|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
العلم في البيئة المثالية مساواة، تعددية وصراحة ـــ بقلم: أشيز ناندي ـ ت.هدى الكيلاني لم يعد العلم ـ وخاصة العلم الحديث ـ المغامرة الأكبر بالنسبة للجميع، ولا حتى للكثير من المحترفين الملتزمين. ويعتبر العلم الآن وبشكل رئيسي (حتى بالنسبة لأولئك المخلصين) فائدة مكتسبة، سلعة، مهنة، أو حتى ملكية وطنية، في حال كان أولئك المخلصون يملكون أيضاً نزعة وطنية تتسم بنكران الذات. بدأت عظمة العلم تخف بالتدريج بعد أن بلغت أوجها في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، متجاوزة المخاوف الناجمة عن المعجزات العلمية التي كانت نتاج الحربين العالميتين. لم يعد كما يبدو مقدراً للعلماء أن يكسبوا عالماً: بل يبدو أنهم عازمون على خسارة ذلك العالم، العالم الوحيد المتوفر لنا الآن. رغم أن فئة من سواد الناس وبعض الطبقات الكهنوتية في العالم المعاصر ـ وخاصة تلك الفئة التي يمكن أن تدعى المؤسسة العلمية للعالم الثالث ـ ما تزال تصفق للرؤية العالمية العلمية المعاصرة، إلا أن هذا التصفيق، بالنسبة للعلماء ذوي الحساسية المرهفة والجمهور المثقف، غالباً ما يكون مصدر إرباك. برزت هذه الشكوك حول العلم بطريقة "خاطئة". فبالنسبة لأولئك الذين يتعرضون لقوة العلم الكاملة أتت المخاوف جزئياً من الشعور المتزايد بهيمنة العلم المعاصر على المخطط الكوني. ونادراً ما يثير الدعم الفكري للعلم الآن التخيلات التي كانت شائعة منذ أربعين عاماً خلت: بأن العلم الحديث ما هو إلا التعبير الذاتي لأقلية منشقة في مجابهة مواقف الأغلبية المعادية للعلم. وقد كسب العلم الحديث معركته ضد أعدائه، والذي يحكم العالم الآن هي مفاهيم العلم العقلانية ونظرية المعرفة. وبالتزامن أصبحنا ندرك ـ ولو ببطء أشد ـ أن الهيمنة الاستبدادية للعلم الحديث قد حولت معظمنا إلى وضع جديد من التبعية. ففي حين تُخضِع البنى المجردة للرؤية العالمية العلمية المزيد والمزيد من المناطق لسيادتها أصبحنا مدركين بأننا نُجرّد من شيء من المتعذر استعاضته ولا يقدر بثمن، ذلك الشيء الذي كدنا ـ بشكل متناقض ـ ننسى أن نقدر قيمته. ألا وهو حقنا كأفراد في تعريف العالم من حولنا، وكذلك حقنا كأفراد أن نعلن بعض مجالات الحياة كحدود بعيدة عن متناول الجماعية. وفي حين يؤكَّد على حق مذهب الشك(1) في نظام عبودية جديد، نجد أن دور العلم هو نظام قوة، يفسر بشكل جائر أن العلم نظام معرفة. وهكذا هناك أحاديث كثيرة حول مناطق من العالم حُرمت من التمتع بثمار العلم؛ وهناك وعي جديد بالنتائج الثانوية الخطيرة للعلم الحديث. لذا تعرضت كل من العلاقات الاجتماعية وتطبيقات العلم لهجوم مباشر. ومع ذلك هناك جهل كامل أو جزئي في العالم غير الغربي بالصورة الذاتية الجديدة للرجل التي أقرها العلم الحديث أو للمبادئ الأخلاقية الجديدة ولصورة العالم التي أوجدها. لذا ينشد العلم ـ وفق هذه الخطة ـ أن يجعل العالم "بطريقة شرعية" متجانساً، ويحطم الصورة البديلة للعالم على أنه مقيد، جائر و(حسب تعبير ماكس فيبر) مسحور من الناحية الاجتماعية. في الدول المحرومة من "الفوائد الكاملة" للعلم الحديث برزت الشكوك الأخيرة بشكل مباشر نتيجة التحرر المتزايد من سحر التكنولوجيا الحديثة. بالنسبة للكثيرين، تعتبر التكنولوجيا الحديثة الآن غير قادرة على توفير السلع؛ وهذا العجز جعل فجأة دورها في العنف والاستغلال البشري أكثر وضوحاً. وقد انقلب الإنسان المعاصر، كالحيوان المثير للشفقة الذي وصفته ماري شيللي، على معلمه الخاص، التكنولوجيا الحديثة، وعلى ما يعتبره مساعدها الأول، وهو العلم الحديث. هناك بالتأكيد مسوغ ما لهذا الإدراك، إذ تقريباً منذ الثورة الصناعية، والعلم يدعي شرف الابتكارات التكنولوجية التي كانت سمة العالم الجديد، رغم أن العديد من مؤرخي العلم والتكنولوجيا المتميزين لم يتوانوا عن تكرار أن مجالات التقدم في العلم والتكنولوجيا كانت في معظمها مختلفة. إلا أن هذا الادعاء أصبح له الآن أثر رجعي. فبعد أن توطدت العلاقة بين العلم الحديث والتكنولوجيا، تسعى ثقافة العلم الحديث لنفي هذه العلاقة. ففي حين يتعرض الصرح العظيم للتكنولوجيا الحديثة للخطر بتزايد العداء ضده، بدأ العلم الحديث يتخلص من دوره الذي يدعي فيه أنه مؤسس التكنولوجيا الحديثة؛ ربما هناك مبرر شعري لهذا الانقلاب في الأدوار، إلا أن الهجمات الأخيرة على العلم باعتباره تكنولوجيا تركزت على ما يمكن أن يفعله العلم وملحقاته، وليس على ماهيته. هل يمكن إنقاذ العلم من هذا الإقرار الذي يستحقه على أنه ملحق بالتكنولوجيا الحديثة, وتقييمه كنظام معرفة اجتماعية؟ هل يمكن لتقييمات العلم أن تتجاوز انتقادات العلماء ذوي المصالح الشخصية، والتطبيقات العنيفة والقاتلة للبيئة والسيكوباتية(2) للعلم؟ هل يمكننا أن نعيد دراسة القيم الأساسية للعلم، لنرى من أين بدأ الخطأ، ونتخيل ثقافة بديلة للعلم بإطار معياري مختلف؟ لا يمكننا أن نبدأ بالإجابة على هذه الأسئلة قبل أن نحلل مبادئ التسلسل الهرمي والسلطة التي تحكم الثقافة الحالية للعلم؛ وإلى أن ندرك ذلك ما تزال هذه المبادئ تستمد قوتها من بعض الافتراضات الأخلاقية والمدركات الأساسية للعلم الحديث. النقطة الأكثر أهمية في العلم الحديث هي عجزه عن تعريف نفسه باعتباره أحد الأعراف العديدة للعلم. رغم أن بعض العلماء ـ مثل بيتر ميداوار ـ ذكروا أن العلم الحديث بحد ذاته يتضمن أعرافاً متنوعة، وأن الواقع لم يكن على الإطلاق جزءاً من المخيلة الذاتية للعملاء حتى أنهم لا يرغبون أن يضمنوا الأعراف غير الحديثة للعلم ضمن ما يسمى ملكية العلم... من الناحية الفنية، يميز العلم الحديث شكلين آخرين من العلم: العلم الكلاسيكي، والعلوم التقليدية غير الغربية، أو ما يطلق عليه الباحثون في علم الإنسان: العلوم العرقية (الأنثروبوجيا). يُنظر إلى الأول على أنه العلم التقليدي في الغرب، والجدّ الأعلى للعلم الغربي المعاصر الذي لم يعد له وجود. بينما تعتبر الأخرى أبناء عم العلم الحديث المساكين الذين ما يزالون على قيد الحياة. ويحظى كل من العلم التقليدي والعلوم العرقية (الأنثروبولوجيا) بالاحترام. يُحترم الأول باعتباره جهداً رائداً، والثاني باعتباره تقديرات تقريبية مقبولة للعلم، أخفقت للأسف في أن تقف في وجه العالم العلمي القاسي والدنيء والقذر، ولكنه رغم ذلك عالم واقعي يتصف بالتشويه والواقعية والدجل والقوة. ومع ذلك، لا يحظى كل من العلم الكلاسيكي أو العلوم التقليدية بالاحترام باعتبارهما ثقافات علمية متنافسة، تملك الأخلاق ونظريات المعرفة الخاصة بها. بل ينظر إليها كروافد للنهر الكبير الذي يدعى العلم الحديث. وكل الميزات التي كانت موجودة في العلم الكلاسيكي، تتوافر أيضاً في العلم الحديث. وكل الميزات التي يمكن أن تكون متوافرة في العلوم التقليدية يمكن أن تندمج تدريجياً في العلم الحديث، كما تبرهن على ذلك معرفتنا الإنسانية بالعلوم غير الغربية. يبدو أن العلم الحديث يقبل مرغماً بالتعددية الثقافية في عالم العلم، ولكن فقط إلى الحد الذي يمكن أن يتوافق فيه مع التسلسل الهرمي. يمكن تشريع هذا التسلسل الهرمي وفق مبادئ الشمولية والتراكمية. إذ تقول هذه المبادئ إن العلم الحديث هو العلم الصحيح لأنه شمولي. وكل ما تقدم في عالم العلم يصبح برمته فائضاً، ويندمج في كل ما هو لاحق. إذا كان هناك شيء شمولي وتراكمي، فللبدائل الحق في الوجود ولكن ليس كأنظمة بديلة للعلم. تعتبر مثل هذه الرؤية حصيلة ثانوية للفكرة التي تنظر إلى العلم على أنه عملية نقترب من خلالها أكثر نحو واقع الطبيعة. فإذا كان هناك طبيعة حقيقية بمنأى تماماً عن الذاتية البشرية، وإذا كانت النظريات العلمية المختلفة تتنافس على التقرب من ذاك الواقع، فلا بد من وجود نظرية ما تكون بشكل موضوعي أفضل من سابقاتها. وحالما يصبح هذا التعريف للعلم مقبولاً، فهذا يعني بوضوح أن جميع العلوم السابقة ليست مختلفة عن العلوم اللاحقة وحسب بل أيضاً أدنى منها منزلة، وقد استبدلت بما خلفها. اليوم كل ما كان بعيداً عن مجال التفكير أصبح قابلاً للتفكير فيه. ففي البداية، تراجع الاعتقاد بأن العلم هو نتاج خالص للمعرفة البشرية. ومجرد التفكير بأننا نناقش ونجادل التخطيط العلمي والأبحاث والتنمية التكنولوجية فإن هذا يعتبر مؤشراً للاعتقاد المشترك بأن (وهذا الاعتقاد متروك للمزاج العلمي للعلماء) أسلوب الإبداعية العلمية لن ينسجم مع العقل أو الأخلاق البشرية. إلا أن جملة كبيرة من المعلومات والمعطيات بدأت تقترح بأن نص العلم، بالإضافة إلى مضمونه، قد تم تحريفه من قبل قوى ثقافية ونفسية طويلة الأجل. من سوء حظ أنصار العلم الحديث أنهم وجدوا أنفسهم في وضع لا يحتمل، وذلك عندما قدم العلم الحديث بحد ذاته برهاناً علمياً يظهر أنه ليس مشروعاً ثقافياً عقلانياً سليماً. إن إيديولوجية العلم الحديث هي التي لا تسمح للعلماء المعاصرين بالاعتراف بذلك. إذ يتوجب عليهم أن يعتبروا أن نصوصهم سليمة، ونصوص الآخرين غير صالحة. وإذا ما نبذت مبادئ الشمولية والتراكمية، يمكن عندئذ للصورة السائدة للعلم الكلاسيكي في الغرب أن تتغير أولاً. إلا أنها ستعمل حتماً على تغيير صور التقاليد الحية للعلم في مناطق أخرى من العالم. وبالتأكيد في حال أنك قبلت بالعلم الحديث على أنه فقط علم عرقي (أنثروبولوجيا) تمكّن، بدعم من قوته السياسية والاقتصادية، من أن يضع العلوم العرقية الأخرى في زاوية حرجة وأن ينشر العلم الكوني الوحيد، فإنك بذلك تتحدى القواعد الأساسية لثقافة العلم القائمة. إن مثل هذا التحدي يدلّ ضمناً على أن العلم الحديث يمكن أن يخضع للاختبار والانتقاد ليس كونه علماً وحسب، بل باعتباره العلم العرقي في الغرب المعاصر الذي خضع للتقاليد المتوارثة على مدى الأربعمائة عام الأخيرة باعتباره أحد ثوابت الحياة. ولم تعد هذه المذاهب شرطاً ضرورياً للعلم الوحيد الفعال الذي يجب يوماً ما أن يخلف جميع العلوم الأخرى ـ إذا دعت الحاجة ـ وذلك بدمج جميع النقاط الفعالة، والمعلومات المتوافرة والدراسات المتبصرة الفعالة. بالإضافة إلى تلك العناصر في الصورة الذاتية للعالِم المعاصر، التي صادقت على تدني العلوم الكلاسيكية والعرقية، فقد شُرِّعت القوة السياسية للعلم المعاصر وفق مبدأين معياريين آخرين. ويشبه هذان المبدآن، اللذان يقرران بشكل حاسم العلاقة بين العلوم الحديثة وغير الحديثة، إلى حد كبير القيم المرتبطة بالنسخة المترجمة للديانة المسيحية في الغرب المعاصر. المبدأ الأول هو الفصل الواضح بين "نحن" و"هم": بين الفاعلين والمفعول بهم في العلم والتاريخ، بين المختار والوثني و"غير المتمدن". ويتطابق هذا الفصل مع بعض الأضداد الأخرى المعروفة. فالجميع يعرف أن بعض التعابير مثل: "لا عقلاني" أو "خرافي" هي شتائم مختارة ضمن وجهة النظر العالمية العلمية المعاصرة، وقد أقرت أفكار ما بعد حركة التنوير الفلسفية حول شياطين الجنس البشري الجديد الخوف من اللاعقلاني، أو الأسطوري أو الوهمي. وفي ثقافة العلم الحديث، لا تُشرّع هذه الفروق بمعنى ترتيب "طبيعي" مدرك للبشر؛ إنما بمعنى ترتيب "غير طبيعي" قدمه بعض الأشخاص الهمج الذين إمّا أنهم سيئون لدرجة يعادون فيها العلم، أو أنهم على درجة من الغباء لا يسعون معها للوصول إلى نعمة العلم الحديث. الأمر الذي يجيز لهذا العلم أن يكون قاسياً تجاه كل من لا يؤمن بمعتقداته، وتجاه كل الأنظمة التي لا تقبل بهيمنته. يتبع مبدأ الفصل مبدأ الهداية. ولن تكتمل وجهة النظر العالمية العلمية الحديثة ما لم تتضمن مناداةً واضحة لروح علمية أعظم ومحاولة لإخضاع مجالات أوسع من الحياة لسيطرة العلم. ويعود سبب معظم العداء الذي ولّده العلم في الغرب منذ القرن الثامن عشر وفي الشرق منذ القرن التاسع عشر إلى هذه النزعة نحو الإجمالية. حتى لدى المتحمسين للعلم الحديث أمثال هـ.ج ويلز، كان هناك استياء غامض بأن العلم الحديث هو مؤسسة واحدة تبدو غير محدودة في مجالها وطموحها في آن معاً، واعترفت ـ على الأقل ـ بعض رواياته بذلك. وفي حين يقرّ العلم الحديث بأنّ لنظرياته قابلية تطبيق محدودة، إلا أنه ينسب لنفسه ـ كنظام ـ قابلية تطبيق غير محدودة. هذه النزعة الإجمالية هي التي جعلت من العلم الحديث حليفاً موثوقاً لمبدأ الفاشستية في القرن الماضي... تشكل البنية الداخلية للعلم تهديداً للبقاء البشري أكبر من تهديد التكنولوجيا الهدامة، إذْ لا يوجد علاقة تذكر بين القيم المعلنة للعلم، التي لخصها بشكل جديد كل من كارل بوبر وروبرت مِرتون، وبين مبادئه التطبيقية. فيؤكد إيان ميتروف أنه في العلم الشائع تستبدل بالقيم التي نادى بها مرتون مجموعة من القيم المناقضة. والواقع أن الاعتقاد بأن تلك القيم المعلنة التي توجه العلم الشائع هو بحد ذاته مصدر غموض رئيسي في هذا العلم. تعتبر الفوضى القائمة بين القيم باعتبارها مُثلاً عليا أو باعتبارها بنى ناجمة عن العمل بنداً أساسياً في ثقافة العلم الحديث، وسبباً هاماً لتبلد المشاعر والنزعة التبشيرية الساذجة لدى من يمارسون العلم. لهذا أُلقي الضوء بشكل ثابت على مبدأ التسلسل الهرمي الذي يطبقه العلم الحديث على التقاليد البديلة للعلم: كالتسلسل الهرمي بين العلماء والعلمانيين، وبين العلم وأنظمة المعرفة الأخرى. فماذا يعني العلم العرقي بالنسبة للعلم الحديث، وماذا يعني العلماني أو العالِم غير المعاصر بالنسبة للعالِم؟ الجواب: مادة أساسية، وموضوع بحث واختبار، ومرحلة مبكرة لتاريخ نمو العالِم الخاص. لا بد من تأكيد التسلسلين الهرميين من خلال قوة دنيوية: الأول القائم بين العلماء وعامة الناس والثاني بين العلوم الحديثة وغير الحديثة. ولقد شعر الكثيرون بالقلق من ميل العلم الحديث للاقتراب من السلطة السياسية ليصبح خادمها. وأصبحت صيحات الاحتجاج المؤلمة التي أطلقها عدد من العلماء البارزين ضد هذه الرابطة رمزاً ثقافياً رئيسياً في زماننا. إذ لم يسئ عدد كبير من السياسيين الميالين للتحريض، وتجار الحرب والشركات المتعددة الجنسيات إلى حد كبير استعمال العلم الحديث وحسب، بل إن العلماء المعاصرين، بعد أن اكتشفوا تناغماً طبيعياً في المصالح، عمدوا إلى استخدام البنية الإمبريالية بشكل "صحيح" و"عقلاني" في عالم الاقتصاد السياسي. وإن لم يكن العلم الحديث وثيق الارتباط بالسلطة السياسية لا يمكنه أن يحافظ على نفوذه الحالي في عالم المعرفة. يمكن أيضاً قراءة الصدام الذي حصل بين الكنيسة والعلماء في فترة ما بعد القرون الوسطى على أنه صراع بين الكنيسة والعلم الحديث: للحصول على سيطرة أكبر واقتراب أكثر من سلطة الدولة من جهة، وعلى حق احتكار علم الكونيات في العالم المسيحي الغربي من جهة أخرى. ومهما دام تعدد الاتجاهات فقد انتهى بعد أن ربح العلم المعركة ضد الكنيسة في القرن التاسع عشر، واصبح مهنة بحق. وما يدعو للغرابة، بعد تأكيد نظرية النسبية المتعلقة بالزمان والمكان المطلقين في عالم ما بعد آينشتاين، وعندما صار لعلم الكونيات الشمسي ـ المركز والأرضي ـ المركز قيم "حقيقية" متساوية، نجد أن الكنيسة هي التي احتلت المقام الأول في التاريخ. فقد طالبت الكنيسة على الأقل بقبول النظرية على أنها فرضية، على عكس غاليليه الذي طالب "بشجاعة" بقبول مبدأ النظرية على أنه حقيقة. يعتبر المذهب العقلي والحركة الإنسانية التي سادت في عصر النهضة أساساً لعلم الأخلاق العلمي الحديث. وعملت المبادئ، التي أعطيت للعلماء، كضوابط داخلية ووسائل لإصلاح الذات على مدى قرنين تقريباً، إلا أنه مع نمو الروابط الوثيقة بين العلم والتكنولوجيا ومبدأ التصنيع منذ القرن الماضي ـ مع ازدياد التنظيم والتوجيه الإداري للعلم ـ أصبحت هذه المبادئ غير وافية بالغرض على الإطلاق. وأصبحت المركزية غير المفكرة ـ التي أخذت دور الحركة الإنسانية في الآلية الفكرية الشائعة للعلم الحديث ـ تهديداً حقيقياً للحضارة البشرية وللاستمرار الفعلي للأجناس البشرية. ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود قلق واسع النطاق تجاه تلك المبادئ وإدراك لا بأس به لقلة كفاءتها، إلا أن هذا القلق أو الإدراك لم يحدثا انتقادات داخلية يمكن أن تعتبر أساسية، مع وجود بعض الاستثناءات. وقد قام بعض العلماء "المتزنين"، بعد أن واجهوا أزمة طبيعية، بترديد ما تعلموا أن يروه حقائق علمية خالدة. ومن إحدى هذه الحقائق التسلسل الهرمي لفروع المعرفة، المرتبط بالنظرية الفرعية للتقدم العلمي. ألمّح هنا إلى الحد الذي يفصل بين ما يسميه ج.ر.رافيتز العلوم "الناضجة" والعلوم "الخام"، وبين ما يسميه توماس كون ـ في سياق آخر ـ العلوم النموذجية والعلوم ما قبل النموذجية. ويشكل هذا الانقسام تقريباً الأساس لجميع الكتابات المعاصرة حول تاريخ العلوم وعلم الاجتماع المتعلق بها. ويعلن رافيتز ثانية وبشكل دقيق مبدأً تصنيفياً قديماً. ووفق هذا التصنيف، تأتي العلوم الناضجة في المقام الأول، تلك العلوم التي "نجحت" باعتبارها علوماً مميزة، مثل علم الفيزياء وعلم الأحياء. أما العلوم الخام فهي التي لم تحقق ذلك، مثل علم الاجتماع والعلوم السياسية. ومن المتوقع أن تتمكن العلوم الخام ـ مع الوقت ـ من مجاراة العلوم الناضجة في المضمون والسياق، فتحظى بذلك باحترام أكبر. تهدف هذه النظرية الفرعية للتقدم العلمي وهذا البحث الشامل عن اليقين في زماننا إلى الإنقاص من قيمة العلوم. واليوم وبينما تتعرض العلاقات الاجتماعية والأرباح التكنولوجية للعلوم الناضجة إلى الانتقاد، تبقى البديهيات الأساسية في مأمن منه. وفي الوقت نفسه، نجد أن أولئك الذين يتعاملون مع مضمون هذه العلوم قدم منحوا فعلياً حرية كاملة في تحديد المسؤولية الاجتماعية للعلماء. ونتيجة لذلك، حصل العلماء المتزنون على فرصة للتعبير عن رأيهم في ثقافة العلم أو أخلاقه، أكبر من تلك التي حصل عليها الدخلاء أو الضحايا الذين تأثروا بالعلم بشكل مباشر. فمن وجهة نظر أولئك العلماء المتزنين، لا يتوجب على طبقة العلماء أن تشترك بالمسؤولية في دور العلم في المعاناة البشرية مع النظام الرأسمالي المتطور، أو مع الشركات المتعددة الجنسيات أو مع فاشستية القرن العشرين، أو حتى مع أي من الأوغاد المشهورين، بل يتحمل العلماء كامل المسؤولية في دور العلم في تحقيق السعادة البشرية. فمن الذي سيمنح الجمهورية الألمانية أو النظام الرأسمالي الأمريكي الفضل لإصداره نظرية النسبية أو رعايتها؟ بالطبع يعود الفضل في ذلك إلى آينشاتين. وبالمقابل من يتذكر أسماء العلماء الذين اكتشفوا القنابل الغازية التي استُعملت في معسكرات الاعتقال النازية؟ بل يقع كل اللوم في ذلك على الدولة النازية والصناعيين الألمان. كذلك يحقق التسلسل الهرمي للعلوم الناضجة والخام هدفاً أكبر كان أبراهام ماسلو أول من حدده. إذْ يتيح للمرء تحديد العلم بمعرفة تامة. يقول ماسلو لتوضيح فكرته: (هناك نوعان من التسلسل الهرمي للتقييم في العلم... الأول هو التسلسل الهرمي للمعرفة المنظمة. والثاني هو التسلسل الهرمي لأهمية القضايا التي يختارها المرء للتعامل معها. والأشخاص الذين اختاروا التعامل مع القضايا البشرية الحاسمة والمستعصية هم الذين أخذوا على عاتقهم مصير البشرية). بفضل فكرة نضج العلوم، سيطر التسلسل الهرمي الأول على ثقافة العلم وهمّش التسلسل الهرمي الثاني. وبذلك، لم يتم إقصاء الدراسات الفلسفية والإنسانية من عالم العلم فحسب، بل جرد العلم من المصادر المتوافرة للنقد الداخلي التي يمكن أن تساعد على خلق علم جديد؛ يمكن أن يعتبر نفسه علم الطبيعة وعلم الوعي الاجتماعي في وقت واحد، أو فلسفة الطبيعة، وفلسفة الطبيعة البشرية أيضاً. لا بد لرؤية بديلة للمعرفة من أن تعترف بهذه الحدود للعلم الحديث، وتبدأ بإعادة تقييم بعض من الأفكار العالمية "التمهيدية" التي سعى لأن يحل محلها. ومن المحتمل أن بعض العلوم التي لم يعترف بها العلم الحديث والتي تصر على رفضها تلك القيم التي ينادي بها، تريد أن توصل لنا فكرة أنه يمكن استخدامها كبدائل لبعض جوانبه. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، يجب أن لا نكتفي بالاعتراف بالانتقادات الواضحة والصريحة في العلم الحديث في القطاع الحديث بل أيضاً بالنقد الكامن والخفي للعلم في التقاليد البديلة له وفي أساليب الحياة غير المعاصرة. تتوفر اليوم عدة أوصاف للأنثروبولوجيا (علم الإناسة). تتراوح من الغامضة والخفية إلى شديدة العملية من تصنيف معمل نافاهو(3) إلى الطب النفسي والعقلي للأفارقة الذين يعالجون بالدين. ومن استكشاف الذات ذات التوجه اليوغي في التغذية الاسترجاعية للأحياء إلى علم الهندوس لنظام العقل والجسم. أما فيما يتعلق بالمضمون أيضاً، تتنوع العلوم العرقية (الأنثروبولوجيا) من العلوم ذات الشكل الميكانيكي واعتبار الإنسان سيد الطبيعة إلى العلوم السلمية والمحايدة. وفي الواقع، ليس هناك من مبرر لإنكار وجود بعض العلوم العرقية، في بعض مناطق العالم الأقل انفتاحاً، التي تؤمن بالافتراضات الأساسية للثقافات القديمة التي تناسب إلى حد كبير العالم المعاصر. ووفقاً للبعض تبرهن هذه التداخلات على عظمة مثل تلك الحضارات ـ إلا أنها ـ بالنسبة للبعض الآخر، يمكن أن تكون مصدراً للقلق. أنا لا أبرر تقديم دفاع شامل عن العلوم غير المعاصرة باعتبارها التصميم الوحيد لثقافة بديلة للعلم، بل أقدم دفاعاً انتقادياً عن هذه العلوم, باعتبارها أنظمة مهمّشة تحمل تفصيلات عميقة لعلاقة بديلة بين العلم والمجتمع. ويجب أن يستهل هذا الدفاع بإدراك الحقيقة التي تفيد بأن العلوم التقليدية، بالرغم من اختلافاتها الأساسية، تشترك بموقعها السياسي في عالم المعرفة الذي يتسم بالضعف، والانعزالية والانغلاق. لذا يجب أن لا يأخذنا التأكيد على العلوم التقليدية بعيداً عن الأزمة الحالية للعلم، بل يمكن بالتأكيد أن يساعدنا على توسيع نطاق خياراتنا فيما يتعلق بمستقبل العلم. لا ينبغي لهذه التعددية أن تجزئ المعرفة العلمية، بل على النقيض، يمكن التوصل إلى التحام هادف في ثقافة ديمقراطية للعلم فقط على أساس استمرار الحوار بين تقاليد العلم المختلفة. إن وجود تفهم لحدود ولغة التقاليد المختلفة للعلم ـ مع وضع مفهوم المساواة بين العلوم خارج محيط المذهب النسبي الثقافي ـ يفسح المجال أمام انتقاد ثقافي وتقييم لعلم الكونيات الذي يضم العلوم المتنوعة. وتتضمن المساواة هنا احتراماً إدراكياً متساوياً لكل تركيب عرقي للمعرفة باعتباره محاولة تحمل في طياتها قواعد بيئتها. إلا أنها لا تتضمن قبولاً أخلاقياً غير مشروط لجميع العلوم. وبطريقة مماثلة، لا يعني الاستقلال غياب السيطرة من قبل ثقافة العلم الحديث وحسب، بل يعني أيضاً منح شرعية أوسع لكافة الجهود لبناء لغات متبادلة فيما بين الأنثروبولوجيا، لكي تتمكن من التواصل فيما بينها من جهة ومع العلم الحديث من جهة أخرى. لقد ذكر هنريك سكوليمسكي أن العلم كان في وقت من الأوقات تجسيداً للكرامة البشرية، إلا أنه أصبح الآن عاراً على الكرامة البشرية. ويمكن أن نضيف إن العلم الحديث قد أصبح الآن أيضاً وسيلة لتجريد أجزاء واسعة من العالم من كرامتها. ولاستعادة تلك الكرامة، لا بد من التأكيد أنه إذا كان للعلوم غير الحديثة قيمة تذكر فهذا ليس لأنها يمكن أن تترجم إلى لغة العلم الحديث وتصبح مقروءة، وليس لأنه يمكن تفسير بعض جوانب العلوم غير الحديثة على أنها "عقلانية" عندما يُنظر إليها كجانب من علم شعبي يعيش في بيئة خاصة على سطح الكرة الأرضية، وليس أيضاً لأنها تملك في بعض الأحيان بعداً عملياً واضحاً، كما هو الحال في عالم الوخز بالإبر، أو لأنها تنسجم مع الاهتمامات العابرة للغرب المعاصر، كما هو الحال مع علم نفس الزِن(4). إذ لا يمكن استرداد كرامة العلوم العرقية (الأنثروبولوجيا) إلا عندما نقوم نحن بتغيير وجهة نظرنا العالمية العلمية، لتتكيف هذه العلوم فيها، وذلك ـ على الأقل ـ بمعناها الخاص. إن تعريف العالِم المعاصر لحريته الشخصية بسيط جداً، إذ يجب أن يُسمح له بالذهاب إلى حيث يأخذه علمه. ويرتكز هذا التعريف على افتراض أن الخيال العلمي للعالِم ـ في حال حصل على حريته واستقلاله الكامل ـ سيكون مبدعاً وأخلاقياً في آن واحد. إلا أن المئة عام الأخيرة من العلم الحديث أثبتت زيف هذا الافتراض. إن إقصاء التدخل الديني لم يمنح العلم حرية أكبر، بل حثّ العلماء على البحث عن سلطات جديدة وبشكل طوعي. ولم يكن التاريخ الأخير للعلم الحديث تاريخ دولة تتدخل في العلم، بل هو تاريخ العالِم المعاصر الذي ينشد رعاية الدولة ويسعى لإقحامها في صلب العلم، سواء بشكل مباشر أو من خلال خضوعه للقيم المهنية التقليدية. من المتوقع الآن وجود دعوة "لزعزعة استقرار العلم"، "لإقامة" انفصال ـ كامل قدر المستطاع ـ بين العلم والحكومة في الدول كافة". ومن المتوقع أن تكون النتائج شديدة الاختلاف عن تلك التي حصلنا عليها نتيجة فصل العلم عن الدين. وسيجد العلماء المعاصرون رعاة جدداً ومؤسسة جديدة يقدمون لها الولاء. أما المشكلة فتكمن في مكان آخر لم يعد العلماء فئة متديّنة من المجتمع المعاصر ـ كما كانوا حتماً في السابق ـ بل أصبحوا الآن نتاجاً اجتماعياً للعصر الحديث. فما سبب هذه العبودية التطوعية؟ رغم الأفكار الدعائية، إلا أن وضع العالم في المجتمع الحديث لا يحظى بالأمان. ويوجد في وجهة النظر العالمية المعاصرة تناقض أساسي نشأ فيها بشكل تدريجي. فهي من ناحية تؤمن بالعلم، ومن ناحية أخرى تنكر إنزال عقوبة على أي شيء جمالي، حدسي، فلسفي أو لا يهدف إلى منفعة. لقد ذكرت في البداية أن العلماء المعاصرين سعوا طويلاً للحصول على شرعية كونهم متعهدي التكنولوجيا. وكان لا بد أن أضيف أنهم أُجبروا على فعل ذلك من قبل مجتمع لا يملك عقلاً علمياً بل توجهاً تقنياً. وفي الغرب المعاصر يبدو العلم النظري بالتأكيد علماً يسعى وراء مواضيع أنثوية وطفولية، وهو بذلك يتنافى مع أسلوب حياة الرجل المثالي. وقد تورط في ذلك أقل من خمسة بالمئة من العدد الإجمالي للعلماء. ولا عجب أن عدداً كبيراً من الدراسات السيكولوجية للإبداع التي تمت في الخمسينيات والستينيات أظهرت أن أهم صفتين رئيسيتين للعالم المبدع في الغرب هما: "الميل نحو المواضيع الأنثوية" و"النزعة الطفولية". إن أية رؤية لعلم مستقبلي لا بد من أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الانتقاص من قيمة العالِم وذلك في مجتمع ارتبط بالعلم بشكل جليّ وقام ببناء رؤية متحررة له أيضاً. وقد ذهبت الجهود المبكرة التي بُذلت في سبيل ذلك في اتجاهين. النوع لأول جعل العلماء يتبعون بعض مبادئ التفوق القديمة بشكل صريح ـ كالطريقة التي قضى فيها نيوتن جزءاً كبيراً من ساعات عمله في متابعات تتعلق بعلم اللاهوت. وعلى الرغم من أنه فصل بشكل صريح هذه المتابعات عن علمه، إلا أنه كان مقتنعاً بأن علمه يطابق تأملاته اللاهوتية. وقد تمثلت النسخة الجديدة لهذا الوضع بأولئك العلماء المتزنين الذين يحاولون ـ من خلال عملهم ـ أن يبرروا بعض أشكال الدين، أو الروحانية أو الفلسفة التقليدية. ومن العلماء المشهورين في هذا السياق في زماننا هذا: جيمس جينز وفريتجوث كابرا، وكلاهما سعى ونجح في إيجاد تطابق في جوانب العلم الحديث ووجهات النظر التقليدية. ويتجلى رد الفعل المعاصر والقياسي لهذا الوضع في فصل العالِم إلى نوعين: الأول العالم سليم العقل وهو المقبول؛ والثاني العالم المشوش التفكير، الغامض جزئياً الذي لا مناص من التسامح معه لسبب بسيط وهو أنه لا يوجد رجل كامل. وفي التأريخ التقليدي للعلم يوجد شخصيتان لنيوتن: أولهما العالم العظيم، والثاني رجل الدين الذي يملك أفكاراً شاذة عن معاني العلم. وفي زماننا هذا لاقى العلماء الذين تعمقوا في دراسة علم السياسة والنقد الاجتماعي أو فلسفة العلم المصير ذاته. من ناحية أخرى، حاول رد الفعل هذا تقييم الأشخاص، النظريات الفكرية، وأساليب التجربة أو البيئات المثالية بالرجوع إلى العلم ـ وذلك لإضفاء منزلة جديدة للمقيّمين. على سبيل المثال، رفض بعض العلماء والقادة الاجتماعيين في الهند خلال القرن التاسع عشر الكثير من العلم الحديث. إلا أنهم برروا الكثير من الممارسات التقليدية التي تتم بمساعدة العلم الذي رفضوه. بحث الثيوصوفيون(5) في فترة ما قبل الحرب في أوروبا بشكل مثير للشفقة عن نظريات جديدة ونتائج بحث العلم الحديث وذلك بسبب نقصه وتحجره وميكانيكيته. ففي زماننا هذا، تدّعي بعض الحركات كتلك التي تشكلت حول التأمل المبهم حق المطالبة بأشكال مذهب التأمل، بدلاً من المطالبة بأن هذه الأشكال هي أفضل أساليب التأمل، أو أكثر الأشكال الإنسانية لعلم السحر، ولإعطاء مثال أكاديمي آخر, حاول بعض علماء علم الإنسان الاجتماعي أن يظهروا أن الأساطير هي أسلوب من أساليب المحادثة العلمية، بدلاً من أن يحاولوا فهم العلم المعاصر على أنه شكل من أشكال الأسطورة. حتى بالنسبة للنقاد، أصبح العلم المعاصر معياراً مطلقاً أو مقياساً للحقيقة. تحدد النموذج الثاني لتحرر العلماء بالجهود الجزئية للعديد من العلماء ليصبحوا نشيطين على المستوى السياسي والاجتماعي. وكان لهذا النموذج أثر كبير على الاتجاه السائد للدراسات الاجتماعية لدرجة أن هذه الدراسات ركزت بشكل رئيسي على النظام، وعلم الاقتصاد وسياسات العلم الأكاديمية؛ واستثنت عقل العالِم وسياسات العلم كأسلوب حياة. ونتيجة لذلك، انفصلت المقالات النقدية للعلم عن المقالات النقدية للطبيعة المهنية للعالِم. إلى حد أنه إذا لم تتأثر الحياة المهنية للعالِم بنشاطه، فهذا من مصلحته، ويحظى بالإعجاب لأنه بقي عالماً "حقيقياً" رغم وعيه السياسي. هذا الانقسام يخفض من قيمة العالِم النشيط سياسياً واجتماعياً إلى منزلة المنشق المتميز ضمن النظام، بغض النظر عن تمزيق المعرفة البشرية والفردية. يصبح مثل هذا النشاط ـ بمفهوم فرويد تبريراً للحياة المهنية اليومية، وللانسجام مع القيم التقليدية للعلم. إن أي خطة لتحرير العالم يجب أن تبدأ بهجوم: ليس على وضعه الطبقي أو وضعه الاجتماعي فحسب، بل أيضاً على ثقافة العلم الحديث التي تسيطر عليه بطريقة تملكية شاملة ويجب على المعرفة المتحررة أن تمثل تواصلاً بين الوعي الذاتي وإدراك العالم، وبين الالتزام بالعلم على أنه تفسير للحقيقة وباعتباره علم جمع الأساطير. لا يمكن لمثل هذه المعرفة إلا أن تؤمن بالعلم على أنه شكل من أشكال الوعي النقدي الذي يتفحص بحذر، كأي نظام آخر للمعرفة النقدية, "الحقائق" القائمة ـ ليظهر أنها ليست الحقائق التي يُعتقد بأنها موجودة. هذا بالطبع يشابه تعريف أنازرا كوماراسوامي للفن التقليدي على أنه يهاجم المعتقدات التقليدية. هذه القيمة السلبية للعلم هي بحد ذاتها التي تقيم علاقة متبادلة لا بل تخترق الثقافات ومدارس العلم. وتعترف هذه الدراسة أن العلم ما هو إلا نوعية تفكير وشكل من أشكال علم الجمال، بدلاً من أن يكون شيئاً أو مجموعة من الأشياء المادية أو أي شيء آخر. وتعتمد هذه الدراسة على الاعتقاد بأن العلم كنوعية تفكير يمكن إغناؤه بإشراك حالات العالِم الطبيعية سواء العلمية أو غير العلمية، وليس بمساعدته على فصل نفسه إلى عالِم وكائن بشري. المرجع: BAYEN, A STORY INDIA International center, winter 2001 (1) مذهب يقول إن المعرفة الحقيقية أو المعرفة في حقل معين غير مؤكدة. (2) المضطربة عقلياً. (3) نافاهو: فرد من قبيلة أثاباسكان الهندية تعيش الآن في أريزونا. (4) فرقة بوذية تؤمن بأن في ميسور المرء أن ينفذ إلى طبيعة الحقيقة عن طريق التأمل. (5) معرفة الله عن طريق الكشف الصوفي أو التأمل الفلسفي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |