|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الأفكار والأدب ـــ بقلم: نيوتن ب. ستالكنخت ـ ت.د.فؤاد عبد المطلب كتب الفيلسوف المتوفى مؤخراً ر.ج. كولنغوود، الذي قدم بعمله مساعدة جلّى لكثير من دارسي الأدب، ذات مرّة: مع أن الكثير منا يأنفون تماماً من مجرد الرغبة في الإنكار، فإننا جميعاً قريبون جداً في تعاطفنا من فن مسرح المنوعات ومعرض الرسوم، أكثر من تشوسر وسيمابو، أو حتى شكسبير والتيتان. ويمكننا عبر جهد من التعاطف التاريخي أن نعود بأذهاننا إلى فن الماضي البعيد أو إلى الحاضر الغريب، فنستمتع بنقوش إنسان الكهوف أو الصور اليابانية الملونة؛ لكن إمكانية تحقيق هذا الجهد مرهونة بذلك التطور الذي أحرزه التفكير التاريخي الذي يُعد أعظم إنجاز لحضارتنا في القرنين الماضيين، وهذا الأمر ممكن كلياً بالنسبة إلى أناس لم يتحقق لديهم هذا التطور. إن الموقف الجمالي الطبيعي والأولي هو الاستمتاع بالفن المعاصر، واحتقار فن الماضي القريب وكرهه، وعدم الاكتراث على نحو كامل بأي شيء آخر(1). وقد يجادل امرؤ في أن الغاية النهائية للبحث الأدبي هي تصحيح هذه النزعة المحلية العفوية، التي على الأرجح أنها ستحجب آفاق الجمهور العام، والناقد الصحفي، والفنان المبدع نفسه، وبذلك تنشأ دراسة للأدب متحررة من طغيان الواقع المعاصر. وقد تتخذ دراسة كهذه أشكالاً كثيرة. إن دراسة الأفكار في الأدب هي إحدى هذه الأشكال. وبالطبع، لا داعي لذكر أن دارساً للأفكار لا يستطيع أن يتجاهل المشهد المعاصر على نحوٍ مسوّغ. إذ إنه غالباً ما سيضطر للعودة إلى هذه الدراسة. فالاستمراريات، والتباينات، والتشابهات القابلة للتمييز ـ عندما يتم مسح الماضي والحاضر معاً ـ لا تنضب، كما أن أية واحدة من هذه غالباً ما يتم فهمها عبر الأخرى. وعندما نؤكد قيمة دراسة كهذه، فإننا نجد أنفسنا ملتزمين بهذا الافتراض المهم. ذلك أن معظم طلاب الأدب، سواء أطلقوا على أنفسهم اسم باحثين أو نقّاد، فهم جاهزون للمحاججة في أنه من الممكن فهم الأعمال الأدبية هذه بالإضافة إلى الاستمتاع بها. وسيضيف آخرون أنه بإمكاننا التصعيد من استمتاعنا عبر فهمنا للأعمال. وهذا الفهم، بالطبع، يمكن أن يتخذ بدوره أشكالاً عدة، وبعض هذه الأشكال هي أساساً تاريخية، ولا سيما تلك التي تثير اهتمام طلاب الأدب المقارن. ولكن مؤرخ الأدب ليس مضطراً أن يحصر انتباهه بسيرة الكاتب الشخصية أو بمسائل أسلوبية تتعلق بالشكل، أو "النسيج"، أو التقنية. وقد يدرس الطالب الأفكار أيضاً. ومن الصحيح القول: إن هذا التمييز بين الأسلوب والفكرة يكاد يكون عشوائياً في أغلب الأحيان لأنه في نهاية الأمر علينا الاعتراف بان الأسلوب والمحتوى كثيراً ما يؤثر أو يفسر أحدهما الآخر، وأحياناً يظهران وكأنهما تعبير للرؤية نفسها. ولكننا نستطيع عموماً أن نناقش أنه بإمكان الطالب أن يوجه التأكيد الأولي لانتباهه نحو أحد هذين الجانبين. ويبيّن ما قلناه إلى الآن أن لدينا تعريفاً لـ "الفكرة" فاعلاً وجاهزاً، مع أن هذا التعريف الأولي يجب أن يُعدّل نوعاً ما كلّما تعمقنا في بحثنا. وإن مصطلح "فكرة" يشير إلى وعينا الأكثر تفكيراً وتأملاً، بوصفه معارضاًً للحظات الآنية لتجربتنا الحسّية أو العاطفية. والأدب يقترب من الفلسفة عادةً عبر تأمل كهذا. ويمكننا تعريف الفكرة على وجه ا لتقريب بأنها "ثيمة" أو موضوع يستحوذ على انتباهنا. ففي هذه المقالة، نهتم مع معظم المؤرخين بالأفكار الأكثر عمومية أو الأكثر شموليةً، والتي يقال إنها "مكتوبة على نطاقٍ واسع" في تاريخ الأدب، حيث تتكرر على نحوٍ مستمر. ومن أبرز هذه الأفكار فكرة الطبيعة الإنسانية نفسها، بما في ذلك التعاريف الكثيرة التي تم طرحها بخصوص ذلك عبر قرون؛ وكذلك الأمر في أفكار ثانوية مثل فكرة كمال الإنسان، وفساد الإنسان، وكرامة الإنسان. وقد يُحاجج إنسان، فعلياً، في أن تاريخ الأفكار، بقدر ما يتضمن من الآداب، يجب أن يركز على تشخيصات الطبيعة البشرية، وأن الفترات العظيمة للإنجازات الأدبية يمكن تمييزها الواحدة من الأخرى بالإشارة إلى صورة الطبيعة البشرية التي تنجح في صياغتها. ومن المؤكَّد أننا لا نحتاج إلى توقع وجود أفكارٍ كهذه في كل قطعة أدبية إن فكرة، من النوع الذي في أذهاننا ـ مع أنها متوفرة بالضرورة بيسر في المخيلة ـ هي أكثر عمومية في معناها المجازي من معظم الصور الشعرية أو الأدبية، ولا سيما تلك التي تظهر في القصائد الغنائية الساعية للإمساك بلحظة من الخبرة الشخصية. يقول بيرنز: حبي مثلُه مثَلُ وردةٍ حمراءَ، حمراء. يقول هوبكنز: وشاطئ البحر ذي الرعد الأرجواني، الرعد الأرجواني الزاهي. ومع أن هذه الأبيات واضحة المعنى من حيث المحتوى، فإن الأفكار التي تهمنا غير موجودة هنا. ومن ناحية أخرى، لدينا هذا البيت لأرنولد: ذلك البحر الغريب، المالح، الذي لا يمكن سَبرُ أغوارِه إنّه يحتوي على فكرةٍ، من غير شكّ، إذا ما أُخِذَ في سياقه. إن فهم عمل أدبي ما يتضمن اعترافاً بوجود الأفكار التي يعكسها أو يحتويها. لهذا يمكن لطالب الأدب أحياناً أن يجد من السهل تصنيف قصيدة أو مقالة، فيجدها من حيث الفكرة، أو من حيث المحتوى المثالي، أو الموضوع، نموذجية أو شاذةً عن عصرها. وقد يكتشف أيضاً ضمن نسيجها موضوعاً أو فكرة تم تقديمها في مكان آخر، وفي أزمنة أخرى، وبطرق متنوعة. وإن فهمنا سيتطلب على نحوٍ محتمل هذين التعليقين كليهما. ومن المرجح جداً أنه سيتضمن اعترافاً بأن العمل الذي نقرأه يعكس أو "ينتمي" إلى طريقة ما في التفكير نسميها "مدرسة" أو "نزعة"، أي تركيبة أو "متلازمة" أفكار تأتي بعضها مع بعض على نحوٍ بارز بما يكفي لأن نوحّد بينها ذلك التوحيد المبرَّر. وهكذا تتلازم أفكار مثل "النعمة الإلهية" و"الخلاص" و"العناية الإلهية" بعضها مع بعض في المسيحية التقليدية. ويقدم لنا العمل المدروس عادةً فهماً أو معالجةً خاصّة، أو حتى متفردة للأفكار المطروحة، بحيث يجد الطالب من الضرورة أن يميز بعناية بين تعابير عدّة "لنزعة" ما أو أسلوب معين في التفكير. وطبقاً لذلك فإننا نستطيع الحديث عن الأفلاطونية الخاصة بأشعار شيلي، أو نموذج الرواقية الموجود في عمل هينلي "الذم"، كما يمكن أن نجد أنَّ ذلك الوصف للأفلاطونية أو الرواقية، ومقارنة كل منها مع تعابير اخرى للموقف أو طريقة التفكير نفسها، مهمة فيها صعوبة وتحدٍ. وبعد كل شيء، فإن شيلي ليس "تقليدياً" أو أفلاطونياً هيلينياً، حتى أفلاطونيته "الرومانتيكية" يمكن تمييزها عن تلك الخاصة بمعاصريه. ومن جديد فإن موقف التحدي لدى هينلي، والذي يطبع مثاله بسيادة الذات، هو موقف بعيد في تميزه عن مثال مفكر رواقي مثل ماركوس أو ريليوس، بإذعانه اللطيف القريب من المسيحية، ويمكن مقارنته بالصبر الذي يعبر عنه ميلتون في قصيدته عن عماه. وفي السنين الأخيرة، أصبحنا نعترف أكثر بأن الأفكار لها تاريخ، وأنّ للفصول الأقل أهمية في هذا التاريخ علاقة بجوانب موضوعاتية أو مفهوماتية للأدب وللفنون، مع أن هذه الجوانب يجب دراستها بالترابط مع تاريخ الفلسفة، والدين، والعلوم. وعندما يتم مسح هذه الحقول بعضها مع بعض، تنبثق أنساقٌ مهمةٌ من العلاقات تشير إلى حجم كبير من التأثير المتبادل، وإلى استمرارية في الفكر والتعبير، تتضمن تقاليد كثيرة، هي على نحوٍ أولي أدبية ودينية وفلسفية، لكنها غالباً ما تتضمن صلة ما بالفنون الجميلة وبالعلوم إلى حدٍّ ما. ويمكننا هنا ملاحظة أن إحدى فلسفات التاريخ الحديثة على الأقل مبنية على افتراض أن الأفكار هي الأهداف الأولية لبحث المؤرخ. ونقتبس مرّة أخرى من ر.ج. كولينغوود: يهتم التاريخ على نحوٍ مناسب بأفعال الناس... وبالنظر إليه من الخارج، فإن الفعل هو حدث، أو سلسلة من الأحداث التي تحدث في العالم المادي، وبالنظر إليه من الداخل، فإنه يحمل إلى داخل الفعل فكراً معيناً... وتكمن مهمة المؤرخ في الولوج إلى داخل الأفعال التي يتعامل معها، أو يعيد بناءها، أو حتى يعيد النظر في الأفكار التي تؤلفها. وما يميز الأفكار هو أنها... في إعادة التفكير بها نصل؛ بحكم طبيعتها، إلى تفهم لماذا كانت أفكاراً(2). إن فهماً كهذا، ليس مسألة حدس، مع أنه يجب أن يسعى كي يكون تعاطفياً. ويشترك التاريخ في هذا مع العلوم الأخرى كلها: فالمؤرخ لا يُسمح له أن يدعي امتلاك أي جزء من المعرفة، إلا إذا استطاع تسويغ ادعائه وذلك بأن يستعرض أولاً أمام نفسه، وثانياً أمام أي شخص آخر قادر، ويرغب في متابعة إثباته هذا، الأسس التي يستند إليها في ادعائه. وهذا ما كنا نعنيه، أعلاه، بوصف التاريخ أنه استنتاجي. وأن المعرفة التي بفضلها يصبح الإنسان مؤرخاً هي معرفة تضعها البيِّنات تحت تصرفه، في عملية إثبات أحداث معينة. ومن الواضح أن المؤرخ الذي يسعى للإحاطة بالأفكار التي أثرت في السلوك الإنساني عبر فترة محددة سيجد أن الفن والأدب في تلك الفترة هي من اهتماماته المركزية والرئيسة، وهي ليست مجرد أمرٍ ملحقٍ أو مساعدٍ للبحث التاريخي الجاد. إن دارس الأفكار ومكانتها في التاريخ سيكون مهتماً دائماً بأنساق الانتقال، التي هي في الوقت نفسه أنساق تحويل، والتي عبرها تنتقل الأفكار من منطقة نشاط إلى أخرى. لنقم الآن بمسح تطور الفكر الحديث ـ محولين انتباهنا من حركة الإصلاح باتجاه الحركات الثورية والرومانتيكية التي تلتها عاكفين في دراستنا أخيراً على العقود الحديثة. وبهذا نتمكن من تتبع فكرة استقلالية الفرد، منذ ظهورها في الممارسة الدينية والتأمل اللاهوتي، عبر السياسة العملية والنظرية السياسية وصولاً إلى الأدب والفنون. وأخيراً يمكننا ملاحظة أن الفكرة تظهر في النظرية التربوية حيث ينتشر تأثيرها في الوقت الحاضر. ولا يستطيع أي امرئٍ إنكار أن لهذه التطورات والتحولات أهميتها الداخلية العظيمة، وأن دراسة الأفكار في الأدب ستكون ناقصة على نحوٍ كبير دون الإحالات المتكررة إليها. ولا يزال من الواجب علينا أن نتذكر أننا لا نستطيع بناء تعميمات في هذا النوع وتسويغها إلا إذا كنا مستعدين لدراسة أمثلة خاصة عن التأثير، تتحرك بين مجالات مثل: اللاهوت،، والفلسفة، والفكر السياسي، والأدب. إن لحظات الاتصال الفعلية مهمة على نحوٍ حيوي. وتُعد هذه اللحظات أحداثاً تاريخية في حياة المؤلفين الأفراد والتي ينبغي على دارسي الأدب أن يهتموا بها دوماً. إن التأثير الأدبي الأقوى والأكثر حدوثاً في العالم الغربي كان تأثير التوراة والإنجيل. ومن المؤكد أن أحد أهم التعليقات التي يمكن إبداؤها حول الحياة الروحية والثقافية، لأية فترة من فترات الحضارة الغربية، خلال الستة عشر أو السبعة عشر قرناً الماضية، هو أنها كانت وثيقة الصلة بالطريقة التي اتبعها رواد هذه الفترة في قراءة الكتاب المقدّس وتفسيره. فالقراءة نفسها والتفسيرات التي تثيرها هي التي تشكل التأثير. لِنَقل، إن التباين موجود ما بين قراءات القديس أوغسطين وجون بنيان وتوماس جيفرسون، مع أنَّ هذه القراءات الثلاث ترى في مثل هذه الدراسة مصدراً حقيقياً للتنوير الفكري، لكن ذلك التباين يفصح بالكثير عن هؤلاء الرجال الثلاثة، والعصر الذي مثّله كل واحد منهم، وأسهم في التعبير عنه تعبيراً واعياً. وبالطريقة نفسها تقريباً. نتعرف على أهمية اطلاع شكسبير على بلوتارك ومونتين، ودراسة شيلي لمحاورات أفلاطون، والنهب المتحمس الذي قام به كولردج لكتابات العديد من الفلاسفة واللاهوتيين، بدءاً بأفلاطون حتى شيلنغ ووليام غودوين، والذي تم عبره اطلاع بعض أدباء الإنكليز على الكثير من الأفكار النظرية. ويمكن أيضاً أن نتعرف على الحالات التي أثر فيها الشعراء في الفلاسفة، وحتى في العلماء بصورة غير مباشرة. ومثال مهم وحديث هو دين الفيلسوف الإنكليزي صامويل ألكسندر لورذرورث وميرديث، مثل فهم أ.ن. وايتهد للشعراء الإنكليز الرومانتيكيين، وبصورة رئيسة شيلي ووردزورث. ويشير إعجاب هيغل العميق برؤى التراجيديين الإغريق إلى قناة واسعة من أقنية التأثير الكلاسيكي في فلسفة القرن التاسع عشر. كما أن دارس علم تطور الأحياء سيجد ـ وإن كان بالنسبة إلينا غريباً ـ سبقاً رائعاً لنظرية تنوعات المصادفة والزوال الطبيعي لما هو غير صالح، في كتابات لوكريتس، والذي يبدو أنه استقى هذا المفهوم من الفيلسوف إمبيدو قليس. وهنا نجد تحذيراً مهماً ومنتظماً. علينا أن نتجنب ذلك التصوّر، الذي توحي به للبعض أمثلة كتلك التي ذُكرت، والذي يقول: إن الأفكار هي "وحدات"(3) يمكن مقارنتها ـ بطريقة ما ـ بالعملات أو القطع النقدية التي يمكن أن تنتقل من جماعة إلى جماعة من الناس دون تغيير، أو حتى من شخص إلى آخر. ويجب علينا ألا نغالي في تبسيط وصفنا لتأثير فكرة ما. وهذا أمر دقيق ومعقد دائماً. وعادة ما يجري التعبير عن الأفكار بالكلمات، ويجب التعبير عنها بهذه الطريقة في الأدب كشيء مقابل للموسيقا والفنون الجميلة. ويجب ألا تقرأ الكلمات أو تُسمع فحسب، بل يجب أن تُشرح ضمن مجموعات سياقية، وأنه عبر القيام بمثل هذه الشروحات فقط تُصبح الأفكار متوفرة بالنسبة إلينا. والأفكار لا توجد كسلع جاهزة وإنما ـ على نحو أولي ـ توجد "كمعنى" كامن في الجهود الإنسانية من أجل التواصل (وهنا يتوجب علينا أن نتجاوز التعريف الذي تم عرضه سابقاً). كما أن وضع هذه الأفكار ليس "ذاتياً"، ولا "موضوعياً" بالمعنى المعتاد، فهو واقعٌ بين الذوات، وتواصلي، وحواري. وفي اللحظة التي ينزاح هذا الوضع عن عملية الأخذ والرد في التواصل الفعلي، فإن الأفكار تفقد حيويتها. ويصبح وجودها الأصيل انتقالياً. فهي تنتقل باستمرار من سياق إلى آخر؛ وحتى ضمن عقل الفرد نفسه، ويجب إعادة صياغة الأفكار على نحوٍ متكرر، وفي الواقع شرحها بصورة متواصلة، إن كان عليها أن تحافظ على أية حيوية أو حتى دلالة أصلية، أما الوصفات الجاهزة فليس لها سوى قيمة أثرية وهي غير ملائمة إلا في الكتب المدرسية الابتدائية. وهكذا فإن مصطلح الفكرة ـ الوحدة لا يكاد يمكن وصفه أنه يشير إلى أي كيان مميز، فما بالك بأن يمكن استخدامه على نحو مفيد من قبل دارسي الأدب. ونستطيع للتأكد، أن نعيد تعريفه مع أ.و. لفجوي بوصفه اتجاهاً من بعض الناس للتمتع بسماع اقتراحات محددة، مثل "الحقيقي هو شيء واحد" أو "العالم مليء بعدد من الأشياء"، وبهذا نميز المصطلحين الفلسفيين "الأحادية" و"التعددية" بوصفهما مثالين عن الفكرة ـ الوحدة. على أية حال، وعلى هذا المستوى من التعميم، فمن المحتمل أن الأفضل إلينا هو ألا نستخدم المصطلح "الفكرة ـ الوحدة" ولو كصورة مجازية، لأن مضامينها، كما سبق ذكره، هي سيئة الحظ على الأغلب، وذلك لإقناع أنفسنا بتعابير أكثر مباشرة مثل "اتجاهات" و"نزعات" أو أمزجة" "فكرية أو شعورية". وقد تعبر هذه الاتجاهات عن نفسها بطرق متنوعة تختلف إلى حدٍ بعيد من فترة إلى أخرى. ولكن مفهوم الفكرة ـ الوحدة المُفسّر على أنه ظهور جديد، أو على أنه نقل من مؤلف إلى آخر، أو من فترة إلى أخرى هو تبسيط شديد. وفي عملية الانتقال من مؤلف إلى مؤلف، ومن عصر إلى عصر، فإن هذه الأمزجة الفكرية والشعورية تخضع لصياغة، ولإعادة تفسير، وتحول مستمر. إن تاريخ الأفكار هو أساساً تعليق على هذه العملية، التي هي بالنتيجة جوهر حياة الروح الإنسانية، التي تشكل وتعيد تشكيل الأفكار والتي تصبح من خلالها واعية لذاتها ولبيئتها. كما حاول هيغل أن يظهر في أول عمل كبير له "علم ظاهرة الروح"، إن تاريخ الأفكار يمكن أن يُعد فهرساً لنمو وعي الذات، الذي يقوم أفراد البشر بوساطته بتفسير وإعادة تفسير أوضاعهم في المجتمع والعالم. ولا داعي لذكر أن ظهور وعي الذات هذا يؤدي إلى تحول في حياة الفرد، والتأثير في علاقاته الاجتماعية، وإلى تغيير عميق في موقفه حيال الطبيعة. إن مثل إعادة التوجيه هذه ـ كما تبدو في شكلها الوثائقي ـ هي موضوع أولي للتاريخ. ولهذا يتوجب على المؤرخ أن يدرس أدوار الفكر كلها، وبذلك يتم تمييز فترة معينة من الحياة الإنسانية عن سابقاتها ولاحقاتها من الفترات. فقد يجد نفسه أيضاً يميز أشياء موازنة، أو مناظرة تتضمن تأثيراً أو اتصالاً فعلياً، حيث يكون من غير المحتمل تطوير مفهوم عن الاستمرارية التاريخية. ويمكن تبيين علاقة شيقة من هذا النوع، ونحن نقارن كتابات الطاويين الصينيين، خصوصاً كتابات لاو ـ تسو نفسه، مع عبارات كتبها رومانتيكيون أوروبيون مثل قصيدة وردزورث "أبيات مكتوبة في بداية الربيع". وكلا النوعين من الكتابة أن يقارن مع مقاطع من كتابات الفيلسوف الأفلاطوني المُحدَث، بلوتينوس. ويجد بعض الباحثين أهمية عظيمة في تناظرات كهذه، فيحاولون بوساطتها أن يُلخصوا دوائر تطور موازية في ثقافات بعيدة. وهذه التأملات، مثل تأملات أوزوالد سبنغلر، الذي "طابق" بين الرواقية القديمة والاشتراكية الحديثة، ورأى فيثاغورث، ومحمد، وكرومويل "معاصرين" لبعضهم، أو متناظرين تاريخياً، هي تقريباً على الدوام ممتعة وموحية وأحياناً تفتح آفاقاً مهمة للبحث. ولكن مثل المحاكمات العقلية كلها التي تستند إلى تناظرات تُعرف بالحدس، يجب أن تقوم هذه المحاججة بحذر شديد، وألا يتم الاعتراف بها، بوصفها نهائية، من دون دراسة مفصلة ذات طابع متأنٍ أكثر. لقد ناقشنا أن على دارس ا لتيارات الكبيرة في التاريخ الأدبي والفلسفي، عليه أن يتابع بحثه بحكمة، وأن يعرف دائماً أن الأفكار عندما تنتقل من عقلٍ إلى آخر، يجب أن يحدث تغيير، وغالباً تغيير جذري، في بنيتها، وتوجهها، وطريقة استقبالها. وهناك الكثير من الأمثلة على تباين كهذا. ومن أبرز هذه الأمثلة نجد التحولات التي تخضع لها الأفكار في معظم الأحيان حينما تنتقل من مفكر إلى فنان. ويمكن القول: إن الشاعر والفيلسوف يهتمان بالفكرة "نفسها"، ولكن من المهم كثيراً أن نتذكر أن التطور الشعري أو الأدبي لفكرة ما غالباً هو تخيّلي، أو صوري، أو مجازي بطبيعته، وأن هذا يتباين بحدة مع تناول فكري يؤكد على التعريف والدقة حتى مع خطر الوقوع في الحذلقة. ويهتم المفكر بالتضمينات، ويسعى للحفاظ على تناسق صارم، قليلاً أو كثيراً، بينما يشغف الكاتب التخيلي عادة في توضيح كيفية تأثير فكرة في حياة الشخص الذي يحملها وألوان عواطفه. وهو ليس بحاجة كبيرة كي يشغل نفسه بإقناع قرّائه أن فكرته صحيحة أو أنها تستبعد أية أفكار أخرى. وعلى أية حال، ليس مطلوباً منه أن يُنشئ محاججة. وبهذا الخصوص، إن الطاقة الجدلية والحوارية لدى برنارد شو، التي تظهر في مقدمات أعماله وأماكن أخرى، هي أمر غير اعتيادي. ولا يقوم الفنان الأدبي عادة برسم حدود فاصلة، فهو لا يرمي إلى تعريفات واستنتاجات. ومع هذا فإن عقله يمكن أن يكون مشغولاً تماماً بفكرة ما كما يكون التفكير الصارم لشخص يعمل بالهندسة. وهكذا فإن قصيدة شيلي "أوزيما ندياس" هي تمثيل شديد لفكرة، مع أن المرء لا يستطيع بسهولة أن يدعي أن القصيدة هي محاججة أو برهان، لأن الشاعر يقتبس مثالاً منفرداً. وتوضح قصيدته "أدونيس" بصورة حيوية المفاهيم الأفلاطونية فيما يخص الزمن، والأبدية، والخلود، من دون العودة إلى تتبع جدل أفلاطون المعقد غالباً. ومن ناحية أخرى، هناك مقاطع في "الكوميديا الإلهية"، وفي "الفردوس المفقود"، وفي قصيدة وردزورث "رحلة" حيث يتم فيها تقديم أفكار فلسفية لاهوتية، ضمن نسق استطرادي، يقترب من المحاججة المنطقية. ويذهب الفيلسوف لوكريتس أبعد من هذا في عرضه للفلسفات الإبيقورية والذريّة، ويمضي في نقاشه حتى يصل إلى شيء يمكن مقارنته بمقولة: "وهو المطلوب إثباته"، مع أنه للتأكد، يتبع محاججة استعارها من فلاسفة سبقوه. ولكن طريقة متبعة كهذه للوصول إلى محاكمة رسمية هي غير معتادة في الأدب. وما يهم الأدب بصورة عامة هو أن يلفت انتباهنا إلى أفكار، أكثر من أن يقوم بالبرهنة عليها أو إثباتها. على أية حال، يتخذ التأمل، في الفلسفة، عموماً شكل المعرفة، أو الرأي، أو الاعتقاد، أي إن هناك عادة نوعاً ما من توكيد إيجابي متضمن. ولكن غالباً ما تكون الحالة في الأدب هي أن وجود فكرة ما تسترعي انتباهنا لا تتطلب منا أي تقويم منطقي. ففي مثل هذه الحالة تأخذ المتعة الخالصة مكان القبول أو الرفض الفكري ـ وتكون الفكرة في تجسيدها مثيرة للإعجاب أكثر مما هي محلّ دفاع عنها. ويبدو أن لدى الشعراء طريقة للاستمتاع بفكرةٍ دون أن يشعروا بأي التزام لإثباتها أو التحقق منها. لهذا قد يكونون بصورة طبيعية مشاركين لصنّاع الأساطير في خبراتهم والذين لا يتجاوزون المخيّلة إلى المحاججة. لذلك فإن موقف الفيلسوف دائماً أقل تجانساً من حيث الجوهر. ولهذا يمكننا أن نناقش أن الأساطير تعير نفسها بسهولة للمعالجة الأدبية أكثر مما يفعل العلم أو حتى الفلسفة، وأنه في الصراع الذي غالباً ما ينشأ بين الأسطورة والعلم، يميل الأديب نحو الأشكال الأسطورية للتفكير والتجربة تقريباً رغماً عنه. كما فعل لوكرتيس في ابتهاله المتوهج للإلهة فينوس، وذلك عبر قصيدة مكرّسة لوصف مادي تفسيري للإنسان والعالم. أو كما فعل وردزورث في مقطوعه بعنوان "الناسك"، وذلك على الرغم من عدم محبته "للشعر المزخرف"، إذ تضرع إلى يورانيا واستدعى روحاً نبوئية لدعمه في الدفاع عن فلسفة إنسانية. وفي كثير من الأمثلة، يحاول الشاعر أن يحتفظ أو يحوز شيئاً من الجاذبية التخيلية للأسطورة، مع أنه قد يكون ملتزماً فكرياً بنظرة علمية، أو إنسانية، أو حتى مادية، حيال الأشياء. وبعد كل شيء، فقد كانت الأساطير أحياناً الدافع الحي وراء أدب يجد نفسه مألوفاً محلياً ضمن نطاق نظرته. ويمكننا أن نناقش أنه لم يحصل مرة في تاريخ الأدب الغربي ـ حتى لو حذفنا رواية الخيال العلمي التي ظهرت في السنوات الأخيرة ـ أن قام الفكر العلمي بممارسة تأثير ذكي وشامل أكثر من الأساطير ـ حتى في الروايات التي سادت في القرن التاسع عشر(4). وعلى أية حال، فإن طالب الأدب سيتوصل إلى إدراك أن التباينات ـ كتلك المذكورة سابقاً بين العلم والأساطير، وعلى الرغم من سهولة رؤيتها في فكر كثير من الكّتاب ـ لا تمنح سوى تبصراً مقارناً سطحياً في الحركات الكبرى للأفكار. وإن مثل هذه التباينات تُظهر بصعوبة الأقطاب التي تصبح واضحة بصورة تدريجية، كما حددنا، في مقابل الموضوعات السائدة التي تميز فترات الفكر والأدب العظيمة. وغالباً ما تؤلف هذه الموضوعات آفاقاً تتخذ ضمنها الأفكار الموروثة من فترات سابقة مظهراً محلياً، لم يكن موجوداً فيها نهائياً في تلك الأزمنة السابقة. وهكذا يمكننا أن نميز بُعدين لدراسة الأفكار: "البعد العمودي" عندما نتحدث عن الأفلاطونية عند شيلي، و"البعد الأفقي" عندما نتحدث عن الأفلاطونية الرومانتيكية. وحين نؤكد على المحور العمودي، فإننا نتعرف الأفكار والمذاهب المتكررة. وهناك دائماً خطر في أن نبالغ في مطابقة فكرة ما، كما تظهر في إطار فترة معينة، مع مظاهرها في فترة أخرى. والنتيجة هي معنى مزيف لتجمع فكري، أو روحي، فيه شخصيات تاريخية ينبغي علينا ألا نتعامل معها بوصفها "معاصرة" لنا ويجب أن نعترف أن الأفلاطونية تعاني من تغيرات هائلة، في عملية عبورها من أثينا، التي كانت تمر بصعوبات الحرب البيلوبونيزية، إلى إنكلترا في عصر الثورة الصناعية. وهذا التحول هو تحدّ للمؤرخ الذي عليه ألا يسأل: "هل فهم الرومانتيكيون أفلاطون؟" بل "كيف قرؤوا أعماله وترجموها؟" لندرس الأفلاطونية في شعر شيلي الذي كان مُلمّاً بنص معلمه القديم. وهنا يوجد الفرق في المعالجة وفي التأكيد الذي يلفت انتباهنا كثيراً. وللتأكيد، يمكن اقتباس العديد من المقاطع المختارة، لتقوية الانطباع بأن العبقرية أو الأفلاطونية الهيلينية تكمن في قصائد شيلي: يبقى الواحدُ، ويتغيرُ العديدٌ ويمضي؛ ويشعُ نور السماء أبداً، وترحل ظلالُ الأرض؛ والحياة، كقبة يزيّنها زجاجٌ متعددُ الألوان، تَسِمُ إشعاع الأبدية الأبيض. سيبدو هذا بوصفه أفلاطونية راشدة مشتقة من الصورة المركزية للشمس في كتاب "الجمهورية". ولكن دعونا نتذكر الإطار الأوسع لفكر شيلي، كما يجب أن يكون تعليقنا مناسباً إلى أبعد حد. وبعد هذا كله فإن شيلي كان يحب الحركة، والتحويل، وتدفق الصفات الحسّية. وعالم التغيرات هذا له حقيقته الخاصة وجماله الخاص به. فهو ليس مجرّد مظهر: إن الكونَ الأبديَّ للأشياء يسري عبرَ العقل، ويطوي أمواجه السريعة، فحيناً ظلامٌ، وحيناً، نورٌ، وحيناً يعكس كآبةً، وحيناً يمنح الروعةَ، ومن الينابيع الخفية يستمدُّ مصدرُ الفكر الإنساني روافدَه من الماء ـ بصوتٍ لكن بمقدارِ النصف. وهذا المقطع من قصيدة "مونت بلانك" حديث جداً كي يؤلف أفلاطونية أصلية. وكذلك أيضاً هو وضع "أسطورية" "الريح الغربية" البعيدة تماماً عن فيدروس. وأكثر من ذلك، فإن أفلاطونية محلية ذات ليبرالية ثورية، تأسست على إيمان بالكمال والتقدم الإنساني، ملوّنة بأفكار رومانتيكية عن الحب "الحر" (المشتهي للجنس الآخر)، ثم وضعت في شعر من قبل شاعر كان متحمساً للكيمياء الحديثة، هي أفلاطونية فذّة. ويمكننا أن نذكر بصورة عابرة أن أفلاطونية وردزورث لم تكن راشدة مثل شيلي. فعلى سبيل المثال، إن إعادة تفسير وردزورث لمفهوم الذكريات الأفلاطونية، الذي قدّمه بصورة حيوية في أغنية "حميميات"، هو فعلاً عكس للتعاليم القديمة. فقد اعتقد أفلاطون أنه في لحظات متميزة معينة يمكننا تذكر، أو إعادة تشكيل، رؤية للحقيقة الأدبية، التي ضاعت منذ ولادتها، بما في ذلك المبادئ الأولى، أو أسس النظام الرياضي، و العدالة الاجتماعية، والجمال الحسّي والعقلي. وتصبح هذه التبصرات أكثر تردداً، وأكثر شمولاً، كلما تقدمت تربيتنا. وبالنسبة إلى وردزورث فنحن "نتذكر" أقل فأقل، ونحن نُكبّر ثروة العالم المجيدة، في أن تغدو "المياه القوية" التي تدعم وجودنا، وواضحة جداً بالنسبة لرؤيتنا الطفولية. ويبدو هذا العالم، مثل "شجرة الحياة الذهبية"، كظلٍ رمادي لذاته الحقيقية، وذلك بالنسبة لكلّ من الإنسان العلمي، وللمنظّر العلمي. ويمكن أن يكون حاضراً فقط بالنسبة لذاك "الانفعال الحكيم" الذي تجعل "السنوات الصاخبة" الاستمتاع به أكثر صعوبةًَ. ورغم أن قصيدة وردزورث معرفةً بوصفها أفلاطونية من حيث الروح، فقد يبدو لبعضهم أن الفكرة الأعم فقط "للذكرى" أو الاستنكار تقف على نحوٍ مشترك بالنسبة للشاعر والفيلسوف. أما التفاصيل فقد تم تحويلها بالكامل. وتلفت هذه الاعتبارات انتباهنا باتجاه التباينات العميقة، الموجودة بين طرائق النظر القديمة والحديثة للعالم. وإذا رغب القارئ مثالاً آخر، فليدرس المثل القديم "اعرف نفسك"، متسائلاً عمّا قد يعنيه أصلاً بالنسبة إلى متوسلي الرأفة من الوحي في معبد دلفي، وما كان يعنيه بالنسبة إلى سقراط، وما كان يعنيه أيضاً بالنسبة إلى مونتين الذي وجد الاستخدام السقراطي للعبارة متجانساً روحاً. إن الفصل الرائع الذي كتبه أورباخ في عمله الشهير "محاكاة" حول مونتين يمكن أن يُقرأ على نحوٍ مفيد. وقد أعاد كلٌّ من شيلي، ووردزورث، ومونتين صياغة الموضوعات الأفلاطونية، ولكن من دون أن يكون هناك أي قصدٍ واعٍ في عملية نظم فلسفته الجديدة. ولعله من الأفضل لنا القول: إنهم ينقلون الأفلاطونية من وسيط واحد للفكر والعواطف إلى آخر، وبذلك يصوغون مفاهيمه الرئيسة من جديد. إن هذه التعارضات بين الأفلاطونية القديمة، ونظيرتها الرومانتيكية الحديثة، تستدعي انتباهنا باتجاه الأفكار المتصلة التي لها أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤرخ. وبالنسبة للعقل الحديث فإن الأمور المباشرة، والحسية، والمتغيرة، هي أكثر جاذبية، ومن الناحية الفلسفية أكثر دلالةً مما كانت عليه بالنسبة للمثالية الإغريقية. وفي المقام الأول، يؤلف التنسيق بين المفاهيم،والذي يوحي به هذا التباين، مجالاً مهماً للدارسة التاريخية. ولكن بإمكاننا الذهاب بعيداً والإصرار على أن هذا التباين بالغ الصلة بموقف المؤرخ الخاص حيال موضوع دراسته. وقبل أن يصبح المرء مؤرخاً حقيقياً للأفكار، عليه أن يتعلم "أخذ الوقت بعين الاعتبار" وأن يميز أن الوقت يترك آثاره على الأفكار، كما يتركها على الأشياء. إن الأفكار يمكن أن تبقى كحقائق ثقافية فقط من خلال التغيير والتعديل الدائم لطبيعتها. إن الإحساس بالتاريخ وبالتحول التدريجي للعادات والأفكار الإنسانية لم تكن ميزة المفكرين القدماء، الذين كان العلم المثالي لديهم هو الهندسة، والذين كان بالنسبة لهم، الدوران الظاهري للشمس والقمر والأبراج، والحركة الأكثر تعقيداً للكواكب نوعاً ما هو الإطار الواضح للكون الهندسي. وانطلاقاً من هذه النقطة، فإن التغيير يخضع للشكل والقانون، وهو أساساً مسألة تكرار ضمن إطار دائم. وإن التغيير العميق للتحول نحو تجديد أساسي بعيد الاحتمال. إن الزمن، بما في ذلك ا لحياة الإنسانية تنزع دائماً لتمثيل وإعادة تمثيل المبادئ الأزلية نفسها. وخلال القرنين الماضيين فقط، أصبحنا واعين بشكل عميق بالصيغة التاريخية للوجود، وتبيّنا أننا نحن أنفسنا نعيش "في التاريخ"، أو بمعنى آخر: نحن تاريخ يتخذ أشكالاً جديدة من عصرٍ إلى عصر. وينبثق هناك تدريجياً معنى الاستمرارية مع ماضٍ هو من حيث الكم بعيد جداً عنا، ومن حيث الكيف مختلف جداً. وللتأكيد، بإمكاننا "أن نتحرك" في التاريخ عبر تثقيف، كما يزكي كولينود مع آخرين، مُخيّلة متعاطفة ـ وبحدود معينة ـ تتجاوز الحدود الواسعة للتغيير. ويبقى الماضي بمعنىً ما ماضياً، وكما عبّرَ عنه هيغل بتوريته الشهيرة "إن جوهرنا هو ماضينا". إن هذا الانعطاف الفكري رومانتيكي أساساً. وهكذا فإن وردزورث، الذي استطاع التحدث بعاطفة حقيقية عن "لمسة الزمان التي لا يمكن تصورها" وعن "أشياء خرجت من العقل بصمت"، ومع هذا وصف استمتاعه بمدينة لندن ومعالمها التاريخية فقال (في المقدمة): بأحاسيس قويةٍ، مزدحمة كما كانت في الماضي والحاضر، مثل هذا المكان عليَّ أن أُسرَّ، في تلك الأيام، لم أطلب حينئذٍ المعرفة، لكنني كنت أتوق إلى القوة، والقوة وُجدت في الأشياء كلها؛ وما من شيء كان له تأثير ضيق محدود؛ ولكن الأشياء كلها، بكونها رحبةٌ بذاتها، وجدت أيضاً في نفسي رحابةً وسعةً في العقل؛ فهذه هي قوةٌ شبابنا ومجدُه. فالطبيعة البشرية التي شعرت أنني أنتمي إليها، والتي أحببتها واحترمتها، لم تكن حاضرةً دائماً، لكنها روحٌ تعيش في الزمان والمكان، وتنتشرُ بعيداً. ففي هذا متعتي، وفي هذا كرامتي تكمنان. إن حب "ذلك البعيد وذلك القديم"، كما أن العاطفة تجاه "الأشياء القديمة المنسية، والبعيدة" التي يتميز بها الرومانتيكيون تُظهر جانباً آخر لهذا الحسّ بالتاريخ. علينا أن نعترف غالباً بأنه على الرغم من أن الماضي لنا، فهو بعيد عن متناولنا. من الشائق ملاحظة أن هذا الإحساس بالزمن قد احتفى به شعراء وأدباء، قبل أن يكون له أثر عميق، أو واسع المدى، في عمل المؤرخ المحترف. إن المؤرخ الباحث في القرن التاسع عشر، وبخاصةٍ في ألمانيا، هو نتاج الحركة الرومانتيكية، كما هو أيضاً حال المفاهيم المستمدة من كولينغوود في الاقتباس الذي تم به افتتاح هذا الفصل. وما إن يستيقظ في داخلنا هذا الإحساس بالتاريخ، فإننا غالباً ما نؤكد على المسافة بين الماضي والحاضر حتى أكثر من استمرارهما أو حياتهما المشتركة. وثمة خطورة تتعلق بالطالب الحديث، فمع توسع علمه وإحساسه التاريخي، سوف يستسلم حيال سدّ الفجوة بين الماضي والحاضر، ومن تقديم، صورة ملائمة لأفلاطون أثينا مثلاً، أو صورة كذلك الأمر لهاملت في عهد الملكة إليزا بيث. وما دامت هذه الروح الانهزامية مُغالية، فإنه يجب الحضّ على إدراكِ مُتَّزنٍ للمسافة التاريخية. لنختبر بإيجاز اثنين أو ثلاثة أمثلة عمّا نصفه "بالمسافة التاريخية"، لعدم توفر مصطلح أفضل. كما يعرف تلميذ ماكولي النجيب، أن لورد نيلسون لقي حتفه في معركة "ترافلغار"، الذي أصابه الرماة المتمركزون حول حبال الأشرعة والصواري في سفن الأعداء. فقد كان هذا القائد البحري هدفاً جيداً لهم، حيث وقف في مؤخرة سفينته مرتدياً ز يّه العسكري الأنيق ذا الأوسمة الكثيرة، رغم تحذيرات ضباطه. وإبان الفترة النابليونية والأعوام التي تلتها، تم تقبل موقف نيلسون بوصفه منسجماً تماماً مع شخصية البطل الحقيقي، في فروسيته وبسالته. إن الأمر عموماً لا ينظر إليه هكذا في أيامنا، حيث لم يعد الجنود يقومون باستعراضهم العسكري وهم يرتدون بزاتهم الملونة، كما غاب مثال المبارزات الشخصية تقريباً من المشهد العسكري. كما يتوجب على الإنسان المدني في العصر الحديث أن يقوم بجهد حقيقي في إعادة توجيه تخيّلي كي يحرز إدراكاً للقيم التي اعتلت فوق الحياة العسكرية. وحتى "المواطن ـ الجندي" في الحرب الحديثة لا يمكنه القيام بذلك بسهولة. إن هذا شأن مؤرخ الأفكار الذي عليه أن يضيء تلك الطرق المتنوعة في التفكير. ويمكن توضيح الفرق على نحو كبير بالإشارة إلى نصوص أدبية. لنأخذ على سبيل المثال التعليق الساخر لدوغلاس، في مسرحية شكسبير "الملك هنري الرابع"، على خزانة ثياب الملك الإنكليزي الضخمة، الذي دفع إلى المعركة بعدد من ممثليه وهم يرتدون دروعاً ملكية، ومن جهة ثانية على الريشة البيضاء النافارية التي تغنّى بها ماكولي. إن موقفنا المعاصر الذي ينعكس في شعر ورواية الحرب في القرن العشرين هو شيء آخر مختلف. وعلى كل حال فمن الممتع أن نقارن هذا، مع تلك الأفكار التي طرحها كل من شكسبير في شخصية فولستاف، وسرفانتس في شخصية سانشو بانزا. والفوارق هنا رغم أنها أقل درامياً، إلا أنها أبلغ معنىً وأوسع من أن تُحدد. إن شاعر القرن ا لعشرين، مثل باوند وأوون وساسون، الذي يتساءل عن قيمة الشرف والمجد العسكريين، يلقي ضوءاً جديداً على تحفظات فولستاف بخصوص الحصول على الشرف العسكري، وعلى تقدير سانشو لسيده. وفي أيامنا هذه ليس من الضروري أبداً أن نقدّم هذا الموقف بوصفه مضحكاً مسرحياً، ولكن يمكن أن يؤخذ على نحوٍ جدّي لكونه يُشكل نظرة فيها حكمة وإنسانية. لعله من المفيد استعراض أمثلة أخرى للبعد التاريخي. ولنختر موضوعاً يُفصح عن العلاقة المتبادلة بين الدين والفنون. فمن خلال فكر القرون الوسطى والعصر الحديث أيضاً يجد المرء أنه من المناسب وصف الإله بأنه مطلق أو لا محدود، مع أن هذا الفهم يعني ضمناً أن الإنسان محدود، ولا يستطيع تماماً أن يُدرك الطبيعة الإلهية. وفي عصورٍ سابقة، كانت فكرة اللامحدودية تُعدّ بوضوح ذات معنى مزدرى، وخصوصاً من خلال نظرة الفلاسفة الفيثاغورثيين. فقد كان "اللامحدود" يعني "غير المحدود"، والذي لا شكل له"، و"غير المكتمل"، وذلك بالمقارنة مع المستقل ذاتياً، وذي البنية المعروفة والواضح للمحدود، الذي يكمن كماله في الانسجام والتوافق والتناسب. فمن خلال الرؤية الفيثاغورثية، التي هي على الأغلب، وجهة نظر الأدب والفن الكلاسيكي، فإنه سيكون شيئاً من قبيل التجديف السخيف أن يتحدث المرء عن إله مطلق، أو حتى عن الخير اللامحدود. وأن يقال إن الأشياء كلها تنطلق من المطلق، من دون تفسير ذلك على قاعدة نظامية مثل العدالة أو الفطنة، فإن ذلك سيؤدي إلى موقف خطر مثل موقف غليكون حين قال: كلُّ شيءٍ ضحكٌ، رمادٌ، لا شيء لأنَّ الأشياءَ كلَّها تُولد من اللاعقل. يحضرنا هنا ما يمكن أن ندعوه المثال الكلاسيكي للوحدة العضوية، الجزء الواحد في الجميع، حيث تكون البداية والوسط والنهاية(5) واضحة وحيث يستمد كلّ جزء حيويته من الكل الذي هو بعينه نظامٌ لكل الأجزاء. وهذا المثال أخلاقي وديني وجمالي على نحوٍ مباشر. ويُناقش بعض التلاميذ بجرأة أن هذه الفكرة جلية في عمق بنية الرياضيات القديمة بالمقارنة مع الحديثة، ويمكن وصف هذا المثال بالكلمات التي استخدمها كونتليان في وصف أسلوب بيركليس: المثال المحبوك جيداً أو المحكم. باختصار إنه تمجيد لغير المتناهي و"الانغلاق". وتتردد أصداء ذلك في الفن والشعر الكلاسيكيين في أية حقبة، ولو على نحوٍ ضعيف. ولإدراك هذا الأمر، على المرء التمعن فقط في واجهة بناء معبد إغريقي، وذلك بالمقارنة مع داخل كنيسة القديسة صوفياً، أو عليه دراسة حقب النثر الكلاسيكي، أو التناسق الداخلي المُغلق لقصيدة مثل قصيدة وليام براون: تحتَ عربةِ الموتى السوداء هذه يكمنُ موضوعُ الأشعار كلها. شقيقةُ سدني، ووالدة بمبروك، أيها الموت قبل أن تقتل أي شخص آخر، لطيفٌ ومتعلمٌ وكيّسٌ مثلها، سيرشُقك الزمانُ بسهمهِ أيضاً. وللتأكد فإن لوكرتيس، المادي من بين القدماء، يقف في رهبة من كونٍ لا حدود له، وعالمنا الصغير فيه ليس إلا مجرّد ملمح عابر. لكن هذا "الموقف الطارئ" الكبير والمكتفي ذاتياً للطبيعة، رغم خصوصيته كلها، غير مكترث بالقيم، كما أن الحكمة الإنسانية مؤسسة على الاعتراف بهذه الحقيقة المتعارضة مع الدين. ويقف العقل القروسطي بين المواقف المتطرفة التي قد أشرنا إليها. إن المسيحي القروسطي يبتهج لفكرة جلال الإله المطلقة والغامضة، والذي لا يمكن الإشارة إلى كيانه الكامل إلا بإشارات إنسانية، وهكذا يشجع العودة إلى الرمز وإلى المجاز. لكن هذا الإنسان يفتقد إلى الحس الحديث بسمو العالم المادي وإلى الزمن غير المتناهي، في حين أن عالمه محدود، والمستقبل الذي يواجهه مثبت بالعناية الإلهية. وبالنسبة إلى المفكر القروسطي، هناك شيء مرعب حول العالم أو النظام اللامحدود للطبيعة. ولا نستطيع أن نجد أناساً يناقشون أن إنتاج عالم محدود سيكون نوعاً ما تحت وقار إله لا محدود، إلاَّ مع بزوغ فجر الفكر الحديث. ونسمع في الفكر المتأخر أيضاً أنه تحت وقار خالق لا محدود لن يتم إنتاج مخلوقات إبداعية. وهناك يكمن موضوع يضع الفكر الحديث على نحوٍ حادٍّ مقابلَ الفكر القديم والقروسطي. لقد خلق الإله ـ حسب قصص الكتاب المقدس ـ السماء والأرض بكلّ ما فيهما، كما انه خلق الإنسان على شاكلته، وهذا ما يميز الإنسان عن المخلوقات الأدنى، ويضمن له مكانه المميز في هذا الكون، وقد يفترض المرء أن الإنسان، بما أنه مخلوق على صورة الخالق ـ وضمن الحدود المفروضة عليه بحسب وضعه كمخلوق محدود ـ أن يكون نفسه خالقاً، وأنه ـ عبر ممارسة قواه الإبداعية ـ سيحدد مصيره كمخلوق مميز، وأنه أيضاً عبر فشله في استغلال مواهبه الخاصة سيفقد شيئاً ما من حق ولادته الإلهي. وقد يتوقع تماماً رجل من المريخ ـ آخذاً في الحسبان التضمينات الظاهرة لقصة الكتاب المقدس ـ بعض هذه الاستنتاجات. ومع هذا فإن "العقيدة" التي تحدثنا عنها، والتي تصف الوضع الفريد للإنسان كمخلوق مبدع في عالم الإله، كان بطيئاً جداً في تشكيله. وعموماً، إنها نظرة حديثة للأشياء، وإنها تظهر لأول مرّة في الوعي الرومانتيكي معقولةً على نحو كامل. وفي الأزمنة القديمة ـ بما في ذلك السلسلة الكاملة للفكر المسيحي ـ لم ير الفلاسفة واللاهوتيون في الصورة المخلوقة للإله ما يوحي بوجود قوة إبداعية. ولدى الكثيرين فعلياً، كان الإله خالقاً أوحد، وصانعاً أوحد بأي معنىً جذري للكلمة. وقد تم تمييز الصورة الإلهية الكامنة في الإنسان بوصفها العقلي الإنساني، والقدرة الإنسانية على محبة الإله وإخوتنا من البشر، من دون امتلاك قدرة إلهية مماثلة. وخلافاً لهذه القاعدة فإن الشاعر والفنان سيظهران على نحوٍ أولي مقلدين، وعلى الرغم من أن المحاكاة تتطلب شيئاً من صياغة أو تشكيل ، فإنهما سيبحثان عن نماذجهما البدئية باتجاه نوع من ترتيب الأشياء التي سبق لها أن تأسست بإذن إلهي، أو أنها تعززت بفعل مقومات عملية طبيعية أكثر ديمومة. وأن الفكرة الرومانتيكية بخصوص القوة الإبداعية عند الفنان، كما تم التعبير عنها بين آخرين من قبل ويليام بليك، وبسّطها براوننغ في قصيدته "أبت فولغر"، هذه الفكرة التي تداولها اليوم أيضاً الفلاسفة الوجوديون، والمسرحيون، والروائيون، بأن الإنسان يمكنه بطريقة ما "صياغة نفسه"، ستبدو مضحكة ووقحة، إن لم تكن بالفعل مُدنَّسة، قبل أزمنة قريبة خلت نسبياً. ويمكننا أن نلخص ذلك بالإشارة إلى أنه في فترات الكلاسيكية والعصور الوسطى، كانت صورة الطبيعة البشرية الأكثر انتشاراً تعرض وإلى حدّ بعيد كائناً تابعاً مرغماً على قبول وضعه في الكون وما يفرضه هذا الوضع من واجبات، ومطيعاً للأوامر أو قابلاً لقيم ليست من صنعه أساساً. وتبدو الاستثناءات القليلة، كما هي حال السفسطائيين الإغريق، ممتعة لأنها قبل كل شيء تقف في معارضة الفلسفات السائدة، التي يمكن أن تكون أحياناً مرتبكة، لكن لا يمكن التغلب عليها. وقد سبق سكاليجر في عصر النهضة هذه الفكرة الرومانتيكية، وهو الذي أطلق على الشاعر أنه "إله آخر"، وكذلك تاسو، الذي اقتبس منه شيلي إلى درجة أنّه كان يعتبر الشاعر المبدعَ الحقيقيَّ الوحيدَ أكثر من الإله نفسه، وأيضاً بعض المتصوفة، ومن بينهم البروتستنتي جيكوب بوهم (توفي عام 1624م)، ويؤكدون أن الإنسان على اتصال مع الله في عملية الخلق الأبدية. لكن الحركة الحديثة، وبعيداً عن المزاج التقليدي للفكر، كانت حركة بطيئة جداً، وتنظر باستمرار للماضي باتجاه آراء أكثر محافظة. وهكذا حتى فردية وردزورث الإبداعية، التي تم التعبير عنها بحماس في قصيدته "المقدمة"، قد تعدلت في قصيدته "أنشودة الحب" وتراجعت في القصائد اللاحقة. على أية حال فإن فكرة الإنسان بوصفه مبدعاً ليست غائبة، وتتجه إلى مرافقة النزعة الإنسانية الحديثة، حتى إننا نجد في هذه الأيام احتراماً شعبياً واسعاً "للتفكير الخلاق" و"للنشاط الخلاق" بوجه عام. وتصل هذه النزعة إلى أوج نضجها في مراحل معينة من الفلسفة الوجودية الجديدة، حيث يوصف الخلق ـ الذاتي للإنسان بأنه غير خاضع لمعايير أو نماذج بدئية مثالية. وهنا فإن الطبيعة الإنسانية، بوصفها مناقضة لبنيتها التحتية الفيزيائية والبيولوجية، تتطابق مع الحرية الإبداعية، حيث نعرض نحن نسق الطبيعة الإنسانية الخاص بنا ونخلق سلوك حياة من اختيارنا. وتؤلف هذه الفلسفة نكراناً جريئاً للفكرة القائلة بأن الحرية الإنسانية هي دوماً خاضعة لسلطة مؤسسة مسبقاً، وللضرورة التاريخية، أو لقيود ميتافيزيقية، مع أنها أحياناً يمكن أن ترسم لنفسها صورة مضحكة، وذلك بردّها بعض اللاوجوديات إلى نوع من الحقيقة الزائفة. وبالنسبة إلى الوجودي فإن تخيلات كهذه تشكل جهداً لإخفاء حرّيتنا عن أنفسنا، وكي نتجنب المسؤولية التي تقتضيها. ويمكن للمسؤولية الإنسانية أن تأتي لتحرر الوعي الذاتي فقط ضمن أفق نظرة عالمية، لا يسمح لسلطة آمرة أن تفرض نفسها عليها دون شرط على الالتزام والقرار الإنسانيين. ويواجه الإنسان ذاته في عالم حيث "يموت الإله" حسب وصف نيتشة. وهكذا يمكن لجان بول سارتر أن يقحم بصعوبة حديث أنتيجون الرفيع الذي تسوغ فيه تمردها بمناشدة قانون أزلي للعدالة يتجاوز موقفها الخاص: لم أكن أعتقدُ أن مراسيمك كاملة القوةِ لتتحكمَ في القوانين الثابتة غير المكتوبة عن الله والسماء، لأنك إنسانٌ فحسب. فهي ليست قوانينَ الأمسِ أو اليوم، لكنها أبدية، مع أنه لا أحد منا يمكنه أن يعرف من أين أتت. أن أتجاوزها أمام الله. لا أستطيع. وبالمقابل، يمكننا أن نقيس ما يلي من رواية وجودية:(6) أسندتْ هيلين خدَّها إلى راحة كفها. وقالت: "قل لي لماذا نعيش؟". أنا لست واحدة من الرعايا الأنجليكان"، قلتها وبشيء من الارتباك. "ومع ذلك أنت تعرف لماذا تعيش". بسطت أصابعها وأخذت تنظر إليها بإمعان" لا أدري لماذا أعيش", "بالتأكيد هناك أشياء تحبها، وأشياء تريدها...". ابتسمت ."أحب الشوكلاه والدراجات الجميلة". "ذلك أفضل من لاشيء". أمعنت النظر في أصابعها من جديد؛ وبدت حزينة فجأة. "عندما كنت صغيرة آمنت بالله كان ذلك رائعاً؛ وفي كل لحظة من لحظات اليوم كان يُطلب مني شيء؛ بعدئذ بدا لي أنني يجب أن أوجد. لقد كان ذلك حقيقة مطلقة". ابتسمت متعاطفاً معها. "أعتقد أنك تخطئين عندما تتخيلين أن أسباب عيشك يجب أن تهبط عليك جاهزةً من السماء، بينما يجب أن نخلقها نحن لأنفسنا". "لكن حين نعلم أننا خلقناها بأنفسنا، لا نستطيع أن نؤمن بها. إنها طريقة نخلقها فقط لخداع أنفسنا". "إننا لا نخلق هذه الأشياء اعتباطاً من لاشيء إننا نخلقها عبر قوة حبنا وولعنا؛ وهكذا تقف مخلوقاتُنا أمامنا واضحة وحقيقة". إن الهوّة التي تفصل أفلاطونية سوفوكليس الأولية عن النزعة الإنسانية الخلاقة للوجوديين، تطرح الكثير من المشكلات أمام دارس تاريخ الأفكار. أيضاً عندما يميز الدارس الوضع الوجوديَّ عن موقع السفسطائيين القدماء، الذين طرحوا أن الإنسان الفرد هو "مقياس الأشياء كلها"، فإنه يواجه مهمة دقيقةً وخطيرة. ويقف الوجودي أقرب إلى أنتيغون منه إلى السفسطائي كما نصوره عادة. وإن القيم والمعايير التي يستدعيها الوجودي إلى الوجود ليست، كما هي الحال عند السفسطائي، تقويمات مفروضةً على نماذج من التصرف حسب مصالح الفرد الذي هو عاملٌ مساهمٌ ومراقبٌ في آنٍ معاً. إنه شيء مختلف تماماً. ولا يبحث الوجودي عن حماية مصالحه، أو يبرر سلوكاً تم إتّباعه مسبقاً، ويأمل إلى حدٍ ما، من خلال تفسير حالته الخاصة، أن يلتزم أو يشغل نفسه في مشاريع ستثير اهتماماته، وتدعمها بقوة وتحمّل كافيين لشخص وجوده الخاص على نحوٍ ذي دلالة. ولا يبحث عن تسويغ أو تعزيز، بل عن إدراك، أو خلق، وجوده الخاص(7). وإذا كان للفلسفة الوجودية اليوم أية قيمة دائمة، فإن ذلك يعود إلى أن عناصرها قد أكّدت على نحوٍ واضح الأهمية المركزية لوعي الفرد لذاته وحالته. وعلى الرّغم من جو الأصالة الفظّة الذي يحيط بالفكر الوجودي، فإن هذا الفكر قد اتّخذ مكانته عبر تراث طويل رافق تطور الفن والأدب والفلسفة في الغرب، وقد برز الفرد ببطء بوصفه مركزاً لقرار الوعي الذاتي من نسيج سلوك جماعة ثانوية، مثل الذي تم وصفه من قبل ليفي بروهل، ومن قبل بيرغسون في الصورة التي قدمها عن مجتمع مغلق(8). ويمكن وصف الضمير هنا على أنه إحساس بالعضوية في المجموعة التي يشق فيها وجوده الإنساني. وهكذا فإن الـ "نحن" تسبق "أنا" و"لي". وتحرز الضمائر المفردة دلالتها الكاملة فقط في أثناء مرورنا تدريجياً عبر الوعي القديم والقروسطي وصولاً إلى الوعي الحديث. وغالباً ما يكون مثل هذا التطور أخلاقياً ودينياً، من حيث دوافعه، ويظهر واضحاً في البروز المتزايد، والمرتبط بمواقف الضمير والإيمان. ويشمل كلاهما على اعتراف متزايد لذات تنبع حياتها الخاصة من إحساس بالمسؤولية. إن الشخصيات البطولية مثل برميثيوس وأنتيغون في التراجيديات العظيمة، ومثل سقراط على نحو ما يقدمه أفلاطون في "دفاع" و"كريتو" هي تأكيدات لاستقلال أخلاقي، وهي أساساً دينية بمدلولاتها، وتلقى احتراماً من مسيحيين ورواقيين. بعدئذٍ، يتحرك تدريجياً التوكيد المسيحي على الأهمية الأخلاقية في الدافع الداخلي، لسلوكنا، والإصرار المسيحي على الحاجة للإخلاص المطلق في قضايا الإيمان، على الرغم من السلطة الراسخة الجذور، وذلك نحو سيادة وعي الذات في حياة الفرد، وقد يقول قائل نحو بروز فردية وعي الذات. ويمكننا أن نحاجج في أن الفن والأدب لعدّة قرون يعكس بطريقة أو بأخرى تقدماً تدريجياً ومتذبذباً، على الأغلب، نحو تحقيق ذاتي للوعي والفردية المستقلة. وقد رسم كثير من الدارسين عصر النهضة على أنه عصر الفردانية بامتياز، مستندين إلى فرقٍ عميق ونوعي بين عصر النهضة والعصور الوسطى. وهكذا فإن د. أ. ترافيسي يفتتح دراسته عن شكسبير(9) مصرّحاً بأنه: كان إنسان العصور الوسطى مدركاً لمكانه المحدد في مجتمع راسخ الجذور، تأسس بقوة في كون حددت طبيعته ونهايته الفلسفة المسيحية؛ إن إشارات الإنهيار التي يمكن أن توجد عند تشوسر ولانغلاند ما تزال تنعكس لديهم عبر تأثيرات تركيبة العصور الوسطى. إن عملاً مثل "بيرس بلاومان"، يشبه "الكوميديا الإلهية"، فهو ليس تعبيراً عن فردٍ منعزل، بل عن إنسان تتحدث فرديته ضمن إطار اجتماعي، وفلسفي، وديني محدد. وكانت الحقائق السائدة في عصر شكسبير، المنظور إليه من وجهة النظر هذه، هدماً لهذا الإطار، واكتشافاً للذات المستقلة التي نقرنها عادة بعصر النهضة. وكانت النتيجة المحتومة امتداداً واسعاً للمصالح، ونقصاً مطابقاً لأي مفهوم روحي أو فكري، والتي يمكن ضبط هذه المصالح خلالها. ولا يستطيع أدب عصر النهضة، كونه يهتم باستكشاف هذا المفهوم الجديد عن الذات وإمكانياتها، أن يأمل بوجود تركيبة ملائمة من تجربته تستطيع أن تتجاوز ما هو شخصي. فما زال مصطلح شكسبير ونظرته تنتميان على نحوٍ واسع إلى العصور الوسطى، ولكن الانسجام أو النسق الذي نراه يبرز في عمله تدريجياً هو نسق شخصي بحت، وهو الأغنى والأعظم من نوعه يمكن أن يوجد. وقد لاحظ مرة السيد إليوت أن "دانتي وشكسبير قسما العالم الحديث بينهما بالتساوي: ولا و جود لقسم ثالث". وصحيح أيضاً أنهما قسما ما اختار السيد إليوت أن يطلق عليه، حسب أهدافه الخاصّة، تسمية "العالم الحديث" إلى قسمين: قسم العصور الوسطى التي سادت فيه تركيبة الإيمان والعقل، والقسم الحديث المحدد، الذي تم فيه استكشاف الإمكانيات الهائلة للاكتشاف الجديد للفرد على حساب تلك التركيبة. ومع ذلك يمكننا أن نناقش ـ على عكس ترافرسي ـ أن "اكتشاف" عصر النهضة للفرد هو حلقة من سلسلة تلك التبصرات، التي تمتد من المراحل البدائية للثقافة، عبر أعمال التراجيديين الإغريق، والفلاسفة الذين تبعوهم، حتى تاريخ أوروبا المسيحية. ولا يزال الباحثون والكتّاب المبدعون مهتمين معاً، كما في كل الاحتمالات، سيكونون ولأجيال قادمة، بهذه "الإمكانيات الهائلة"، حتى عندما يتحدون مثل إليوت، شيئاً مثل فكرة التعبير عن الذات الرومانتيكية، ويؤكدون على صيغة أكثر قدماً من صيغ الفردية ـ ألا وهي تحقيق الذات عبر التضحية. إن الفرق ـ وهو واضح مسبقاً بين سارتر وإليوت، وفي جميع أعمالهما ـ يمكن تلخيصه من خلال تفسيراتهما المتشعبة عن الفردية. وتبقى فردية إليوت ضمن إطار الفكر المسيحي، بينما تنكر نظرية سارتر وجود أي سلطة خارقة للطبيعة. ولدى سارتر، فإن كل التفسيرات والتقويمات تنبع من المبادرة الفردية الإنسانية، ولا يوجد وصية خارقة للطبيعة، أو عونٌ سخيٌّ للإنسان يأتيه من الأعلى. وهكذا لا يوجد معيار متفرد للقيمة، ولا فكرة أفلاطونية عن الخير، تعلو فوق الطبيعة والحياة الإنسانية. وبدقة نقول: ليس هناك نظام مؤسس يتطلب اعترافاً منا. فنحن نبسط آفاقنا ونحدد قيمنا الخاصّة. ومن الممكن أن نلاحظ ـ بصورة محصورة بين هلالين ـ أنه ليس من المحتمل أن يكون بإمكان فلسفة كلٍّ من إليوت وسارتر الهيمنة على حركة الفكر في القرن العشرين. وبالرغم من كونهما من سمات عصرنا فإنهما ليسا ثابتين ويدعوان للاعتراض. إن اللجوء إلى فكرة القوى الخارقة للطبيعة يزداد صعوبة باستمرار، ومن جهة أخرى فإن القبول بالاستقلالية الكاملة لشخصية الفرد الإنسانية تجربة صعبة للغاية. ومن المفهوم أنه لكي نواجه الحالة الإنسانية نحتاج إلى شجاعة لا يستطيع معظمنا أن يبديها لفترة طويلة. ويقر الوجوديون بأننا غالباً نخدع أنفسنا بقبول وجهة النظر التقليدية للأشياء، وبنظام القيم الجاهز، هاربين من مسؤولية تقرير مصيرنا، تلك المسؤولية التي تجعل وجودنا أصيلاً. ففي لحظاته الأكثر شؤماً تكلم سارتر عن هذا الفشل الإنساني بأنه محتوم فعلياً. إن تفكيراً كهذا ينتشر في الكثير من الأدب الحديث الذي يقوم على العبث العديم الجدوى للمأزق الإنساني. فالإله ميّت ولكن لسنا قادرين على العيش من دونه. وهذا الإدراك غالباً ما يكون مصدر الضحك المأساوي أكثر من كونه مصدراً للشفقة أو العطف، وهكذا فإننا نجد في التفكير والأدب الحديثين "المزاج الأسود" والميل نحو العبث نوعاً ما، وحتى الاستمتاع بإحباطات إنسانية، وهي من سمات العديد من الأعمال الروائية والمسرحية. ومن هنا فإننا نحتفظ بسلامة عقولنا فقط من خلال احتقارنا للحياة، ومع ذلك يبقى أمامنا البحث في حطام مثاليتنا، عن إمكانية خلاص معين، أو تحرر من خداع النفس، وسوف نستمر في استكشاف "الإمكانيات الهائلة" التي تفتحها اكتشافاتنا التدريجية للفرد. لنختتم نقاشنا، في علاقة الأدب بالأفكار، بإكمال المجموعة الثلاثية القديمة، المكونة من مفاهيم: الإله والإنسان والطبيعة، وقد درسنا مسبقاً الاثنين الأولين: الإله والإنسان. فقد خضعت فكرة الطبيعة لعدة تحولات خلال فترة تطورها الطويلة، منذ الأيام المبكرة للعلماء الكونيين الإغريق. فكلتا الكلمتين القديمتين: “physis” و”natura”، تدل على إشارة مبكرة إلى الخلق المبكر. فقد كان النظر إلى الطبيعة يتم على أنها ليست فقط عملية النمو، وإنما عملية الإنجاب والحمل أيضاً. وهكذا ففي الفكر البدائي كانت صورة الجنس تُستخدم بحرية لتصف أصول الأشياء التي تنشأ من اتحاد السماء والأرض. وهنا تنشأ فلسفة بدائية للأضداد بشكل واضح من ثروة مجموعة الأساطير التي تتعلق ببداية جميع الأشياء: الفوضى والكون السماء والأرض، النهار والليل، الحرارة والبرودة، الرطوبة والجفاف، والشاذ والنظامي. وتضع العدالة، أو القدر، الذي يتحكم بالخصوبة غير النهائية للطبيعة، الأضدادَ المتنافسةَ نصبَ عينيه، لكي ينتج عالماً نظامياً يتكرر بصورة دورية. وهذا واضح في الحركات الدورية النظامية للأجسام السماوية وفي انتظام الفصول حيث الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف مُقيّدة ضمن حدود، وهكذا فإنها تعطي مناخاً معتدلاً يضمن الحياة. وحسب فهمه وتصور بهذه الطريقة فإن نظام الطبيعة من جهة، والقيم الأخلاقية لانضباط الإنسان الذاتي، أو الاعتدال المفروض ذاتياً من جهة أخرى، يمكن النظر إليهما على أنهما ينشآن من أصل واحد إلى حدٍ ما. ويستجيب كل من الإنسان والطبيعة، يشكل ناقص ومتردد نوعاً ما، للتأثير الكوني نفسه. وتبقى هذه الفكرة قروناً. فلنتأمل أبياتاً من قصيدة ميلتون التي سمّاها "ممرات": ...ثم أصغي إلى تناغم أصوات النساء الأسطوريات المُغويات اللائي يجلسن على الكواكب المدوّرة تسعاً ويُغنين إلى أولئك الذين يحملون المجّزّاتِ القاتلةَ ويُدِرْن المغزلَ المقدودَ من صخرِ يُغزلُ عليه قدر الآلهة والإنسان هذا الإلزامُ الطيّبُ يعمل بشكلٍ موسيقيِّ ليهدهدَ لبناتِ الضرورةِ ويجعلَ الطبيعةَ الثائرةَ تعود إلى قانونها ويجرّ العالم السفليّ في حركةٍ نظاميةٍ وراءَ الأنغامِ السماويةِ. وقارنها بتشخيص وردزورث للواجب الذي "يعصم النجوم من الخطأ". ففي عالم كهذا يمكن القول مباشرة بأن الفن يقلّد ويكمل الطبيعة. ويمكن الافتراض بأن الفنان يفتن الميل أو النزعة الكامنتين في النمو الطبيعي، وليحررها من العيوب العرضية، ومن ثمَّ ليظهر المثل الأعلى؛ كيلا يتم تخيّله بشكل مختلف. وبهذه الطريقة يتم تغيير الهيئة الخارجية للإنسان في فن النحت الإغريقي، ولكن ما زال يتم تقديمها بصورتها الطبيعية الكاملة. ووفقاً لتفسير آخر، فإن الطبيعة يمكن أن تبدو وكأنها مستقلة، أو كأنها تُجسد في نفسها الانسجام الذي يقال أحياناً بأنه مفروض عليها. ثم تبدي الطبيعة للعيان حكمةً أو فعاليةً تفوقان حكمة الإنسان وفعاليته. فالحقيقة الكونية للنمو وتكيّف النظام العضوي لتعزيز الحياة لتبقى في بيئتها المناسبة لها، والقدرة الشافية للطبيعة، وصحة الغريزة، و"هندسة النسيج العنكبوتي" والجمال المعقد في الأشكال الحيّة كلها مميزة على أنها تبدي حكمة وروحاً، أو أنها الطاقة الكلية للطبيعة الحيّة، التي تناولها الكثير من الكتّاب، بمن فيهم شافتسبيري ووردزورث. وحتى أن الوعي الإنساني نفسه في اللحظات العفوية وغير المدروسة يمكن أن يُظن بأنه ينتمي إلى الطبيعة، بحيث أن الطاوي الصيني والرومانتيكي يرى أنه ليس من الضروري أن تكون أغنية الشاعر وأغنية الطائر على تناقض حادّ، بالرغم من أن الشاعر، على خلاف الطائر، يجب أن يعود إلى الطبيعة نابذاً اصطناعية تمدّنه. وبالنسبة إلى بعض الفلاسفة الرواقيين أنه حتى العقل الإنساني هو "طبيعي" لذلك فإن الطبيعة تمتص الإنسانية. وتشمل في هدفها كامل حياة الإنسان. وتنظر الطبيعة إلى الإنسان بوصفه حيواناً عقلانياً وعاقلاً. وكلمة "غير طبيعي" بطبيعة الحال ما زالت تشير إلى الخطأ الإنساني، وبها نُحاول أحياناً ـ على سوء حظنا ـ أن نفصل أنفسنا عن السلوك الذي أودعته الطبيعة فينا، تماماً كما في حالة الوالد أو الولد "غير الطبيعي" الذي يكتم العطف الذي ينشأ "بشكل طبيعي" في صدره، أو يتجاهل عن قصد النظام "الطبيعي" للأشياء التي تشمل حياة العائلة. وعلى أية حال فإنه ما زال هناك خطوة يمكن أن تؤخذ أحياناً عندما نفسر الطبيعة بهذه الطريقة. كتب مونتين في مقاله "حول المفيد والمشرف": إن بنيتنا العامة والخاصة مليئة بالعيوب. ولكن ليس هناك شيء عديم الفائدة في الطبيعة، حتى العقم نفسه. ولم يأت إلى هذا الكون ما ليس له مكان فيه. إن وجودنا مرهون بصفات ضعيفة؛ فالطموح والغيرة والحسد والثأر والخرافة واليأس تقيم فينا امتلاكاً طبيعياً، لدرجة أن صورتها يمكن تميزها أيضاً في البهائم. وحتى القسوة أيضاً التي هي رذيلة غير طبيعية، ففي وسط الحنو الذي نشعر به داخلياً، أنا لا أعرف ما الذي تحدثه الوخزة المرّة الحلوة للسعادة الحقودة في رؤية الآخرين يتعذبون، والأطفال يحسون بها... وكائناً من يكون، الذي يريد أن ينزع من الإنسان بذور هذه الصفات، فإنه سوف يحطم الظروف الأساسية لحياتنا. وبطريقة مماثلة، فإن جميع الحكومات توجد مكاتب ضرورية، وهي ليست ذئبية فقط بل شريرة أيضاً. ورذائلهم تجد مكانها، وهي مفيدة كي توحدنا، مثلما تكونُ السمومُ مفيدة للحفاظ على صحتنا. ومن هنا فالصرامة الأخلاقية الموجودة في المبادئ الرواقية التي لطّف منها مونتين ليقدم أخلاقاً من التسامح مبنية على اعتراف بالذكاء المطلق لاستراتيجية الطبيعة. ومع ذلك، فإن تمييزاً يحصل عادة بين الطبيعة والطبيعة الإنسانية، أو على وجه أكثر تخصيصاً، بين الطبيعة والوعي الإنساني الذي يتفحص الطبيعة، بل يحكمها أيضاً. وفقاً لذلك ففي الفكر القديم الذي حرّر نفسه من الأصول الأسطورية، نرى بأن الطبيعة physes في تناقض حاد مع العادة nomos، وكلاهما أيضاً مع طموحات وأهداف الفرد الإنساني. وتختلف الأعراف الإنسانية التي اعتقدها السفسطائيون الإغريق مسألة تقليد أو اتفاق، بما فيها المعاني المرتبطة بالكلمات عن الحياة "الطبيعية" للنبات والحيوان. وهكذا فإن الفرد الإنساني يواجه نمطين من البيئة، الطبيعة والاجتماعية، ونمطين من القانون. ويسر الرواقي في الإشارة إلى أن "القوانين" الطبيعية أكثر إحكاماً من قوانين العادات والتقاليد الإنسانية. ويمكن بالفعل تجنب هذه الأخيرة، مع الإفلات من العواقب، من قبل انتهازيّ ذكيّ مقنع. ولكن بما أن المزارع أو البحار أو الطبيب سيصادقون على هذه القوانين، فإنها ليست موضع ازدراء. وتنتزع الطبيعة عقابها بقسوة، وتأمر باحترام الفرد أكثر مما يستطيع المجتمع، أو الدولة، بالرغم من أبهتها ومظهر نفوذها، أن تقوم بما تقوم به الطبيعة. وبعد كل هذا، فقد صنع الإنسان فكرة الصواب والخطأ اللتين لا تجديان نفعاً إلا بوجود قوة تدعمها. وبينما يستمر هذا الخط من التفكير، نرى أن العدالةَ تعرَّف بأنها مصلحة الأقوى، أي مصلحة الفرد أو الحزب الذي يحكم. وهنا تظهر الطبيعة كنظام "واقع" يقف في مواجهة "قيمة" أو حتى "هدف" فكلمة "الطبيعة" تعني الأشياء الموجودة وطريقة سلوكها. وبهذا تُعنف الطبيعة ضمنياً عاطفية أولئك الذين سيتجاهلون القضايا تحت اسم مثاليات أو أهداف. وغالباً ما يستغل الرواقيون المؤيدون لسياسة القوة، هذه الأفكار لمصلحتهم. ولكن بالنسبة لنمط معين من التفكير، فإن هذا الاعتراف بالضرورة الطبيعية يتخذ وقاراً حقيقياً، ويمكن مقارنة هذا القبول بالإذعان المسيحي. ونذكر بفلسفة سبينوزا، وبأبيات كيتس في قصيدة "هيبريون" تعادل ما بين الحرية الشخصية أو السيادة، مع قدرتنا على تصور الظروف بهدوء. وعلى أية حال فإن تفسير المسيحية للطبيعة مختلف جوهرياً . فالطبيعة تسلم سلطتها وغايتها إلى الله الذي يُخضعها إلى الإنسان. فقد خلق الله الطبيعة كبيئةً ملائمة لحياة الإنسان، ويمكن وصف سمات نظام الطبيعة بأنها هبة من الله إلى الإنسان، الذي يُحضّر الله له ملكاً واسعاً. وبهذا تظهر الطبيعة كبركة مفعمة بالمواد الخام، أو كمستودع للمواد المفيدة تترقب مزاج الإنسان لينظمها. ويمكن الخطر فقط في أنَّ الإنسان يمكن أن ينسى مصدر الهبات، بسبب شدّة افتتانه بها، وفي جو عفوي من الرجاء ونكران الجميل، ويمكن أن يتجاهل حالته الخلقية والقاصرة. ولذلك فإن المفكر في القرون الوسطى خائف من الاهتمام الكبير بالطبيعة، إلا إذا فسّر ذلك بأن الطبيعة تبيّن مجد خالقها. ومن نواحٍ أخرى، هناك إصرار، بأن إشباع الإنسان باهتمام كهذا لن يدوم. وهذا السلوك ليس مقتصراً على القرون الوسطى على الإطلاق. تأمل على سبيل المثال قصيدة هربرت المسمّاة "البكَرَة": عندما خلقَ الإلهُ الإنسانَ أولَ مرّة، أخذَ كأساً من النعمةِ كان على مقرُبةٍ، قائلاً: فلنَصبَّ عليه كلَّ ما نستطيع: لندع ثرواتِ العالم المتبددة، تتقلص إلى شبر واحد. كان أول من شقَّ طريقه القوّة، تبِعَها الجمالُ، ثم الحكمةَ، ثم الشرفُ، ثم السرور: ثم بقي كل شيء تقريباً في الخارج إلا الله، الذي يدرك بأن كنوزه كلها يبقى منها فقط ما هو في الأسفل. وقال: لأنني إذا كنت قد منحت هذه الجواهر إلى مخلوقي، فإنه سيعبد هباتي بدلاً من أن يعبدني، وإله الطبيعة له يبقى في الطبيعة. ولهذا كلاهما خاسرٌ. لذا دعه يحتفظ بالبقية، ولكن يحتفظ بها بقلق وتذمر: دعه يصبح غنياً وضجراً، بحيث على الأقل، إذا لم تَقُدهُ الطيبة، فلعل القلق يقذف به إلى صدري. لقد اتخذ الاهتمام بالطبيعة مظهراً جديداً في العصور الحديثة. إذ لم نعد قانعين بمجرد التمتع بثمار الطبيعة التي نجدها أمامنا. وتنامى شغفنا بإخضاع الطبيعة لإرادتنا. وقد سعى الأوروبيون عبر بيكون وديكارت علمياً إلى توجيه العملية الطبيعة حسب المبدأ الأساسي في أنه بإمكاننا السيطرة على الطبيعة، أو تحويلها من خلال الخضوع لها. وهكذا أصبح التنبؤ بالظواهر الطبيعة، والسيطرة على السياقات المتعاقبة السببية، الشغل الشاغلَ للعالم الذي يرى في انتظام العملية الطبيعية إمكانية تحويل بيئتنا. وهو لم يكن بحاجة إلى الوقوف عند هذه النقطة. كما لم يعد هناك أية حاجة لاعتبار الطبيعة البشرية استثناءً. وقد تم في النهاية تفسير أنظمة الأسباب والنتائج التي غدت واضحة للطالب الباحث على أنها تحتوي ليس فقط الطبيعة بمفهومها الأقدم، بل السلوك الإنساني أيضاً كما وجد الإنسان نفسه منغمساً في الحتمية التي أشار إليها ديكارت بوصفها المميز الوحيد للعالم المادي. وهنا نصادف انعطافاً متعارضاً للفكر. وقد أقنعته ـ بعد فترة وجيزة ـ الحتمية السببية، التي شجعت الإنسان منذ ظهورها الأول على التفكير بأنه سيد الطبيعة، وهو نفسه ليس إلا جزءاً من الطبيعة، وهو نفسه، يخضع فكراً وفعلاً لسير القانون الدائم للسياقات السببية المتعاقبة، التي لم يبدأ العمل بها نفسه. وهناك شيءٌ جليلٌ حول هذا النظام الشامل للسببية، الذي وقف أمامه العقل الحديث أجيالاً متعاقبة في شعور ممزوج بالإعجاب والفزع. ويجمع فهم الطبيعة على هذا النحو بين نظام الكون القديم والاتساع المطلق للكون الحديث. وتحمل النتيجة هنا دلالةً أخلاقية معينة فهي تحضُّ على التواضع. وهكذا، بالنسبة إلى ميرديث فإن الشيطان نفسه سيقف مرتبكاً أمام جلال الحتمية الكونية، "جيوش القانون الذي لا يتحول". وتظهر الضرورة هنا بوصفها رياضية أو نيوتونية من حيث الطراز. كما تُظهر الطبيعة دقةً بالغة مثلها مثلُ الأداة التي تقيس الزمن. ولم تعد الطبيعة تبدو كأنها "ممرضة داخلية"، إنها نظام الظواهر الثابتة. فكل الأحداث مهما كان نوعها "تطيع" قوانين الطبيعة. وتنشأ أزمة واحدة عند هذه النقطة، والتي تحول مرة أخرى فكرة الطبيعة. وتفقد "الطاعة" معناها الأصليَّ منذ أن يغيب نقيضها. إذ لا يوجد من الأحداث أبداً ما "يعصي" القانون الطبيعي. لهذا كانت المناظرة مبتذلة تماماً. فالطبيعة ليست أكثر من نظام للظواهر التي تستنفد نظاميتُه وسكونيتُه وميكانيكيتُه معناه. وبذلك، تصبح الطبيعة كلياً غير إنسانية، وبعيدة، وغير مبالية حيال ما يهمنا من أمور. وفي علم الأحياء الدارويني، تمنح "الطبيعة الأم" الاصطفاء الطبيعي، مجازاً لتوضيح الحقيقة الصارمة: أنه في الصراع من أجل البقاء يتم بصورة حتمية إلغاء العضويات والأنواع الأضعف. إنه الحيادية الباردة للعملية الطبيعية، حتى لو كانت "حمراء الأسنان والبراثن"، هي إلهام مُخبِل أكثر منها مثيرة، والتي حاول كثير من كتاب القرن التاسع عشر جاهدين الهرب منها مثل الشاعر تينسون. إن بعض الجهود المبذولة للهرب من مفهوم (الطبيعة غير المبالية)، يقودنا إلى صعوبة جديدة. فقد يوحي هذا الأمر بان الاصطفاء الطبيعي ليس مسألة ميكانيكية. ولعلّ الطبيعة بطريقة ما "تفضل" فعلياً الأقوى، أو على أية حال، تسوغ فكرة أن القوة هي غاية في ذاتها. وقد تسمع هنا أصداء للأخلاقيات الصوفية. إن بقاء الأقوى يفرض معياراً للقيمة، كما أن القانون تستحوذ عليه الطبيعة من جديد، وإن تكن طبيعة بثياب القرن التاسع عشر. لذلك تبدو هنا أخلاق التواضع والمحبة الأخوية المسيحية بوصفها "غير طبيعية". وبالتأكيد إن مملكة السماء ليست في هذا العالم، الذي تقوم فيه الحياة أولاً وأخيرا ً على التنافس. ويمكن للمرء، عند هذه النقطة، أن يتبنى استراتيجية نيتشه التي تحتفي بتحويل القيم. أو يمكن أن يتخذ موقف الروائي "الطبيعي" الذي يكمن قصده في الوصف، وربما في الشرح، ولكن ليس في التقويم. ويكون هنا مثال الشخص الطبيعي مثالاً فكرياً بصورة أولية. وتتحدى الطبيعة الفنان والعالم كليهما في أن يقوما بالوصف والشرح. ولا محل للتقويم هنا. وإن القيام به هو محض إدعاء. ولا يزال هناك إمكانية أخرى. إذ إننا بعملية رفض فكرة الطبيعة بوصفها ممثلة للقيمة، يمكننا أن نؤكد أن القيم والتقويم لا يكمن في الطبيعة، بل في الضمير الإنساني. وهكذا نأتي على جهود متنوعة في التأسيس لنوع من النزعة الإنسانية ستُميز بوضوح بين الطبيعة الإنسانية وبين أصلها "الطبيعي"، وبيئتها، وبنيتها الفرعية. ويمكننا أن نتذكر النزعة الإنسانية لدى إرفينغ بابيت ومبدأ الضمير، أو "المراقبة الداخلية" فيها الذي يبدو أنه مارس تأثيراً حقيقياً في الأدب الحديث، وخصوصاً عبر تلميذ بابيت، ت. س. إليوت. أو يمكننا دراسة فلسفة الوجوديين مرة ثانية، والذين بالنسبة إليهم تكون الذاتية الإنسانية متميزة كلياً عن نظام الطبيعة. وحسب هذه النظرة، فإن طريقة الفرد في التفكير في نفسه تبدلت فعلياً، وحتى تخلق، أسلوبه الخاص في الوجود. ولكن باختصار شديد، فإن الإنسان ليس "قطعة من طحلب، أو ملفوف، أو سكينة ورق"؛ إنه بدقة ليس نوعاً من الأنواع أو نموذجاً من النماذج، كما أنه ليس منقسماً إلى أنساق، إنه حر، مثل (آدم أوف بيكو ديلا ميراندولا) في اختيار موقعه، وفي تصنيف نفسه، وفي قبول مستقبل، وفي اتخاذ واجبات. فالفرد "يوجد من خلال قراراته والتزاماته. إن مثل هذا الوجود ليس مسألة عادة، أو أمر اعتيادي؛ إنه ليس مسألة قبول خيارات جاهزة؛ كما أنه ليس مسألة خضوع للقانون: إنسانياً كان، أم طبيعياً، أم سماوياً. ولا يمكن مراقبته من الخارج، كما أنه لا يتبع نموذجاً محدداً مسبقاً، مع أنه يصوغ نموذجاً خاصاً به. إنها الذاتية الإنسانية، وهي نفسها لا تشبه شيئاً آخر في هذا العالم. وحسب توجهها هذا، تقف الوجودية بوصفها رفضاً مطلقاً لطبيعة القرن الماضي. وقد لاحظنا فيما سبق أن المفهوم الوجودي للذاتية الإنسانية تفتح خطاً في التفكير، قد يضع الفرد أمام صعوبات جديدة، ويمكن لهذه الصعوبات أن تجلب تهديداً لإحساسه بكيان كامل روحي هائل، تماماً مثل ذلك الكيان النابع من خارج الطبيعة. ولعلَّ الأمثلة المذكورة أعلاه، المختارة بصورة عشوائية تقريباً، تكون كافية كي تنوّه للطالب بوجود منهج ممكن لدراسة الأدب، منهج قد يتبين منه ثروة من الأفكار موجودة في كل حقبة، وتركيبة معينة، أو تباين في الأفكار يميز كل حقبة عن غيرها. وسيجد الطالب الدارس أفكاراً من نوع أو آخر وثيقة الصلة بكل مؤلف يتناوله بالدراسة. ويجب قبول ذلك طبعاً دون تأكيد أن وجود فكرة مهمة في عمل مؤلف ما، لا تعزز في ذاتها قيمة مساهمته. ومن ناحية أخرى، فإنه من الصعوبة بمكان أن نتحدث بفطنة عن قيمة قصيدة أو رواية ما من دون بعض الإشارات إلى أفكار تعبر عنها. وإذا اتبعنا تقاليد كانت بوصف القيمة الجمالية التي تكمن في تناغم الفهم والإحساس معاً، يمكننا أن نحاجج، وعلى نحوٍ مثابر، أن التآلف مع الأفكار التي يتضمنها العمل، أو تتصل به على نحوٍ واضح، هو أمر مهم يساعد في عملية التقويم النقدية. وبالتأكيد فقد وجد كثير من الدارسين أن هذه هي الحال، كما أنه لا يستطيع أي باحث أو ناقد أن يتجاهل بصورة كاملة الأفكار التي فتنت مخيلة المؤلف الذي يقوم بدراسة أعماله. وبعد هذا كله، فإن دراسةً مثل هذه لا تملك إلا أن توسع عواطفنا الإنسانية، وتدعم بصورة كاملة والتر باتر في اعتقاده الجدّي أنه "ما من شيء أبداً كان قد أثار اهتمام البشر الأحياء، من رجال ونساء، يمكن أن يفقد حيويته بصورة كاملة". ملاحظات 1 ـ ر. ج. كولنغوود، موجز تاريخ الفن (لندن، 1925)، ص 98 ـ 99. 2 ـ ر. ج. كولنغوود، فكرة التاريخ (لندن، 1948)، ص 252. 3 ـ سيجد الطالب أن نظرية الفكرة ـ الوحدة مطروحة بصورة وافية في أعمال كتّاب مثل أ. و. لفجوي وجورج بواس. انظر على نحوٍ خال كتاب لفجوي "سلسلة الوجود العظمى" (كمبردج، مأساشوستس، 1936)، ص 3 ـ 24. مع أنني لا أستطيع قبول نظريتهم، إلا أنني أعترف بأن ممارسة هذه النظرية غالباً لا تتأثر بالعيوب الموجودة فيها. وعلى أية حال، فإن مصطلح "الفكرة ـ الوحدة" خطر ويمكن أن يؤدي غالباً إلى تضليل الطالب بسبب معناه المجازي التعيس. مع هذا يعد كتاب لفجوي "سلسلة الوجود العظمى" عملاً كلاسيكياً في مجاله، ويجب أن يقرأ من قبل أي شخص يهمه تاريخ الأفكار والعلاقة بين الفلسفة والأدب. ويمكن إتباع هذه الدراسة بقراءات من أعمال أقل تقنية حول تاريخ الفلسفة, ومن أجل قائمة مصادر توصيفية يمكن الاطلاع على كتب مثل: ن. ب. ستلكنخت و ر.س. برومبو، روح الفلسفة الغربية (نيويورك، 1964)، ص 511 ـ 530؛ وكتاب ويلك وورين، نظرية الأدب، الفصل العاشر. وسيكون من الطيب أن يقوم الطالب المبتدئ بدراسة كتاب إيتين جيلسون، إعداد، تاريخ الفلسفة، 4 مجلدات (نيويورك، 1962 ـ 1963)، والطبعات المتداولة من كتاب كرين برنينتون، رجال وأفكار، وكتاب جون هيرمان راندال، تكوين صناعة العقل الحديث. 4 ـ صدرت في السنوات الأخيرة دراسات رائعة كثيرة حول كيفية انعكاس، الأطروحات العلمية المقبولة حديثاً في فترة معينة، في أدب الفترة نفسها. وتعد دراسات البروفيسورة مارجوري هـ. نيكلسون حول تأثير علم فلك وفيزياء القرن السابع عشر الجديدين ضمن أبرز الأبحاث في هذا المجال. فقد قدمت فيهما جديداً حيوياً للتوجيه الفضائي، وللمسافة والقياس، التي أعقبت الثورة النظرية في الفلك، واستخدام المنظارين البعيد المدى والمجهري. وتم إدراك هذا التوجه الجديد تدريجياً، والذي استطاع الظهور بأشكال مختلفة في أعمال مؤلفين كثر، على سبيل المثال: ميلتون ودَن، وسويفت، وبوب ضمن الكتاب البريطانيين البارزين. ولكن، في كل حالة لم تكن الحقائق المكتشفة حديثاً أو الأطروحات المؤسسة حديثاً هي نفسها التي التقطت المخيلة الأدبية "ووجهت الإلهام"؛ وإنما هي العلاقة بين اكتشافات معينة أو وجهات نظر وبين عقيدة عالمية ذات منشأ فلسفي، أو حتى أسطوري. وقد بذلت البروفيسورة نيكلسون قصارى جهدها للتأكيد على ذلك، انظر خصوصاً كتابها "العلم والمخيلة". وبقدر ما تؤثر الأفكار العلمية في الوعي الذاتي للفرد، عبر إعادة صياغة توجهه في العالم، وفهمه لمصيره الخاص، ستكون مقبولة في مخيلة الكاتب الجاد. وإذا كانت خلاف ذلك فإن دلالتها تكمن على نحوٍ أولي في قيمة تسليتها، بوصفها غرائب، وطرق تتردد في رواية الخيال العلمي العادية. وفعلياً، قد يكون من الأفضل أن نطلق على الرواية العلمية الفكرية اسم "الرواية الفلسفية"، ويبدو ذلك صحيحاً في حالة رواية ألدوكس هكسلي "عالم جديد شجاع". وعلاوة على ذلك، عندما يصبح للبحث العلمي أهمية عظمى ويحتل مكانة مرموقة، فإن مشكلات العالم الشخصية والمهنية، باعتباره فرداً وإنساناً، يمكن أن يكون لها جاذبيتها لدى الروائي. إن رواية سنكلير لويس "صانع السهام" وروايات سي. ب. سنوهي أمثلة جديرة بالدراسة. ولكن من الواضح هنا أن الحالات الموصوفة والمشكلات المطروحة هي أخلاقية أكثر منها علمية صرفة، من حيث الطبيعة. 5 ـ انظر، أفلاطون، فيدروس، ص 264، وأرسطو، فن الشعر، 7/ 1450. 6 ـ سيمون دو بوفوار، دم الآخرين (باريس، 1945)؛ والترجمة مأخوذة، مع تبديلات ثانوية في الجمل الأخيرة، من النسخة الإنكليزية التي أنجزها روجر سينهاوس، ويفون مويس (نيويورك، 1948)، ص 83. 7 ـ إن تطبيق هذه الفكرة على نظرية المأساة مثير للاهتمام. ويمكن من وجهة النظر هذه دراسة مسرحية سارتر، الذباب، وهي اقتباس وجودي لقصة إلكترا. فهنا نجد المعايير الكلاسيكية للقيم معكوسة على نحوٍ جريء. وبذلك يصبح الاستقلال البالغ من جانب الفرد فضيلة. انظر، ألبرت. دبليو. ليفي، الفلسفة والعالم الحديث (بلومينغتون، 1959)، الفصل العاشر، "مسرحية الاختيار: كارل جاسبرز، وجان بول سارتر". 8 ـ هنري بيرغسون، مصدر الأخلاق والدين، ترجمة ر. أ. أودراوسي. بريتون (نيويورك، 1935)، الفصل الثاني. 9 ـ د.أ. ترافرسي، منهج لدراسة شكسبير (غاردن سيتي، نيويورك، 1956)، ص 10 ـ 11. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |