري بالكراهية والحقد في العروق، القلب لا يمكنه أن يعمل بدونهما.‏

الثاني: أنت ضاعفتهما مئة مرة!‏

الأول: أنا حاولت أن أفعل المستحيل: جعلت الناس ينظرون إلى أنفسهم من جانب. أردت أن أدعوهم إلى الرحمة، فإذا بي أثير العنف، أمواج الجريمة اجتاحت المدن... دعوت إلى الديمقراطية وحرية الكلمة فكان الجواب هو الديماغوجية و"الاحتيالقراطية"، دعوت إلى الانتخاب، فانتَخَب الجمهورُ من يصرخ بصوت أعلى، كنت آمل أن يأتي أشخاص جدد قادرون على تلافي العيوب، وزرع هذه الأرض بالحبوب، ولكن الأعشاب الضارة هي التي نمت، ثم إن التعطش للسلطة اجتاحنا كلنا.. بمن فينا أنا وأنت.‏

الثاني: أنا دعني وشأني.‏